Полный текст (97 стр.). Показаны 71–97 · переход к 76.
стр. 71
له ولا يدعى، وقوله ﵀: "وشهادة أن محمداً رسول الله: بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع"، المعنى: أن من شأن العبد أن يكون عابداً لا معبوداً، ومن شأن الرسول أن يكون مصدَّقاً ومطاعاً ومتبوعاً، وقد قال ﵀ في كتابه "الأصول الثلاثة": ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وألاّ يعبد الله إلاّ بما شرع.
وقوله: [ومعنى "التحيات": جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل الانحناء، والركوع، والسجود، والبقاء، والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر] .
العبادة حق الله كما قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
стр. 72
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... ﴾ [النحل:٣٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى، فالصلاة لله، والركوع والسجود لله، والاستغاثة بالله، والدعاء لله والتوكل على الله، والاستعاذة بالله، وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] ، ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك كافر، وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة، وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة، وهذا أحد
стр. 73
قولين في المسألة، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في جواب سؤال عن بعض أهل البدع، جاء فيه: "كذلك التوسل بالأولياء قسمان: الأول: التوسل بجاه فلان أو حق فلان، هذا بدعة وليس كفراً. التوسل الثاني: هو دعاؤه بقوله: يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي، هذا هو الشرك الأكبر وهذا يسمونه توسلاً أيضاً، وهذا من عمل الجاهلية، أما الأول فهو بدعة، ومن وسائل الشرك، قيل له: وقولهم: إنما ندعوه لأنه ولي صالح وكل شيء بيد الله وهذا واسطة. قال: هذا عمل المشركين الأولين، فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه، لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ، هذا الدعاء كفر وشرك بالله ، لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر
стр. 74
حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له، على قولين: أحدهما: أن من قال هذا يكون كافراً كفراً أكبر لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته، والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم، فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم، فإن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] ، فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم: هذا لا يجوز، قال الله كذا وقال الرسول كذا، بين لهم الأدلة، ثم أصروا على حالهم، كفروا بهذا، وفي كل حال فالفعل نفسه كفر شرك أكبر، لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله، قد يكون من أهل الفترة لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله ، لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء" انتهى. نقلاً من كتاب "سعة رحمة رب العالمين
стр. 75
للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين" لسيد بن سعد الدين الغباشي، وفي أول الكتاب رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ للمؤلف بتاريخ: ٧/٥/١٤٠٣هـ، تتضمن إقرار الكتاب والإذن بطبعه.
والقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير، قرّره كثيرون من العلماء، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة (٢/٧٣١) : "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ ، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور،
стр. 76
وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاّ تفطّن، وقال: هذا أصل الدين، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين".
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم". الدرر السنية (١/٦٦) ، وقال أيضاً: "بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا
стр. 77
بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك". مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣/٣٤) ، وقال أيضاً: "ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضاً من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقرّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدّ الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنه دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلاّ رجلاً معانداً أو جاهلاً". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/٣٣) .
وقال أيضاً: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر
стр. 78
بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/١٤) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتاب "منهاج التأسيس والتقديس ص: ٩٨-٩٩": "والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: "وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبّة الكواز، حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمناً موحداً". وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور".
стр. 79
وقال أيضاً ﵀ في "مصباح الظلام ص: ٤٩٩": "فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرّر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية ﵀: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له". وقال أيضاً في "مصباح الظلام ص: ٥١٦": "وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه، بل يتوقف
стр. 80
في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة".
وإنما أفضت بذكر النقول عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تقرير هذه المسألة، وهي أن تكفير المعين الذي وقع في الشرك في العبادة لجهله، إنما يكون بعد البيان له وإقامة الحجة، لا قبل ذلك، لأن من الجاهلين والحاقدين عليه وعلى دعوته، المبنية على الكتاب والسّنّة، وما كان عليه سلف الأمّة، من يشنع عليه وينفّر من دعوته، برميه بتكفير المسلمين، والتكفير بالعموم، وهو إنما يكفر من قامت عليه الحجة، وبانت له المحجة، ولأن نفراً يسيراً من طلبة العلم من أهل السّنّة فيما علمت يعيبون على من يقرّر ذلك وهو عيب لما قرّره شيخا الإسلام، ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما من أهل
стр. 81
العلم، ومع ذلك فإن الخطأ في العفو في الأمور المشتبهة، خير من الخطأ في العقوبة، وهم في عيبهم القول الذي قرّره الشيخان والحرص على خلافه يفسحون المجال للمتربصين بأهل السّنّة الذين يصطادون في الماء العكر، فيردّدون صدى نعيق أعداء الإسلام والمسلمين، الذين يزعمون أن تطرف من ابتلي بالتفجير والتدمير، راجع إلى دراسة مناهج التعليم المبنية على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل السّنّة، وهو بهت وزور ممن افتراه أو ردّده، فإن الذين ردّدوا هذا النعيق من أهل هذه البلاد، قد درسوا كما درس غيرهم هذه المناهج، ولم يحصل لهم ضرر منها بل حصل النفع العظيم منها لكل من شاء الله هدايته وتوفيقه، وإنما حصل التطرف من هؤلاء المتطرفين لفهومهم الخاطئة التي شذّوا بها وخرجوا عن جماعة المسلمين، وقدوتهم في ذلك الخوارج الذين
стр. 82
شذّوا وخرجوا على الصحابة نتيجة لفهومهم الخاطئة، ولكل قوم وارث، والله المستعان.
قوله: ["اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد": الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصواب الأول. ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء] .
الركن الثالث عشر من أركان الصلاة: الصلاة على النبي ﷺ ، وأفضل كيفيات الصلاة على النبي ﷺ ، الصلاة الإبراهيمية، التي علّم النبي ﷺ أصحابه إياها عند سؤالهم عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، وقد جاءت على صيغ متعدّدة، عن جماعة من الصحابة، وأفضلها الكيفية التي جمع النبي ﷺ فيها بين الصلاة عليه ﷺ وآله، والصلاة على إبراهيم ﷺ -
стр. 83
وآله، ففي صحيح البخاري (٣٣٧٠) عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علّمنا كيف نسلم. قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". وقد قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقد علم الصحابة ﵃ منه كيفية السلام عليه بالتشهد الذي علّمهم النبي ﷺ إياه، وفيه "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فسألوه عن كيفية
стр. 84
الصلاة عليه ﷺ ، فأجابهم بالصلاة الإبراهيمية، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلمهم السورة من القرآن وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وفي مسند الإمام أحمد (١٧٠٧٢) ، ومستدرك الحاكم (١/٢٦٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك ... " الحديث، وفي إسناده عندهما محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد صرّح بالتحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي فقال: "وحدثني في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلى عليه
стр. 85
في صلاته محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي"، وفي هذا دليل على أنه يجمع في آخر الصلاة بين السلام والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقد نقل ابن كثير في تفسيره القول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير عن الإمام الشافعي والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحديث أبي مسعود ﵁ الذي تقدّم، يدل على ذلك، كما قال ابن كثير ﵀، وجمهور العلماء على القول بعدم الوجوب.
وتعجبني قصة لأحد الفضلاء، وهو الشيخ ثاني المنصور ﵀ من الجبيل في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية سمعتها ممن سمعها منه مضمونها: أنه زار إحدى الدول التي فتن بعض أهلها بالبناء على القبور والغلو في أصحابها، فلقي جماعة في مسجد فيه قبر لمزوه وأهل بلده بأنهم لا يحبون الرسول ﷺ ، فقال لهم: هل في بلادكم حانات للخمور وأماكن
стр. 86
للعهر والفجور؟ قالوا: نعم كثيرة!، فقال: إن بلادنا ليس فيها ولا محل واحد، وقال لهم أيضاً: ما حكم الصلاة على النبي ﷺ عندكم في الصلاة؟ قالوا مستحبّة، قال: فإنها عندنا ركن، إذا لم يأت بها المصلي في صلاته، لا تصح صلاته، فمن يكون الأولى إذاً بمحبة الرسول ﷺ ؟
وما ذكره ﵀ واضح في المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فالقول بالاستحباب، قول جمهور العلماء كما تقدّم، لكن ما ذكره لا بأس به، لكونه في مقام المجادلة، والاحتجاج على من لمز أهل السّنّة في هذه البلاد بما هم برآء منه براءة الشمس من اللمس، وأقول إضافة إلى ما ذكره، فإن القضاة في هذه البلاد، يقضون بأحكام الشريعة الرفيعة، وأما ذلك البلد وأكثر البلاد الأخرى، فالقضاة فيها يحكمون بالقوانين الوضعية الوضيعة، وفي هذه البلاد كليات عديدة باسم
стр. 87
كلية الشريعة، ومن خريجيها يختار القضاة، وأما البلاد الأخرى، فجلّها إن لم يكن كلها، إذا وجد فيها شيء من ذلك فإنه يطلق عليه اسم كلية الشريعة والقانون، وهذه التسمية تعادل اسم: كلية الحق والباطل.
وفي عام ١٣٩٧هـ زرت الباكستان فدعاني جماعة من المحامين لإلقاء كلمة، فاقترحت عليهم فيها أن يبحثوا عن مهن أخرى طيبة غير مهنة المحاماة "الوكالة في الخصومة" في محاكم غير شرعية، وزرت الرئيس ضياء الحق ﵀ وشكرته على الجهود التي كان يبذلها لتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان مما قلته له: إن الفرق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، كالفرق بين الله وخلقه، لأن الشريعة وحي من الله، والقوانين وضع من خلق الله، وأسأل الله أن يوفق المسلمين لتحكيم شريعة ربهم ليظفروا بسعادة الدنيا والآخرة، وقد قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ
стр. 88
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، وقال في حق أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] ، وقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣-١٢٤] ، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] .
ولا شك أن محبة الرسول ﷺ يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبته لأبيه وأمّه وابنه وبنته، لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". رواه البخاري (١٥) ومسلم (١٦٩) عن أنس ﵁، والعلامة.
стр. 89
الواضحة الجلية لمحبة الرسول ﷺ ، إنما هي اتباعه والسير على نهجه، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] .
قوله: ["وبارك ... " وما بعدها: سننُ أقوالٍ وأفعالٍ] .
والمعنى: أن المتعين التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، وأما (اللهم بارك على محمد) وما بعدها من الذكر، وكذلك الجلوس لهذا الذكر، فسننُ أقوالٍ وأفعالٍ، وسنن الأقوال والأفعال في الصلاة كثيرة، وقد ذكرت في كتب الفقه، ومنها (دليل الطالب) لمرعي بن يوسف (ص:٣٥) .
والركن الرابع عشر: التسليمتان، وبهما يكون الخروج من الصلاة، لحديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وقد تقدّم.
стр. 90
وقد ذكر ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) (٢/٣٥٨) : أن أحاديث الخروج من الصلاة بالتسليمتين جاءت عن خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ ما بين صحيح وحسن، وذهب بعض أهل العلم إلى الاكتفاء بتسليمة واحدة، والقول بالتسليمتين هو الذي تظافرت عليه الأدلة، وفيه الاحتياط والخروج من الخلاف.
وهذه الأركان الأربعة عشر، خمسة منها قولية، وهي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليمتان، والبقية فعلية، وقد ذكر الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه "دليل الطالب" (٣٣) أركان الصلاة الأربعة عشر وعدّ فيها: التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ ركناً واحداً، وعدّ فيها الاعتدال قائماً بعد الركوع، واعتباره ركناً جاء النص عليه في حديث المسيء في صلاته،
стр. 91
ففيه: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً"، والشيخ الإمام اعتبر الاعتدال قائماً بعد الركوع مع الرفع من الركوع ركناً واحداً، فكأنه يقول: والرفع منه حتى يعتدل قائماً.
стр. 92
واجبات الصلاة
قوله: [والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول: "ربنا ولك الحمد" للكل، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له] .
هذه الواجبات كلها قولية إلاّ واحداً منها، فهو فعليّ، وهو الجلوس للتشهد الأول، وقد ذكر ابن قدامة في المغني (٢/١٨٠) أن وجوب هذه السبعة القولية هو المشهور عن أحمد، وأن القول بعدم وجوبها قول أكثر الفقهاء، قال: "والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب وهو قول
стр. 93
إسحاق وداود، وعن أحمد أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء".
ومما استدل به ابن قدامة في المغني على الوجوب قوله: "وقد روى أبو داود عن عليّ بن يحيى بن خلاد عن عمه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ" إلى قوله: "ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجداً، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته"، وهذا نص في وجوب التكبير". والحديث في سنن أبي داود (٨٥٧) بإسناد صحيح.
وقد ذكر الشيخ ﵀ التسميع للإمام والمنفرد دون المأموم، وهو الصحيح، لقوله ﷺ في الحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وفيه قوله: "وإذا قال:
стр. 94
سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد". أخرجه البخاري (٧٣٢-٧٣٤) عن أنس وأبي هريرة ﵄، فقد قال ﷺ في الحديثين: "فقولوا: ربنا ولك الحمد"، ولم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، مستدلاً بعموم قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: "وصلوا كما رأيتموني أصلي". أخرجه البخاري (٦٣١) ، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ يقول: "سمع الله لمن حمده" فالمأمومون يقولون: سمع الله لمن حمده، لكن حديث: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" مخصِّص لحديث: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وهو نظير قوله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". رواه البخاري (٦١١) ومسلم (٣٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد خُصَّ من الحديث: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" فإنه يقال
стр. 95
عندهما: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله كما في صحيح مسلم (٣٨٥) عن عمر ﵁.
قوله: [فالأركان: ما سقط منها سهواً أو عمداً بطلت الصلاة بتركه، والواجبات: ما سقط منها عمداً بطلت الصلاة بتركه، وسهواً جبره السجود للسهو، والله أعلم] .
أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها، كلّها من أجزائها وهي داخلة تحت التعريف الشرعي للصلاة، وهو: "أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم"، وبين الأركان والواجبات والمستحبات فرق، فإن الأركان يتعيّن الاتيان بها، ولا تسقط إذا تركها سهواً أو عمداً، وأما الواجبات، فتعمد تركها يبطل الصلاة، وتركها سهواً يجبر بسجود السهو، وأما المستحبات، مثل دعاء الاستفتاح، والاستعاذة، فإن من أتى بها أثيب، ومن تركها لا
стр. 96
يعاقب إلاّ إذا كان تركه إياها رغبة عن السّنّة، لقوله ﷺ : "فمن رغب عن سنّتي فليس منّي". رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) ، فإن لفظ السّنّة في هذا الحديث أوسع إطلاقات لفظ السّنّة، فإن المراد به طريقته وما كان عليه ﷺ ، ويشمل ذلك كل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ .
هذا آخر ما تيسّر تحريره في شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأسأل الله أن يغفر له ويجزل له الأجر والثواب على جهوده العظيمة في نصرة الدين والدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسّنّة وما كان عليه سلف الأمّة، وأسأله تعالى أن يوفّق المسلمين للفقه في الدين والثبات على الحق إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 97
المحتويات
المقدمة ٣
شروط الصلاة ٤
شروط الوضوء ٩
فروض الوضوء ١٢
حكم التسمية في الوضوء ٢٠
نواقض الوضوء ٢١
عود إلى بقية شروط الصلاة ٢٩
أركان الصلاة ٤٣
واجبات الصلاة ٩٠