(والتطوع في البيت أفضل) ، (وكذا الإسرار به إن كان مما لا تشرع له الجماعة) ، (ولا بأس بالتطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة) ، (ويستحب الاستغفار بالسحر والإكثار منه) ، (ومن فاته تهجده قضاه قبل الظهر) ،
ــ
وبعده١.
(والتطوع في البيت أفضل) لحديث: "صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة" فهو مفيد شرعية صلاة الرجل في بيته. (وكذا الإسرار به إن كان مما لا تشرع له الجماعة) أما علم الناس به إذا كان جماعة فهو أفضل. وما لا تشرع فالتخفي فيه أفضل. وصلاة الفرض في الجماعة سنة، وليست سنة فقط فإنه لا يقرُّ أحد على الصلاة في بيته، هذا هو دين المسلمين، وخلافه خلاف السنة والصدر الصالح، وفي الحديث: "إنكم لو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" الحديث. أما ما تشرع له الجماعة من النوافل فالمسجد أفضل مع المسلمين في الجماعة كالكسوف والاستسقاء.
(ولا بأس بالتطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة) التطوع المطلق الذي لا تشرع له الجماعة يجوز فعله جماعة بشرط أن لا يكثر، كما ثبت عن النبي ﷺ فعل بعض الصلوات في جماعة، كما في حديث أم سلمة، والظاهر أنه معه من صلى في البيت. فالمقصود أن المسألة معلومة.
(ويستحب الاستغفار بالسحر والإكثار منه) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [٣/١٧] ، (ومن فاته تهجده قضاه قبل الظهر)
стр. 107
(ولا يصح التطوع من مضطجع) ، (وتسن صلاة الضحى) ، (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال) ، (وفعلها إذا اشتد الحر أفضل) ، (وهي ركعتان) ، (وإن زاد فحسن) ،
ــ
لقوله ﷺ : "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره" (ولا يصح التطوع من مضطجع) ١.
صلاة الضحى
(وتسن صلاة الضحى) صلاة الضحى سنة، والأحاديث بها معروفة كثيرة.
(ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال) لها وقت في الأول، والآخر. فإذا ارتفعت الشمس قدر رمح فهو أوله، وآخره إلى قبل الزوال بقليل. أما قبل الطلوع فمنهي عنها في هذا الوقت، وكذا عند قيامها منهي عنه، فما بين الطرفين هو الوقت. (وفعلها إذا اشتد الحر أفضل) يعني إذا ارتفع الضحى أولى وأفضل، لحديث: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" وارماضها هو أن تلجأ إلى الظل. (وهي ركعتان) لحديث أبي هريرة: "وركعتي الضحى" وأما غيرها فليس فيه إلا أحاديث فيها ذكر أعداد، (وإن زاد فحسن) لحديث أم هانئ٢ فقوله: "وإن زاد فحسن" ظاهر هذه العبارة أنه إذا زاد على ذلك حتى عشر فحسن.
стр. 108
(وتسن صلاة الاستخارة إذا هم بأمر) ، (فيركع ركعتين) ، (من غير الفريضة) ، (ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه بعينه) ، (خير لي في ديني ودنياي فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به) ، (ثم) ، (يستشير) ،
ــ
صلاة الاستخارة
(وتسن صلاة الاستخارة إذا هم بأمر) ولا ترجح تركه ولا فعله (فيركع ركعتين) يصلي صلاة الاستخارة (من غير الفريضة) يعني مستقلة. ومفهومه أنه لو صلى راتبة أنه يكفي إذا نوى صلاة الاستخارة هذا معنى غير المكتوبة (ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه بعينه) إن كان تزويجاً فيسميه، وإن كان سفراً فيسميه.. الخ. (خير لي في ديني ودنياي فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به) هذا دعاء الاستخارة.
(ثم) بعد الاستخارة (يستشير) ولا يستشير عدواً، ولا جاهلاً، بل
стр. 109
(ولا يكون وقت الاستخارة عازماً على الفعل أو الترك) ، (وتسن تحية المسجد) ، (وسنة الوضوء) ، (وسجدة التلاوة سنة مؤكدة، وليست بواجبة) ، (لقول عمر: من سجد فقد أصاب
ــ
من اجتمع فيه الخبرة والمعرفة، والمودة (ولا يكون وقت الاستخارة عازماً على الفعل أو الترك) فإنه إذا كان كذلك لم يبق محل للاستخارة.
(وتسن تحية المسجد) بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، ومن دليلها حديث أبي قتادة: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" محلها قبل أن يجلس، وإن جلس ولو عمداً ولم يطل فالسنة بحالها. ومن مزيد تأكدها أنها تفعل حال الخطبة، فإنه مأمور في الأحاديث أن يصلي قبل أن يجلس.
(وسنة الوضوء) تسن سنة الوضوء، وهي من السنن إذا غسل غسول الصلاة، يسن لحديث بلال؛ فإن بلالاً قال له النبي ﷺ : "ما عملك؟ فإني لاأراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة فأنظر إلا رأيتك، فقال: إني ما توضأت إلا صليت به ركعتين" فهو دليل على شرعية صلاة الوضوء، وأنه إذا توضأ يصلي به ركعتين نافلة، وكذلك كونه إذا ذهب ﷺ ذهب معه بإداوة من ماء وعنزة.
(وسجدة التلاوة سنة مؤكدة، وليست بواجبة) ذهب بعض إلى أنها واجبة، وذهب الجمهور إلى الندب، وهي عديدة: سبعة عشر سجدة. أولها في "سورة الأعراف" وآخرها في "سورة العلق " وهي معلومات معروفات (لقول عمر ﵁: من سجد فقد أصاب،
стр. 110
ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه مالك في الموطأ) ، (وتسن للمستمع) ، (ولا يسجد السامع) ، (والراكب يومىء بسجوده حيث كان وجهه) ، (لما روي عن الصحابة، وقال ابن مسعود للقارىء وهو غلام: اسجد فإنك إمامنا) ، (وتستحب سجدة الشكر عند نعمة ظاهرة عامة أو أمر يخصه) ، (ويقول إذا رأى مبتلى في دينه أو بدنه: الحمد لله الذي عافاني
ــ
ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه مالك في الموطأ) قول عمر يستدل به على عدم الوجوب. (وتسن للمستمع) كما تسن للتالي فله أجر الاستماع، كما أن القراءة لها أشد، فكذلك الاستماع؛ بخلاف الذي سمع سمعاً من دون استماع (ولا يسجد السامع) الذي لم ينصت بل سمع اتفاقاً (والراكب يومىء بسجوده حيث كان وجهه) غير الراكب يسجد بالأرض، والذي على راحلته يسجد بحسب راحلته كالمتنفل عليها. (لما روي عن الصحابة، وقال ابن مسعود للقارىء وهو غلام: اسجد فإنك إمامنا) قول ابن مسعود هذا أفاد أنه معلوم عنده شرعية سجود التلاوة، وأنه مشروع في حق التالي والمستمع، وأنه في حكم الصلاة من بعض الوجوه من جهة الإمام. ومفيد بمفهومه أنه لو لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. بعض أهل العلم يرى أنه يسجد ولو بلا وضوء.
(وتستحب سجدة الشكر عند نعمة ظاهرة عامة أو أمر يخصه) لنعمة دينية أو دنيوية، لما بشر أن لمن صلى على نبيه ﷺ عشراً سجد، وكذا لما جاءه خبر إسلام أهل اليمن.
(ويقول إذا رأى مبتلى في دينه أو بدنه: الحمد لله الذي عافاني
стр. 111
مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا) ، (وأوقات النهي) ،
ــ
مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا) مندوب لذلك، هذا من شكر نعمة الله على العبد بأن سلم الله من البلاء. شكر النعمة هو الاعتراف بها في الباطن، والتحدث بها، وصرفها في مرضاة مسديها. وحق النعمة الشكر. والنعمة: إما سلام من محذور، أو حصول مطلوب مرغوب. وإذا كان مبتلى في دينه فينبغي الجهر به، فيسمعه لعله أن يرتدع وينزجر ولا مضرة. وإن كان المصلحة عدم الجهر فلا يجهر مثل مسألة إنكار المنكر، وأنتم تعرفون أنه يقام على مفسدة قليلة مخافة الوقوع في مفسدة أكثر. وإن كان في بدنه فيقول فيما بينه وبين نفسه.
س: يتوضأ ويسجد سجود الشكر؟
جـ: الذي يفهم من الأحاديث أنه يتيمم ويسجد، كما فعل ﷺ لما أخبر كما تقدم فالذي يقول: إنه يتوضأ يقيم دليلاً، وهي مسألة معروفة. وقريب منه: التكبير، والتسليم منها. فمن يقول: إنه صلاة. فهو مفتقر له. ومن لا يقول ويمانع أكثر ممن أوجب الوضوء. ومسألة التكبير والسلام أفضل في الشكر، وهي صالحة هنا أيضاً.
س: هل السجدة عن قيام؟
جـ: قد يستدل بقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [١٧/١٠٩] خر سقط، فهو عن قيام أتم سقوطاً، وإن كان عن جلوس سقوط نسبي، سقط من الجلوس إلى السجود.
(وأوقات النهي) التي نهي عن الصلاة فيها إلا ما استثنى:
стр. 112
(خمسة) ، (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) ، (وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) ، (وعند قيامها حتى تزول) ، (وبعد صلاة العصر حتى تدنو من الغروب) ، (وبعد ذلك حتى تغرب) ، (ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفعل النذورات) ، (وتفعل صلاة الجنازة في الوقتين الطويلين) .
ــ
(خمسة) ويقال: ثلاثة إن جعل قبل الطلوع وبعده واحد. والذي بعد العصر واحد. فهو اصطلاح. فالحاصل أنه من حين يطلع الفجر لا يتطوع إلى أن ترتفع الشمس قدر رمح. وما قبل الفجر بعضهم يعده سادساً وبعضهم لا يعده لأنها تفعل فيه الراتبة. فالذي هو وقت النهي بكل حال هو (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) ، (وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) في نظر الرائي. الرمح المتوسط؛ فإن من الرماح ما هو معروف الطول، ومنها ما هو معروف القصر. والمعروف عند أهل العلم أن الاعتبار بالمتوسط (وعند قيامها حتى تزول) وهذا الوقت قصير بالمرة (وبعد صلاة العصر حتى تدنو من الغروب) وفي بعض روايات الحديث حتى تتضيف (وبعد ذلك حتى تغرب) إذا اقتربت إلى الغروب. ويجمعها أنها كلها أوقات نهي، ويفرقها أن بعضها يفعل فيها بعض، فإن النهي في الثلاثة أبلغ هذا مأخوذ من الأحاديث، (ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفعل النذورات) وركعتي الطواف وإعادة جماعة إذا أقيمت وهو في المسجد. ومن فائدة التقسيم تفعل الصلاة الفرض قضاء الخ (وتفعل صلاة الجنازة في الوقتين الطويلين) ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ما بعد العصر إلى الغروب؛ بخلاف ما بعد طلوعها وعند قيامها وتضيفها لا يصلي على الجنازة.
стр. 113
بابُ صَلاة الجماعَة
(أقلها اثنان) ، (في غير جمعة وعيد) ، (وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً) ،
ــ
بابُ صَلاة الجماعَة
شرعيتها، وأنها فرض عين على الأعيان من الذكور؛ بخلاف الإناث؛ بل الذكور البالغين. وأما من دون البلوغ فهم مرغبون فيها ومتعبدون. أما الوجوب فلا. وقول قوي: أنها لا تصح أبداً لو صلى وحده، وعليه أدلة قويه. (أقلها اثنان) إمام ومأموم، والأدلة على أنهما جماعة معلومة، من ذلك صلاته بابن عباس، قال: "فأقامني عن يمينه" في قصة نومته عند خالته ميمونة، وجابر وجبار وأحدهما قبل أن يأتي الثالث، وحديث: ألا رجل يتصدق على هذا" و"صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده". وأكثرها لا حد له، فكل ما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
وهذا، (في غير جمعة وعيد) فلا بد من أكثر من ذلك على أقوال عديدة، وإن كان فيه قول أن ما صح جماعة صح في الجمعة، وغيره أقوى.
(وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً) هذا الذي إليه أحمد ﵀ أنها فرض عين في السفر والحضر، واجب ومتأكد فرضيتها بالمرة. وبه تعرف أن ما يفعله بعض المسافرين وهو في البلد خطأ، فإنها واجبة عليه الجماعة، ويلزمه أن يتم إذا لم يكن معه جماعة، ويفوِّت سنة القصر لوجوب الجماعة.
стр. 114
(حتى في خوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [٤/١٠٢] . (وتفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة) ، (وتفعل في المسجد) ، (والعتيق أفضل) ، (وكذلك الأكثر جماعة) ، (وكذلك الأبعد) ،
ــ
(حتى في خوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [٤/١٠٢] هي دالة على وجوب الجماعة حتى في هذه الحالة.
(وتفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة) من يقول إنها ليست فرض عين يقولون إذا صلى فذاً من غير عذر فهو عاص، وإذا صلى مع الجماعة زاد بهذه الأضعاف. ومن يقول: هي فرض عين. يسلك مسلكاً آخر، وله جواب آخر، وهو أن التفضيل المذكور في حق المعذور إذا ذهب إلى هذا الشيء الذي ليس بواجب عليه زاد له من الأجر صارت صلاته أفضل بهذا العدد.
(وتفعل في المسجد) بل هو بيتها وشرعيتها لا في البيت، إنما الصلاة في البيت فعل المتخلفين والمنافقين؛ بل ينكر على من يفعلها في البيت، ولا يقرون.
(والعتيق أفضل) من الجديد، وذلك لقدم الطاعة فيه؛ ولهذا أعتق مسجد من المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، وهو أقدمها. ثم ما كان أقدم فهو أفضل، لكثرة ما وجد فيه من الطاعة، فله مزية على غيره. (وكذلك الأكثر جماعة) فالتفضيل بالجماعة تارة (وكذلك الأبعد) أفضل إذا كان مسجدان على التساوي فيما تقدم فالأبعد أفضل. ولما أراد بنو سلمة التحول قال: " دياركم تكتب آثاركم" يعني إذا ذهبتم منها إلى
стр. 115
(ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه) ، (إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك) ، (لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف) ،
ــ
المسجد. وجاء في الحديث: "أن الإنسان إذا خرج من بيته لا يخطو خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" وتقدم.
والتفضيل باعتبار آخر بالإمام بعلمه وتقواه وخشيته لله. وقد يفضل ويقدم باعتبار المأمومين إذا كان فيهم تقوى وعلم؛ فإن مصافة أهل الصلاح لا بد تورث زيادة خير، كما أن مصاحبة أهل الفساد تسبب نقصاً أو شراً ولا بد.
(ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه) فإن أذن فالحق له وإلا فلا، لقوله ﷺ : "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد على في بيته على تكرمته إلا بإذنه" فإن أذن فيؤم، وإلا فلا؛ لما في ذلك من الافتيات عليه في سلطانه؛ فإن السلطان له في هذا المسجد، ولأنه يؤدي إلى الشقاق والنزاع، والجماعة إنما شرعت للتواد والتصافي والتعاون على البر والتقوى.
(إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك) فيسقط حقه، متعين فعل الصلاة في المسجد، فإذا كان له عذر فتأخر من أجله فهذا له أحوال؛ فإن تأخر وضاق الوقت صلوا ولا حاجة للمراجعة، والمراد الوقت الاختياري (لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف) في قصة ذهابه ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فلما أن تأخر الوقت صلى الصديق ﵁. وأما قصة عبد الرحمن بن عوف ففي صلاة الفجر لما تأخر ﷺ في ذهابه إلى بعض حاجته صلى بالناس عبد الرحمن، وجاء النبي ﷺ وقد صلوا ركعة، فصلى معهم النبي ﷺ ركعة، وأتى بركعة،
стр. 116
(وإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الشروع في نفل) ، (وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة) ، (ومن أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة) ، (وتدرك بإدراك الركوع مع الإمام) ، (وتجزيء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع) ،
ــ
وقال: "أحسنتم" فدلت السنة على أنه إذا تأخر وتضايق الوقت أنهم يصلون. أما إذا كان تأخر الوقت المعتاد فهذا يراسل حتى يؤتى منه بخبر، من دليل ذلك قصة عمر، وقوله: يا رسول الله نام النساء والصبيان ...
(وإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الشروع في نفل) للحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" لأن الوقت قد اختص بالفريضة التي هذه الإقامة لها، (وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة) فإن أقيمت الصلاة وكان قد أحرم بنافلة أتمها خفيفة ليجمع بين الأمرين: بين إتمام النافلة التي دخل فيها، وبين الفريضة.
(ومن أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة) كالجمعة، وإدراك الوقت؛ فإن حديث: "وما أدركتم فأتموا" احتمال أن يكون ركعة أو دونها، والاحتياط أن يكون ركعة. (وتدرك بإدراك الركوع مع الإمام) فإذا لحق المسبوق الإمام في الركوع فإنه يدخل معه في الركعة ويكون قد أدرك الركعة، وقصة أبي بكرة حين جاء والنبي ﷺ قد ركع فدخل معه في الصلاة -إلى آخره- يدل على ذلك (وتجزيء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع) تكون تكبيرة الركوع سنة في حقه أن يكبر ثانياً، وإلا لو ترك أجزأته تكبيرة الإحرام في هذه الحالة. أما لو نوى بتكبيرة الإحرام الثنتين ما صحت صلاته، أو نوى تكبيرة الركوع ما انعقدت
стр. 117
(لفعل زيد بن ثابت، وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه) ، (فإن أدركه بعد الركوع لم يكن مدركاً للركعة) ، (وعليه متابعته) ، (ويسن دخوله معه للخبر) ، (ولا يقوم المسبوق إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية) ، (فإن أدركه في سجود السهو بعد السلام لم يدخل معه) ، (وإن فاتته الجماعة استحب له أن يصلى معه) ،
ــ
(لفعل زيد بن ثابت، وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه) فتكون الثانية مندوبة في حقه لا واجبة كما تقدم، والخروج من الخلاف مطلوب، (فإن أدركه بعد الركوع لم يكن مدركاً للركعة) فتكون الركعة قد فاتته ويقضيها (وعليه متابعته) إذا كبر معه بعد الرفع من الركوع. (ويسن دخوله معه للخبر) لحديث: "من جاء والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام" (ولا يقوم المسبوق إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية) فلو قام بع الأولى اتقلبت نفلاً ولا أجزأت فريضة، وذلك لتركه واجباً فيها وهو أنه ما تم ائتمامه بل قام قبل فأخل بواجب وهو من الفريضة وفريضته باقية عليه، (فإن أدركه في سجود السهو بعد السلام لم يدخل معه) لأن هذا شيء منفصل فلا يدخل في عموم " من أتى والإمام في حال" الحديث.
(وإن فاتته الجماعة استحب له أن يصلى معه) لما يأتي. وظاهر كلام المصنف وغيره أنه لا يلزم تحصيل جماعة اخرى إذا كان قصد المسجد فوجد الصلاة قد صليت فلا يجب عليه القصد إلى مسجد آخر
стр. 118
(لقوله ﷺ من يتصدق على هذا فيصلي معه) ، (ولا تجب القراءة على مأموم) ، (لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [٧/٢٠٤] ) ، (قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة) ، (وتسن قراءته فيما لا يجهر فيه الإمام) ، (أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون
ــ
إذا اتفق أن هنا آخر، (لقوله ﷺ من يتصدق على هذا فيصلي معه) فإن لم يوجد فيستحب لبعض الحاضرين أن يصلي معه؛ لقول النبي ﷺ لما جاء رجل بعد صلاة العصر: "من يتصدق على هذا" الحديث ... فينبغي أن يصلي معه آخر وهو صدقة عليه، وبفعله يكون قد صلى في جماعة، وهو غير مشروع أن يصلوا فرادى.
وعلى القول بأن الجماعة لا تدرك إلا بركعة وهم اثنان فأزيد فلا يدخلون مع الإمام إذا لم يدركوا الركوع.
(ولا تجب القراءة على مأموم) بل قراءة إمامه تكفي، ولكن يقرأ في السكتات والسرية ندب لا وجوب، (لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [٧/٢٠٤] ) والسر في الأمر بالجهر هو الاستماع، فإنه ما جهر إلا ليسمعوه، وحق السامع الإنصات كما في الآية، (قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة) ولقصة أبي بكرة صحت منه الركعة وهو ما قرأ الفاتحة ولا حضر قراءتها ثم قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [١٠/٨٩] (وتسن قراءته فيما لا يجهر فيه الإمام) كالظهر والعصر والأخريين من الثلاثية والرباعية (أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون
стр. 119
القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه خروجاً من خلاف من أوجبه) ، (لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة) ، (ويشرع في أفعالها بعد إمامه من غير تخلف بعد فراغ الإمام) ، (فإن وافقه كره) ، (وتحرم مسابقته) ،
ــ
القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه خروجاً من خلاف من أوجبه) خروجاً من خلاف الشافعي والبخاري وغيرهما. بل بعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا يقرأ أبداً لا في السرية ولا السكتات هذا عند الأحناف، والجمهور على خلافه (لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة) لقوله: "ما لي أنازع القرآن"، "وإذا قرأ فأنصتوا". وتقدم أن للإمام سكتات إحداها: إذا فرغ من الفاتحة١.
(ويشرع في أفعالها بعد إمامه من غير تخلف بعد فراغ الإمام) عند الإئتمام -المأموم عليه أن يشرع بعد فعل إمامه؛ فإذا هوى الإمام للركوع هوى، وإذا رفع رفع، وإذا سجد سجد. وهذا حقيقة الإئتمام المذكور في قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" الحديث، والذي يتصور هنا أمور عديدة. أحدها: الموافقة. الثاني: المسابقة. الثالث: التخلف عنه. (فإن وافقه كره) لكن إن كان عمداً فهو حرام وهذا في غير تكبيرة الإحرام.
(وتحرم مسابقته) سواء سبق بالركوع أو غير الركوع، إلا أن
стр. 120
(فإن ركع أو سجد قبله سهواً رجع ليأتي به بعده) ، (فإن لم يفعل عالماً عمداً بطلت صلاته) ، (وإن تخلف عنه بركن بلا عذر، فكالسبق به) ، (وإن كان) ، (لعذر من نوم أو غفلة أو عجلة إمامه فعله ولحقه) ، (وإن تخلف بركعة) ، (لعذر تابعه فيما بقي من صلاته، وقضاها بعد سلام الإمام) ، (ويسن له) ، (إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف) ،
ــ
الركوع أغلظ؛ لأنه من الاختلاف الممنوع منه شرعاً، (فإن ركع أو سجد قبله سهواً رجع ليأتي به بعده) الذي فعل ذلك سهواً يتبعه. ومجرد المسابقة لا تبطل فإذا عاد ثم فعل مثل ما فعل إمامه لم تبطل، (فإن لم يفعل عالماً عمداً بطلت صلاته) لأن الائتام واجب وترك فبطلت، بخلاف الناسي، كالتشهد.
(وإن تخلف عنه بركن بلا عذر، فكالسبق به) ومسألة التخلف كالسبق، فيحرم التأخر كما يحرم التقدم. فهنا السبق إلى ركن، والسبق إلى ركنين. ولا يعد متخلفاً إلا بعد فراغه منه. (وإن كان) تخلف عن إمامه (لعذر من نوم أو غفلة أو عجلة إمامه فعله ولحقه) فمثلاً الذي غلب عليه النعاس ولم يعلم به فإذا ركع قبله ورفع وسجد يتبعه كذلك ويجزيه ويكفيه (وإن تخلف بركعة) كاملة (لعذر تابعه فيما بقي من صلاته، وقضاها بعد سلام الإمام) يتابع الإمام بما فيه الإمام وقام بتلك الركعة التي تخلف عنها بعذر.
(ويسن له) للإمام (إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف) لقوله ﷺ : "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن
стр. 121
(وتكره سرعة تمنع مأموماً من فعل ما يسن) ، (ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من الثانية) ، (ويستحب للإمام انتظار الداخل ليدرك الركعة إن لم يشق على المأموم) ،
ــ
أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه" الحديث.
(وتكره سرعة تمنع مأموماً من فعل ما يسن) فالرسول الذي أمر بالتخفيف يحسب له عشر تسبيحات في الركوع، فالأمر بالتخفيف لا يدل على النقر، وجاء في الحديث: "فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
(ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من الثانية) لحديث أبي قتادة وحديث أبي سعيد.
حديث أبي قتادة: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر -إلى أن قال- ويطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية" وهكذا العصر، وهكذا الصبح. وفي رواية: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى".
وحديث أبي سعيد الخدري: "كنا نحرز قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين في الظهر قدر ألم السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، ولأخريين على النصف من ذلك" رواه مسمل.
(ويستحب للإمام انتظار الداخل ليدرك الركعة إن لم يشق على المأموم) ممن معه، فإن شق لم يستحب، لأن حرمة من دخل أعظم من
стр. 122
(وأولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله) ، (وأما تقديم النبي ﷺ أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه كأبيّ ومعاذ. فأجاب أحمد: أن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى. وقال غيره: لما قدمه مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" علم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن) ،
ــ
حرمة من لم يدخل في الصلاة. فيستحب عدم العجلة بالركوع انتظاراً للمأموم أن يدخل لحديث: " لا يركع حتى لا يسمع وقع قدم".
(وأولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله) لحديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" كما يأتي، وهو أصل في التقديم في الإمامة: أن الأجود أقدم، ثم الأفقه، إلى آخر ما ذكر في الحديث فيقدم في الفضائل الدينية بالفضل في الدين.
(وأما تقديم النبي ﷺ أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه كأبيّ ومعاذ. فأجاب أحمد: أن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى. وقال غيره: لما قدمه مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" علم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن) .
стр. 123
(وروى مسلم عن أبي مسعود البدري يرفعه: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً) ،
ــ
(وروى مسلم عن أبي مسعود البدري يرفعه: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً) ،
فهذا الحديث تناول معظم الأوصاف المفيدة الأولوية، وما لم يكن متناولاً له هذا النص باللفظ فإنه يكون بالقياس على ما نص عليه في حديث أبي مسعود هذا. وحينئذ الأولى بالإمامة الأقرأ.
قوله: "أقرأ" هذه أفعل التفضيل، يعني أفضلهم قراءة في جودتها وقوتها، يعني من حيث أداء ألفاظ القرآن على الوجه الأكمل، لا من حيث العربية [فقط] والعربية هنا شاملة للنحو والتصريف وما يتبعهما، ولا من حيث أداء الحرف على وجهه وإعطائه حقه وهو المسمى بالتجويد [فقط] . إلا أنا نعرف هنا أنه ليس التجويد بحسب ما يراه كل أحد. الذي يتجاوزن الحد في إخراج الحروف فهذا ليس هو التجويد الشرعي. ملخص هذا وحاصله أن من الناس من يتعدى الحد في التجويد١. "العالم فقه صلاته" فإذا وجد رجلان أحدهما أقرأ من غيره وعالم فقه صلاته فهذا لا يقدم عليه أحد. وإذا وجد اثنان استويا في
стр. 124
(ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) ، (وفي الصحيحين) ، (يؤمكم أكبركم) ، (وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً. أي إسلاماً) ،
ــ
الأقرئية وامتاز أحدهما بعلم فقه صلاته والآخر لا، فيقدم العالم فقه صلاته استويا في الأصل المقدم على كل شيء وهو الأقرئية وامتاز أحدهما بشيء يؤثر في الصلاة وهو علمه بفقهها. وإذا استووا في القراءة وفي فقه الصلاة فيقدم الأفقه الذي يعلم عموم الفقه في الدين متناولاً فقه صلاته وفقه غير صلاته. ثم بعد ذلك "الأقدم هجرة" إذا وجد الاستواء في الأمور المؤهلة المتقدمة لسبقه إلى هذا الواجب. فإن كانوا في الهجرة سواء "فأقدمهم سناً" لأنه تقدم في العبادة على الآخر بسنين.
(ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) .
يعني المكان الذي سلطانه له: كالمسجد يرتب فيه إمام ترتيب شرعي، فالصلاة من دون إذنه افتيات عليه. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنها لا تصح.
(وفي الصحيحين) من حديث مالك بن بحينة: إذا حضرت الصلاة، (يؤمكم أكبركم) فدل على أن السن يقدم به. والله أعلم لتقاربهما في الدين. (وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً. أي إسلاماً) فدل على أن التقدم في الإسلام فضيلة.
стр. 125
(ومن صلَّى بأُجرة لم يصلّ خلفه، قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أُصلي بكم رمضان بكذا وكذا. فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا) ، (ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي -وهو كل إمام مسجد راتب- إذا اعتل صلوا وراءه جلوساً) ، (وإن صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه) ، (وأعاد الإمام وحده في الحدث) ،
ــ
(ومن صلَّى بأُجرة لم يصلّ خلفه، قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أُصلي بكم رمضان بكذا وكذا. فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا) أما ما يعطى من بيت المال فلا يدخل في هذا.
(ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي -وهو كل إمام مسجد راتب- إذا اعتل صلوا وراءه جلوساً) إمام مرتب موظف في مسجد، وعلته التي من أجلها صلى قاعداً يرجى زوالها لقصة النبي ﷺ لما سقط فجش شقه صلى جالساً وصلى الصحابة خلفه. والأصل فرضية القيام على المصلي. فأخرج الإمام العارض إما في تلك الصلاة وحدها، أو نائباً عنه، أو إمام الحي ولكن لا يرجى زوال علته مثل ما لو كان أقعد لا يستطيع القيام أو المفلوج.
(وإن صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه) إذا لم يعلموا إلا بعد الانتهاء من الصلاة. (وأعاد الإمام وحده في الحدث) لأنه محدث. أما بالنسبة إلى النجاسة إذا لم يعلم بها إلا بعد الصلاة فهي صحيحة، وسواء كان
стр. 126
(ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق) ، (والسنة وقوف المأمومين خلف الإمام) ، (لحديث جابر وجبّار لما وقفا عن يمينه ويساره أخذ بأيديهما فأقامهما خلفه رواه مسلم) ، (وأما صلاة ابن مسعود بعلقمة والأسود وهو بينهما. فأجاب ابن سيرين: أن المكان كان ضيقاً) ، (وإن كان المأموم واحداً وقف عن يمينه، وإن وقف عن يساره
ــ
علمها قبل الصلاة أو لم يعلمها أصلاً إلا بعد الصلاة، لقصة صلاة النبي ﷺ في نعليه ...
(ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق) لما في الحديث: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وانرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون". والمراد من جهة دينه إذا كرهوه. أما لو كان بغير حق أو لأجل أنه ينهاهم عن منكر فلهذا أن يبقى ولا تكره إمامته لهم، فإنهم ما كرهوه إلا لأغراض أنفسهم وتأييدها. وتارة يكرهونه لما فيه من الصلابة وملازمة السنة وتأييدها. ويحرص على دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
(والسنة وقوف المأمومين خلف الإمام) لفعله ﷺ كان إذا صلى قام أصحابه خلفه. و (لحديث جابر وجبّار لما وقفا عن يمينه ويساره أخذ بأيديهما فأقامهما خلفه رواه مسلم) ويستثنى من ذلك إمام العراة فإنه يقف وسطهم. (وأما صلاة ابن مسعود بعلقمة والأسود وهو بينهما. فأجاب ابن سيرين: أن المكان كان ضيقاً) فإن المكان فيه عرض وليس فيه طول.
(وإن كان المأموم واحداً وقف عن يمينه، وإن وقف عن يساره
стр. 127
أداره عن يمينه) ، (ولا تبطل تحريمته) ، (وإن أمّ رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث أنس، رواه مسلم) ، (وقرب الصف منه) ، (أفضل) ، (وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض) ، (وكذا توسطه الصف لقوله ﷺ : "وسطوا الإمام وسدُّوا الخلل") ، (وتصح مصافّة صبي لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا) ، (وإن صلى فذّا لم تصح) ،
ــ
أداره عن يمينه) فلو أحرم عن يساره أداره، (ولا تبطل تحريمته) لقصة ابن عباس لما أداره النبي ﷺ لم تبطل تحريمته (وإن أمّ رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث أنس، رواه مسلم) "أقامني عن يمينه، وأم سليم خلفنا".
(وقرب الصف منه) من الإمام (أفضل) لأنه أكمل للاقتداء. (وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض) أفضل من بعدها. وفي الحديث: "أن النبي ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: " تقدموا فأتموا بي" (وكذا توسطه الصف لقوله ﷺ : "وسطوا الإمام وسدُّوا الخلل") هذا دليل المسألة، (وتصح مصافّة صبي لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا) والنساء خلف إذا قمن وصففن مع صبي.
(وإن صلى فذّا لم تصح) الفذ: الفرد. يعني من غير عذر لحديث: "لا صلاة لفرد خلف الصف". أما إذا كان عذر لم يجد موقفاً عن يمين الإمام أو لا يتمكن من تخلل الصفوف إليه فإنه يصلي فذاً وتصح. وإن زالت الفردية قبل الفراغ من الركوع فإنه ليس بفذ حكماً.
стр. 128
(وإن كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه صح ولو لم تتصل الصفوف) ، (وإن كان بينهما طريق وانقطعت الصفوف لم يصح واختار الموفق وغيره أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص والإجماع) ، (ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين) ، (قال ابن مسعود لحذيفة: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، رواه الشافعي بإسناد ثقات) ،
ــ
(وإن كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه صح ولو لم تتصل الصفوف) إذا كان في المسجد واحد، (وكذ لو لم يرً أحدهما إذا سمع التكبير كالمشاهدة) وإن لم يره ولم ير من وراءه صحت إذا سمع التكبير لحصول الاقتداء بالسماع، لأنهم في موضع الجماعة فاكتفى بما يحصل به الاقتداء وهو السماع ولم يحتج إلا رؤية الإمام، ورؤية من وراءه؛ لأنهم في موضع العبادة وهو واحد. (وإن كان بينهما طريق وانقطعت الصفوف لم يصح واختار الموفق وغيره أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص والإجماع) ثم عدم اتصال الصفوف: بأن يكون بينهما مكان صف هذا أحد الأقوال. وقيل: أكثر من ذلك. ثم هذا فيه الخلاف. والقول الآخر تصح.
(ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين) إذا كان الارتفاع ذراعاً فأكثر بخلاف ما دون ذلك فإنه لا يكره، لصلاته ﷺ على المنبر فيركع عليه وإذا أراد السجود نزل. (قال ابن مسعود لحذيفة: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، رواه الشافعي بإسناد ثقات) لحديث: "إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم" فالجمع بين هذا الحديث وبين صلاته ﷺ على المنبر أن العلو إذا كان
стр. 129
(ولا بأس بعلو مأموم لأن أبا هريرة صلّى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، رواه الشافعي) ، (ويكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعدها) ، (لحديث المغيرة مرفوعاً رواه أبو داود) ، (لكن قال أحمد: لا أعرفه عن غير علي) ، (ولا ينصرف المأموم قبله لقوله ﷺ : "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف") ، (ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي فرضه إلا فيه لنهيه ﷺ عن إيطان كإيطان البعير) .
ــ
يسيراً دون ذراع لم يكره، (ولا بأس بعلو مأموم لأن أبا هريرة صلّى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، رواه الشافعي) يعني والإمام أسفل، ولا بد من عدم التقدم. وهذا تقدم الكلام حوله.
(ويكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعدها) لأنه يتوهم الداخل أنه يصلي بالناس فينبغي أن يتنحى يمنة أو يسرة، أو خلفه، أو يتقدم، (لحديث المغيرة مرفوعاً رواه أبو داود) " لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه " (لكن قال أحمد: لا أعرفه عن غير علي) يعني لا أعرف كراهية ذلك عن غير علي (ولا ينصرف المأموم قبله لقوله ﷺ : "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف") لحديث: "إنما أنا إمامكم فلا تسبقوني" الحديث (ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي فرضه إلا فيه لنهيه ﷺ عن إيطان كإيطان البعير) ١.
стр. 130
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض) ، (وخائف) ، (أو ما هو مستحفظ عليه) ، (لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بلل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق) ، (لقول عمر: كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: "صلوا في رحالكم" أخرجاه) ، (ولهما عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير يوم جمعة: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله. فلا تقل: حيَّ على الصلاة قل: صلُّوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني، يعني
ــ
الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة:
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض) وأدلة ذلك كثيرة. (وخائف) ضياع ماله لو ذهب يصلي الجمعة ضاع ماله، (أو ما هو مستحفظ عليه) أو مال مستحفظ عليه سواء بأجرة أو لا فإنه يعذر، (لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بلل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق) ومن المعلوم أنه يلحق من يخاف على ماله أعظم من مشقة المطر، فاشترك في ذلك الجمعة والجماعة.
(لقول عمر: كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: " صلوا في رحالكم" أخرجاه) فهذا من أدلة كون المطر عذراً في ترك الجماعة والجمعة، كما سبق.
(ولهما عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير يوم جمعة: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله. فلا تقل: حيَّ على الصلاة قل: صلُّوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني، يعني
стр. 131
رسول الله ﷺ وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض) ، (ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً) ، (ولو خلا من آدمي لتأذي الملائكة بذلك) .
ــ
رسول الله ﷺ وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض) فهذا يدل على أن المطر عذر في ترك الجمعة، فبطريق الأولى أن يكون عذراً في ترك الجماعة.
(ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً) لحديث: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا"، (ولو خلا من آدمي لتأذي الملائكة بذلك) كما في إحدى روايات هذا الحديث: " فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
стр. 132
باب صَلاة أهل الأعذار
(يجب أن يصلي المريض قائماً في فرض) ، (لحديث عمران: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى
ــ
باب صَلاة أهل الأعذار
وهم أنواع كما يأتي، ولهم أحكام خاصة.
(يجب أن يصلي المريض قائماً في فرض) كما هو الأصل. ألصل القيام فيها، ولو كان مريضاً ما لم يصل مرضه إلى ما يأتي بيانه (لحديث عمران: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى
стр. 133
جنب " رواه البخاري) ، (وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر) ، (لحديث يعلى بن أمية) ، (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم) ،
ــ
جنب" رواه البخاري) فإن لم يستطع صلى قاعداً للأدلة المخصصة لعموم أدلة القيام، فإذا عجز عن القيام أو شق عليه القيام صلى قاعداً. فإذا عجز أصلاً عن القعود بحيث لا يثبت جالساً، إلا بممسك أو يستطيع أن يجلس لكن بمشقة لا تحتمل فيسقط عنه الجلوس ويصلي مضطجعاً، وتكون صلاته على جنبه. وعمران كان به مرض البواسير وهو الداء الذي يكون بالمقعدة فلا عَذَرَه بمطلق المرض، بل بيَّن له أحكام كا حالة.
(وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر) كذلك. ويأتي دليله (لحديث يعلى بن أمية) .
ويقال ابن منية ولفظه: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راجلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم، يعني إيماءً يجعلِ السجود أخفض من الركوع"، هذا عذر في الصلاة على الراحلة الفريضة وغيرها، وأن الجماعة بحالها لا تسقط، فيتقدم الإمام أمامهم، ويومون إيماءً، ويكون السجود أخفض من الركوع (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم) وهذا في الفريضة. وأما النافلة فتصح مطلقاً. ومثل المطر والطين في الأرض المرض، أو خوف يخشى على نفسه أو راحلتهم، بل أولى.
стр. 134
(والمسافر يقصر الرباعية خاصة) ، (وله الفطر في رمضان) ، (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم) ، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبداً) ، (والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر) ، (ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين) ،
ــ
(والمسافر يقصر الرباعية خاصة) هذا من الأعذار "السفر"، فعذره يخوله أن يصلي الرباعية ركعتين، هذا دلت عليه السنة. (وله الفطر في رمضان) وكذلك له أن يفطر، وله أن يصوم؛ لكن الفطر أفضل.
(وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم) متابعة لإمامه الواجبة عليه، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبداً) بلا حد؛ بل حده انقضاء ما حبسه ومنعه، غلب على ظنه كثرة ذلك أول قلته، أو لم يغلب على ظنه بل غلب على ظنه قصر ذلك، أو استوى عنده الأمران؛ لأنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة.
(والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر) والمسح معروفة أحكامه في بابه، والقصر والفطر تقدما، والجمع يأتي.
(ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين) والجمع هو أحد عوارض السفر، كما أن من عوراض السفر القصر. والقصر عزيمة، والجمع رخصة. والجمع يكون تارة للسفر، وتارة يكون للمرض، وتارة يكون للمطر، وتارة يكون لغيرهما. وفعله في بعض الأحيان
стр. 135
(في وقت أحدهما) ، (للمسافر) ، (وتركه أفضل) ، (غير جمعي عرفة ومزدلفة) ،
ــ
أفضل من تركه. والأكثر في موارده أن الترك أفضل. والجمع إنما هو بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وهما العشاءان، فلا جمع بين العصر والمغرب بحال، كما لا جمع بين الظهر والفجر بحال. إنما الجمع بين الوقتين الذين وقتهما واحد؛ فللعذر هو لهما وقت واحد. والأصل فيه السنة الثابتة عن النبي ﷺ من حديث أنس وغيره. (في وقت أحدهما) إما في وقت الظهر جمع تقديم، أو في وقت العصر جمع تأخير.
(للمسافر) هذه أحد الحالات التي يجوز فيها الجمع. وحيث ساغ الجمع السفري ونحوه فإنه يجوز أن يجمع تقديماً، ويجوز أن يجمع تأخيراً. ولكن هنا أفضلية: تارة يكون الأفضل جمع تقديم، وتارة يكون يكون الأفضل جمع التأخير. وبعض الأحيان يكون لازماً، وبعض الأحيان يكون ليس بلازم بل نظرا إلى ما هو الأرفق، وإذا استويا فالأولى جمع التأخير، لما فيه من الأحوطية.
في سفر قصر. وحدّه: أنه أربعة برد. إلى أخره. وعند الشيخ تقي الدين: أنه ما يسمى سفراً يحمل فيه الزاد والمزاد فهذا هو الذي يفطر فيه وهو الذي يقصر فيه وهو الذي يجمع فيه بين الصلاتين. هذا من ناحية المسافة. ويشترط أن لا يكون السفر منهياً عنه.
(وتركه أفضل) إذا كان نازلاً وليس نيته الارتحال بين الوقتين.
(غير جمعي عرفة ومزدلفة) يستثنى من ذلك جمعان: أحدهما:
стр. 136
(ولمريض يلحقه بتركه مشقة) ، (لأنه ﷺ جمع من غير خوف ولا سفر) ، (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض) ، (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر) ، (وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل) ،
ــ
جمع عرفة، والآخر: جمع مزدلة. فالأفضل فيهما الجمع: جمع عرفة تقديماً، وجمع مزدلفة تأخيراً، ليتوفر الوقت للدعاء فيكون من الظهر إلى المغرب كله وقوف. وفي التأخير لمزدلفة اتصال السير. فجمع عرفة أفضل مطلقاً، وكذلك جمع مزدلفة.
(ولمريض يلحقه بتركه مشقة) هذا الشيء الثاني الذي يُسَوَّغُ الجمع، المريض الذي يلحقه بتركه مشقة (لأنه ﷺ جمع من غير خوف ولا سفر) فتعين أن يكون ذلك للمرض، فيكون هذا من أدلة جمع المريض بين الصلاتين (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض) فيكون أيضاً من أدلة الجمع للمرض. ونحوها من به سلس البول والقروح السيالة التي تسيل منها النجاسة كثيراً فيعفى عنها، فإن الكل له الجمع. (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر) وقد ثبت الجمع للمطر والذي يلحق أصحاب هذه الأمور المرض ونحوه من المشقة أكثر مما يلحق في المطر، فدل على ثبوت الجمع للمرض والاستحاضة وما في معناها ممن به سلس البول أو سلس المذي الخ. بجامع المشقة.
(وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل) تقد بيان أشياء تبيح ترك الجمعة والجماعة فما منها من شيء إلا ويبيح الجمع بين الصلاتين، وهذا مذهب أحمد، ومذهبه رحمة الله عليه أوسع
стр. 137
(وقال: صحت صلاة الخوف النبي ﷺ من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة) ، (وأما حديث سهل فأنا أختاره) ، (وهي صلاة ذات الرقاع) ،
ــ
المذاهب في ذلك، فإنه يرى الجمع للشغل. ومن هذا مثلاً حفر الآبار فيما تقدم حين كان السني على البهائم لو خرجوا لصلاة الظهر لتزايد الماء عليهم، فيجوز أن يجمعوا. ومثله من يبتلى بذود الجراد والدبا ونحو ذلك؛ بخلاف مطلق الأشغال فإنها ليست مرادة هنا؛ إذ الإنسان لا يخلو غالباً من شغل، ولو قيل بذلك لكان الفرد يجمع كل يوم أو الجماعة يتفق لهم أشغال وهذا لا قائل به؛ بل المراد الشغل الذي يحصل بتفويته نقص.
صلاة الخوف:
(وقال: صحت صلاة الخوف النبي ﷺ من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة) الخوف عذر، كما أن السفر عذر، والمرض عذر، والمطر عذر. وصلاة الخوف جاءت بصفات عديدة كلها جائزة. والأصل في شرعيتها الكتاب العزيز والسنة المطهرة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [٤/١٠١] الآية، والآية بعدها، والسنة بذلك مستفيضة. (وأما حديث سهل فأنا أختاره) سهل بن أبي حثمة وإنما اختاره أحمد لأنه أوفق لما دل عليه القرآن، ولأنه أقل أفعالاً، الثالث قلة الأفعال المخالفة لأصل الصلاة: فيها وغير ذلك (وهي صلاة ذات الرقاع) وهي التي فعلها النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع غزوة
стр. 138
(طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه) ، (وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي) ، (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ) ، (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه) ،
ــ
غطفان بأرض نجد. وسميت ذات الرقاع لأن الظَهْرَ قليل وإنما يمشون على أرجلهم حتى نقبت فكانوا يضعون الرقاع على أرجلهم. وصفتها أن النبي ﷺ قسم أصحابه طائفتين (طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه) فكانت له ركعتين، ولكل طائفة ركعتين. فهذه هي التي اختارها أحمد.
(وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي) وهذه إحدى صفات صلاة الخوف: أنه ﷺ صلى بطائفة ركعتين وسلم بها، ثم ذهبوا يحرسون، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعتين، فصار للنبي أربع، ولكل طائفة ركعتين. وإذا لم يكن خوف لم تصح (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ) لهذه الآية الكريمة. ولا يثقله يكون شيئاً خفيفاً: فرد، خنجر، سكين. (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه) يعني لأن الله أمر
стр. 139
(لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [٤/١٠٢] ) ، (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) ، (لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [٢/٢٣٩] ) ، (يومون إيماء بقدر الطاقة) ، (ويكون السجود أخفض من الركوع) ، (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة) .
ــ
بذلك، مراده أنه إن كان قاله أحد من أهل العلم فهو وجيه، وإن لم يكن أحد قال به فليس بوجيه ما قاله، يعني مسألة الوجوب. أما الاستحباب فظاهر (لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [٤/١٠٢] ) .
(وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) صلاة الخوف التي لم يشتد فيها الخوف تشترط فيها الصلاة إلى القبلة. وإذا اشتد الخوف وهو أن يكون حال المسايفة فيسقط الاستقبال فيها والجماعة، ويفعلون ما يستطيعون من استقبال القبلة والقيان ونحو ذلك، (لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [٢/٢٣٩] ) وكل من الصلاتين صلاة الخوف الشديد والخوف غير الشديد في القرآن الكريم. والصفات المروية عن النبي ﷺ التي قال أحمد أنها صحت عن النبي ﷺ هي في الخوف غير الشديد. (يومون إيماء بقدر الطاقة) كما تقدم أن عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون (ويكون السجود أخفض من الركوع) كما تقدم في صلاة المريض. (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة) فقد شُرط الإئتمام لأجل الخوف. ثم الهارب خوفاً من عدو أو سبع أو سيل يصلي إذا أدركه الوقت ويفعل ما يستطيعه ويسقط عنه ما لا يستطيعه، حكمه حكم الخائف الخوف الشديد.
стр. 140
بابُ صَلاةِ الجُمْعَة
(وهي فرض عين) ، (على كل مسلم) ، (بالغ) ، (عاقل) ، (ذكر) ،
ــ
بابُ صَلاةِ الجُمْعَة
اشتقاقها من الجمع، سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير. وقيل: لأن الله جمع فيها خلق آدم وتم في هذا اليوم. وفضل هذا اليوم مشهور معلوم من النصوص الثابتة عن النبي ﷺ ، وفي الحديث: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة" الحديث. ثم هذا اليوم له مزايا وخصائص عظيمة عديدة (وهي فرض عين) كما أن الظهر والعصر فرض عين؛ بل هذا الفرض آكد من سائر بقية فروض اليوم (على كل مسلم) هذا قيد يخرج الكافر فإنها غير واجبة عليه الجمعة، ولا الصلاة بمعنى أنها لا تصح منه ولا يقضيها إذا أسلم، لا بمعنى أنهم لا يعاقبون على تركها كما يُعاقبون على كفرهم؛ فإن الواحد منهم إذا أسلم لا يطالب ولا يلزمه قضاء ما تركه في كفره؛ لأنه مطالب أوّلاً بالتوحيد، فإن لم يحصل منه التوحيد فإنه لا يصح منه ما عداه (بالغ) فلا تجب على الصبي لعدم تكليفه. (عاقل) فلا تجب على مجنون لفقده العقل، ولا تصح منه. المجنون جنوناً مطبقاً مطلقاً. والذي يخنق لا يجب عليه فعلها إذا لم يفق ويدرك من الوقت شيئاً لا من أوله ولا من آخره ولا من وسطه، والجمعة كذلك. فالعقل شرط للصحة والوجوب، والتمييز شرط للوجوب وليس بشرط للصحة، (ذكر) لأن المرأة شأنها الاستتار وعدم البروز في الغالب من أمرها، والبروز إنما
стр. 141
(حر) ، (مكلف) ، (مستوطن) ، (ببناء يشمله اسم واحد) ، (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته) ،
ــ
هو للعارض، فلذلك سقطت عنها الجمعة (حر) هذا قيد يخرج العبد فإنه على المشهور لا تجب عليه لنقصه بأمور لازمة له لسيده. وقد قيل بوجوبها في حقه فيما أظن١، فالعبد محبوس بحكم الرق الشرعي مستحقة منافعه لغير؛ بخلاف الحر فإنه يملك منافع نفسه (مكلف) يعني بالغ عاقل أخرج الذي لم يبلغ -الصبي الذي ما بلغ- ويخرج المجنون كما تقدم فإنه لا نية له، والصبي تصح منه ولا تجب عليه؛ لأن له نية، إلا أن عباداته من باب التطوع لا من باب الفريضة. (مستوطن) هذا شرط آخر، فإن كان غير مستوطن بأن كان منزله الخيام وبيوت الشعر كالبوادي يرتحل عنه شتاءً أو صيفاً فإنها لا تجب عليهم في كلام كثير من أهل العلم، (ببناء يشمله اسم واحد) وسواء كان البناء فراسخ فإنه يلزم السعي إلى الجمعة من نفس المصر ولو كان بينه وبين المسجد خمسة فراسخ فأكثر. والبناء من إسمنت، أو حجر، أو مدر، أو قصب، بناء من ألواح، أو نحوها كعسف وهو الوشي، أو العشة، ومثله الصنادق وأشباهها مما جنسه يتخذ للاستيطان. فإذا كان خارج المصر وكان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تجب عليه (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته) المرأة لو حضرت وصلت الجمعة في المسجد أو في مكان يصح فيه الاقتداء، أو المسافر وصلى معهم، أو الصبي، أو العبد: صحت من الجميع؛ لأن إسقاطها عنهم رخصة
стр. 142
(وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً) ، (ولا بد من تقدم خطبتين) ، (فيهما حمد الله) ، (والشهادتان) ، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة) ،
ــ
وهم أخذوا بالعزيمة، بل أرادوا ما هو أعلى من حالة التخفيف. وكذلك المريض والخائف. (وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً) إذا جاء المسبوق وقد فاته ركعة فاجتمع مع الإمام في ركوع الركعة الثانية فإنه يكون مدركاً للجمعة، ومن لم يدرك إلا أقل من ذلك بأن لم يدخل مع الإمام حتى رفع الإمام من الركوع لم يكن مدركاً للجُمعة، بل يتمها ظهراً بشرطين. الأول: أن يكون وقت الظهر قد دخل. الثاني: أن يكون قد نواها ظهراً، وإلا لم تصح منه ظهراً لفوات الشرطين أو أحدهما.
(ولا بد من تقدم خطبتين) لصحة صلاة الجمعة، للآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٦٢/٩] الآية يراد بها الخطبة، أو الخطبة والصلاة جميعاً، ولأن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين قبل الصلاة، وكونه لم يخل بذلك مرة واحدة.
(فيهما حمد الله) لفظ: الحمد لله. ويؤخذ من كلام بعض أهل العلم أن ما يدل على الثناء لا تصح به بل لا بد من لفظ الحمد. والزيادة على هذه الكلمة مستحب خروجاً من خلاف من قال بالوجوب والشرطية، ولأنه أكمل. (والشهادتان) ولا بد من ذكر الصلاة على النبي ﷺ في كل عبادة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة) كذلك ينبغي أن تكون الخطبة مشتملة على ذكر داعئم الدين وقواعده العظام، وكذلك
стр. 143
(ويخطب على منبر) ، (أو موضع عال) ، (ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم) ، (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) ، (لحديث ابن عمر رواه أبو داود) ، (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة) ، (ويخطب
ــ
ينبغي بل يجب أن يأتي بما يحرك القلوب، أما شيء لا يحركها فلا ينبغي. ثم الاقتصار على ذكر فناء الدنيا والموت لا يكفي، كما أنه لا يكفي الاقتصار على كلمات الحكم النافعة، لا بد من موعظة وشيء يحرك القلوب. ثم أيضاً اعتماد التسجيع وكونه همخ الخطيب مرجوح ولا ينبغي، فإن أتى به مع إتيانه بالأمور الهامة فلا مانع من التسجيع.
(ويخطب على منبر) والقصد من ذلك ليكون أبلغ في إسماع الحاضرين إذا كان مرتفعاً (أو موضع عال) إن عدم المنبر، سواء كان بصفة عتبة، أو حجر، أو مرتفع من الأرض. وبعض الناس يزيد في ارتفاع المنبر ولا هو لاينبغي؛ بل ينبغي الاكتفاء بقدر العتبات التي كان يصعدها النبي ﷺ .
(ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم) يندب أن يسلم عليهم أول ما يخرج عليهم، وكذلك إذا صعد المنبر؛ فحينئذ يسلم سلامين: الأول: حين يتبين عليهم من الباب ونحوه. والثاني: بعدما يستتم واقفاً على المنبر قبل أن يجلس. (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) هذا من السنة (لحديث ابن عمر رواه أبو داود) "كان رسول الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر: "أنه ﷺ كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس" (ويخطب
стр. 144
قائماً لفعله ﷺ ، (ويقصد تلقاء وجهه) ، (ويقصر الخطبة) ، (وصلاة الجمعة ركعتان) ، (يجهر فيهما بالقراءة) ، (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) ، (أو بسبح والغاشية) ، (صح الحديث بالكل) ، (ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان) ،
ــ
قائماً لفعله ﷺ ولقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [٦٢/١١] فإن هذا في خطبة الجمعة، نزلت لما قدم العير من الشام والنبي ﷺ في الخطبة فانصرفوا ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فدل على أنه يخطب قائماً (ويقصد تلقاء وجهه) لفعله ﷺ ، ولو لم يقصد كان إرعاضاً عنهم أو عن بعضهم. والذي ينبغي أن يكون موقفه مما يسوي بينهم في الصوت. (ويقصر الخطبة) الخطيب لحديث: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه" وأن تكون الأولى أطول من الثانية، كما يندب تطويل الأولى من الرباعية والثلاثية.
(وصلاة الجمعة ركعتان) وهذا بالإجماع، فهي مستقلة وليست بدلاً من الظهر بل الأمر بالعكس. (يجهر فيهما بالقراءة) بالفاتحة فيهما. (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) للسنة الثابتة عن النبي ﷺ بذلك (أو بسبح والغاشية) وكذلك إذا قرأ بسبح والغاشية. وإن قرأ بالجمعة والغاشية جاء أيضاً في رواية (صح الحديث بالكل) .
(ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان) تسن القراءة في فجرها بهاتين السورتين. وليس قراءة السجدة من أحل أن فيا سجدة وإن لم يقرأها قرأ سورة فيها سجدة، وإنما اختصتا لما فيهما
стр. 145
(وتكره المداومة على ذلك) ، (وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد) ، (إلا الإمام فلا تسقط عنه) ، (والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع) ، (ولا سنة لها قبلها) ،
ــ
بدء الخلق والثواب والعقاب والجنة والنار، فالحكمة في ذلك تذكيره بمبدئه حتى يعرف نفسه وربه، وتذكيره بالمعاد حتى يستعد ويخاف ويعمل، حتى يتوفى على ذلك بمنة الله. (وتكره المداومة على ذلك) لئلا يظن وجوبهما، بل يترك بعض الأحيان.
(وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد) وهي بنفسها لا تسقط بالعيد؛ إذ الجمعة فرض عين، والعيد ليس فرض عين؛ بل فرض كفاية. فالجمعة لا تسقط بذاتها إلا إذا لم يحضر العدد فلا تلزم، لا من أجل سقوطها بالعيد، بل من أجل عدم حضور النصاب، فإن عذر من تخلف أنها ساقطة عنه (إلا الإمام فلا تسقط عنه) عليه أن يقيم الجمعة إذا حضر العدد الكافي.
(والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع) لأنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين. وجاء في حديث أبي هريرة الأمر بالصلاة أربع بعد الجمعة، أو كما في الحديث١ وفيه قول آخر: أنها إن صليت في المسجد فأربع وإن صليت في البيت فركعتان فيكون الجمع هو هذا، لا أن لها أقل وأكثر وهذا اختيار الشيخ٢.
(ولا سنة لها قبلها) أي راتبة، وإلا فلها سنة قبلها وليست راتبة