← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11262

شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب

عبد المحسن العباد

Полный текст (97 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا شرح لرسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المشتملة على شروط الصلاة وأركانها وواجباتها؛ فأقول: قد اشتملت هذه الرسالة على شروط الصلاة التسعة وأركانها الأربعة عشر وواجباتها الثمانية، وعند ذكره ﵀ الشرط الرابع من شروط الصلاة وهو رفع الحدث ذكر شروط الطهارة العشرة وفروض الوضوء الستة، وواجبه الذي هو التسمية مع الذكر ونواقضه الثمانية، وفي كلامه على أركان الصلاة فسر سورة الفاتحة باختصار وشرح ألفاظ الاستفتاح والتشهد.

стр. 2

شروط الصلاة الشروط جمع شرط، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، والمعنى أنه يلزم من كون الإنسان غير متطهر ألا تصح له صلاة، لأن شرط الصلاة الطهارة، لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". رواه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٥٣٧) عن أبي هريرة. وقد يتوضأ الإنسان ثم يحدث دون أن يصلي صلاة بذلك الوضوء، فلا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة. قوله: " الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة:١٧] ، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا

стр. 3

إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] كل عمل يتقرب به إلى الله في هذه الأمة لا ينفع صاحبه إلاّ إذا كان مسبوقاً بشهادة ألا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ومبنياً عليهما، فلابد من إخلاص العمل لله وهو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله، ولابد من متابعة رسول الله ﷺ وهو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ، وكل عمل يعمله الكافر فإنه لا ينفعه عند الله ، لفقده شرط الإسلام، وقد استدل الشيخ ﵀ لرد أعمال الكفار وعدم قبولها منهم بالآيتين من سورة التوبة وسورة الفرقان، لأن آية التوبة ختمت ببيان حبوط أعمال الكفار، وآية الفرقان بيّنت أن أعمالهم لا عبرة بها، وأنها مثل الهباء المنثور أي بطلت واضمحلت. قوله: [الثاني: العقل، وضده الجنون، والمجنون مرفوع

стр. 4

عنه القلم حتى يفيق، والدليل حديث: "رفع القلم عن ثلاثة، النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ"] . لابد للمصلي في صلاته أن يكون حاضر العقل ليس فاقداً له بجنون أو سكر، لأن المجنون مرفوع عنه القلم غير مكلف، والسكران أفقد نفسه عقله فألحقها بالمجانين، فلا يعقل صلاته، وقد استدل الشيخ ﵀ بحديث "رفع القلم عن ثلاثة" وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة ﵂، وانظر إرواء الغليل للألباني (٢٩٧) . قوله: [الثالث: التمييز، وضده الصغر، وحدّه سبع سنين، ثم يؤمر بالصلاة لقوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع"] .

стр. 5

إذا بلغ الصغير سن التمييز وهو سبع سنين أمر بالصلاة ليس على سبيل الإيجاب، لأن الوجوب إنما يكون بعد البلوغ، وأمره بالصلاة في هذه السن ليتعود على الصلاة والاتيان بها على الوجه المشروع، وإذا بلغ عشر سنين تأكّد أمره بها وأدّب على ذلك بالضرب غير المبرح لقوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع"، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (٦٧٥٦) (٦٦٨٩) وأبو داود (٤٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وأخرجه أبو داود (٤٩٤) من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ وانظر إرواء الغليل (٢٤٧) . قوله: [الشرط الرابع: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف، وموجبه الحدث] . الحدث: هو كل خارج من السبيلين وكذا أي ناقض للوضوء، والحدث هو الذي يوجب الوضوء،

стр. 6

والحدث حدثان: حدث أكبر وهو ما يوجب الغسل وهو الجنابة والحيض والنفاس، وحدث أصغر وهو ما يوجب الوضوء، ورفع الحدث يكون بالغُسل والوضوء لمن وجد الماء أو قدر على استعماله، فإذا لم يوجد الماء أو وجد ولكن لم يُقدر على استعماله انتُقل إلى رفع كل من الحدث الأكبر والأصغر بالتيمم، وإذا تيمم للحدث الأكبر ثم وجد الماء اغتسل لقوله ﷺ : "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير". أخرجه الترمذي (١٢٤) وغيره عن أبي ذر ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (١٥٣) ، وإذا اغتسل من عليه حدث أكبر ونوى رفع الحدث الأكبر والأصغر ارتفعا، أما إذا أفاض الماء على جسده في غسل الجمعة أو التبرد ونوى رفع الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع، لأن هذا الاغتسال ليس فيه رفع حدث.

стр. 7

شروط الوضوء قوله: [وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه] . تقدّم الكلام على شروط الإسلام والعقل والتمييز، وأما شرط النية فإنه عند وضوئه ينوي بقلبه رفع الحدث ولا يتلفظ بلسانه، وكذا في جميع العبادات ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه إلاّ في الحج والعمرة فله أن يتلفظ بما نواه فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجّاً أو لبيك حجّاً وعمرة، ولو غسل وجهه عند قيامه من النوم لا يريد الوضوء ثم بدا له أن يتوضأ فإنه يلزمه أن يغسل وجهه للوضوء ولا يكتفي بغسله السابق لعدم وجود نية الوضوء عند ذلك الغسل، ولو اغتسل

стр. 8

من عليه جنابة للتبرد ناسياً الجنابة فإنه لا يجزئه عن غُسل الجنابة لعدم وجود النية، ومع نية الطهارة يستصحب حكمها حتى تتم الطهارة، فلو نوى قطع النية في أثناء الوضوء ثم أراد إكمال الوضوء فليس له ذلك بل يتعين عليه البدء بالوضوء من أوله، ولا يكمل ما بقي عليه لأنه قد ألغى ما حصل منه، وهذا هو الشرط الخامس، والشرط السادس انقطاع موجب، أي انقطاع موجب الوضوء وهو الحدث، وذلك بأن ينتظر عند قضاء حاجته حتى انقطاع ما يخرج من السبيلين فلا يشرع في الوضوء قبل الانقطاع. والشرط السابع: الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء، وهذا إذا كان الخارج من السبيلين بولاً أو غائطاً، أما خروج الريح فإنه لا استنجاء ولا استجمار فيه، والاستجمار يغني عن الاستنجاء إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، فإن تجاوزه احتيج مع ذلك إلى الاستنجاء لإزالة النجاسة.

стр. 9

والشرط الثامن: طهورية ماء وإباحته وهما شيئان، والشيخ ﵀ جعل الشروط عشرة وذكر بعد هذا شرطين، وعلى هذا يكون اعتبر الطهورية والإباحة شرطاً واحداً، ويشترط في ماء الوضوء أن يكون طهوراً فلا يتطهر بماء متنجس، وأن يكون الماء مباحاً ليس مغصوباً، وهذا الأخير محل خلاف وفي اشتراطه نظر، والأظهر أن من توضأ بماء مغصوب فالوضوء صحيح، وهو آثم على الغصب، ومثله من صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير فإن صلاته صحيحة، وهو آثم في الغصب وفي لبس الحرير. والشرط التاسع: إزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة فلابد في الوضوء من وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، ويجب إزالة مايمنع وصوله إليها كالطين والعجين والطلاء ونحو ذلك مما يغطي البشرة، أما ما يغير اللون ولا يغطي البشرة كالحناء فإن ذلك لا يؤثر.

стр. 10

والشرط العاشر: دخول وقت على من حدثه دائم لفرضه، والمعنى أن من كان به سلس بول أو تخرج منه الريح باستمرار وكذا المرأة المستحاضة، فإن هؤلاء يتوضؤون عند دخول الوقت لكل صلاة مفروضة، فلو توضأ أحدهم لصلاة الظهر بعد دخول وقتها وصلاها ثم دخل عليه وقت العصر، فلا يصلي العصر بوضوء الظهر، بل عليه أن يتوضأ بعد دخول العصر لصلاة العصر، ويدل لذلك أمره ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش - وكانت مستحاضة - أن تتوضأ لكلِّ صلاة، أخرجه البخاري (٢٢٨) من حديث عائشة ﵂.

стр. 11

فروض الوضوء قوله: [وأما فروضه فستة: غسل الوجه - ومنه المضمضة والاستنشاق - وحدّه طولاً: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً: إلى فروع الأذنين،

стр. 12

وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس - ومنه الأذنان - وغسل الرجلين إلى الكعبين والترتيب والموالاة، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (﴾ [المائدة:٦] ، ودليل الترتيب حديث: "ابدؤا بما بدأ الله به"، ودليل الموالاة حديث صاحب اللمعة: عن النبي ﷺ أنه لما رأى رجلاً في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره بالإعادة] . صفة الوضوء جاءت مبينة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ففي كتاب الله جاءت في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (﴾ [المائدة:٦] ، ومعنى قوله: (إذا قمتم إلى الصلاة) أي: أردتم القيام لها وأنتم

стр. 13

على غير طهارة، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] ، أي: إذا أردت القراءة، وأما سنة الرسول ﷺ فقد جاءت من قوله وفعله ﷺ ومن ذلك: عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان دعا بوَضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسَلَهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثاً، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه". رواه البخاري (١٦٤) ومسلم (٢٢٦) ، وغسل الأعضاء ثلاثاً هو الوضوء الكامل، ولا يجوز الزيادة على ذلك، وقد جاء الوضوء مرتين مرتين ومرة مرة، والوضوء الواجب مرة واحدة

стр. 14

مستوعبة جميع أعضاء الوضوء، وفروض الوضوء ستة: الأول: غسل الوجه، وحدّه طولاً من منابت شعر الرأس إلى ما استرسل من اللحية، وعرضاً: ما دون الأذنين، والأذنان في الوضوء من الرأس فتمسحان، وليستا من الوجه فتغسلان، وتخليل اللحية مستحب، والواجب في غسل الوجه غسل ما به المواجهة، فلا يدخل في ذلك تخليل اللحية، ويدخل في غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عثمان ﵁ وغيره. الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين: وذلك من أطراف الأصابع إلى نهاية المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل، ولا يكفي في غسل الكفين في الوضوء غسلهما قبل بدء الوضوء، لأن ذلك مستحب إلاّ عند القيام من النوم، فإنه واجب، وغسل اليدين يكون بعد غسل الوجه، فلا يكفي ما كان قبله.

стр. 15

الثالث: مسح الرأس: ويكون مرّة واحدة يبدأ فيها من مقدّم رأسه إلى مؤخره ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه، وما استرسل من شعر المرأة فإنه لا يمسح، بل يكتفى بالمسح إلى مؤخر الرأس ويمسح مع الرأس الأذنان. الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان داخلان في الغسل، وفي كل رجل كعبان، وليس المراد بالكعبين العظمين الناتئين في ظهر القدم كما يزعمه بعض فرق الضلال، فيمسحون إليهما، فإن فرض الرجلين الغسل وليس المسح، وقد دلت قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بفتح اللام، وسنة الرسول ﷺ التي بينت صفة الوضوء على ذلك، وأما قراءة الكسر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فهي محمولة على الغسل الخفيف جمعاً بين القراءتين، والاعتماد عليها وترك غسل الرجلين الذي دلت عليه قراءة النصب، ودلت

стр. 16

عليه السّنّة هو من اتباع المتشابه وترك المحكم، ويكفي في معرفة ضلال من ضل عن الحق في مسألة غسل الرجلين والاكتفاء بمسح ظهورهما، أنهم حرموا أنفسهم سيما التحجيل التي قال فيها النبي ﷺ : "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء". أخرجه البخاري (١٣٦) ومسلم (٥٨٠) عن أبي هريرة، وأنهم عرّضوا أنفسهم للوعيد الذي جاء في قوله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار". أخرجه البخاري (١٦٥) ومسلم (٢٤٢) عن أبي هريرة ﵁. الخامس: الترتيب: فيجب غسل أعضاء الوضوء على الترتيب الذي جاء في الآية، وجاء في فعله ﷺ في وضوئه فلا يجوز أن يقدم غسل اليدين على غسل الوجه، ولا مسح الرأس على غسل اليدين وهكذا، أما لو غسل اليد اليسرى قبل اليمنى أو الرجل اليسرى قبل اليمنى فإن الوضوء صحيح إجماعاً، وهو

стр. 17

خلاف الأولى، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/٢٧٠) : قال النووي: "قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر، قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنّة، من خالفها فاته الفضل وتمَّ وضوءه"، ثم نقل عن ابن قدامة في المغني أنه قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً. وقد استدل الشيخ ﵀ للترتيب بحديث: "ابدؤا بما بدأ الله به"، قال ﷺ ذلك عندما بدأ بالصفا في سعيه، والحديث بلفظ الأمر جاء في سنن النسائي (٢٩٦٢) وهو في صحيح مسلم (٢٩٥٠) بلفظ الخبر وهو من حديث جابر الطويل في صفة حجه ﷺ ، وفيه: "فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ، "أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ

стр. 18

بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت"، وانظر إرواء الغليل (١١٢٠) ، ومعنى قوله ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" أن الله لما ذكر الصفا والمروة قدّم الصفا على المروة، فما بدأ الله به ذكراً بدأ به رسول الله ﷺ بالسعي فعلاً. السادس: الموالاة: وهو أن يوالي بين الأعضاء في الغسل فلا يغسل بعضها ثم ينشغل عن الاستمرار في الوضوء، إلاّ إذا كان الانشغال لعارض يسير كفتح باب قريب فإنه لا يؤثر، ويدل لوجوب الموالاة حديث عمر بن الخطاب ﵁: "أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارجع فأحسن وضوءك"، فرجع ثم صلّى". أخرجه مسلم (٢٤٣) ، وحديث رجل من أصحاب النبي ﷺ : "أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء

стр. 19

والصلاة". أخرجه أبو داود (١٧٥) وانظر إرواء الغليل (٨٦) ، ووجه الاستدلال من هذين الحديثين على وجوب الموالاة أن النبي ﷺ لم يأمر من أبصر على قدمه شيئاً لم يصبه الماء بغسل ذلك الذي لم يصبه الماء بل أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة غير واجبة كفاه أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء.

стр. 20

حكم التسمية في الوضوء قوله: [وواجبه التسمية مع الذكر] . هذا أحد الأقوال في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وممن قال به الحسن وإسحاق، والقول الثاني أن التسمية مستحبّة، وهو قول جمهور العلماء، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ذكر ذلك في المغني (١/١٤٥) ، وقد ورد في التسمية في الوضوء حديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أبو داود (١٠١) وغيره عن أبي هريرة ﵁، وذكر الشيخ

стр. 21

الألباني أنه حسن وقال: "وقد قوّاه الحافظ المنذري والعسقلاني وحسّنه ابن الصلاح وابن كثير والعراقي"، انظر إرواء الغليل (٨١) ، واختيار الشيخ القول بالوجوب مع الذكر، فيه الاحتياط والخروج من الخلاف، ونظير ذلك ما قاله ﵀ في أدب المشي إلى الصلاة: "وتجزىء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لفعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل، خروجاً من خلاف من أوجبه".

стр. 22

نواقض الوضوء قوله: [ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش النجس من الجسد، وزوال العقل، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً، وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت، والردّة عن الإسلام - أعاذنا الله من ذلك -] .

стр. 23

أوّل نواقض الوضوء، الخارج من السبيلين: وهو كل خارج منهما من غائط أو بول أو ريح أو دم أو مني أو مذي أو غير ذلك، قال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". أخرجه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٥٣٧) عن أبي هريرة ﵁. والثاني: الخارج الفاحش النجس من الجسد: اختلف العلماء في الدم الخارج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء أو لا؟ وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم نقض الوضوء به لأنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله ﷺ ، وذهب بعض أهل العلم إلى حصول النقض بما كان كثيراً فاحشاً منه، وقد جاء ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، وهو الذي اختاره الشيخ ﵀ هنا، وهو أخذ بما فيه الاحتياط والخروج من الخلاف. انظر المغني (١/٢٤٧) ، ومجموع فتاوى الشيخ

стр. 24

ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٥٩) ، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٦١) . الثالث: زوال العقل: ينتقض الوضوء بزوال العقل بجنون أو سكر أو إغماء أو نوم مستغرق، أما إذا كان النوم نعاساً لا يذهب معه الإحساس كأن يكون جالساً أو قائماً، فحصل له نعاس فخفق رأسه ثم تنبّه فإن ذلك لا ينقض الوضوء، فقد روى مسلم في صحيحه (٣٧٦) عن أنس ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون"، ولفظه عند أبي داود (٢٠٠) : "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون"، وهذا يدل على أن زوال العقل ليس حدثاً، بل هو مظنّة للحدث، ويدل لذلك أيضاً قوله ﷺ : "وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ". رواه أبو داود (٢٠٣) عن علي

стр. 25

رضي الله عنه، وسنده حسن، وانظر إرواء الغليل (١١٣) وقد نقل تحسينه عن النووي والمنذري وابن الصلاح. الرابع: مس المرأة بشهوة: هذا الذي اختاره الشيخ، أحد الأقوال الثلاثة في المسألة، والقول الثاني: أنه ينقض مطلقاً، والثالث: أنه لا ينقض مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إذا لم يخرج مع الشهوة شيء، وهذا القول أصح الأقوال لعدم ثبوت ما يدل على النقض به، وانظر فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٣٢-١٣٨) . الخامس: مس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً: هذا الذي اختاره الشيخ، هو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح إذا كان المس بدون حائل، وسواء كان مس فرجه أو فرج غيره، وسواء كان الممسوس صغيراً أو كبيراً من الأحياء أو الأموات، لحديث بسرة بنت صفوان ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من مس

стр. 26

ذكره فليتوضأ". رواه الترمذي (٨٢) وغيره، وقال حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (١١٦) ، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٦٣-٢٦٦) . السادس: أكل لحم الجزور: في الوضوء من أكل لحم الإبل قولان للعلماء: أحدهما قول الجمهور، وهو أنه لا يتوضأ من أكل لحومها، والقول الثاني: وجوب الوضوء من ذلك وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً، وأما ألبانها ومرق لحمها وكذلك الطعام الذي طبخ مع لحمها، فإن استعمال ذلك لا ينقض الوضوء، ويدل للوضوء من أكل لحوم الإبل حديث جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل"، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم) ، قال: أصلي في مبارك

стр. 27

الإبل؟ قال: (لا) ". أخرجه مسلم (٣٦٠) وحديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضؤوا منها"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضؤوا منها"، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين"، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا فيها فإنها بركة". رواه أبو داود (١٨٤) وغيره، وإسناده صحيح، والأصل في الأمر الوجوب، وفي الوضوء الوضوء الشرعي، فلا يحمل الأمر على الاستحباب، ولا الوضوء على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين والمضمضة، لعدم الصارف عن الأصل، وانظر إرواء الغليل (١١٨) ، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (٤/٤٩) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، وقال: "قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن

стр. 28

راهويه في هذا - أي الوضوء من لحم الإبل - حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه". وانظر مجموع فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٥٦-١٥٨) ، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٧٣-٢٧٧) . السابع: تغسيل الميت: اختلف العلماء في حكم الوضوء من تغسيل الميت على قولين: (أحدهما) وجوب الوضوء، (والثاني) استحبابه، ذكرهما ابن قدامة في المغني (١/٢٥٦) ورجّح القول بالاستحباب، وقد روى أبو داود (٣١٦١) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "من غسّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". أورده الألباني في إرواء الغليل (١٤٤) ، وفي كتاب أحكام الجنائز (٥٣) ، ونقل تصحيحه عن ابن القيم وابن القطان، وابن حزم وابن حجر العسقلاني، وذكر أنه محمول على الندب لا على

стр. 29

الوجوب، لحديثٍ حسنٍ في ذلك عن ابن عباس، وأثرٍ عن ابن عمر ﵃. وإذا لمس مَن غسّل الميت فرجه من غير حائل وجب عليه الوضوء لمسِّ الفرج لا لتغسيل الميت، وانظر فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٦٥) . الثامن: قوله: الرّدّة عن الإسلام - أعاذنا الله من ذلك -: هذا الذي ذكره الشيخ ﵀ من انتقاض الوضوء بالرّدّة هو الذي عزاه ابن قدامة في المغني (١/٢٣٨) إلى مذهب الإمام أحمد، وعزا إلى الأئمة الثلاثة الباقين القول بعدم الانتقاض، فإذا توضأ شخص وارتدّ عن الإسلام ثم عاد إليه قبل أن يحصل منه ناقض للوضوء غير الرّدّة فهو باق على وضوئه على القول الثاني، لا يلزمه إعادة الوضوء، وتلزمه إعادة الوضوء على القول الأول، والذي ذكره الشيخ

стр. 30

فيه الاحتياط والخروج من الخلاف لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

стр. 31

عوده إلى بقية شروط الصلاة ... عود إلى بقية شروط الصلاة قوله: [الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث، من البدن والثوب، والبقعة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ] . والمعنى أن الإنسان قبل صلاته يزيل ما على بدنه وثيابه وفي البقعة التي يصلي فيها من نجاسة إن وجدت، وذلك بغسلها بالماء، فإن صلى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة وأمكن خلع ما به النجاسة خلعه واستمر في صلاته، وإلاّ قطعها، لأنه ﷺ صلى بأصحابه وعليه نعلاه فخلعهما في أثناء الصلاة وأخبرهم بعد فراغها أن جبريل أخبره بأن فيهما قذراً،

стр. 32

رواه أبو داود (٦٥٠) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، فقد دلّ استمراره ﷺ في صلاته بعد خلع نعليه على صحّة صلاة من صلّى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة، لأنها لو كانت لا تصحّ لاستُؤنفت الصلاة من أولها، وهذا بخلاف من صلّى وهو محدث فإنه إذا علم في أثنائها قطعها، وإن لم يعلم إلاّ بعد الفراغ منها أعادها، لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". رواه البخاري ومسلم، وقد تقدّم. وإذا وضع المصلي فراشاً على الأرض التي فيها نجاسة أو كان تحت الأرض التي يصلي فيها أماكن لقضاء الحاجة أو مجرى مياه متنجّسة فإن الصلاة صحيحة لعدم مباشرة النجاسة، وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ نقولاً عن جماعة من السلف في تفسير ذلك بالطهارة من الذنوب والمعاصي، ثم قال: "قال محمد بن سيرين:

стр. 33

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه". قوله: [الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو يقدر، وحد عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والأمة كذلك، والحرة كلها عورة إلاّ وجهها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: عند كل صلاة] . المطلوب في حال السعة أن يكون المسلم في صلاته وغيرها على هيئة حسنة في اللباس وغيره لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولقوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" رواه مسلم (١٤٧) وفي

стр. 34

حال الضيق يجب ستر العورة مطلقاً في الصلاة وغيرها بما لا يصف البشرة، إلاّ من الزوجة وملك اليمين، لقوله ﷺ : "احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو مما ملكت يمينك" أخرجه الترمذي (٢٧٦٩) وغيره عن معاوية بن حيدة، وقال: حديث حسن، وانظر إرواء الغليل (١٨١٠) ، وحد عورة الرجل ما فوق الركبة ودون السرّة لقوله ﷺ : "وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة" رواه أبو داود (٤٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وإسناده حسن، والمعنى: أن السيد إذا زوّج خادمه وهو أمته، فليس لذلك الخادم وهو الأمة أن ينظر إلى عورة السيد لأنّه بتزويجها انتقلت منفعة الاستمتاع إلى الزوج، فخرج بذلك عن حكم قوله ﷺ : "احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو مما ملكت يمينك"، ويدل لذلك أيضاً قوله

стр. 35

صلى الله عليه وسلم: "غطِّ فخذك فإنها من العورة" أخرجه الترمذي (٢٧٩٨) عن جرهد، وقال: حديث حسن، وقال البخاري في صحيحه: [باب ما يذكر في الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ : "الفخذ عورة" وقال أنس: حسر النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم] . صحيح البخاري مع الفتح (١/٤٧٨) . والإجماع الذي ذكره الشيخ، حكاه ابن قدامة في المغني (٢/٢٨٤) عن ابن عبد البر، وقد جاءت السّنّة بأن المصلي مع ستر عورته يستر عاتقه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء" أخرجه البخاري (٣٥٩) ومسلم (١١٥١) . والمرأة عورة لقوله ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي (١١٧٣)

стр. 36

عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وانظر إرواء الغليل (٢٧٣) ، فيجب على المرأة ستر بدنها حتى وجهها عن الرجال الأجانب، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في تفسير سورة الأحزاب (٦/٥٩٦) عن هذا الحديث: "وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة"، وذكر شيخنا أيضاً (٦/٥٨٥-٥٨٦) أن حكم تغطية الوجه لأمهات المؤمنين مما أجمع عليه أهل العلم، وأن الآيات التي نزلت في أمرهن بالحجاب تشتمل على قرينتين تدلان على أن الحكم ليس خاصّاً بهن، بل لهن ولسائر نساء الأمة: الأولى: تعليل الأمر بالحجاب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ، وذلك

стр. 37

أنه إذا قيل ذلك فيهن مع ما أكرمهن الله به من الطهارة والبعد عن الريبة، فإن غيرهن من نساء الأمة اللاتي لم يظفرن بمثل ما ظفرت به أمهات المؤمنين من باب أولى. والثانية: في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، لأن الأمر بالإدناء عليهن من الجلابيب، كما أُمر به أمهات المؤمنين فقد أُمر به بناته ﷺ ونساء المؤمنين، وهو يدل على أن الحكم ليس خاصّاً بأمهات المؤمنين بل لهن ولغيرهن". وأشار بعد ذلك ﵀ إلى أنه لو كان الحكم خاصاً بهن على سبيل الفرض فإنهن قدوة حسنة لغيرهن من النساء، فقال (٦/٥٩٢) : "وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن

стр. 38

الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ ، مريض القلب كما ترى". ومن أوضح ما يستدل به من السّنّة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أن النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبراً"، فقالت:

стр. 39

إذن تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه". رواه أهل السنن وغيرهم، وقال الترمذي (١٧٣١) هذا حديث حسن صحيح. فإن مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أن تغطية الوجه واجب، لأنه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين. والمرأة الحرة في الصلاة تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها، وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ قد عزاه في المغني (٢/٣٢٦) إلى مذهب الإمام أحمد، وذكر له رواية أخرى، وهي جواز كشف الكفين أيضاً وعزاه إلى مالك والشافعي، وعزا إلى أبي حنيفة جواز كشف القدمين مع الوجه واليدين، وإذا كان عند المرأة رجال أجانب وهي تصلي فإنها تغطي وجهها، قال في المغني (٢/٣٣١) : "قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام".

стр. 40

والاقتصار على كشف الوجه في الصلاة، وهو الذي أجمع عليه العلماء هو الأولى والأحوط. وأما الأمَة فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس فإن صلاتها صحيحة في قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن كما حكاه في المغني (٢/٣٣١) وفي كشف غير الرأس خلاف بين أهل العلم، والأولى للأمة أن تكون كالحرّة في الاحتشام والستر في جميع أحوالها في الصلاة وغيرها. قوله: [الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السّنّة حديث جبريل ﵇ أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره فقال: "يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين" وقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] ، أي: مفروضاً في الأوقات، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ
следующие страницы →