← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والشَّعيرُ، والبُرُّ، والتَّمرُ، والملحُ كيليٌّ، والذَّهبُ، والفضةُ وزنيٌّ أبداً، وإن تُرِكا فيها ويحمل في غيرِها على العُرْف، فلم يَجُزْ بيعُ البُرِّ بالبُرِّ متساوياً وزناً، والذَّهبُ بجنسِهِ متساوياً كيلاً كما لم يجزْ مجازفةً. واعتبرَ تعيينُ الرِّبا في غيرِ صرفٍ بلا شرطِ التقابضِ ففي النَّسيئةِ أحدُ البدلينِ معدوم، وبيعُ المعدومِ غيرُ جائزٍ، فصارَ هذا المعنى مُرجِّحاً لتلك الشُّبهة فلا يحلّ، وفي غير النَّسيئةِ لم يعتبرْ الشُّبهةُ لما قلنا أن الشُّبهةَ أدونُ من الحقيقة، على أن الخبرَ المشهور، وهو قوله ﷺ : «إذا اختلفَ النَّوعانِ فبيعوا كيف شئتُم بعد أن يكونَ يداً بيدٍ» (١) يُؤيِّدُ ما قلنا. وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ الجنسُ بانفرادِهِ لا يُحَرِّمُ النَّسأ. (والشَّعيرُ، والبُرُّ، والتَّمرُ، والملحُ كيليٌّ، والذَّهبُ، والفضةُ وزنيٌّ أبداً، وإن تُرِكا فيها) (٣): أي وإن تُرِكَ الكيلُ في الأربعةِ المتقدِّمةِ، والوزنُ في الآخرين؛ لقولِهِ- ﷺ : «الحنطةُ بالحنطةِ» (٤) الحديث، (ويُحْمَلُ في غيرِها على العُرْف، فلم يَجُزْ بيعُ البُرِّ بالبُرِّ متساوياً وزناً، والذَّهبُ بجنسِهِ متساوياً كيلاً كما لم يجزْ مجازفةً. واعتبرَ تعيينُ الرِّبا في غيرِ صرفٍ بلا شرطِ التقابضِ)، المعتبرُ في بيعِ الأموالِ الرَّبويَّةِ أن يكونَ المبيعُ معيَّناً، حتى لو لم يكن معيَّناً كان سَلَمَاً، فلا بُدَّ فيه من

стр. 737

وجازَ بيعُ الفلسِ بالفلسينِ بأعيانِهما، واللَّحمُ بالحيوانِ، والدَّقيقُ بجنسِهِ كيلاً، والرُّطبُ بالرُّطبِ وبالتَّمر شرائطه، وإذا لم يُوجَدْ شرائطُ السَّلَمِ كان العقدُ بيعاً غيرَ سَلَم، فلا بُدَّ من التَّعيين، فلا يُشْتَرطُ التَّقابضُ في المجلسِ إن لم يكن صرفاً، حتى لو كان صرفاً يشترطُ. وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يشترطُ التَّقابضُ في المجلسِ في بيع الطَّعامِ سواء بيعَ بجنسِهِ أو خلافِ جنسِه، هذا في الأموال الرَّبويَّة. أمَّا في غيرِها إن لم يكن معيَّناً، فإن كان ممَّا يجري فيه السَّلَمُ، فإن وُجِدَ فيه شرائطُ السَّلَمِ يصحُّ بشرائطِهِ بطريقِ السَّلَمِ، فان لم تُوجَدْ يَفْسُدُ البيعُ، وإن لم يَجْرِ فيه السَّلَمُ يفسُدُ البيعُ لعدمِ التَّعيين. (وجازَ بيعُ الفلسِ بالفلسينِ بأعيانِهما): خلافاً لمحمدٍ ﵁، له أنَّ الفلوسَ أثمانٌ فلا تتعيَّنُ بالتَّعيينِ فصارَ كما إذا كان بغيرِ أعيانِهما، وكبيعِ الدِّرهمِ بالدِّرهمينِ. ولهما: أن ثمنيتَها بالاصطلاح، واصطلاحُ الغيرِ لا يكونُ حجَّةً على المتعاقدينِ، وهما أبطلا ثَمنيَّتَها؛ لأنَّهما قصدا تصحيحَ العقد، ولا وجه له إلا بتعيِّنها وخروجِها عن الثَّمنية، لأنَّها إذا خرجتْ من الثَّمنيةِ تكونُ أعيانُها مطلوبةً لا ماليّتَها، فيمكنُ أن يُعْطي فلسينِ ويأخذَ فِلْسَاً طلباً لصورتِه. (واللَّحمُ بالحيوانِ): خلافاً لمحمدٍ ﵁ فإنَّ عنده إذا بيعَ الحيوانُ بلحمِ حيوانٍ من جنسِهِ لا يجوزُ (البيع إلا إذا كان اللحم) (٢) أكثرَ من لحمِ ذلك الحيوان؛ ليكونَ الزَّائد في مقابلةِ السَّقْطِ، وعندهما يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّه بيعُ الموزونِ بما ليس بموزون (٣). (والدَّقيقُ بجنسِهِ كيلاً، والرُّطبُ بالرُّطبِ وبالتَّمر): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمَّا عندهما وعند الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ لا يجوزُ إن نَقَصَ الرُّطَبُ بالجفاف.

стр. 738

والعنبُ بالزَّبيبِ، والبُرُّ رطباً أو مبلولاً بمثلِه أو باليابسِ، والتَّمرُ، والزَّبيبُ والمُنْقَعُ بالمُنْقَعِ منهما متساوياً، ولحمُ حيوانٍ بلحمِ حيوانٍ آخرَ متفاضلاً، وكذا اللَّبَنُ، وكذا خلُّ الدَّقْل بخلِّ العنبِ، وشحمُ البطنِ بالإليةِ أو باللَّحْمِ، والخبزُ بالبُرِّ أو الدَّقيقِ، أو بالسَّويق وإن كان أحدُهما نسيئةً، وبه يُفْتَى (والعنبُ بالزَّبيبِ، والبُرُّ رطباً أو مبلولاً بمثلِه أو باليابسِ، والتَّمرُ … (١)، والزَّبيبُ والمُنْقَعُ (٢) بالمُنْقَعِ منهما متساوياً): والدَّليلُ في جميعِ ذلك أنَّه كان بيعُ الجنسِ بالجنسِ بلا اختلافِ الصفةِ يجوزُ متساوياً، وكذا مع اختلافِ الصَّفة؛ لقوله ﷺ : «جيدها ورديئها سواءٌ» (٣)، وإن لم يكن بيعُ الجنسِ بالجنسِ يجوزُ كيفما كان؛ لقوله ﷺ : «إذا اختلف النوعانِ فبيعوا كيفما شئتم» (٤). (ولحمُ حيوانٍ بلحمِ حيوانٍ آخرَ متفاضلاً، وكذا اللَّبَنُ، وكذا خلُّ الدَّقْل (٥) بخلِّ العنبِ، وشحمُ البطنِ بالإليةِ أو باللَّحْمِ، والخبزُ بالبُرِّ أو الدَّقيقِ، (أو بالسَّويق) (٦) (٧)، وإن كان أحدُهما نسيئةً، وبه يُفْتَى)، وإنَّما يجوزُ الخبزُ بالبُرِّ؛ لأنِّ الخبزَ صارَ عددياً (٨)، هذا إذا كانا نقدين، وإن كان الخبزُ نسيئةً، والبُرُّ أو الدَّقيقُ نقداً يجوزُ

стр. 739

لا بيعُ الجيدِ بالرديء من الرِّبوي، والبُسرِ بالتَّمرِ إلا متساوياً، والبُرِّ بالدَّقيق أو بالسَّويقِ، أو الدَّقيقِ بالسَّويق متفاضلاً أو مُتساوياً، والزَّيتونِ بالزَّيت، والسِّمْسِمِ بالخلِّ حتى يكونَ الزَّيتُ والخلُّ أكثرَ ممَّا في الزيتونِ والسِّمْسِمِ، ويستقرضُ الخبزَ وزناً لا عدداً عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى. (لا بيعُ الجيدِ بالرديء من الرِّبوي، والبُسرِ (١) بالتَّمرِ إلا متساوياً، والبُرِّ بالدَّقيق أو بالسَّويقِ، أو الدَّقيقِ بالسَّويق متفاضلاً أو مُتساوياً، والزَّيتونِ بالزَّيت، والسِّمْسِمِ بالخلِّ حتى يكونَ الزَّيتُ والخلُّ أكثرَ ممَّا في الزيتونِ والسِّمْسِمِ) (٢)؛ ليكون بعضُ الزَّيتِ بالزيتِ الذي في الزَّيتون، والباقي بالثَّجير (٣). (ويستقرضُ الخبزَ وزناً لا عدداً عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى) (٤)، أمَّا عند أبي حنيفةَ ﵁ لا يجوزُ لا وزناً ولا عدداً؛ للتَّفاوت الفاحشِ، وعند محمدٍ ﵁ يجوزُ بهما

стр. 740

ولا رباً بين سَّيدٍ وعبدِهِ، ومسلمٍ وحربيٍّ في دارِه. باب الحقوق والاستحقاق [فصل في الحقوق] يَدْخُلُ البناءُ، والمفتاحُ، والعلوُّ، والكنيفُ في بيعِ الدَّارِ، لا الظُّلةِ إلا بذكرِ كلِّ حقٍّ هو لها، أو بمرافقِها، أو بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ هو فيها أو منها. للتعامل، وعند أبي يوسف ﵁ يجوزُ وزناً للتَّعامل والحاجة، لا عدداً للتَّفاوتِ في آحاده. (ولا رباً بين سَّيدٍ وعبدِهِ): لأنَّ العبدَ وما معه لمولاه، (ومسلمٍ وحربيٍّ في دارِه): أي في دارِ الحرب (١)؛ لأنَّ مالَهُ مباحٌ فيجوزُ أخذُهُ بأيِّ طريقٍ كان خلافاً لأبي يوسفَ ﵁ والشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ اعتباراً بالمستأمنِ في دارنا. (والله أعلم) (٣). باب الحقوق والاستحقاق [فصل في الحقوق] (يَدْخُلُ البناءُ، والمفتاحُ، والعلوُّ، والكنيفُ في بيعِ الدَّارِ) الكنيفُ: المستراحُ (٤)، (لا الظُّلةِ): في «المغرب»: ظلَّةُ الدَّارِ: السُّدّةُ التي فوقَ البابِ (٥)، وعن صاحب «الحصر»: هي التي أحدُ طرفي جذوعِها على هذه الدَّار، وطرفُها الآخرُ على حائطِ الجارِ المقابلِ، (إلا بذكرِ كلِّ حقٍّ هو لها، أو بمرافقِها، أو بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ هو فيها أو منها.

стр. 741

والشَّجرُ لا الزَّرعُ في بيعِ الأرض، ولا الثَّمرُ في بيعِ شجرِ فيه ثمرٌ إلا بشرطه وإن ذَكَرَ الحقوقَ والمرافق. ولا العلوِّ في شراءِ بيتٍ بكلِّ حقٍّ، ولا في شراءِ مَنْزلٍ إلا بذكرِ ما ذُكِرَ، ولا الطَّريقُ، والشُّربُ، والمسيل في البيعِ إلا بذكرِ ما ذُكِرَ أيضاً بخلافِ الإجارة. [فصل في الاستحقاق] ويؤخذُ الولد إن استحقَّتْ أُمّه ببيِّنةٍ، وإن أقرَّ بها لا والشَّجرُ لا الزَّرعُ في بيعِ الأرض، ولا الثَّمرُ في بيعِ شجرِ فيه ثمرٌ إلا بشرطه وإن ذَكَرَ الحقوقَ والمرافق (١). ولا العلوِّ (٢) في شراءِ بيتٍ بكلِّ حقٍّ، ولا في شراءِ مَنْزلٍ إلا بذكرِ ما ذُكِرَ): أي الحقوقُ والمرافقُ إلى آخرها. فالحاصلُ أن العلوَّ يدخل في بيعِ الدَّارِ وإن لم يذكر الحقوقَ والمرافق، ويدخلُ في بيعِ المَنْزلِ إن ذكرَ الحقوقَ والمرافقَ، ولا يدخلُ في بيعِ البيتِ وإن ذَكَرَ الحقوقَ والمرافق. فالمَنْزلُ فيما بين البيتِ والدَّارِ لا يكونُ فيه مربطُ الدَّواب، بل يكونُ فيه بيتانِ أو ثلاثةٌ أو نحو ذلك، يتعيشُ فيه الرَّجلُ المتأهّل، فالعلو يكون من توابعِهِ لا من توابعِ البيت؛ لأنَّ الشيءَ لا يستتبعُ مثلَهُ، بل دونَه. (ولا الطَّريقُ، والشُّربُ، والمسيل في البيعِ إلا بذكرِ ما ذُكِرَ أيضاً بخلافِ الإجارة)، فإن الشُّربَ والطَّريقَ والمسيلَ يدخلُ في الإجارةِ بلا ذِكْرِ الحقوقِ والمرافق، فإن الإجارةَ تقعُ على المنفعةِ، ولا تقع المنفعةُ بدونِ هذه الأشياءِ، وأمَّا البيعُ فيردُ على الرَّقبةِ، وأيضاً يُمْكِنُ أن ينتفعَ المشتري بالتِّجارةِ، ولا كذلك في الإجارةِ. [فصل في الاستحقاق] (ويؤخذُ الولد إن استحقَّتْ أُمّه ببيِّنةٍ، وإن أقرَّ بها لا)، صورتُها: اشترى رجلٌ

стр. 742

شخصٌ قال لآخر: اشترني فإنِّي عبدٌ فاشترى، فبان حُرّاً، ضَمِنَ إن لم يدرِ مكانَ بائعِهِ، ورجعَ عليه، وإن علمَ لا. ولا ضمانَ في الرَّهنِ أصلاً، ولا رجوعَ في دعوى حقٍّ مجهولٍ في دارٍ صُولِحَ على شيءٍ واستحقَّ بعضها، ولو استحقَّ كلَّها ردَّ كلَّ العوض؛ لأنَّ المدَّعي به داخلٌ في المستحقِّ جاريةً، فولدتْ عنده فاستحقَّها رجلٌ ببيِّنةٍ، فإنَّه يأخذُها وولدَها، وإن أقرَّ بها لا؛ لأنَّ البيَّنةَ حجَّةٌ مطلقةٌ فيظهرُ ملكُهُ من الأصل، والإقرارُ حجَّةٌ قاصرة، فيثبتُ الملكُ به ضرورةَ صحَّةِ الإخبار، فيندفع الضَّرورةَ بثبوتِ الملكِ بعد انفصالِ الولد. (شخصٌ قال لآخر: اشترني فإنِّي عبدٌ فاشترى، فبان حُرّاً، ضَمِنَ إن لم يدرِ مكانَ بائعِهِ)؛ لأنَّه بالأمرِ بالشَّراءِ يصيرُ ضامناً للثَّمنِ عند تعذُّرِ الرجوعِ على البائعِ دفعاً للضَّرر، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا ضمانَ عليه وإن علم لا، (ورجعَ عليه): أي رَجَعَ هذا الشَّخصُ بما ضَمِنَ على البائعِ، (وإن علمَ لا. ولا ضمانَ في الرَّهنِ أصلاً): أي إن قال: ارْتَهِنْي فإنّي عبدٌ، فارتهنَهُ، فبانَ حُرّاً، فلا ضمانَ عليه سواءٌ عَلِمَ مكانَ الرَّاهنِ، أو لا؛ لأنَّ الرَّهنَ ليس عقدَ معاوضةٍ، فلا يكونُ الأمر به بضامنٍ للسلامة، وقال في «الهداية» في صورة المسألة: ضرب أشكالٍ: وهو أن الدَّعوى شرطٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ لحريةِ العبدِ، والتَّناقضُ يَمْنَعُ صحَّةَ الدَّعوى (١). فكيف يَظْهَرُ أنَّهُ حُرٌّ (٢)؟ (ولا رجوعَ في دعوى حقٍّ مجهولٍ في دارٍ صُولِحَ على شيءٍ واستحقَّ بعضها): أي إذا ادَّعى حقَّاً مجهولاً في دارٍ فَصُولِحَ على شيءٍ، ثم استحقَّ بعضَ الدَّارِ، فالمدَّعى عليه لا يرجعُ على المُدَّعِي بشيءٍ؛ لأنَ للمدَّعي أن يقولَ: دعواي (٣) في غيرِ ما استحقَّ، (ولو استحقَّ كلَّها ردَّ كلَّ العوض؛ لأنَّ المدَّعي به داخلٌ في المستحقِّ).

стр. 743

وفهمُ صحَّةِ الصُّلحِ عن المجهولِ، ورجعَ بحصّتهٍ في دعوى كلِّها إن استحقَّ شيءٌ منها. فصل في بيع الفضول ولمالكٍ باعَ غيرُهُ ملكَهُ فسخُه، وله إجازتُهُ إن بَقِيَ العاقدانِ والمبيع، وكذا الثَّمن إن كان عرضاً، وهو ملكٌ للمجيزِ، وأمانةٌ عند بائعُه، وله فسخُهُ قبل الإجازةِ، وجازَ إعتاقُ المشتري من الغاضبِ لا بيعُهُ إن أجيزَ بيعُ الغاصبِ (وفهمُ صحَّةِ الصُّلحِ عن المجهولِ): أي دلَّت هذه المسألةَ على أن الصلحَ عن المجهولِ على مالٍ معلومٍ صحيح، وإنَّما يصحُّ؛ لأنَّ الجهالةَ فيما يسقطُ لا تفضي إلى المنازعة، وقد يُنْقَلُ عن بعضِ الفتاوى أن الصلحَ لا يصلح إلا أن يكونَ الدَّعوى صحيحة، فهذه المسألة تدلُّ على أن هذه الرِّوايةَ غيرُ صحيحة؛ لأنَّ دعوى الحقِّ المجهولِ دعوى غير صحيحةٍ، وكثيرٌ من مسائلِ «الذخيرة» تدلُّ على عدمِ صحَّةِ تلك الرِّواية. (ورجعَ بحصّتهٍ في دعوى كلِّها إن استحقَّ شيءٌ منها): أي إن ادَّعى كلَّ الدَّار فَصُولِحَ على شيءٍ، ثُمَّ استحقَّ نصفَها يرجعُ بنصفِ البدلِ. [فصل في بيع الفضول] (١) (ولمالكٍ باعَ غيرُهُ ملكَهُ فسخُه (٢)، وله إجازتُهُ إن بَقِيَ العاقدانِ والمبيع، وكذا الثَّمن إن كان عرضاً): فسخُه مبتدأٌ، ولمالكٍ خبرُهُ مقدَّماً، وهذا بيعُ الفُضُولي، وهو منعقدٌ عندنا خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) ﵁. (وهو ملكٌ للمجيزِ، وأمانةٌ عند بائعُه): أي إن أجازَ المالكُ فالثَّمنُ ملكٌ له، ويكونُ أمانةً في يدِ البائع، (وله فسخُهُ قبل الإجازةِ): أي للبائعِ حقُّ الفَسْخِ قبل إجازةِ المالكِ دفعاً للضَّررِ عن نفسِهِ، فإنَّ حقوقَ العقدِ راجعةٌ إليه. (وجازَ إعتاقُ المشتري من الغاضبِ لا بيعُهُ إن أجيزَ بيعُ الغاصبِ): أي إذا باعَ الغاصبُ العبدَ المغصوبَ فأعتقَهُ المشتري، فأجازَ المالكُ البيعَ ينفذُ الإعتاق، وعند محمَّدٍ

стр. 744

ولو قُطِعَ يدُهُ، ثُمَّ أُجيزَ فارشُهُ للمشتري، وتصدّقَ بما زادَ على نصفِ ثمنِه، ومَن اشترى عبداً من غيرِ سيّدِه فأقامَ بيِّنةً على إقرارِ بائعِهِ أو سيّدِه بعدمِ أمرِهِ مُريداً ردَّهُ لا تقبل. ولو أقرَّ بائعُهُ به: أي بعدم أمر المالك بالبيع عند قاضٍ به وطلبَ مشتريَه ردَّهُ ردُّ بيعه لا ينفذُ؛ لقولِهِ ﷺ : «لا عتقَ فيما لا يَمْلِكُهُ ابن آدم» (١)، ولو ثَبَتَ في الآخرة يثبتُ مستنداً، وهو ثابتٌ من وجهٍ دون وجه (٢). ولهما: إنَّ الملكَ يَثْبُتُ موقوفاً بتصرُّفٍ مطلقٍ موضوعٍ لإفادةِ الملكِ فيتوقَّفُ الاعتاقُ مرتَّباً عليه كإعتاق المشتري من الرَّاهن، ولو باع المشتري من الغاصبِ، ثمّ أجيزَ البيعُ الأَوَّلُ لا ينفذُ الثَّاني؛ لأن بالإجازةِ ثَبَتَ ملكُ باتَ للمشتري الأوَّل، فإذا طرأ على الملكِ الموقوفِ للمشتري الثَّاني أبطلَهُ (٣). (ولو قُطِعَ يدُهُ، ثُمَّ أُجيزَ فارشُهُ للمشتري): أي قُطِعَتْ يدُ العبدِ فأخذَ إِرْشَها، ثُمَّ أجازَ المالكُ البيعَ، فإرشُهُ للمشتري؛ لأنَّ الملكَ تَمَّ له من وقتِ الشراء، فتبيَّنَ أنَّ القطعَ وَقَعَ على ملكِ المشتري، فالإرشُ له، (وتصدّقَ بما زادَ على نصفِ ثمنِه): أي إن كان الإرشُ زائداً على نصفِ الثَّمن، فالزِّيادةُ لا تطيبُ له، فوجبَ تصدقُه؛ إذ في الزِّيادة شبهةُ عدمِ الملك (٤). (ومَن اشترى عبداً من غيرِ سيّدِه فأقامَ بيِّنةً على إقرارِ بائعِهِ أو سيّدِه بعدمِ أمرِهِ مُريداً ردَّهُ لا تقبل. ولو أقرَّ بائعُهُ به: أي بعدم أمر المالك بالبيع عند قاضٍ به وطلبَ مشتريَه ردَّهُ ردُّ بيعه)، الفرقُ بين الصُّورتينِ: أنَّ البيِّنةَ لا تقبلُ إلاَّ عند صحَّةِ الدَّعوى، وفي المسألةِ

стр. 745

باب السلم صحَّ فيما يُعْلَمُ قدرُهُ وصفتُهُ: كالمكيلِ، والموزونِ مُثمَّناً، والمذروع كالثَّوبِ مُبيَّناً طولُهُ وعرضُهُ ورقعتُهُ، والمعدودُ مُتقارباً: كالجوزِ، والبيضِ، والفلسِ، واللَّبَنِ، والآجرِ بملبن معيّنٍ. فصحَّ في السَّمكِ المليحِ، والطري في حينه فقط الأولى لا تصحُّ الدَّعوى للتناقضِ، وفي الصُّورةِ الثَّانيةِ: التَّناقضُ لا يمنعُ صحَّةَ الإقرار فللمشتري أن يساعدَ البائعَ في ذلك، فيتحقَّقُ الاتفاقُ بينهما. باب السلم السَّلَمُ: بيعٌ الشيء على أن يكون ديناً على البائعِ بالشَّرائطِ المعتبرةِ شرعاً، فالمبيعُ يسمَّى مُسَلَّماً فيه، والثَّمَنُ رأسُ المالِ، والبائعُ مُسَلَّمَاً إليه، والمشتري ربُّ السَّلَم. (صحَّ فيما يُعْلَمُ قدرُهُ وصفتُهُ: كالمكيلِ، والموزونِ مُثمَّناً): إنَّما قال: مثمَّناً احترازاً عن الموزون الذي يكونُ ثمناً: كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ فإنَّهما أثمان فلا يجوز فيهما السَلَّم (١)، (والمذروع كالثَّوبِ مُبيَّناً طولُهُ وعرضُهُ ورقعتُهُ): أي غلظتُه وسخافتُه. (والمعدودُ مُتقارباً: كالجوزِ، والبيضِ، والفلسِ، واللَّبَنِ، والآجرِ بملبن معيّنٍ. فصحَّ في السَّمكِ المليحِ): أي القديدُ (٢) بالملحِ، يقال: سمكٌ مَليحٌ ومَمْلُوحٌ، ولا يقال: مالحٌ إلاَّ في لغةٍ رديئةٍ (٣)، (والطري في حينه فقط) (٤): أي السَّلَمُ في السَّمكِ

стр. 746

وزناً وضرباً معلومينِ، والطَّسْتُ، والقُمْقُمةُ، والخُفَّينِ إلاَّ إذا لم يعرفْ به، لا فيما لا يُعْلَمُ قَدْرُهُ وصفتُهُ كالحيوان، وأطرافِهِ، وجلودِهِ عدداً، والحطبِ حُزَمَاً، والرَّطْبَةِ جُرَزاً، والجواهرِ، والخَرَزِ، وبصاعٍ وذراعٍ معيَّنٍ لم يدرِ قدرَه، وبُرِّ قريةٍ وثمرِ نخلةٍ معيَّنتينِ، وفيما لم يوجدْ من حين العقدِ إلى حينِ المحلِّ الطَّري لا يجوزُ إلا في حينٍ يوجدُ السَّمَكُ في الماءِ، (وزناً وضرباً معلومينِ): أي لا بُدَّ أن يُذْكَر وزنٌ معلومٌ، ونوعٌ معلومٌ، (والطَّسْتُ (١)، والقُمْقُمةُ (٢)، والخُفَّينِ إلاَّ إذا لم يعرفْ به): أي بالصِّفة. (لا فيما لا يُعْلَمُ قَدْرُهُ وصفتُهُ كالحيوان)، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يجوزُ في الحيوانِ؛ لأنَّه يتعيَّن بذكرِ الجنسِ والنوعِ والصِّفةِ. قلنا: في ذلك فحشُ التَّفاوتِ، (وأطرافِهِ): كالرُّؤسِ والأكارعِ، (وجلودِهِ عدداً، والحطبِ حُزَمَاً، والرَّطْبَةِ (٤) جُرَزاً). الحزم: جمعُ الحزمةِ، وهي بالفارسيةِ «بندهيزم». والجرزُ: جمعُ الجرزةُ، وهي بالفارسيةِ «دسته تره». وإنِّما لا يجوزُ في الحطبِ للتَّفاوت حتى إن بَيَّنَ طولَ ما يُشَدُّ به الحزمة يجوز. (والجواهرِ، والخَرَزِ، وبصاعٍ وذراعٍ معيَّنٍ لم يدرِ قدرَه، وبُرِّ قريةٍ وثمرِ نخلةٍ معيَّنتينِ (٥)، وفيما لم يوجدْ من حين العقدِ إلى حينِ المحلِّ): وعند الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁ يجوزُ إذا كان موجوداً وقتَ المحلِّ للقدرةِ على التَّسْليمِ حالَ وجودِه.

стр. 747

ولا في اللَّحْمِ، وشروطُهُ: بيانُ جنسِهِ كبُرٍّ أو شعير. ونوعِهِ: كسقيَّة أو بَخْسية ولنا: قوله- ﷺ : «لا تسلموا (١) في الثِّمارِ حتى يبدو صلاحُها» (٢)، ولأنَّه عقدُ المفاليس فلا بُدَّ من استمرارِ الوجودِ في مدَّةِ الأجل ليتمكّنَ من التَّحصيل (٣). (ولا في اللَّحْمِ)، (هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا) (٤): يصحُّ إن بيَّنَ جنسَهُ ونوعَهُ وصفتَهُ وموضعَهُ وقدرَهُ كشاةٍ خصيَّةٍ وثنيٍّ سمينٍ من الجنبِ مئة مَنّ (٥) (٦). (وشروطُهُ: بيانُ جنسِهِ كبُرٍّ أو شعير. ونوعِهِ: كسقيَّة أو بَخْسية): أي حنطةٌ سقيةٌ: أي التي تُسْقَى منسوبةً إلى السَّقي، والبخسيةُ: أي التي لا تُسْقَى منسوبةً إلى البَخْس، وهو الأرضُ التي تُسْقَى بماءِ السَّماءِ، سمِّيت بذلك لأنَّها مبخوسةُ الحظِّ من الماء.

стр. 748

وصفتِهِ: كجيدٍ أو رديءٍ. وقدرِهِ معلوماً نحو كذا كيلاً لا ينقبضُ ولا ينبسطُ، أو وزناً. وأجلِهِ معلوماً، وأقلُّهُ شهرٌ في الأصحِّ، وقَدْرِ رأسِ المالِ في الكيليِّ، والوزنيِّ، والعدديِّ، فلم يَجُزِ السَّلَمُ في جنسينِ بلا بيانِ رأسِ مالِ كلِّ واحدٍ منهما (وصفتِهِ: كجيدٍ أو رديءٍ. وقدرِهِ معلوماً نحو كذا كيلاً لا ينقبضُ ولا ينبسطُ)، فلا يجعلُ الزِّنْبِيلُ (١) كيلاً، (أو وزناً. وأجلِهِ معلوماً)، هذا عندنا، وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ يُجوزُ السَّلَمُ في الحالِ، (وأقلُّهُ شهرٌ في الأصحِّ (٣))، وإنِّما قال في الأصحِّ: لأنَّهُ قد قيلَ (٤): أقلُّهُ ثلاثةُ أيَّامٍ، وقيل (٥): أكثرُ من نصفِ يومٍ. (وقَدْرِ رأسِ المالِ في الكيليِّ، والوزنيِّ، والعدديِّ): فإنَّ العقدَ فيها يتعلَّقُ بالمقدارِ، فلا بُدَّ من بيانِ مقدارِه، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما إذا كان رأسُ المالِ مُعيَّناً فلا يُحتاجُ إلى بيانِ مقدارِه؛ لأنَّ المقصودَ يحصلُ بالإشارةِ كما في الثَّمنِ والأجرة. ولأبي حنيفةَ ﵁ أنَّه ربَّما يكونُ بعضُ رأسِ المالِ زُيُوفاً، ولا يُسْتَبْدَلُ في المجلس، فلو لم يعلمْ قَدْرُهُ لا يَدْرِي كم بَقِيَ، وربُّما لا يَقْدِرُ على تحصيلِ المُسَلَّمِ فيه، فيحتاجُ إلى ردِّ رأسِ المالِ، فيجبُ أن يكونَ معلوماً بخلافِ ما إذا كان رأس المالِ ثوباً معيَّناً فإن العقدَ لا يتعلَّقُ بمقداره، فلا يَجِبُ بيانُ قَدْرِ رأس المال، ثمّ فَرَّعَ على هذه المسألةِ مسألتينِ، فقال: (فلم يَجُزِ السَّلَمُ في جنسينِ بلا بيانِ رأسِ مالِ كلِّ واحدٍ منهما (٦)،

стр. 749

ولا بنقدينِ بلا بيانِ حصَّةِ كلٍّ منهما من المُسَلَّم فيه. ومكانِ إيفاء مسلَّمٍ فيه إن كان لحملِهِ مؤنةً، ومثلُهُ الثَّمن، والأجرةُ، والقسمة، وما لا حِمْلَ له يوفِّيهِ حيث شاءَ، هو الأصحُّ، وقبضُ رأسِ المال قبلَ الافتراقِ شرطُ بقائه: فلو أَسْلَمَ مئهً نقداً، ومئةً ديناً على المسلَّمِ إليه في كُرِّ بُرٍّ بطل في حصّةِ الدَّينِ فقط ولا بنقدينِ بلا بيانِ حصَّةِ كلٍّ منهما من المُسَلَّم فيه (١). ومكانِ إيفاء مسلَّمٍ فيه إن كان لحملِهِ مؤنةً، ومثلُهُ الثَّمن، والأجرةُ، والقسمة): أي إذا كان المُسَلَّمُ فيه شيئاً لحِمْلِهِ مؤنةٌ يجب بيانُ مكانِ إيفائِه عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما يوفِّيهِ في مكانِ العقدِ، وعلى هذا الخلافُ: الثَّمنُ والأجرةُ إذا كان لحِمْلِها مؤنةٌ، والقسمةُ: أي إذا اقتسما الدارَ، وجعلا مع نصيبِ أحدهما شيئاً لحملِهِ مؤنة (٢). (وما لا حِمْلَ له يوفِّيهِ حيث شاءَ، هو الأصحُّ)، وفي روايةِ «الجامع الصغير» (٣) يوفِّيهِ في مكانِ العقد (٤). ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ من بيانِ شروطِهِ صحَّةِ السَّلَمِ ذَكَرَ شَرْطَ بقائه، فقال: (وقبضُ رأسِ المال قبلَ الافتراقِ شرطُ بقائه: فلو أَسْلَمَ مئهً نقداً، ومئةً ديناً على المسلَّمِ إليه في كُرِّبُرٍّ بطل (٥) في حصّةِ الدَّينِ فقط): أي لا يَشيعُ الفساد؛ لأن

стр. 750

ولم يَجُزِ التَّصَرُّفُ في رأسِ المالِ والمسلَّم فيه كالشَّركةِ والتَّوليةِ قبل قبضه، ولا يجوز شراءُ شيءٍ من المسلَّمِ إليه برأسِ المالِ بعد الإقالةِ حتى يقبضَه العقدَ صحيحٌ وهذا الشَّرطُ شرطُ البقاءِ فيكونُ ضعيفاً. ثُمَّ من تفاريعِ قبضِ رأسِ المالِ أن السَّلَمِ لا يجوزُ مع خيارِ الشَّرط وخيارِ الرُّؤية؛ لأنَّهما يَمْنَعانِ تمامَ التَّسليمِ بخلافِ خيارِ العيب، فانَّه لا يَمْنَعُ تمامَهُ، فلو أُسْقِطَ خيارُ الشَّرطِ قبل الافتراقِ صحَّ خلافاً لزُفَرَ ﵁. (ولم يَجُزِ التَّصَرُّفُ في رأسِ المالِ والمسلَّم فيه كالشَّركةِ والتَّوليةِ قبل قبضه) (١)، صورةُ الشَّركةِ: أن يقولَ ربُّ السَّلَمِ لآخرَ: أعطني نصفَ رأسِ المالِ؛ ليكون نصفُ المُسَلَّمُ فيه لك. وصورةُ التَّولية أن يقولَ: أعطني مثل ما أعطيت للمُسَلَّم إليه حتى يكونَ المُسَلَّم فيه لك. ومن صورةِ التَّصرّفِ في رأسِ المال: أن يُعطي بدلَ رأسِ المالِ شيئاً آخر. ومن صورةِ التَّصرفِ في المسلَّم فيه: أن يعطي بدلَهُ شيئاً آخر. (ولا يجوز شراءُ شيءٍ من المسلَّمِ إليه برأسِ المالِ بعد الإقالةِ حتى يقبضَه)، قال النَّبيُّ ﷺ : «لا تأخذْ إلا سلمك أو رأسَ مالك» (٢): أي لا تأخذ المسلَّمَ فيه على تقديرِ المضي على العقد، أو رأسَ مالكِ على تقديرِ إقالةِ العقد.

стр. 751

ولو شَرَى كُرَّاً، وأمرَ ربّ السَّلمِ بقبضِهِ قضاءً لم يَصحَّ، ولو أمرَ مقرضَهُ به صحَّ، وكذا لو أمرَ ربُّ السَّلَمِ بقبضِهِ له، ثمّ لنفسِهِ، فاكتاله له ثُم لنفسِهِ، ولو كان المُسَلَّمُ إليه في ظرفِ ربِّ السَّلمِ بأمرِهِ بغيبتِهِ أو كال البائعُ في ظرفِهِ أو ظرفِ بَيْتِهِ بأمرِ المشتري لم يكن قبضاً (ولو شَرَى كُرَّاً، وأمرَ ربّ السَّلمِ بقبضِهِ قضاءً لم يَصحَّ)؛ لأنَّه اجتمعَ صفقتان: السَّلمِ وهذا الشراِ، فلا بُدَّ من أن يَجْرِي فيه الكيلانِ. (ولو أمرَ مقرضَهُ به صحَّ): أي لو استقرضَ بُرَّاً فاشترى من آخر بُرَّاً، فأمرَ المقرضَ بقبضِ بُرِّهِ منه قضاءً لقرضِهِ صحَّ؛ لأنَّ القرضَ عاريةٌ فكأنَّهُ يَقْبِضُ عَيْنَ حقِّه. ويَرِدُ عليه أن ما يقبضُهُ في السَّلَمِ أيضاً عينُ حقِّه؛ لئلا يلزمَ الاستبدال. فأجاب في «الهداية» (١): بأن ما يقبضُهُ في السَّلَمِ غيرُ حقِّهِ؛ لأنَّ الدَّينَ غيرُ العين، فالشرعُ وإن جعلَهُ عينَهُ ضرورةً؛ لئلا يكونَ استبدالاً، فلا يكونُ عينُهُ في جميعِ الأحكامِ، ففي وجوبِ الكيل لا يكونُ عينُه، فيكونُ قابضاً هذا العين عوضاً عن الدَّينِ الذي له على المُسَلَّم إليه. (وكذا لو أمرَ ربُّ السَّلَمِ بقبضِهِ له، ثمّ لنفسِهِ، فاكتاله له ثُم لنفسِهِ): قوله: وكذا أي يصحُّ في هذه الصورة كما يصحُّ في الصَّورة الأولى، وهي ما إذا اشترى المُسَلَّمُ إليه كُرَّاً أمر ربُّ السَّلمِ بأن يقبضَهُ لأجلِ المُسَلَّم إليه، ثم لنفسِه، فاكتالَهُ للمسلَّم إليه، ثم اكتاله لأجلِ نفسِهِ يصحُّ، وإنِّما يصحُّ؛ لأنَّه قد جرى فيه الكيلان. (ولو كان المُسَلَّمُ إليه في ظرفِ ربِّ السَّلمِ بأمرِهِ بغيبتِهِ أو كال البائعُ في ظرفِهِ أو ظرفِ بَيْتِهِ بأمرِ المشتري لم يكن قبضاً)؛ لأنَّ في السَّلَم لم يصحَّ أمرُ ربِّ السِّلم بالكيلِ؛ لأنَّ حقَّهُ في الدَّين لا في العين، فأمرُهُ لم يصادِفْ ملكَه، فالمُسَلَّمُ إليه جعلَ ملكَهُ في ظرفٍ استعارَهُ من ربِّ السَّلَمِ، وفي البيعِ لم يصحَّ أمرُ المشتري؛ لأنَّهُ استعارَ الظَّرفَ من البائعِ، ولم يقضْهُ، فيكونُ في يدِ البائع، فكذا الحنطةُ التي فيه، وإنِّما قال: بغيبتِهِ حتى لو كان حاضراً يكونُ قبضاً؛ لأنَّ فعلَهُ ينتقلُ إليه.

стр. 752

بخلافِ كيلِهِ في ظرفِ المشتري بأمرِه، ولو كالَ الدَّينَ والعينَ في ظرفِ المشتري: إن بدأ بالعينِ كان قابضاً، وإن بدأ بالدَّين لا عند أبي حنيفة ﵁، ولو أسلمَ أمةً في كُرٍّ وقُبِضَتْ فتقايلا، فماتت في يده وبقي، يجبُ قيمتُها يومَ قبضِها، ولو ماتت، ثُمَّ تقايلا صحَّ، وكذا المقايضةُ في وجهيه (بخلافِ كيلِهِ في ظرفِ المشتري بأمرِه): أي إذا اشترى حنطةً معيَّنةً، فأمر المشتري البائعَ أن يكيلَهُ في ظرفِ المشتري بغيبتِه، ففعلَ يصيرُ قابضاً؛ لأنَّه مَلَكَ العينَ بالشِّراءِ، فأمرُهُ صادفَ مُلْكَه. (ولو كالَ الدَّينَ والعينَ في ظرفِ المشتري: إن بدأ بالعينِ كان قابضاً، وإن بدأ بالدَّين لا عند أبي حنيفة ﵁): أي إذا اشترى الرَّجلُ من آخر كُرَّاً بعقدِ السَّلَم، وكُرَّاً معيَّناً بالبيعِ، فأمرَ المشتري البائعَ أن يَجْعَلَ الكُرَّينِ في ظرفِ المشتري، إن بدأ بالعينِ كان قابضاً، أمَّا في العينِ فلصحَّة الأمرِ، وأمَّا في الدَّينِ فلاتصالِهِ بملكِ المشتري. وإن بدأ بالدَّينِ لا يصيرُ قابضاً؛ لأنَّ الأمرَ لم يصحّ في الدَّين، فلم يصرْ قابضاً له، فبقي في يدِ البائع فخلطَ مِلْكَ المشتري بمِلْكِه، فصارَ مستهلكاً عند أبي حنيفة ﵁، فَيَنْتَقِضُ القبضُ والبيع، وعندهما المشتري بالخَيَار، إن شاءَ نقضَ البيعَ، وإن شاءَ شاركَهُ في المخلوط؛ لأنَّ الخلطَ ليس باستهلاكِ عندهما. (ولو أسلمَ أمةً في كُرٍّ وقُبِضَتْ فتقايلا، فماتت (في يده و) (١) بقي، يجبُ قيمتُها يومَ قبضِها): أي اشترى كُرَّاً بعقدِ السَّلَمِ، وجعلَ الأمةَ رأسَ المال، وسلَّم الأمةَ إلى المُسَلَّمِ إليه، ثُمَّ تقايلا عقد السَّلم، ثُمَّ ماتت الأمةُ في يدِ المسلَّمِ إليه، بقي التَّقايل، فيجبُ قيمةُ الأمةِ على المُسَلَّمِ إليه بردِّها إلى ربِّ السَّلَم. (ولو ماتت، ثُمَّ تقايلا صحَّ): أي في الصّورةِ المذكورةِ إن كان الموتُ قبل التَّقايلِ صحَّ التَّقايل؛ وذلك لأنَّ صحَّةَ الإقالةِ تعتمدُ بقاءَ المعقودِ عليه، وهو المُسَلَّمُ فيه. (وكذا المقايضةُ في وجهيه) (٢): أي إذا باعَ أمةً بعرضٍ فهلكَ أحدُهما دون الآخر فتقايلا صحَّ التَّقايلُ، ولو تقايلا ثُمَّ هلكَ أحدُهما بقي التَّقايل، فقولُهُ: وكذا … إلى آخرِهِ،

стр. 753

بخلافِ الشراءِ بالثَّمنِ فيهما، ولو اختلفَ عاقدا السَّلمِ في شرطِ الرداءةِ والأجل، فالقولُ لمدَّعيهما. [فصل في الاستصناع] والاستصناعُ بأجلٍ سَلَمٌ تعاملوا فيه أو لا، وبلا أجلٍ فيما يتعاملُ كخفٍّ، وقمقمةٍ، وطستٍ صحَّ بيعاً لا عدَة تقديرُهُ بقي تقايلُ المقايضة، وصحَّ تقايلها في كلا الوجهين، أمَّا البقاء ففي صورةِ تقدُّمِ التَّقايل على الهلاك. وأمَّا الصَّحَّةُ ففي صورةٍ تأخُّرِهِ عنه. (بخلافِ الشراءِ بالثَّمنِ فيهما): أي إن اشترى بالدَّراهمِ أو الدَّنانير أمةً، ثُمَّ تقايلا، ثمّ ماتت الأمةُ في يدِ المشتري لم يبقَ التَّقايل، ولو ماتت ثم تقايلا لا يصحّ التقايل. (ولو اختلفَ عاقدا السَّلمِ في شرطِ الرداءةِ والأجل، فالقولُ لمدَّعيهما): أي قال المُسلَّمُ إليه: شرطُنا الرَّديء، وقال ربُّ السّلم: لم نشترطْ شيئاً حتى يكونُ العقدُ فاسداً، فالقولُ قولُ المسلَّم إليه؛ لأنَّ ربَّ السَّلَمِ متعنِّتٌ (١) في إنكارِهِ الصِّحَّة؛ لأنَّ المُسْلَّم فيه زائدٌ على رأسِ المالِ عادةً، فإنكارُهُ الصِّحَّةَ دعوى أمر يكونُ ضرّراً في حقِّه، فكان متعنِّتاً. ولو ادَّعى ربُّ السَّلم شرطَ الرداءة، وقال المسلَّم إليه لم نشترطْ شيئاً، فالواجبُ أن يكونَ القولُ لربِّ السَّلم عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّه يدَّعي الصِّحّة، فالحاصلُ أن في الصُّورتينِ القولَ لمدَّعي الصِّحَّة عنده، وعندهما القولُ للمنكر. ولو اختلفا في الأجلِ، فقال أحدُهما: شرطنا الأجل، وقال الآخرُ: لم نشترطْ، فأيُّهما ادَّعى الأجل، فالقولُ قوله عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّهُ يدَّعي الصِّحَّة، وعندهما القولُ للمنكر. [فصل في الاستصناع] (والاستصناعُ بأجلٍ سَلَمٌ تعاملوا فيه أو لا، وبلا أجلٍ فيما يتعاملُ كخفٍّ، وقمقمةٍ، وطستٍ صحَّ بيعاً لا عدَة)، الاستصناعُ: أن يقولَ للصَّانِعِ كالخفَّافِ مثلاً:

стр. 754

فَيُجْبَرُ الصَّانِعُ على عملِه، ولا يَرْجِعُ الآمرُ عنه، والمبيعُ هو العينُ لا عَمَلُه، فإن جاء بما صنعَهُ غيرَه، أو صنعَهُ هو قبل العقد، فأخذَهُ صحَّ، ولا يتعيَّنُ له بلا اختيارِه، فصحَّ بيعُ الصَّانعِ قبل رؤيةِ الآمر، وله أخذُهُ وتركُه، ولم يصحَّ فيما لا يُتَعامَلُ كالثَّوب. مسائل شتّى صَحَّ بيعُ الكلبِ والفهدِ والسِّباعِ عُلِّمَتْ أو لا اصنعْ لي من مالكَ خُفَّاً من هذا الجنسِ بهذه الصِّفةِ بكذا، فإن أجَّلَ أجلاً معلوماً كان سَلَماً سواء جَرَى فيه التَّعاملُ أو لا، فيعتبرُ فيه شرائطُ السَّلَمُ وإن لم يؤجِّلْ، فإنْ كان ممَّا يجرى فيه التَّعاملُ صحَّ بطريقِ البيعِ لا بطريقِ العِدَة (١)، فإن لم يَجْرِ فيه التَّعاملُ لا يجوز. ثمّ ذكرَ فروعَ أنَّه بيعٌ لا عِدَةٌ فقال: (فَيُجْبَرُ الصَّانِعُ على عملِه، ولا يَرْجِعُ الآمرُ عنه، والمبيعُ هو العينُ لا عَمَلُه، فإن جاء بما صنعَهُ غيرَه، أو صنعَهُ هو قبل العقد، فأخذَهُ صحَّ، ولا يتعيَّنُ له بلا اختيارِه، فصحَّ بيعُ الصَّانعِ قبل رؤيةِ الآمر (٢)، وله أخذُهُ وتركُه، ولم يصحَّ فيما لا يُتَعامَلُ كالثَّوب): أي إذا لم يؤجِّلْ كما شرحناه. مسائل شتّى (صَحَّ بيعُ الكلبِ والفهدِ والسِّباعِ عُلِّمَتْ أو لا)، هذا عندنا، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يجوزُ بيعُ الكلبِ العقورِ، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ لا يجوزُ بيعُ الكلبِ أصلاً بناءً على أنَّه نَجِسُ العينِ عنده، وعندنا إنَّما يجوزُ بناءً على الانتفاعِ به وبجلدِه (٤).

стр. 755

والذِّميُّ في البيعِ كالمسلمِ إلا في الخمرِ والخِنْزيرِ، وهما في عقد الذِّمي كالخلِّ والشَّاة في عقد المسلمِ، ومَن زوَّجَ مشريتَهُ قبل قبضِها صحَّ، فإن وُطئتْ فقد قُبِضَتْ، وإلا فلا، ومَن اشترى شيئاً، وغاب غيبةً معروفةً، فأقامَ بائعُهُ بيِّنةً على أنَّه باعَهُ منه لم يَبِعْ في دَيْنِه، وإن جَهِلَ مكانَهُ بِيعَ، وإن اشترى اثنانِ وغابَ واحدٌ، فللحاضرِ دفعُ ثمنِه، وقبضُهُ وحبسُهُ إن حَضَرَ الغائبُ إلى أن يأخذَ حصَّتَهُ (والذِّميُّ في البيعِ كالمسلمِ (١) إلا في الخمرِ والخِنْزيرِ، وهما في عقد الذِّمي كالخلِّ والشَّاة في عقد المسلمِ)، حتى يكون الخمرُ من ذواتِ الأمثال، والخِنْزيرُ من ذواتِ القيم. (ومَن زوَّجَ مشريتَهُ قبل قبضِها صحَّ، فإن وُطئتْ فقد قُبِضَتْ، وإلا فلا): أي بمجرّدِ التَّزويجِ لا يكونُ قابضاً استحساناً، والقياسُ أن يصيرَ قابضاً؛ لأنَّها تعيَّبتْ بالتَّزويج، وجهُ الاستحسانِ أن التَّعيُّبَ الحقيقي استيلاءٌ على المحلِّ، فيكونُ قَبْضاً بخلافِ التَّعيُّبِ الحكميّ. (ومَن اشترى شيئاً، وغاب غيبةً معروفةً، فأقامَ بائعُهُ بيِّنةً على أنَّه باعَهُ منه لم يَبِعْ في دَيْنِه): أي في ثَمَنِ المبيع، بل يطلبُ الثَّمنَ من المشتري، فإنَّ مكانَهُ معلومٌ، (وإن جَهِلَ مكانَهُ بِيعَ) (٢): أي بِيعَ وأَوْفَى الثَّمَن. (وإن اشترى اثنانِ وغابَ واحدٌ، فللحاضرِ دفعُ ثمنِه، وقبضُهُ وحبسُهُ إن حَضَرَ الغائبُ إلى أن يأخذَ حصَّتَهُ): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمّد ﵁؛ (٣) وذلك لأنَّه

стр. 756

وإن اشترى أَمةً بألفِ مثقالٍ من ذَهَبٍ وفضةٍ يَجِبُ من كلٍّ نصفه، وفي بألفٍ من الذَّهبِ والفضةِ يجبُ من الذهبِ مثقايلُ، ومن الفضةِ دراهمُ وزنُ سبعةٍ، ولو قبضَ زيفاً بدلَ جيدٍ جاهلاً به وأنفق أو نفقَ، فهو قضاءٌ، وعند أبي يوسفَ ﵁ يَرُدُّ مثل زيفِه، ويرجعُ بجيدِه مضطرٌ لا يُمْكِنُهُ الانتفاعُ بنصيبِهِ إلاَّ بأداءِ جميعِ الثَّمن، فإذا أدَّاهُ لم يكن مُتَبَرِّعاً، فإن حَضَرَ الغائبُ لا يأخذُ حصَّتَهُ إلاَّ إن سَلِّم ثَمَنَ حصَّتِهِ إلى شريكِه، وعند أبي يوسف ﵁ هو متبرِّعٌ في أداءِ حصّةِ شريكِه؛ لأنَّه دَفَعَ دينَ غيرِهِ بغيرِ أمره. (وإن اشترى أَمةً بألفِ مثقالٍ من ذَهَبٍ وفضةٍ يَجِبُ من كلٍّ نصفه، وفي بألفٍ من الذَّهبِ والفضةِ يجبُ من الذهبِ مثقايلُ، ومن الفضةِ دراهمُ وزنُ سبعةٍ) وزنُ السَّبْعَةِ قد سبقَ في «كتاب الزكاة» (١). (ولو قبضَ زيفاً بدلَ جيدٍ جاهلاً به وأنفق أو نفقَ): أي هَلَكَ، (فهو قضاءٌ (٢)، وعند أبي يوسفَ (٣) ﵁ يَرُدُّ مثل زيفِه، ويرجعُ بجيدِه) (٤): لأنَّحقَّهُ في الوصفِ مراعاً ولا قيمةَ له، فوجَبَ المصيرَ إلى ما ذكرنا، قلنا: الزَّيف من جنسِ حقِّه، ووجوب الزَّيفِ عليه؛ ليأخذَ الجيدَ إيجابٌ له عليه، ولم يُعْهَدْ في الشَّرْعِ مثلُه. ويردُ عليه: أن مثل هذا في الشَّرع كثيرٌ، فإن جميعَ تكاليف الشَّرْعِ من هذا

стр. 757

ولو فَرَّخَ أو باضَ طيرٌ في أرضٍ، أو تكسَّرَ ظَبْيٌ فيها، فهو للآخذ كصيدٍ تعلَّقَ بشبكةٍ نصبتْ للجفاف، أو دراهمَ أو دنانير أو سكرٍ نُثِرَ فوقَعَ على ثوبٍ لم يعدَّ له، ولم يكفَّ. القبيل؛ لأنَّها إيجابُ ضررٍ قليلٍ؛ لأجلِ نفعٍ كثير (١). (ولو فَرَّخَ أو باضَ طيرٌ في أرضٍ، أو تكسَّرَ ظَبْيٌ (٢) فيها، فهو للآخذ): أي لا يكونُ لصاحب الأرض؛ لأن الصيدَ لمن أخذه، والمرادُ بتكسُّرِ الظَّبي إنكسارُ رِجْلِه، وإنَّما قال: تَكَسَّر؛ لأنَّه لو كَسَرَها أحدٌ يكون له لا للآخذ، وفي بعضِ الرِّواياتِ تَكَنَّسَ (٣): أي دَخَلَ في الكِناس (٤): وهو مأواه، بخلافِ ما إذا أَعدَّ صاحبُ الأرضِ أرضَهُ لذلك، وبخلافِ ما إذا عَسَلَ النَّحل في أرضِه. (كصيدٍ تعلَّقَ بشبكةٍ نصبتْ للجفاف، أو دراهمَ أو دنانير أو سكرٍ نُثِرَ فوقَعَ على ثوبٍ لم يعدَّ له، ولم يكفَّ) حتى إن أُعِدَّ الثَّوب لذلك، فهو لصاحبِ الثَّوْب، وكذا إن لم يُعَدَّ له، لكن لمَّا وَقَعَ كفّهُ صارَ بهذا الفعلِ له. * * *

стр. 758

كتاب الصرف هو بيعُ الثَّمَنِ بالثَّمنِ جنساً بجنسٍ أو بغيرِ جنسٍ، وشُرِطُ فيه التَّقابضُ قبل الافتراقِ. وصحَّ بيعُ الذَّهبِ بالفضةِ بفضلٍ وجزافٍ. لا بيعُ الجنسِ بالجنسِ إلاَّ مساوياً، وإن اختلفا جودةً وصياغة، ولا يصحُّ التَّصرُّفُ في ثَمنِ الصَّرفِ قبل قبضِه، فلو شَرَى به ثوباً، فسدَ شراءُ الثَّوب، ومَن باعَ أمةً تَعْدِلُ ألفَ درهمٍ مع طوقِ ألف بألفين، ونَقَدَ من الثَّمنِ ألفاً، أو باعَها بألفينِ ألفاً نسيئةً وألفاً نقداً، أو باعَ سيفاً حليتُهُ خمسون، وتخلصُ بلا ضررٍ بمئةٍ كتاب الصرف (هو بيعُ الثَّمَنِ بالثَّمنِ جنساً بجنسٍ أو بغيرِ جنسٍ): كبيعِ الذَّهبِ بالذَّهب، وبيعُ الفضةِ بالفضة، وبيعُ الذَّهبِ بالفضة. (وشُرِطُ (١) فيه التَّقابضُ قبل الافتراقِ (٢). وصحَّ بيعُ الذَّهبِ بالفضةِ بفضلٍ وجزافٍ. لا بيعُ الجنسِ بالجنسِ إلاَّ مساوياً، وإن اختلفا جودةً وصياغة)، وإنِّما ذَكَرَ الفضلَ والجزافَ ولم يَذْكُرْ التَّساوي؛ لأنَّه لا شُبْهةُ في جوازِ التَّساوي، بل الشُّبهة في الفضلِ والجزافِ فذكرهما. (ولا يصحُّ التَّصرُّفُ في ثَمنِ الصَّرفِ قبل قبضِه، فلو … (٣) (شَرَى به ثوباً) (٤)، فسدَ شراءُ الثَّوب): أي لو اشترى بثمنِ الصَّرفِ قبل قبضِهِ ثوباً فسدَ شراءُ الثَّوب. (ومَن باعَ أمةً تَعْدِلُ ألفَ درهمٍ مع طوقِ ألف (٥) بألفين، ونَقَدَ من الثَّمنِ ألفاً، أو باعَها بألفينِ ألفاً نسيئةً وألفاً نقداً، أو باعَ سيفاً حليتُهُ خمسون، وتخلصُ بلا ضررٍ بمئةٍ،

стр. 759

ونقدَ خمسينَ فما نقدَ ثَمَنُ الفضةِ، سكتَ، أو قال: خذ هذا من ثمنِها، فإن افترقا بلا قبضٍ بطلَ في الحليةِ فقط، وإن لم يتخلَّصْ بلا ضررٍ بطلَ أصلاً، ومَن باعَ إناءَ فضَّةٍ وقبضَ بعضَ ثمنِه، ثمّ افترقا صحَّ فيما قَبَضَ فقط، واشتركا في الإناءِ ونقدَ خمسينَ فما نقدَ ثَمَنُ الفضةِ)، وهو ألف في بيعِ الأمةِ، والخمسونَ في بيعِ السَّيف، (سكتَ، أو قال: خذ هذا من ثمنِها)، أمَّا إذا سكتَ فظاهرٌ؛ لأنَّه لَمَّا باعَ فقد قَصَدَ الصِّحَّة، ولا صِحَّةَ إلا بأن يجعلَ المقبوضَ في مقابلةِ الفضة. وأمَّا إذا قال: خُذْ هذا ثمنها، فإنَّه ليس معناه خذ هذا على أنَّه ثَمَنُ مجموعِهما؛ لأنَّ ثَمَنَ المجموعِ ألفانِ في الجارية، والمئةُ في السَّيْف، فمعناهُ خذا هذا على أنَّهُ بعضِ ثَمَنِ مجموعِهما، وثَمَنُ الفضةِ بعضُ ثَمَنِ المجموعِ، فيحملُ عليه تحرِّياً للجواز. (فإن افترقا بلا قبضٍ بطلَ في الحليةِ فقط، وإن لم يتخلَّصْ بلا ضررٍ بطلَ أصلاً): أي إن لم يتخلَّصْ الحلية من السَّيفِ بلا ضررٍ، وافترقا بلا قبضٍ بطلَ في كليهما، ووجدتُ في «حاشية نسخةِ المصنِّف» ﵁ مع علامةِ صحَّ، لكن لا بخطِّ المصنِّفِ ﵁ هذا الإلحاق، وهو هذا التَّفصيل: إذا كان الثَّمنُ أكثرَ من الحلية، وإن لم يكن لا يصحُّ. فقولُهُ: وإن لم يكن؛ يشتملْ ما إذا كان الثَّمنُ مساوياً للحلية، أو أقلَّ منها، أو لا يَدْرِي، فإنَّه لا يجوزُ البيع، إمِّا لتحقُّقِ الرِّبا أو لشبهته (١) (ومَن باعَ إناءَ فضَّةٍ وقبضَ بعضَ ثمنِه، ثمّ افترقا صحَّ فيما قَبَضَ فقط، واشتركا في الإناءِ): أي صحَّ البيعُ فيما قبضَ ثمنُه، وفسدَ فيما لم يقبضْ، ولا يشيعُ الفسادُ كما ذكرنا في «باب السلم» (٢)؛ لأنَّ الفسادَ طارئٌ.

стр. 760

وإن استحقَّ بعضَهُ أخذَ المشتري باقيه بحصّتِه أو ردَّهُ، ولو استحقَّ بعضُ قطعةِ نُقْرة بيعتْ أخذَ ما بقي بحصّتِهِ بلا خيارٍ، وصحَّ بيعُ درهمينِ ودينارٍ بدرهمٍ ودينارين، وبيعُ كُرِّ بُرٍّ وكُرِّ شعيرٍ بكُرَّي بُرٍّ وكُرَّي شعيرٍ، وبيعُ أحدَ عشرَ درهماً بعشرةِ دراهمٍ ودينارٍ، وبيعُ درهمٍ صحيحٍ ودرهمينِ غلَّتين بدرهمينِ صحيحينِ ودرهم غلَّة (وإن استحقَّ بعضَهُ أخذَ المشتري باقيه بحصّتِه أو ردَّهُ): أي إن استحقَّ بعض الإناء، فالمشتري بالخيار؛ لأنَّ الشَّركةَ عيبٌ في الإناء، وفي صورةٍ قَبْضِ بعضِ الثَّمنِ قد ثَبَتَ الشركةُ لكن لا يكونُ للمشتري الرَّدُّ بهذا العيب؛ لأنَّهُ يَثْبُتُ برضا المشتري؛ لأن الشَّركةَ إنِّما تثبت من جهتِه؛ لأنه نَقَدَ بعضَ الثَّمنِ دون البعضِ فتراضيا بهذا العيبِ بخلاف الاستحقاقِ إذ المشتري لم يرضَ به، فله ولايةُ الرَّدّ. (ولو استحقَّ بعضُ قطعةِ نُقْرة (١) بيعتْ أخذَ ما بقي بحصّتِهِ بلا خيارٍ)؛ لأن الشَّركةَ ليستْ بعيبٍ في قطعةِ النُّقْرة؛ لأنَّ التَّبعيضَ لا يضرُّه. (وصحَّ بيعُ درهمينِ ودينارٍ بدرهمٍ ودينارين، وبيعُ كُرِّ بُرٍّ وكُرِّ شعيرٍ بكُرَّي بُرٍّ وكُرَّي شعيرٍ): هذا عندنا، وأما عند زفر ﵁ والشَّافِعِيّ (٢) ﵁ فلا يجوزُ؛ لأنَّهُ قابلَ الجملةَ بالجملة، ومن ضرورتِهِ الانقسامَ على الشيوعِ، وفي صرفِ الجنسِ إلى خلافِ الجنسِ تغييرُ تصرّفِه. قلنا: المقابلةُ المطلقةُ يحتملُ الصَّرفَ المذكور، وليس فيه تغييرُ صرفِه (٣)؛ لأنَّ موجبَهُ ثبوتُ الملكِ في الكلِّ بمقابلةِ الكلّ، فيكونُ الدِّرهمان في مقابلةِ الدِّينارين، والدِّينارُ في مقابلةِ الدِّرهم، ويكون كُرُّ البُرِّ في مقابلةِ كُرَّي الشَّعير، وكُرِّ الشَّعير في مقابلة كُرَّي البُرّ. (وبيعُ أحدَ عشرَ درهماً بعشرةِ دراهمٍ ودينارٍ) بأن يكونَ عشرةَ دراهمٍ بعشرةِ دراهمٍ بقي درهمٌ بمقابلةِ دينار. (وبيعُ درهمٍ صحيحٍ ودرهمينِ غلَّتين بدرهمينِ صحيحينِ ودرهم غلَّة)،

стр. 761

وبيعُ مَن عليه عشرةُ دراهمٍ ممَّن هي له ديناراً بها مطلقة إن دفعَ الدِّينارَ وتقاصّا العشرةَ بالعشرة، فإن غَلَبَ على الدَّراهمِ الفضّةُ وعلى الدِّينارِ الذَّهب، فهما فضّةٌ وذهبٌ حكماً، فلم يجزْ بيعُ الخالصين به، ولا بيعُ بعضِهِ ببعضٍ إلا متساوياً وزناً، وإن غَلَبَ عليهما الغشِّ فهما في حكمِ العرضينِ، فبيعُهُ بالفضّةِ الخالصةِ على وجوهٍ: حليةُ السَّيفِ، وبجنسِهِ متفاضلاً صحَّ بشرطِ القبضِ في المجالس الغلَّة: ما يردُّهُ بيتُ المال (١)، ويأخذُهُ التُّجار، وإنِّما يجوزُ هذا لتحقُّقِ التَّساوي في الوزنِ، وسقوطِ اعتبارِ الجودة. (وبيعُ مَن عليه عشرةُ دراهمٍ ممَّن هي له ديناراً بها مطلقة إن دفعَ الدِّينارَ وتقاصّا العشرةَ بالعشرة): أي لزيدٍ على عمروٍ عشرةُ دراهمٍ، فباعَ عمروٌ ديناراً من زيدٍ بعشرةٍ مطلقة: أي لم يضفِ العقدَ بالعشرةِ التي على عمرو، صحَّ البيعُ إن دَفَعَ عمروٌ الدِّينارَ، فصارَ بكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ عشرةُ دراهمٍ فتقاصَّا العشرةَ بالعشرةِ، فيكونُ هذا التَّقاصُّ فسخاً للبيعِ الأوَّل، وهو بيعُ الدينارِ بالعشرةِ المطلقة، وبيعاً للدِّينار بالعشرةِ التي على عمروٍ إذ لو لم يحملْ على هذا لكان استبدالاً بدلَ الصَّرفِ، وهذا إذا باعَ الدِّينارَ بالعشرةِ المطلقةِ، وأمَّا إذا باعَهُ بالعشرةِ التي له على عمروٍ صحَّ، ويقعُ المقاصّةُ بنفسِ العقد. (فإن غَلَبَ على الدَّراهمِ الفضّةُ وعلى الدِّينارِ الذَّهب، فهما فضّةٌ وذهبٌ حكماً، فلم يجزْ بيعُ الخالصين به، ولا بيعُ بعضِهِ ببعضٍ إلا متساوياً وزناً، وإن غَلَبَ عليهما الغشِّ فهما في حكمِ العرضينِ، فبيعُهُ بالفضّةِ الخالصةِ على وجوهٍ: حليةُ السَّيفِ): أي إن كانت الفضّةُ الخالصةُ مثل الفضّة التي في الدَّراهمِ، أو أقلَّ أو لا يدري لا يصحَّ، وإن كانت أكثرَ يصحُّ إن لم يفترقا بلا قبضٍ. (وبجنسِهِ متفاضلاً صحَّ بشرطِ القبضِ في المجالس)، وإنِّما يصحُّ صرفاً للجنسِ إلى خلافِ الجنس؛ لأنَّه في حكمِ شيئينِ فضّةٌ وصُفر (٢)، فإذا شُرطَ القبضُ في الفضّةِ شُرطَ في الصُّفرِ؛ لعدم التَّمييز.

стр. 762

وإن شرى سلعةً بالدَّراهم المغشوشة أو بالفلوسِ النَّافقةِ صحَّ، فإن كَسَدَتْ بطلَ، ولو استقرضَ فلوساً فكسدتْ يَجِبُ مثلُها، ومَن شرى شيئاً بنصفِ درهمٍ فلوسٍ، أو دانق فلوسٍ، أو قيراطٍ فلوس صحَّ وعليه ما يُباعُ بنصف درهمٍ، أو دانق، أو قيراطٍ منها (وإن شرى سلعةً بالدَّراهم المغشوشة أو بالفلوسِ النَّافقةِ صحَّ، فإن كَسَدَتْ (١) بطلَ): أي كسدتِ الفلوس قبل تسلُّمِها بطلَ عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يبطلُ، فعند أبي يوسفَ ﵁ يَجِبُ قيمتُها يومَ البيع، وعند محمدٍ ﵁ آخرُ ما يتعاملُ به الناس. (ولو استقرضَ فلوساً فكسدتْ يَجِبُ مثلُها)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ يَجِبُ قيمتُها يومَ القبضِ، وعند محمّدٍ ﵁ يوم الكساد (٢) كما مرَّ. (ومَن شرى شيئاً بنصفِ درهمٍ فلوسٍ، أو دانق (٣) فلوسٍ، أو قيراطٍ (٤) فلوس صحَّ وعليه ما يُباعُ بنصف درهمٍ، أو دانق، أو قيراطٍ منها): أي اشترى … (٥) بنصفِ درهمٍ أو دانقٍ أو قيراطٍ على أن يُعطى عوض ذلك الثَّمن فلوساً صحَّ، وعلى المشتري من الفلوسِ ما يُعطى في مقابلةِ ذلك الثَّمن، والقيراطُ عند الحسَّابِ نصف عشرِ المثقال (٦)، وعند زفرٍ ﵁ لا يجوزُ هذا البيع؛ لأنَّ الفلوسَ عدديَّةٌ، وتقديرُها بالدَّانقِ ونحوه ينبئُ عن الوزنِ، ولنا: أن الثَّمنَ هو الفلوس، وهي معلومة (٧).

стр. 763

ولو قال لمن أعطاه درهما: أعطني بنصفِهِ فلوساً وبنصفِهِ نصفاً إلاَّ حبَّةً فَسَدَ البيعُ أصلاً، بخلاف: أعطني نصفَ درهمٍ فلوساً ونصفاً إلا حبَّةً، فالنِّصفُ إلا حبَّةً بمثلِهِ، وما بقي بالفلوس. ولو كرَّر: أعطني أعطني صحَّ في الفلوسِ فقطْ (ولو قال لمن أعطاه درهما: أعطني بنصفِهِ فلوساً وبنصفِهِ نصفاً إلاَّ حبَّةً فَسَدَ البيعُ أصلاً): أي قال: أعطني بنصفِهِ فلوساً وبنصفِهِ ما ضُرِبَ من الفضّةِ على وزنِ نصفِ درهمٍ إلا حبَّةً فيلزمُ الرِّبا. (بخلاف: أعطني نصفَ درهمٍ فلوساً ونصفاً إلا حبَّةً): أي إن أعطاهُ الدِّرهم، وذكرَ الثَّمنَ ولم يقسمْهُ على أجزاءِ الدَّرهمِ، (فالنِّصفُ إلا حبَّةً بمثلِهِ، وما بقي بالفلوس. ولو كرَّر: أعطني أعطني صحَّ في الفلوسِ فقطْ): أي كرَّر لفظ أعطني في الصُّورةِ الأولى، وهي تقسيمُ الدِّرهم، صحَّ في الفلوسِ، ولم يَصِحَّ في نصفِ الدِّرهمِ إلا حبَّةً؛ لأنَّه لَمَّا كرَّر أعطني صارَ بيعين (١). * * *

стр. 764

كتاب الكفالة ضَمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في المطالبةِ لا في الدَّين، هو الأصحُّ، وهي ضربان: بالنَّفسِ. والمالِ. فالأَوَّلُ ينعقدُ: بكفلت بنفسِه، ونحوها ممَّا يُعبَّرُ به عن بدنِه، وبنصفِه، وبثلثِه، وبضمنته، أو عليَّ، أو إليَّ، أو أنّا به زعيم، أو قبيل. ويلزمُهُ إحضارُ المكفولِ به إن طلبَ المكفولُ له، فإن لم يحضرْهُ يحبسُه الحاكم. وإن عيَّنَ وقتَ التَّسليم لزمَهُ ذلك. ويبرأُ: بموتِ مَن كفلَ به ولو أنَّه عبدٌ كتاب الكفالة (… (١) ضَمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في المطالبةِ لا في الدَّين، هو الأصحُّ)، وعند البعضِ ضَمُّ الذمّةِ إلى الذِّمَّةِ في الدَّين؛ لأنَّه لو لم يثبتِ الدَّينُ لم يثبتِ المطالبة، والأصحُّ هو الأوَّلُ؛ لأنَّ الدَّينَ لا يتكررُ، فإنَّه لو أوفاه أحدُهما لا يبقى على الآخرِ شيءٌ. (وهي ضربان: بالنَّفسِ. والمالِ. فالأَوَّلُ ينعقدُ: بكفلت بنفسِه، ونحوها ممَّا يُعبَّرُ به عن بدنِه، وبنصفِه، وبثلثِه، وبضمنته (٢)، أو عليَّ، أو إليَّ، أو أنّا به زعيم، أو قبيل. ويلزمُهُ إحضارُ المكفولِ به إن طلبَ المكفولُ له، فإن لم يحضرْهُ يحبسُه الحاكم. وإن عيَّنَ وقتَ التَّسليم لزمَهُ ذلك. ويبرأُ: بموتِ مَن كفلَ به ولو أنَّه عبدٌ)؛ وإنِّما قال هذا دفعاً لتوهُّمِ أنَّ العبدَ مال، فإذا تعذَّرَ تسليمُهُ لزمَهُ قيمتُه.

стр. 765

وبدفعِهِ إلى مَن كفلَ له حيث يُمْكِنُهُ مخاصمتُه، وإن لم يقلْ إذا دفعتُ إليك فأنا بريءٌ، فإن شَرْطَ تسليمَهُ في مجلسِ القاضي، وسَلَّمَهُ في السُّوقِ، أو في مصرٍ آخر برئ، وإن سَلَّم في بريةٍ، أو في السَّواد، أو في السِّجنِ، وقد حبسَهُ غيره لا، وبتسليمِ مَن كفل به نفسَهُ من كفالته (وبدفعِهِ إلى مَن كفلَ له حيث يُمْكِنُهُ مخاصمتُه، وإن لم يقلْ إذا دفعتُ إليك فأنا بريءٌ، فإن شَرْطَ تسليمَهُ في مجلسِ القاضي، وسَلَّمَهُ في السُّوقِ، أو في مصرٍ آخر برئ (١)، وإن سَلَّم في بريةٍ، أو في السَّواد، أو في السِّجنِ، وقد حبسَهُ غيره لا): قيل: في زماننا لا يبرأُ بتسليمِهِ في السوق؛ لأنَّه لا يعاونه أحدٌ على إحضارِهِ في مجلس القضاء، فعلى هذا إن سلَّمَهُ في مصرٍ آخر إنِّما يَبْرَأُ إذا سلَّمَهُ في موضعٍ يقدِرُ على إحضارِهِ في مجلسِ القاضي، حتَّى لو سلَّمَهُ في سوقِ مصرٍ آخرَ لا يَبْرَأ في زمانِنا؛ لعدمِ حصولِ المقصود. وقولُهُ: وقد حبسَهُ غيرُهُ؛ أي غيرُ هذا الطالب، قيل: إنِّما لا يَبْرأُ هاهنا إذا كان السِّجنُ سجنَ قاضٍ آخرَ، أمَّا لو كان السجنُ سجنَ هذا القاضي يَبْرأُ، وإن كان حبسَهُ غيرُ هذا الطَّالب؛ لأنَّ القاضي قادرٌ على إحضاره من سجنِه. (وبتسليمِ مَن كفل به نفسَهُ من كفالته (٢)): أي بتسليمِ المكفولِ به نفسه من كفالةِ الكفيل.

стр. 766

وبتسليم وكيلِ الكفيلِ ورسولِهِ إليه، ولو ماتَ المكفولُ له فللوصيِّ والوارثِ مطالبتُهُ به، فإن كفلَ بنفسِهِ على أنَّه إن لم يواف به غداً، فهو ضامنٌ لِما عليه، ولم يسلمْهُ غداً لزمَهُ ما عليه، ولم يبرأْ من كفالتِهِ بالنَّفسِ، وإن ماتَ المكفولُ عنه ضَمِنَ المال، (وبتسليم وكيلِ الكفيلِ ورسولِهِ إليه)، إليه: مُتعلِّق بالتَّسليم، والضَّميرُ يرجعُ إلى المكفولِ له. (ولو ماتَ المكفولُ له فللوصيِّ والوارثِ مطالبتُهُ به): أي مطالبةُ الكفيلِ بالمكفولِ به. (فإن كفلَ بنفسِهِ على أنَّه إن لم يواف به غداً): أي أن يأتِي به غداً، (فهو ضامنٌ لِما عليه، ولم يسلمْهُ غداً لزمَهُ ما عليه): خلافاً للشَّافِعِيِّ ﵁، له أنَّه إيجابُ المالِ بالشَّرط، فلا يجوزُ كالبيعِ. قلنا: إنَّه يشبه البيعَ ويشبه النَّذرَ، فإن علَّقَ بشرطٍ غيرَ ملائمٍ لا يصحُّ، وبملائمٍ يصحُّ عملاً بالشَّبَهين (١)، (ولم يبرأْ من كفالتِهِ بالنَّفسِ) لعدمِ سببِ البراءة، بل إنِّما يبرأُ إذا أدَّى المالَ؛ لأنَّه لم يبقَ للطالبِ على المكفولِ عنه شيءٌ، فلا فائدةَ في الكفالةِ بالنَّفس. (وإن ماتَ المكفولُ (٢) عنه ضَمِنَ المال): لوجودِ الشَّرط، وهو عدم الموافاة (٣).

стр. 767

ومَن ادَّعى على رجل مالاً بيَّنَه أو لا، فكفلَ بنفسِهِ آخرُ على أنَّه إن لم يوافِ به غداً، فعليه المالُ صحَّت، ويجبُ عند الشرطِ، ولا جبرَ على إعطاء الكفيلِ في حدٍّ وقصاصٍ (ومَن ادَّعى على رجل مالاً بيَّنَه أو لا، فكفلَ بنفسِهِ آخرُ على أنَّه إن لم يوافِ به غداً، فعليه المالُ صحَّت، ويجبُ عند الشرطِ): صورةُ المسألةِ ادَّعى رجلٌ على آخر مئة دينارٍ، فكفلَ بنفسِهِ رجلٌ على أنَّه إن لم يوافِ به غداً، فعليه المئة. فقولُهُ: مالاً: أي مالاً مقدَّراً. وقولُهُ: بيَّنَهُ أوَّلاً: أي بيَّنَ صفتَهُ على وجهٍ تصحُّ الدَّعوى، أو لم يُبَيِّنُ. وفي المسألةِ خلافُ محمّدٍ ﵁، فقيل: عدمُ الجوازِ عنده مبنيٌّ على أنَّه قال: فعليه المئة، ولم يقلْ المئة التي على المدَّعى عليه، فعلى هذا إن بيَّنَ المدِّعي المئة لا يكونُ كفالة عنده صحيحاً أيضاً، كما إذا لم يُبيِّنْ إلاَّ أن يقول: فعليه المئة التي يدَّعيها. وقيل: إنَّه مبنيُّ على أنَّه لمَّا لم يُبيِّن لم يصحَّ الدَّعوى، فلم يستوجبْ إحضارَه إلى مجلسِ القاضي، فلم يصحَّ الكفالةُ بالنفسِ، ولا يجوز الكفالةُ بالمال، فعلى هذا إن بيَّن يكون الكفالةُ صحيحةً (١) ولهما: أنَّه قال: فعليه المئة، أو عليه المال، فيرادُ به المعهودَ، فإن بيَّنَ المدَّعي فظاهرٌ، وإن لم يبيِّن فبعد ذلك، إذا بيَّنَ التحقَ البيانُ بأصلِ الدَّعوى، فتبيَّنَ صحَّةَ الكفالةِ بالنَّفسِ، فيترتبُ عليها الكفالةُ بالمال. (ولا جبرَ على إعطاء الكفيلِ في حدٍّ وقصاصٍ)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁،

стр. 768

ولو سمحَتْ نفسُهُ صحَّ، ولا حبسَ فيهما حتَّى يشهدَ مستوران أو عدلٍ، وصحَّ الرَّهنُ والكفالة بالخراجِ، وأُخِذَ الكفيلُ بالنَّفسِ، ثُمَّ آخر وهما كفيلانِ، وإن جُهِلَ المكفولُ به إذا صحَّ دينُهُ وعندهما يُجْبَرُ (١) في حدِّ القذفِ؛ لأنَّ فيه حقُّ العبدِ، وفي القصاصِ؛ لأنَّه خالصُ حقِّ العبدِ، ولأبي حنيفةَ ﵁ أن مبناهما على الدرء، فلا يجبُ فيهما الاستيثاق، (ولو سمحَتْ نفسُهُ صحَّ): أي لو سمحَتْ نفسُ مَن عليه الحدُّ، أو القصاصُ فأعطى كفيلاً بالنَّفسِ صحّ. (ولا حبسَ فيهما حتَّى يشهدَ مستوران أو عدلٍ): لما ذُكِرَ أنَّه لا جبرَ على الكفالةِ عند أبي حنيفةَ ﵁. ذَكَرَ ماذا يصنعُ صاحبُ الحقّ، فعنده يلازمُهُ إلى وقتِ قيامِ القاضي عن المجلس، فإن أحضرَ البيَّنةَ فيها، وإن أقامَ مستورينِ أو شاهداً عدلاً لا يكفلُ عند أبي حنيفة ﵁، بل يحبسُهُ للتُّهمةِ حتَّى يتبيَّنَ الحقُّ، وإن لم يحضرْ شيئاً خلَّى سبيلَه. (وصحَّ الرَّهنُ والكفالة بالخراجِ) (٢)؛ لأنَّه دينٌ مطالبٌ بخلافِ الزّكاةِ؛ لأنَّها مجرَّدُ فعلٍ، وإنِّما أوردَ هذه المسألةَ هاهنا، وإن كان الحقُّ أن تُذْكَرَ في الكفالةِ بالمال؛ لأنَّه في ذِكْرِ الكفالةِ بالنَّفسِ في الحدودِ والقصاصِ، وللخراجِ مناسبةٌ بالحدودِ لِمَا عُرِفَ في أصولِ الفقه: أن فيه معنى العقوبة (٣)؛ فلهذه المناسبةِ أوردَها هاهنا لِيُعْلَمُ أن حكمَهُ حُكْمُ الأموالِ حتَّى يُجْبَرَ فيه على الكفالةِ بالنَّفسِ بناء على صحَّةِ الكفالةِ فيه. (وأُخِذَ الكفيلُ بالنَّفسِ، ثُمَّ آخر وهما كفيلانِ): أي ليس أَخْذُ الكفيلِ الثَّاني تركاً للأَوَّلِ. (والكفالةُ بالمالِ تصحُّ: وإن جُهِلَ المكفولُ به إذا صحَّ دينُهُ): الدَّينُ الصحيحُ دينٌ لا يسقطُ إلا

стр. 769

نحو: كفلتُ بما لَكَ عليه، أو بما يدركك في هذا البيعِ، أو علَّقَ الكفالةَ بشرطٍ ملائمٍ، نحو: ما بايعت فلاناً، أو ما ذاب لك عليه، أو ما غصبَك فعلي، وإن علَّقت بمجرَّدِ الشَّرطِ فلا: كإن هَبَّتِ الرِّيحُ، أو جاءَ المطر. فإن كفلَ بما لك عليه ضَمِنَ قَدْرَ ما قامتْ به بيِّنةٌ، وبلا بيّنةٍ صُدِّقَ الكفيلُ بالأداء أو الإبراءِ، وهو احترازٌ عن بدلِ الكتابةِ، فإنَّه دينٌ غيرُ صحيحٍ، إذ المولى لا يستوجبُ على عبدِهِ ديناً، وهو يسقطُ بالعجز، (نحو: كفلتُ بما لَكَ عليه)، تصحُّ هذه الكفالةُ وإن كان المالُ المكفولُ به مجهولاً. (أو بما يدركك في هذا البيعِ)، هذا الضمانُ يسمَّى ضمانَ الدَّرَكِ، وهو ضمانُ الاستحقاقِ، أي يضمنُ للمشتري برد الثَّمنِ إذا استحقَّ المبيعُ مستحقٌّ. (أو علَّقَ الكفالةَ بشرطٍ ملائمٍ، نحو: ما بايعت فلاناً (١)، أو ما ذاب لك عليه، أو ما غصبَك فعلي): ما ذابَ: أي ما وَجَبَ، ففي هذه الصُّورة: ما؛ شرطيّةٌ معناهُ إن بايعتَ فلاناً، فيكون في معنى التَّعليق، وعنى بالملائمِ (٢): المناسبِ، فإنَّ هذه الأشياءَ أسبابٌ لوجوبِ المال، فيناسبُ ضمَّ الذَّمةِ إلى الذَّمة. فقولُهُ: ما بايعت فلاناً: أي ما بايعتُ منه، فإنِّي ضامنٌ بثمنِهِ لا ما اشتريتُ منه، فإنِّي ضامنٌ للمبيع، فإن الكفالةَ بالمبيعِ لا يجوزُ على ما يأتي (٣). (وإن علَّقت بمجرَّدِ الشَّرطِ فلا (٤): كإن هَبَّتِ الرِّيحُ، أو جاءَ المطر. فإن كفلَ بما لك عليه ضَمِنَ قَدْرَ ما قامتْ به بيِّنةٌ (٥)، وبلا بيّنةٍ صُدِّقَ الكفيلُ

стр. 770

فيما يُقِرُّ به مع حَلْفِهِ، والأصيلُ فيما يُقِرُّ بأكثر منه على نفسِهِ فقط، وللطالبِ مطالبةُ مَن شاءَ من أصيلِهِ وكفيلِهِ، ومطالبتُهما، فإن طالبَ أحدَهما، فله مطالبةُ الآخرِ، وتصحُّ بأمرِ الأصيلِ وبلا أمرِه، ثمَّ إن أمرَه رجعَ عليه بعد أدائِهِ إلى طالبِه، ولا يطالبُهُ قبلَه فيما يُقِرُّ به مع حَلْفِهِ، والأصيلُ فيما يُقِرُّ بأكثر منه على نفسِهِ فقط): أي إن لم يقم البيِّنةَ صُدِّقَ الكفيلُ في مقدارِ ما يُقِرُّ به مع أنه يحلفُ على نفي الزِّيادةِ، وينبغي أن يحلفَ على العلمِ بأنَّكَ لا تعلمُ أنَّ أكثرَ من هذا واجبٌ على الأصيلِ، فإن كَفِلَ أو أقرَّ بالزَّائدِ لَزِمَ عليه، وإنِّما يحلفُ على العلم؛ لأنَّ الحلفَ فيما يَجِبُ على الغيرِ ليس إلاَّ على العلم. وإن أقرَّ الأصيلُ بأكثرَ ممِّا أقرَّ به الكفيلُ يكونُ ذلك مقتصراً عليه؛ لأنَّ الإقرارَ حجَّةٌ قاصرةٌ. وكلمةُ: ما؛ في قولِهِ: فيما يُقِرُّ به؛ موصولةً، والضَّميرُ في به راجعٌ إلى: ما. وفى قوله: فيما يُقِرُّ بأكثرَ منه مصدريةً: أي صُدِّقَ الأصيلُ في إقرارِهِ بأكثر منه: أي ممِّا يقرُّ به الكفيلُ، ولو جعلتْ موصولةً يفسدُ المعنى؛ لأنَّه حينئذٍ يصيرُ تقديرُ الكلامِ صُدِّقَ الأصيلُ في الشَّيءِ الذي يُقِرُّ بأكثرَ منه: أي من ذلك الشِّيءِ، فالشيءُ الذي يُقِرُّ الأصيلُ بأكثرَ منه، هو ما أقرَّ به الكفيلُ، والغرضُ أن الأصيلَ يُصَدَّقُ في الأكثرِ لا أنَّه يُصَدَّقُ فيما أقرَّ به الكفيلُ. (وللطالبِ مطالبةُ مَن شاءَ من أصيلِهِ وكفيلِهِ، ومطالبتُهما، فإن طالبَ أحدَهما، فله مطالبةُ الآخرِ)، هذا بخلافِ المالكِ إذا اختارَ أحدَ الغاصبين؛ لأنَّ اختيارَهُ أحدَهما يتضمَّنُ تمليكَهُ: يعني إذا قضى القاضي بذلك. كذا في «مبسوطِ شيخ الإسلام» (١)، فإذا مَلَّكَ أحدَهما لا يُمْكِنَهُ أن يُمَلِّكَ الآخرَ. (وتصحُّ … (٢) بأمرِ الأصيلِ وبلا أمرِه، ثمَّ إن أمرَه رجعَ عليه بعد أدائِهِ إلى طالبِه، ولا يطالبُهُ قبلَه)، بخلافِ الوكيلِ في الشَّراءِ؛ فإنَّه إذا اشترى كان له مطالبةُ الثَّمنِ

стр. 771

وإن لم يأمرْهُ لم يرجعْ. فإن لوزمَ الكفيلُ بالمالِ فله ملازمةُ أصيلِه، وإن حُبِسَ فله حبسُهُ، وإن أُبْرئ الأصيلُ أو أوفى المالَ بَرِئ الكفيلُ، وإن أُبرئ هو لا يَبْرَأُ الأصيلُ، وإن أخَّرَ عن الأصيلِ تأخَّرَ عنه بخلافِ عكسِه، فإن صالحَ الكفيلُ الطالبَ عن ألفٍ على مئةٍ بَرِئَ الكفيلُ والأصيل، ورَجَعَ على الأصيلِ بها إن كَفِلَ بأمرِه، وإن صالحَ على جنسٍ آخرَ رَجَعَ بالألفِ من موكِّلِهِ قبلَ أدائِهِ إلى البائِعِ؛ لأنَّهُ انعقدَ بين الوكيلِ والموكِّلِ مبادلةٌ حكمية، (وإن لم يأمرْهُ لم يرجعْ. فإن لوزمَ الكفيلُ بالمالِ فله ملازمةُ أصيلِه، وإن حُبِسَ فله حبسُهُ) (١): لأنَّهُ لحقَهُ هذا الضَّررُ بأمرِهِ فيعاملُهُ بمثلِه. (وإن أُبْرئ الأصيلُ أو أوفى المالَ بَرِئ الكفيلُ، وإن أُبرئ هو لا يَبْرَأُ الأصيلُ)؛ لأنَّ الدَّينَ على الأصيلِ، فالبراءةُ عنه تُوجِبُ البراءةَ عن المطالبةِ بخلافِ العكس، (وإن أخَّرَ عن الأصيلِ تأخَّرَ عنه بخلافِ عكسِه)، اعتباراً للإبراءِ المؤقَّتِ بالمؤبَّدِ. (فإن صالحَ الكفيلُ الطالبَ عن ألفٍ على مئةٍ بَرِئَ الكفيلُ والأصيل، ورَجَعَ على الأصيلِ بها إن كَفِلَ بأمرِه)؛ لأنَّهُ أضافَ الصُّلْحَ إلى الألفِ الذي هو الدَّين، وهو على الأصيل، فيبرأُ عن تسعِمئةٍ، وبراءتُهُ توجِبُ براءةَ الكفيل، فإن كانت الكفالةُ بأمرِه، رجعَ الكفيلُ بما أدَّى، وهو المئة. (وإن صالحَ على جنسٍ آخرَ رَجَعَ بالألفِ) (٢)؛ لأنَّهُ مبادلةٌ (٣) فيملِكُهُ الكفيلُ، فيرجعُ بجميعِ الألف. فإنّ قلتَ: إن الدَّينَ على الأصيلِ، فكيف يملِّكُهُ الكفيل؛ لأنَّ تمليكَ الدَّينِ من غيرِ مَن عليه الدَّينُ لا يصحُّ.

стр. 772

وإن صالحَ عن مُوجَبِ الكفالةِ لم يَبْرأْ الأصيل، وإن قالَ الطالبُ للكفيلِ: بَرِئتَ إليَّ من المالِ، رجعَ إلى أصيله، وكذا في بَرِئْتَ عند أبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمدٍ ﵁، وفي أبرأتُكَ لا يرجعُ، ولا يصحُّ تعليقُ البراءةِ عن الكفالةِ بشرطِ كسائرِ البراءات، كما إذا قال: إن قدمَ فلانٌ من السفرِ أبرأتك من الدَّينِ لا يصحُّ البراءةُ منه. قلت: أمَّا عند مَن جَعَلَ الكفالةَ ضمُّ الذمّةِ إلى الذمّةِ في الدَّينِ فظاهرٌ، وأمَّا عند الآخرينَ، فإنَّ المكفولَ له إذا مَلَكَ الدَّين من الكفيلِ إما بالهبةِ، أو بالمعاوضةِ، فالدَّينُ يُجْعَلُ ثابتاً في ذمَّةِ الكفيلِ ضرورةَ صحَّةَ التَّمليك. كذا قالوا. (وإن صالحَ عن مُوجَبِ الكفالةِ لم يَبْرأْ الأصيل)؛ لأن هذا الصَّلحَ إبراءُ الكفيلِ عن المطالبة، فلا (١) يوجبُ براءةَ الأصيل. (وإن قالَ الطالبُ للكفيلِ: بَرِئتَ إليَّ من المالِ، رجعَ إلى أصيله): لأنَّ البراءةَ التي ابتداؤها من الكفيلِ وانتهاؤها إلى الطَّالبِ لا تكونُ إلا بالإيفاءِ كأنَّه قال: بَرِئتَ بالأداءِ إليَّ، فيرجعُ بالمالِ على الأصيلِ إن كانت الكفالةُ بأمرِه. (وكذا في بَرِئْتَ عند أبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمدٍ ﵁)، له: إن البراءةَ تكون بالأداءِ، أو الإبراء، فيثبتُ بالأدنى. ولأبي يوسف ﵁: إنَّه إن أقرَّ بالبراءةِ التي ابتداؤها من المطلوبِ، وهي بالأداءِ فيرجع. (وفي أبرأتُكَ لا يرجعُ)، قيل في جميعِ ذلك إن كان الطالبُ حاضراً يرجعُ إليه في البيان. (ولا يصحُّ (٢) تعليقُ البراءةِ عن الكفالةِ بشرطِ (٣) كسائرِ البراءات، كما إذا قال: إن قدمَ فلانٌ من السفرِ أبرأتك من الدَّينِ لا يصحُّ البراءةُ منه.

стр. 773

ولا الكفالةُ بما تعذَّرَ استيفاؤهُ من الكفيلِ، كالحدودِ والقصاصِ، وبالمبيع بخلافِ الثَّمنِ، وبالمرهونِ، وبالأمانةِ: كالوديعةِ، والمستعارِ، والمستأجَرِ، ومالِ المضاربةِ، والشَّركةِ، وبالحملِ على دابّةٍ مستأجَرةٍ معيَّنةٍ بخلافِ غير المعيَّنةِ ولا الكفالةُ بما تعذَّرَ استيفاؤهُ من الكفيلِ، كالحدودِ والقصاصِ، وبالمبيع بخلافِ الثَّمنِ). اعلم أن الكفالةَ بتسليمِ المبيعِ تصحُّ، لكن لو هلكَ لا يَجِبُ على الكفيلِ شيءٌ، فمرادُ «المتن» الكفالةُ بماليّةِ المبيعِ؛ وذلك لأنَّ ماليّتَهُ (١) غيرُ مضمونةٍ على الأصيلِ، فإنَّه لو هَلَكَ ينفسخُ البيعُ، ويَجِبُ ردُّ الثَّمَنِ بخلاف الثمن. (وبالمرهونِ): أي بماليتِهِ لكن يصحُّ بتسليمِ المرهونِ، فلو هلكَ لا يَجِبُ عليه شيءٌ، فالحاصلُ أن الكفالةَ بماليَّةِ الأعيانِ المضمونةِ بالغيرِ لا تصحُّ، فأمَّا بالأعيان المضمونةِ بنفسِها تصحُّ عندنا خلافاً للشَّافِعِيِّ (٢) ﵁، وذلك مثل: المبيع بيعاً فاسداً، والمغصوب، والمقبوض على سومِ الشَّراءِ، فإنَّه مضمونٌ بالقيمةِ. (وبالأمانةِ: كالوديعةِ، والمستعارِ، والمستأجَرِ، ومالِ المضاربةِ، والشَّركةِ)، … قالوا الكفالةُ بماليَّةِ الوديعةِ والعاريةِ لا تصحُّ، أمَّا بتمكينِ المالك من أخذِ الوديعةِ يصحُّ، وكذا بتسليمِ العاريةِ. (وبالحملِ على دابّةٍ مستأجَرةٍ معيَّنةٍ) (٣)، إذ لا قُدْرَةَ له على تسليمِ دابّةِ المكفولِ عنه، (بخلافِ غير المعيَّنةِ): فإن المستحقَّ هاهنا الحملُ على أي دابّةٍ كانت، فالقدرةُ ثابتةٌ هاهنا.

стр. 774

وبخدمةِ عبدٍ مستأجرٍ لها معينٌ، وعن ميْتٍ مُفلِس، وبلا قَبولِ الطَّالبِ في المجلس، إلاَّ إذا كَفِلَ عن مورِّثِهِ في مرضِهِ مع غيبةِ غرمائِه، وبمالِ الكتابةِ حرُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ (وبخدمةِ عبدٍ مستأجرٍ لها معينٌ): لما ذَكَرَ في الدَّابة. (وعن ميْتٍ مُفلِس (١)) (٢)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ بناءً على أن ذمَّةَ الميْتِ قد ضَعُفَتْ، فلا يجبُ عليها إلاَّ بأن يَتَقَوَّى بأحدِ الأمرينِ: إمَّا بأن يبقى منه مالٌ. أو يبقى كفيلٌ كَفِلَ عنه في أيَّام حياتِه، فيكون الدين حينئذٍ ديناً صحيحاً، فيصحُّ الكفالة. وعندهما: إذا ثَبَتَ الدَّينُ ولم يوجدْ مسقطٌ يكونُ ديناً صحيحاً فيصحُّ الكفالةَ. (وبلا قَبولِ الطَّالبِ في المجلس)، وعند أبي يوسفَ (٣) ﵁ إذا بلغَهُ الخبر، وأجازَ جاز، وهذا الخلافُ في الكفالةِ بالنَّفسِ والمالِ معاً، (إلاَّ إذا كَفِلَ عن مورِّثِهِ في مرضِهِ مع غيبةِ غرمائِه)، صورتُهُ: أن يقولَ المريضُ لوارثِهِ في غيبةِ الغرماء: تكفَّلُ عنِّي بما عليَّ من الدينِ، فكَفِلَ جازَتْ، وإنِّما يصحُّ (٤)؛ لأن ذلك في الحقيقةِ وصيّةٌ؛ ولهذا لا يشترطُ تسميةُ المكفولِ له. (وبمالِ الكتابةِ حرُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ)؛ لأنَّه دينٌ يَثْبُتُ مع المنافي، وإنِّما قال: حُرُّ

стр. 775

ولا يرجعُ أصيلٌ بألفٍ أدَّى إلى كفيلِه، وإن لم يعطِها طالبَه، وما رَبِحَ فيها الكفيلُ، فهو له، ولا يتصدَّقُ به، وربحُ كُرٍّ كفلَ به وقبضَهُ له، ورَدَّهُ إلى قاضيه أحبُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ؛ لرفعِ توهُّمِ أن كفالةَ العبدِ به ينبغي أن تصحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ ثبوتُ مثل هذا الدَّينَ عليه؛ لأنَّ العبدَ محلُّ الكتابةِ فخصَّهُ دفعاً لهذا الوهم. (ولا يرجعُ أصيلٌ بألفٍ أدَّى إلى كفيلِه، وإن لم يعطِها طالبَه): أي إذا عجَّلَ الأصيلُ، فأدَّى المالَ (١) إلى الكفيلِ الذي كَفِلَ بأمرِهِ ليس له أن يستردَّها مع أن الكفيلَ لم يعطِها للطَّالبِ، كما إذا عجَّلَ أداء الزَّكاةِ للسَّاعي؛ لأنَّ الكفالةَ بأمرِ المكفولِ عنه انعقدت سبباً للدَّينينِ: دينِ الطَّالبِ على الكفيلِ، ودينِ الكفيلِ على المكفولِ عنه مؤجَّلاً إلى وقتِ أدائِه، فإذا وُجِدَ السَّببُ وعجَّلَ صحَّ الأداءُ، وملكَهُ الكفيلُ، فلا يستردُّهُ المكفولُ عنه، وهذا بخلافِ ما إذا أدَّاه على وجه الرِّسالة؛ لأنّه حينئذٍ تمحّضَ أمانةً في يدِه. (وما رَبِحَ فيها الكفيلُ، فهو له، ولا يتصدَّقُ به): أي إذا عامل الكفيلُ في الألفِ التي أدَّى الأصيلُ إليه ورَبِحَ فيها، فالرِّبْحُ له حلالاً طيباً، لا يَجِبُ تَصَدُّقُه لِمَّا أنَّه ملكَهُ. (وربحُ كُرٍّ كفلَ به وقبضَهُ له، ورَدَّهُ إلى قاضيه أحبُّ). قولُهُ: وربحُ كُرٍّ مبتدأٌ. وله: خبرُهُ. أي إن كانت الكفالةُ له بكُرِّ حنطةٍ، فأدَّاهُ الأصيلُ إلى الكفيلِ، فباعَهُ الكفيل، ورَبِحَ فيه، فالرِّبحُ له، لكن ردّه إلى قاضيه، وهو الأصيلُ أحبُّ، لكنَّه تمكن فيه خبثٌ بسبِب أن للأصيلِ حقُّ استردادِه، على تقدير أن يقضي الأصيلُ الدَّينَ بنفسِه، فيكون حقُّ الأصيلِ متعلِّقاً به، فهذا الخبثُ يعملُ فيما يتعيَّن بالتَّعيينِ: كالكُرِّ بخلاف ما لا يتعيَّنُ بالتَّعيينِ:
следующие страницы →