← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11262

شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب

عبد المحسن العباد

Полный текст (97 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وانظر إرواء الغليل (٢٧٣) ، فيجب على المرأة ستر بدنها حتى وجهها عن الرجال الأجانب، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في تفسير سورة الأحزاب (٦/٥٩٦) عن هذا الحديث: "وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة"، وذكر شيخنا أيضاً (٦/٥٨٥-٥٨٦) أن حكم تغطية الوجه لأمهات المؤمنين مما أجمع عليه أهل العلم، وأن الآيات التي نزلت في أمرهن بالحجاب تشتمل على قرينتين تدلان على أن الحكم ليس خاصّاً بهن، بل لهن ولسائر نساء الأمة: الأولى: تعليل الأمر بالحجاب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ، وذلك

стр. 37

أنه إذا قيل ذلك فيهن مع ما أكرمهن الله به من الطهارة والبعد عن الريبة، فإن غيرهن من نساء الأمة اللاتي لم يظفرن بمثل ما ظفرت به أمهات المؤمنين من باب أولى. والثانية: في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، لأن الأمر بالإدناء عليهن من الجلابيب، كما أُمر به أمهات المؤمنين فقد أُمر به بناته ﷺ ونساء المؤمنين، وهو يدل على أن الحكم ليس خاصّاً بأمهات المؤمنين بل لهن ولغيرهن". وأشار بعد ذلك ﵀ إلى أنه لو كان الحكم خاصاً بهن على سبيل الفرض فإنهن قدوة حسنة لغيرهن من النساء، فقال (٦/٥٩٢) : "وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن

стр. 38

الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ ، مريض القلب كما ترى". ومن أوضح ما يستدل به من السّنّة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أن النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبراً"، فقالت:

стр. 39

إذن تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه". رواه أهل السنن وغيرهم، وقال الترمذي (١٧٣١) هذا حديث حسن صحيح. فإن مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أن تغطية الوجه واجب، لأنه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين. والمرأة الحرة في الصلاة تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها، وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ قد عزاه في المغني (٢/٣٢٦) إلى مذهب الإمام أحمد، وذكر له رواية أخرى، وهي جواز كشف الكفين أيضاً وعزاه إلى مالك والشافعي، وعزا إلى أبي حنيفة جواز كشف القدمين مع الوجه واليدين، وإذا كان عند المرأة رجال أجانب وهي تصلي فإنها تغطي وجهها، قال في المغني (٢/٣٣١) : "قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام".

стр. 40

والاقتصار على كشف الوجه في الصلاة، وهو الذي أجمع عليه العلماء هو الأولى والأحوط. وأما الأمَة فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس فإن صلاتها صحيحة في قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن كما حكاه في المغني (٢/٣٣١) وفي كشف غير الرأس خلاف بين أهل العلم، والأولى للأمة أن تكون كالحرّة في الاحتشام والستر في جميع أحوالها في الصلاة وغيرها. قوله: [الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السّنّة حديث جبريل ﵇ أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره فقال: "يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين" وقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] ، أي: مفروضاً في الأوقات، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ

стр. 41

الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] "] . يشترط لصحّة الصلاة أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، فلا يجوز أن تصلى قبل أوقاتها، وإن صليت وجب إعادتها ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فلو أخرها حتى خرج وقتها، فإن كان لنوم لا تفريط معه أو نسيان قضاها ولا إثم عليه، وإن كان لغير ذلك أثم وقضاها. وحديث إمامة جبريل النبي ﷺ في يومين، جاء عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وجابر وهو عند أبي داود (٣٩٣-٣٩٤) ، والترمذي (١٤٩-١٥٠) ، وانظر التعليق على حديث (٣٠٨١) وحديث (١١٢٤٩) من مسند الإمام أحمد، ومن أوضح ما جاء في بيان أوقات الصلوات الخمس، حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (٦١٢) أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل

стр. 42

الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان". قوله: [الشرط الثامن: استقبال القبلة، والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]] . يشترط في أداء الصلوات أن تكون إلى جهة القبلة، وهي الكعبة المشرّفة، فإن كان في حضر أو كان لديه من يخبره بجهة القبلة وجب عليه السؤال عن جهتها، ولا يجوز له أن يصلي باجتهاد منه، ولديه من يخبره، فإن صلّى وكان إلى غير جهة القبلة وجب عليه

стр. 43

الإعادة، أما إن كان في سفر فإنه يجتهد في معرفة جهتها، فإن صلّى وتبيّن أن الصلاة إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، ويجوز للمسافر أن يصلي النوافل كلها على مركوبه إلى غير جهة القبلة، وقد ثبتت السّنّة في ذلك عن جماعة من الصحابة منها: حديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبّح، يومىء برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" رواه البخاري (١٠٩٧) ومسلم (٧٠١) ، وإذا أراد المسافر النافلة على الدابة استقبل القبلة عند دخوله فيها ثم توجه إلى أي جهة يريد، لحديث أنس بن مالك ﵁ عند أبي داود (١٢٢٥) : "أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثم صلّى حيث وجهه ركابه"، قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: وإسناده

стр. 44

حسن. وقال شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حاشيته عليه (١/١٧٦) : "هو كما قال المؤلف، رجاله ثقات لا بأس بهم، وبذلك يكون هذا الحديث مخصّصاً للأحاديث الأخرى المطلقة في استقباله ﷺ جهة سيره في السفر". قوله: [الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب والتلفظ بها بدعة، والدليل حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى"] . النية في الصلاة وغيرها من العبادات شرط، فلا تصح الصلاة بدون نية، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" أخرجه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧) ، وبالنية يكون التمييز بين فرض وفرض، وفرض ونفل، وقد تقدّم عند ذكر شرط النية من شروط الوضوء أنه لا يجوز تلفظ الإنسان بما نواه، إلاّ في مناسك الحج فيجوز أن يتلفظ بما نواه فيقول: "لبيك عمرة أو لبيك حجّاً أو لبيك عمرة وحجّاً"

стр. 45

أركان الصلاة قوله: [وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليمتان] . ركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى، والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وأركان الصلاة من أجزائها، والفرق بين الشرط والركن، أن ركن الشيء جزء منه داخل فيه، وأما الشرط، فليس من أجزائه، بل هو إما متقدّم عليه ومصاحب له كالطهارة، أو مصاحب له كاستقبال القبلة.

стр. 46

قوله: [الركن الأول: القيام مع القدرة، والدليل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]] . يجب في صلاة الفرض أن يصلي المرء قائماً إذا كان قادراً على القيام، ومن صلى جالساً مع قدرته عليه لم تصح صلاته، ويدل لذلك حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب". رواه البخاري (١١١٧) . أما في صلاة النافلة، فيجوز أن يصليها وهو جالس، وأجره على النصف من أجر القائم، والأفضل أن يصليها قائماً ليحصل الأجر كاملاً، لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ في ذلك، أخرجه مسلم (٧٣٥) ، وإذا لم يستطع المريض أن يصلي قائماً، فصلى الفرض والنفل جالساً فله الأجر

стр. 47

كاملاً، لقوله ﷺ في حديث أبي موسى ﵁: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً". رواه البخاري (٢٩٩٦) . قوله: [الثاني تكبيرة الإحرام، والدليل حديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"] . تكبيرة الإحرام، أول تكبيرات الصلاة، وهي في الصلاة كالإحرام في الحج والعمرة، وإنما سميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم على المصلي إذا دخل في صلاته بهذه التكبيرة، أمورٌ كانت حلالاً له قبل ذلك كالأكل والشرب والكلام وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ : "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم". رواه الترمذي وغيره عن علي ﵁ وقال (٣) : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وانظر إرواء الغليل (٣٠١) . قوله: [وبعدها الاستفتاح، وهو سنّة، قول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى

стр. 48

جدك، ولا إله غيرك". ومعنى (سبحانك اللهم) : أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك. (وبحمدك) : أي ثناء عليك. (وتبارك اسمك) : أي البركة تنال بذكرك. (وتعالى جدك) : أي جلّت عظمتك. (ولا إله غيرك) : أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله] . الاتيان بدعاء الاستفتاح سراً بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة من سنن الصلاة ومستحباتها، وقد ثبت عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يأتي المصلي بأحدها في صلاته، ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، وهذا الذي ذكره الشيخ أحدها وهو عن عمر وعائشة وأبي سعيد ﵃، وانظر إرواء الغليل (٣٤٠) و (٣٤١) ، ثم إن الشيخ ﵀ شرح هذا الدعاء، وفي الجمع بين التسبيح والتحميد تنزيه الله عن كلّ ما لا يليق به، وإثبات كل كمال يليق به، و (تبارك) على وزن تفاعل، من البركة، وكل خير

стр. 49

وبركة إنما ينال بذكره ، كما قال الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ، وقال ﷺ : "مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت". رواه البخاري (٦٤٠٧) من حديث أبي موسى ﵁، ويحتمل أن يكون المراد بالاسم الأسماء، فيكون من قبيل إضافة المفرد إلى معرفة، فيعم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ، و (تعالى جدك) هو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ ، وهذه الكلمات الثلاث، التي جاءت في هذا الدعاء وهي (سبحانك) و (تبارك) و (تعالى) ، لا تقال إلاّ لله تعالى، فلا يقال لغيره: سبحانك، وتباركت، وتعاليت، ولا سبحانه وتبارك وتعالى. قوله: [ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) : معنى (أعوذ) : ألوذ وألتجىء وأعتصم بك يا الله من

стр. 50

الشيطان الرجيم، المطرود، المبعد عن رحمة الله؛ لا يضرّني في ديني، ولا في دنياي] . وبعد الاستفتاح وقبل القراءة يأتي بالاستعاذة، وقد ذكرها الشيخ وشرحها، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] ، أي: إذا أردت قراءته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة". قوله: [وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، كما في حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهي أم القرآن] . قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". رواه البخاري

стр. 51

(٧٥٦) ومسلم (٣٩٣) . والمأموم يقرؤها خلف إمامه في الصلاة السرية والجهرية، ويدل لقراءتها خلفه في الجهرية حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ"، قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: "فلا تفعلوا، إلاّ أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب "، أو قال: "فاتحة الكتاب". رواه أحمد في مسنده (١٨٠٧٠) بإسناد صحيح، وجاء مثل ذلك من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث، فأمن تدليسه، رواه أحمد في المسند (٢٢٧٤٥) ، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من حديث انتهاء الناس عن القراءة خلف الإمام، وحديث: "من كان له إمام فقراءته قراءة له"، وحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، بحمل ذلك على قراءة غير الفاتحة. ثم إن الشيخ ﵀ فسّر الفاتحة تفسيراً موجزاً

стр. 52

فقال: [ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ : بركة واستعانة] . والمعنى أن المسلم يأتي بالبسملة تبركاً باسم الله ومستعيناً بالله في قراءته، وكذلك الحال في أي شيء يأتي بالتسمية قبله، يأتي بها تبركاً واستعانة، ويقرأ البسملة سرّاً، والبسملة آية من القرآن، وهل هي آية من كل سورة؟ أو آية مستقلة للفصل بين السور، وهل هي آية من سورة الفاتحة أو ليست منها؟ أقوال لأهل العلم، ويدل على أنها من القرآن أن الصحابة أدخلوها في المصحف، ولم يدخلوا فيه إلاّ ما هو قرآن، وجاء في سنن أبي داود بسند صحيح (٧٨٨) عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". ولا خلاف بين أهل العلم في أن البسملة بعض

стр. 53

آية في أثناء سورة النمل، وسورة الفاتحة سبع آيات، فمن قال من العلماء إنها آية من الفاتحة عدَّ البسملة في السبع، ومن قال إنها ليست من الفاتحة، جعل السابعة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، ومما استدل به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة قوله ﷺ في الحديث القدسي: "قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي ... " الحديث، رواه مسلم عن أبي هريرة (٣٩٥) ، فلم يذكر البسملة فيها. قوله: [ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه: فالثناء به يسمى مدحاً لا حمداً] . حمد العباد ربّهم عبادةٌ، وهو من توحيد الألوهية

стр. 54

الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، والله هو أهل الحمد والثناء على كل نعمة حصلت للعباد، سواء كان لأحد من العباد سبب فيها أو لم يكن، لأن الفضل في ذلك كلِّه لله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك"، فجميع المحامد على الحقيقة لله فهو سبحانه وحده المحمود على كل حال، وأما العباد، فما كان منهم من جميل اختياري كالبر والإحسان وفعل المعروف فإنهم يحمدون ويثنى عليهم فيه، وما كان فيهم من جميل لا صُنع لهم فيه، كالجمال وحُسن الخِلقة فإنهم يُمدحون فيه ولا يحمدون عليه. قوله: [ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : الرب: هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق

стр. 55

بالنعم. "العالمين": كل ما سوى الله عالم وهو رب الجميع] . وهذا فيه توحيد ربوبيته وأسمائه وصفاته، فإن توحيد الربوبية، توحيده بأفعاله ، فهو واحد في الخلق والرَّزق والإحياء والإماتة، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وقد جاء في هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اسمان من أسماء الله وهما "الله، والرب"، وقد قال الله : ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] . قوله: [ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ : رحمة عامة جميع المخلوقات. ﴿الرَّحِيمِ﴾ : رحمة خاصة بالمؤمنين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ] . الرحمن والرحيم: اسمان من أسماء الله، وهما يدلان على صفة من صفاته وهي الرحمة، وأسماء الله

стр. 56

عزّ وجلّ كلّها مشتقة، تدل على معان هي الصفات، فيؤخذ من كل اسم من أسمائه صفة من صفاته، والرحمن أعم من الرحيم؛ وهو لا يطلق إلاّ على الله، فلا يقال لغيره رحمن، وأما الرحيم، فيطلق على الله وعلى غيره، وقد قال الله تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] . قوله [ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ : يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧-١٩] ، والحديث عنه ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها

стр. 57

وتمنى على الله الأماني] . الله مالك كل شيء، وهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما خصّ يوم الدين هنا بأن الله مالكه، لأنه اليوم الذي يخضع فيه الخلائق لرب العالمين، وهذا بخلاف الدنيا، فإنه وُجد فيها من عتى وتجبّر، وقال: (أنا ربكم الأعلى) ، وقال: (ما علمت لكم من إله غيري) ، والحديث الذي ذكره الشيخ أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. قوله: [ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ : أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يعبد إلاّ إياه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يستعين بأحد غير الله] . قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وتقديم المفعول وهو

стр. 58

(إياك) في العبادة والاستعانة، فيه قصر واختصاص، قصر العبادة على الله واختصاصه بها، فلا يُعبد إلاّ الله، ولا يُستعان إلاّ بالله، فلا يطلب العبد العون من الملائكة ولا الجن ولا الغائبين، أما طلبه العون من إنسان حاضر يقدر على إعانته ومساعدته في تحصيل نفع أو دفع ضرٍّ، فهذا سائغ لا محذور فيه. قوله: [ ﴿اهْدِ نَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ : معنى ﴿اهْدِنَا﴾ : دلنا، وأرشدنا، وثبتنا، و ﴿الصِّرَاطَ﴾ : الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق، و ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ : الذي لا عوج فيه] . حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب سبب بقائهم في هذه الحياة الدنيا، وأما هدايتهم الصراط المستقيم فهي

стр. 59

سبب فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن طلب الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والهدى، ويتضمن طلب التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وسؤال العبد ربّه في كل ركعة من ركعات الصلاة الهداية إلى الصراط المستقيم، يتضمن سؤال الله تثبيته على ما حصل له من الهداية، ويتضمن طلب المزيد من الهداية كما قال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، ولا تنافي بين تفسير (اهْدِنَا) بدُلّنا وأرشدنا وثبّتنا، وتفسير الصراط المستقيم بالإسلام، والرسول، والقرآن، لأن ذلك من قبيل اختلاف التنوع، وليس من قبيل اختلاف التضاد، ولهذا قال الشيخ: والكل حق، وتفسيرات السلف غالباً تكون من هذا القبيل، إما تفسيرٌ بألفاظ متقاربة كلها حق، ولا تنافي بينها كما هنا، وإما تفسير بالمثال وهو أن يفسر لفظ عام ببعض أجزائه، مثل

стр. 60

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١] ، فإن تفسير حسنة الدنيا بالزوجة الصالحة أو الولد الصالح أو المال الطيب، لا منافاة بينها وهو من قبيل التفسير بالمثال. قوله: [ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ : طريق المنعم عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] ، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ : وهم اليهود‘ معهم علم ولم يعملوا به، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ : وهم النصارى؛ يعبدون الله على جهل وضلال، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ودليل الضالين، قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ

стр. 61

يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣] ، والحديث عنه ﷺ : "لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" أخرجاه، والحديث الثاني: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة". قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"] . الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه أن يهديه إياه، هو طريق المُنعم عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، كما قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:

стр. 62

١٥٣] ، وهو يسأل الله في كل ركعة من ركعات صلاته أن يهديه طريق الحق والهدى، وأن يجنّبه طريق أهل الضلالة والغواية من اليهود والنصارى، وحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم ... "، رواه البخاري (٧٣٢٠) ومسلم (٢٦٦٩) عن أبي سعيد، وأوله عند البخاري بلفظ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً"، وعند مسلم بلفظ: "لتتبعن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع". وحديث افتراق الأمة جاء عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، انظر تخريجه في التعليق على الحديث رقم (١٦٩٣٧) من مسند الإمام أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (٢٠٣-٢٠٤) ، وقد نقل تصحيحه عن ابن تيمية والشاطبي والعراقي. والمراد بالأمة في الحديث أمة الإجابة، وهذه الثلاث والسبعون فرقة مسلمون، فرقة ناجية وهم

стр. 63

الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، واثنتان وسبعون فرقة متوعدون بالنار لانحرافهم عن طريق الحق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، وأما أمة الدعوة، فهم كل إنسي وجنّيّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، وسائر ملل الكفر، لقوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار". رواه مسلم (٣٨٦) عن أبي هريرة ﵁، وانظر فتاوى شيخ الإسلام (٧/٢١٨) ، وفتاوى اللجنة الدائمة (٢/١٥٧) . قوله: [والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 64

ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ، والحديث عنه ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان، والدليل حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فعلها ثلاثاً، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال له النبي ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"] . هذه سبعة من أركان الصلاة كلها أفعال، وقد دلّ عليها جميعها حديث المسيء صلاته، رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) عن أبي هريرة ﵁، وحديث

стр. 65

السجود على الأعضاء السبعة أخرجه البخاري (٨١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر"، ورواه مسلم أيضاً (٤٩٠) . والطمأنينة في الأركان: الهدوء وعدم العجلة، فلا ينقر هذه الأفعال، بل يطمئن فيها، سواء طال الاطمئنان أو قصر، وأما الترتيب فيأتي بها مرتّبة، القيام ثم الركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الجلوس بين السجدتين، فلو سجد ناسياً قبل أن يركع وجب عليه أن يرجع ليأتي بالركوع ثم السجود، ولا يعتدّ بالسجود الذي حصل منه سهواً. قوله: [والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول قبل أن

стр. 66

يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله من عباده، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، ومعنى "التحيات": جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل: الانحناء والركوع، والسجود، والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، و "الصلوات" معناها: جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس، و "الطيبات لله": الله طيب، ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلاّ طيبها، "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة

стр. 67

والبركة، والذي يدعى له ما يدعى مع الله، "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله، "أشهد أن لا إله إلاّ الله" وحده لا شريك له، تشهد شهادة اليقين أن لا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلاّ الله، وشهادة أن محمداً رسول الله: بأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع، شرفه الله بالعبودية، والدليل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]] . التشهد الذي يكون قبل السلام من كل صلاة ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الركن الحادي عشر، والركن الثاني عشر: الجلوس له، فلو سلّم بعد السجود، ترك ركنين، ولو جلس ونسي أن يتشهد،

стр. 68

ترك ركناً واحداً، وتركهما معاً أو ترك التشهد وحده مبطل للصلاة، والتشهد جاء عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يحصل أداء الواجب بأي واحد منها ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، والتشهد الذي ذكره الشيخ هو تشهد عبد الله بن مسعود ﵁، وقد جاء في بعض رواياته أن النبي ﷺ كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وسمي تشهداً لأنه خُتم بأشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهذا التشهد أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) ، وعند البخاري (٦٢٦٥) بعد ذكر التشهد زيادة: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام - يعني - على النبي ﷺ " والمعنى: أن الصحابة كانوا يقولون: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" بكاف الخطاب، فلما توفي صاروا يقولون: "السلام على النبي" بالغيبة، لكن جاء في تشهد عمر بن الخطاب

стр. 69

رضي الله عنه في موطأ الإمام مالك (٥٣) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر، يعلّم الناس التشهد، يقول: قولوا: "التحيات لله"، وفيه: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، بكاف الخطاب. ففي هذا أن عمر ﵁ كان يعلِّم التشهد وهو على المنبر، ومما علّمه هذه الصيغة. وهو يدل على أن الصحابة ﵃ بعد وفاته ﷺ جاء عنهم هذا وهذا، والأمر في ذلك واسع، فللمصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وله أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وقد شرح الشيخ ﵀ هذا التشهد بهذا الشرح الواضح، وقول الشيخ ﵀ في معنى "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": "تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، والذي

стр. 70

يدعى له ما يدعى مع الله". وقوله في معنى: "السلام على عباد الله الصالحين": "والسلام دعاء والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله". في هذا تقرير توحيد الألوهية، وأن الدعاء عبادة، وقد قال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء هو العبادة". رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره بسند صحيح، فلا يدعى إلاّ الله، ولا يستغاث بأحد سواه، كما قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] ، والنبي ﷺ وغيره من المرسلين، والملائكة والصالحين، يدعى لهم الله، ولا يدعون مع الله، فالله هو الذي يدعى ويرجى، وغيره يدعى

стр. 71

له ولا يدعى، وقوله ﵀: "وشهادة أن محمداً رسول الله: بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع"، المعنى: أن من شأن العبد أن يكون عابداً لا معبوداً، ومن شأن الرسول أن يكون مصدَّقاً ومطاعاً ومتبوعاً، وقد قال ﵀ في كتابه "الأصول الثلاثة": ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وألاّ يعبد الله إلاّ بما شرع. وقوله: [ومعنى "التحيات": جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل الانحناء، والركوع، والسجود، والبقاء، والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر] . العبادة حق الله كما قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ

стр. 72

وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... ﴾ [النحل:٣٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى، فالصلاة لله، والركوع والسجود لله، والاستغاثة بالله، والدعاء لله والتوكل على الله، والاستعاذة بالله، وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] ، ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك كافر، وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة، وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة، وهذا أحد

стр. 73

قولين في المسألة، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في جواب سؤال عن بعض أهل البدع، جاء فيه: "كذلك التوسل بالأولياء قسمان: الأول: التوسل بجاه فلان أو حق فلان، هذا بدعة وليس كفراً. التوسل الثاني: هو دعاؤه بقوله: يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي، هذا هو الشرك الأكبر وهذا يسمونه توسلاً أيضاً، وهذا من عمل الجاهلية، أما الأول فهو بدعة، ومن وسائل الشرك، قيل له: وقولهم: إنما ندعوه لأنه ولي صالح وكل شيء بيد الله وهذا واسطة. قال: هذا عمل المشركين الأولين، فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه، لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ، هذا الدعاء كفر وشرك بالله ، لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر

стр. 74

حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له، على قولين: أحدهما: أن من قال هذا يكون كافراً كفراً أكبر لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته، والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم، فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم، فإن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] ، فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم: هذا لا يجوز، قال الله كذا وقال الرسول كذا، بين لهم الأدلة، ثم أصروا على حالهم، كفروا بهذا، وفي كل حال فالفعل نفسه كفر شرك أكبر، لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله، قد يكون من أهل الفترة لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله ، لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء" انتهى. نقلاً من كتاب "سعة رحمة رب العالمين

стр. 75

للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين" لسيد بن سعد الدين الغباشي، وفي أول الكتاب رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ للمؤلف بتاريخ: ٧/٥/١٤٠٣هـ، تتضمن إقرار الكتاب والإذن بطبعه. والقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير، قرّره كثيرون من العلماء، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة (٢/٧٣١) : "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ ، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور،
следующие страницы →