← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11263

شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة أو العبادات (الصلاة، الزكاة، الصيام)

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (238 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(حر) ، (مكلف) ، (مستوطن) ، (ببناء يشمله اسم واحد) ، (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته) ، ــ هو للعارض، فلذلك سقطت عنها الجمعة (حر) هذا قيد يخرج العبد فإنه على المشهور لا تجب عليه لنقصه بأمور لازمة له لسيده. وقد قيل بوجوبها في حقه فيما أظن١، فالعبد محبوس بحكم الرق الشرعي مستحقة منافعه لغير؛ بخلاف الحر فإنه يملك منافع نفسه (مكلف) يعني بالغ عاقل أخرج الذي لم يبلغ -الصبي الذي ما بلغ- ويخرج المجنون كما تقدم فإنه لا نية له، والصبي تصح منه ولا تجب عليه؛ لأن له نية، إلا أن عباداته من باب التطوع لا من باب الفريضة. (مستوطن) هذا شرط آخر، فإن كان غير مستوطن بأن كان منزله الخيام وبيوت الشعر كالبوادي يرتحل عنه شتاءً أو صيفاً فإنها لا تجب عليهم في كلام كثير من أهل العلم، (ببناء يشمله اسم واحد) وسواء كان البناء فراسخ فإنه يلزم السعي إلى الجمعة من نفس المصر ولو كان بينه وبين المسجد خمسة فراسخ فأكثر. والبناء من إسمنت، أو حجر، أو مدر، أو قصب، بناء من ألواح، أو نحوها كعسف وهو الوشي، أو العشة، ومثله الصنادق وأشباهها مما جنسه يتخذ للاستيطان. فإذا كان خارج المصر وكان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تجب عليه (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته) المرأة لو حضرت وصلت الجمعة في المسجد أو في مكان يصح فيه الاقتداء، أو المسافر وصلى معهم، أو الصبي، أو العبد: صحت من الجميع؛ لأن إسقاطها عنهم رخصة

стр. 142

(وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً) ، (ولا بد من تقدم خطبتين) ، (فيهما حمد الله) ، (والشهادتان) ، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة) ، ــ وهم أخذوا بالعزيمة، بل أرادوا ما هو أعلى من حالة التخفيف. وكذلك المريض والخائف. (وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً) إذا جاء المسبوق وقد فاته ركعة فاجتمع مع الإمام في ركوع الركعة الثانية فإنه يكون مدركاً للجمعة، ومن لم يدرك إلا أقل من ذلك بأن لم يدخل مع الإمام حتى رفع الإمام من الركوع لم يكن مدركاً للجُمعة، بل يتمها ظهراً بشرطين. الأول: أن يكون وقت الظهر قد دخل. الثاني: أن يكون قد نواها ظهراً، وإلا لم تصح منه ظهراً لفوات الشرطين أو أحدهما. (ولا بد من تقدم خطبتين) لصحة صلاة الجمعة، للآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٦٢/٩] الآية يراد بها الخطبة، أو الخطبة والصلاة جميعاً، ولأن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين قبل الصلاة، وكونه لم يخل بذلك مرة واحدة. (فيهما حمد الله) لفظ: الحمد لله. ويؤخذ من كلام بعض أهل العلم أن ما يدل على الثناء لا تصح به بل لا بد من لفظ الحمد. والزيادة على هذه الكلمة مستحب خروجاً من خلاف من قال بالوجوب والشرطية، ولأنه أكمل. (والشهادتان) ولا بد من ذكر الصلاة على النبي ﷺ في كل عبادة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة) كذلك ينبغي أن تكون الخطبة مشتملة على ذكر داعئم الدين وقواعده العظام، وكذلك

стр. 143

(ويخطب على منبر) ، (أو موضع عال) ، (ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم) ، (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) ، (لحديث ابن عمر رواه أبو داود) ، (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة) ، (ويخطب ــ ينبغي بل يجب أن يأتي بما يحرك القلوب، أما شيء لا يحركها فلا ينبغي. ثم الاقتصار على ذكر فناء الدنيا والموت لا يكفي، كما أنه لا يكفي الاقتصار على كلمات الحكم النافعة، لا بد من موعظة وشيء يحرك القلوب. ثم أيضاً اعتماد التسجيع وكونه همخ الخطيب مرجوح ولا ينبغي، فإن أتى به مع إتيانه بالأمور الهامة فلا مانع من التسجيع. (ويخطب على منبر) والقصد من ذلك ليكون أبلغ في إسماع الحاضرين إذا كان مرتفعاً (أو موضع عال) إن عدم المنبر، سواء كان بصفة عتبة، أو حجر، أو مرتفع من الأرض. وبعض الناس يزيد في ارتفاع المنبر ولا هو لاينبغي؛ بل ينبغي الاكتفاء بقدر العتبات التي كان يصعدها النبي ﷺ . (ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم) يندب أن يسلم عليهم أول ما يخرج عليهم، وكذلك إذا صعد المنبر؛ فحينئذ يسلم سلامين: الأول: حين يتبين عليهم من الباب ونحوه. والثاني: بعدما يستتم واقفاً على المنبر قبل أن يجلس. (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) هذا من السنة (لحديث ابن عمر رواه أبو داود) "كان رسول الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر: "أنه ﷺ كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس" (ويخطب

стр. 144

قائماً لفعله ﷺ ، (ويقصد تلقاء وجهه) ، (ويقصر الخطبة) ، (وصلاة الجمعة ركعتان) ، (يجهر فيهما بالقراءة) ، (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) ، (أو بسبح والغاشية) ، (صح الحديث بالكل) ، (ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان) ، ــ قائماً لفعله ﷺ ولقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [٦٢/١١] فإن هذا في خطبة الجمعة، نزلت لما قدم العير من الشام والنبي ﷺ في الخطبة فانصرفوا ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فدل على أنه يخطب قائماً (ويقصد تلقاء وجهه) لفعله ﷺ ، ولو لم يقصد كان إرعاضاً عنهم أو عن بعضهم. والذي ينبغي أن يكون موقفه مما يسوي بينهم في الصوت. (ويقصر الخطبة) الخطيب لحديث: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه" وأن تكون الأولى أطول من الثانية، كما يندب تطويل الأولى من الرباعية والثلاثية. (وصلاة الجمعة ركعتان) وهذا بالإجماع، فهي مستقلة وليست بدلاً من الظهر بل الأمر بالعكس. (يجهر فيهما بالقراءة) بالفاتحة فيهما. (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) للسنة الثابتة عن النبي ﷺ بذلك (أو بسبح والغاشية) وكذلك إذا قرأ بسبح والغاشية. وإن قرأ بالجمعة والغاشية جاء أيضاً في رواية (صح الحديث بالكل) . (ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان) تسن القراءة في فجرها بهاتين السورتين. وليس قراءة السجدة من أحل أن فيا سجدة وإن لم يقرأها قرأ سورة فيها سجدة، وإنما اختصتا لما فيهما

стр. 145

(وتكره المداومة على ذلك) ، (وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد) ، (إلا الإمام فلا تسقط عنه) ، (والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع) ، (ولا سنة لها قبلها) ، ــ بدء الخلق والثواب والعقاب والجنة والنار، فالحكمة في ذلك تذكيره بمبدئه حتى يعرف نفسه وربه، وتذكيره بالمعاد حتى يستعد ويخاف ويعمل، حتى يتوفى على ذلك بمنة الله. (وتكره المداومة على ذلك) لئلا يظن وجوبهما، بل يترك بعض الأحيان. (وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد) وهي بنفسها لا تسقط بالعيد؛ إذ الجمعة فرض عين، والعيد ليس فرض عين؛ بل فرض كفاية. فالجمعة لا تسقط بذاتها إلا إذا لم يحضر العدد فلا تلزم، لا من أجل سقوطها بالعيد، بل من أجل عدم حضور النصاب، فإن عذر من تخلف أنها ساقطة عنه (إلا الإمام فلا تسقط عنه) عليه أن يقيم الجمعة إذا حضر العدد الكافي. (والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع) لأنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين. وجاء في حديث أبي هريرة الأمر بالصلاة أربع بعد الجمعة، أو كما في الحديث١ وفيه قول آخر: أنها إن صليت في المسجد فأربع وإن صليت في البيت فركعتان فيكون الجمع هو هذا، لا أن لها أقل وأكثر وهذا اختيار الشيخ٢. (ولا سنة لها قبلها) أي راتبة، وإلا فلها سنة قبلها وليست راتبة

стр. 146

(بل يستحب أن يتنفل بما شاء) ، (ويسن لها الغسل) ، (والسواك) ، (والطيب) ، (ويلبس أحسن ثيابه) ، (وأن يبكر ماشياً) ، ــ (بل يستحب أن يتنفل بما شاء) ومما يدل عليه الحديث الذي فيه الترغيب في التبكير للجمعة والصلاة إلى أن يخرج الإمام يعني للصلاة، وفي بعض ألفاظه: "وصلى ما قدر له" ولم يحدد، فإن ذلك سنة لا راتبة، وأقله ركعتان، وأكثره إلا أن يخرج الإمام. (ويسن لها الغسل) مسنون ذلك بل مؤكد. ثم نعرف أن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب غسل الجمعة استدلالاً بحديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" والجمهور على عدم الوجوب، لحديث: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" فإن معناه من توضأ فقد أخذ بالرخصة ونعمت الرخصة، ومن اغتسل فقد أخذ بالعزيمة. وأهل هذا القول يجيبون بأن الوجوب تأكد الندبية، مثل ما يقال: حقك عليّ واجب. وتوسط آخرون بأن قالوا بوجوبه على أهل المهن الذين تكون لهم رائحة إذا لم يغتسلوا. وبكل حال فمزيد الندبية ظاهر. أقل ما يفيد مزيد التأكيد (والسواك) داخل في النظافة المطلوبة، (والطيب) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعاً: "لا يغتسل أحد يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس من طيب امرأته" الحديث، فيندب التطيب في هذا اليوم لهذا الحديث (ويلبس أحسن ثيابه) لفعله ﷺ ، ولوروده في بعض ألفاظ هذا الحديث. (وأن يبكر ماشياً) يندب التبكير إليها، وأن يكون ماشياً. التبكير كما في الأحاديث: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" الحديث، و"ماشياً" كما في الحديث: "ومشى".

стр. 147

(ويجب السعي بالنداء الثاني) ، (بسكينة وخشوع) ، (ويدنو من الإمام) ، (ويكثر الدعاء في يومها رجاء إصابة ساعة الإجابة) ، (وأرجاها آخر ساعة بعد العصر، إذا تطهر وانتظر صلاة المغرب لأنه في صلاة) ، (ويكثر الصلاة على النبي ﷺ في يومها وليلتها) ، ــ (ويجب السعي بالنداء الثاني) أي الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر، لأنه كان على عهد النبي ﷺ ، وكذا قبل النداء لمن منزله بعيد في وقت وجوب السعي عليه، (بسكينة وخشوع) وأن يكون في مسيره بسكينة ووقار. و"السكينة" بالنسبة إلى الحركة وعدمها بأن يكون ساكناً غير مضطرب. و"الوقار" في الهيئة والشكل. ومن الوقار غض البصر وخفض الصوت ونحو هذا (ويدنو من الإمام) يسن دنوه من الإمام، وجاء: أن مقاعد أهل الجنة قربهم من الله على حسب قربهم من الإمام يوم الجمعة. وكان ابن مسعود يبكر، فإذا جاء ووجد ثلاثة قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد. (ويكثر الدعاء في يومها رجاء إصابة ساعة الإجابة) فإن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (وأرجاها آخر ساعة بعد العصر، إذا تطهر وانتظر صلاة المغرب لأنه في صلاة) هذه الساعة فيها أقوال عديدة ذكرها ابن القيم في كتابه "زاد المعاد": ما هي هذه الساعة؟ من جملتها أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يخرج من الصلاة. وأقواها أنها بعد العصر، لما في بعض الأحاديث المصرحة. (ويكثر الصلاة على النبي ﷺ في يومها وليلتها) كذلك لقوله

стр. 148

(ويكره أن يتخطى رقاب الناس) ، (إلا أن يرى فرجه لا يصل إليها إلا به) ، (ولا يقيم غيره ويجلس مكانه ولو عبده أو ولده) ، ــ ﷺ : "أكثروا من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". (ويكره أن يتخطى رقاب الناس) الواحد الحاضر للجمعة ليس له أن يتخطى رقاب الناس الجالسين في الصف، للنهي عنه في الحديث، والوعيد عليه؛ فإنه جاء في الحديث: "الذي يتخطى رقاب الناس إنما يتخذ جسراً إلى جهنم" أو كما في الحديث. وفي الحديث الآخر: "إجلس فقد آنيت وآذيت" ففيه النهي عن ذلك، وبيان العلة وهو أذية الناس الذين يتخطى رقابهم (إلا أن يرى فرجه لا يصل إليها إلا به) لا يصل إلى موضعه ليصلي فيه فإن هذه حاجة. هذه مسألة مستثناة أن يكون المتخطي إلى فرجة ولا يصل إليها إلا بتخط لصف فأكثر، فإذا كان فرجة متروكة فلمن رآها وأرادها أن يتخطى، فإن من أمامها من الصفوف الذي ينبغي لهم أن يسدوها فلما لم يفعلوا سقط حقهم، وكان له الحق في التخطي ليسدها. (ولا يقيم غيره ويجلس مكانه ولو عبده أو ولده) ولو للخلاف القوي، فإن المخالف يستثني العبد لكون منافعه مملوكة لسيده، وكذلك الولد الكبير الخلاف فيه معطوف على العبد. فإذا كان عبده وولده الكبير ممنوع في حقه إقامتهما من مكانهما فالناس بطريق الأولى، وذلك لما كان له من الحق في سبقه إليه؛ فإن عموم الحديث يتناول العبد والولد.

стр. 149

(ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين) ، (يخففهما) ، (ولا يتكلم) ، (لقوله ﷺ : "ومن مس الحصى فقد لغا" صححه الترمذي) ، ــ (ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين) للحديث: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصلَّ ركعتين" متفق عليه. (يخففهما) ينبغي الإيجاز فيهما لما في رواية مسلم: "وليتجوز فيهما" وذلك أنه مشروع في حقه شيئان: أحدهما: الإنصات للخطبة. والثاني: إعطاء المسجد حقه بصلاة التحية. فالجلوس من غير فعل للتحية إهمال لها وترك. والإطالة فيها بعض إهمال لمساع الخطبة. فالأولى أن يجمع بينهما فيصلي التحية ويوجز فيها ليحصل له فعل التحية والإصغاء إلى الخطبة لسماع ما يدرك منها. (ولا يتكلم) للنهي عنه في الأحاديث. منها قوله: "من قال: صه، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" رواه أحمد. فهذا الحديث مفيد النهي عن التسكيت، وهو قول كلمة "صه" وهي كلمة واحدة، فيفيد أن التسكيت بجملة أشد، وأشد منه الكلام لغير تسكيت. فيفيد الحديث أن من صدر منه قول: "صه" فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. أي: لغت جمعته وسقط أجرها الذي امتازت به على غيرها، ولا يعبث والإمام يخطب، (لقوله ﷺ : " ومن مس الحصى فقد لغا" صححه الترمذي) العبث بشيء كعبثه بالحصا كإن كان على حصباء، أو ثيابه، أو شيء من بدنه، أو نحو ذلك. وتقدم معنى "فلا جمعة له" فهذا الذي جاء إلى الجمعة ما حصل له إلا التعب: تعب الانتظار والقصد إليها من بعيد لعدم تأدبه وعدم قيامه بما يلزم لها من الإنصات وترك العبث.

стр. 150

(ومن نعس انتقل من مجلسه لأمره ﷺ بذلك. صححه الترمذي) . ــ (ومن نعس انتقل من مجلسه لأمره ﷺ بذلك. صححه الترمذي) هذا حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره".

стр. 151

بابُ صَلاة العيدَيْن (إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم) ، ــ بابُ صَلاة العيدَيْن في الحديث: " الفطر والأضحى وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام" فالأعياد الزمانية السنوية ليس لأهل الإسلام إلا هي، وهي عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق. ثم الأعياد المكانية ما فيه إلا يوم عرفة والمشاعر، وما عدا ذلك فهو من أسباب الشرك ومحرم. و"صلاة العيدين" هي صلاة عيد الأضحى، وعيد الفطر. كل منهما فرض كفاية. وفيه قول: أنها فرض عين، ويستشهد له بالأمر بخروج العواتق وذوات الخدور، بل حتى الحيض اللاّتي ليس من شأنهن الخروج. (إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم) أول وقتها بارتفاع الشمس قيد رمح في منظر الناظر، وآخر وقت صلاة العيد زوال الشمس وهو دخول وقت الظهر، فإذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال فإنهم يصلونها من الغد لخروج وقت العيد بزوال الشمس يوم

стр. 152

(ويسن تعجيل الأضحى وتأخير الفطر) ، (وأكله قبل الخروج إليها في الفطر تمرات وتراً) ، العيد لحديث أبي عمير١ وإن لم يكن صريحاً في الزوال فحمل ذلك على أنه لم يبق وقت تمكن الصلاة فيه. ــ (ويسن تعجيل الأضحى وتأخير الفطر) فتفعل صلاة الأضحى في أول وقتها، وعكسه صلاة عيد الفطر فإن المسنون والفضيلة فيها التأخير. والفرق: أنهما اجتمعا في أن الكل صلاة تصلى في الوقت، واختلفا بما يقارنهما من العبادات، فإن عيد الفطر يقارنه عبادة صدقة الفطر قبل الصلاة. والأضحى العبادة المقرونة فيه بالصلاة هي عبادة النحر، ومن المعلوم أن مشروعية ذلك بعد الصلاة، فناسب تقديمها ليتسع الوقت للذبح. والفطر شرع أن تؤخر ليتمكن الناس من إخراج صدقة فطرهم. ويستدل لذلك بما روى الشافعي مرسلاً: "أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الأضحى، وأخر الفطر وذكر الناس" فهذا يفيد شرعية ذلك وأصل في ذلك. ويفيد أن ينبغي أن تشتمل خطبة العيد على ما يذكر الناس ويعظهم ويحرك قلوبهم. (وأكله قبل الخروج إليها في الفطر تمرات وتراً) يسن أكله قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، يأكلها في بيته إذا تحقق طلوع الفجر، فإن لم يفعل فبعد صلاة الفجر. والسر في ذلك التفريق بين أول هذا اليوم وبين أول كل يوم مضى من أيام رمضان؛ فكما أن المشروع أن يبادر

стр. 153

(ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي) ، (وإذا غدا من طريق رجع من آخر) ، ــ الصائم إلى الفطر، فكذلك أيضاً هنا؛ فإنه ما ترك الطعام فيما قبله إلا طاعة لله، وما أكل في يوم العيد إلا طاعة لله، فإن الأكل قبل الخروج إلى المصلى من المبادرة إلى ما أباحه الله في هذا اليوم. والأفضل في أكله في الفطر على تمرات قبل أن يخرج، لما في حديث بريرة١ وأقل ذلك ثلاث، فإن زاد على الثلاث فينبغي أن يقطع على وتر، ولهذا في الحديث: "إن الله وتر يحب الوتر". (ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي) وهذا مما أفاده حديث بريرة، يفيد مشروعية ذلك وأن يتأخر الإنسان بذوق ذلك حتى يصلي. وإذا كان له أضحية فيكون أول شيء يتناوله منها. والأولى من كبدها، من جهة أنه أسرع شيء يؤكل منه، وكونه أخر الأكل إلى حين ذبح أضحيته. والأكل هنا والسرعة فيه شبيه بالفطر؛ فإنه منع نفسه عن الأكل في أول النهار ندباً، فالمسارعة إلى الفطر يحصل بالمبادرة إلى الكبد. (وإذا غدا من طريق رجع من آخر) من طريق أخرى. قيل: إن السر في ذلك شهادة ما يمر به له إذا مر بطريق، فما يمر به يشهد له، وإذا مر في طريق آخر شهد له، فتتكرر الشهادات له بممشاه لتلك الطاعة. وقيل: لإغاظة المنافقين، فيغيظ من كان من المنافقين في الطريق الذي ذهب منه، ويغيظ من المنافقين من كان في الطجريق الذي رجع منه. وقيل: إن العلة لا تتعين فيه. وقد ثبت من السنة مخالفة الطريق في العيد.

стр. 154

(فتسن في صحراء قريبة) ، (فيصلي ركعتين) ، (يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ستاً) ، (ويكبر في الثانية خمساً) ، (يرفع يديه مع كل تكبيرة) ، ــ (فتسن في صحراء قريبة) فإن هذا فعله ﷺ وفعل خلفائه الراشدين ﵃ من بعده. (فيصلي ركعتين) أي صلاة العيد ركعتين، وهذا مما لا نزاع فيه أن صلاة العيد اثنتين. (يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ستاً) يكبر في الركعة الأولى من الركعتين بعد التحريمة وبعد الاستفتاح ست تكبيرات زوائد. ثم بعد الفراغ منها يستعيذ، ثم يبسمل، ثم يقرأ الفاتحة ... (ويكبر في الثانية خمساً) ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمساً يعني وبعد تكبيرة الانتقال فإن الخمس هنا زوائد، كما أن الست زوائد، فكان مجموع الزوائد إحدى عشرة؛ لحديث رواه الإمام أحمد١ وهي مندوبة (يرفع يديه مع كل تكبيرة) كل تكبيرة يكبرها المصلي وهو واقف غير منتقل مشروع فيها ذلك، لقول وائل بن حجر: "أن النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبير" فرقع اليدين للإحرام لا نزاع فيه. وأما رفع اليدين في الانتقال فإن الجماهير على القول به، ولا سيما عند الركوع والرفع منه للسنة٢. المقصود أنه مشروع رفع اليدين في تكبيرات العيدين، كما أنه مشروع في تكبيرات الصلاة على الجنازة أيضاً، قال أحمد: فأرى أن

стр. 155

(ويقرأ فيهما بسبح والغاشية) ، (فإذا فرغ خطب) ، (ولا يتنفل قبلها ولا بعدها في موضعها) ، ــ يدخل فيه هذا كله. فحديث وائل فيه هذا العموم. وإذا استقرأنا النصوص إذا هي كل تكبير يصدر من مصل وهو واقف كثيرة: الإحرام، والاستخارة ترفع فيها اليدان، فكذلك هنا. ويشرع الذكر بين التكبيرات فلو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر كفى. ولو قال سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. كفى ذلك. قال ابن مسعود: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ (ويقرأ فيهما بسبح والغاشية) لقول سمرة: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ " هذا الحديث دليل على شرعية قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد. وإن قرأ في الأولى بـ ﴿ق﴾ وفي الثانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ فكذلك ورد١. (فإذا فرغ خطب) فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة، وقد سبق ذكر أحكام خطبتي الجمعة، وعرفت ذلك. (ولا يتنفل قبلها ولا بعدها في موضعها) يكره التنفل في مسجد العيد، وكذلك الصلاة بعد العيد في مشجد العيد، وكذلك يكره أن يقضي فائتة كأن يذكر أنه ما صلى الفجر أو فجر أمس، فهذا يقضي لكن لا في مسجد العيد، فإن فعل فهو مكروه؛ لقول ابن عباس: "خرج النبي ﷺ يوم العيد فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما" لأن الصلاة في هذا الموضع توهم الشرعية، فعدم فعلها فيه دفعاً لما قد يتوهم، ولما قد يسببه هذا الفعل في ذلك الموضع من الاشتغال

стр. 156

(ويسن التكبير في العيدين) ، (وإظهاره في المساجد والطرق) ،.. (والجهر به من أهل القرى والأمصار) ، (ويتأكد في ليلتي العيدين) ، (وفي الخروج إليها) ، (وفي الأضحى) ، ــ بالصلوات قبل العيد، والأحاديث تدل على أنه لا صلاة قبلها ولا بعدها. (ويسن التكبير في العيدين) في عيد الفطر للنص عليه في القرآن: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [٢/١٨٥] وكذلك في ليلة عيد الأضحى (وإظهاره في المساجد والطرق) والمجالس، والمجامع، وفي البيوت، وفي مواضع البيع والشراء، ونحو ذلك (والجهر به من أهل القرى والأمصار) ولا يكون بصفة ظاهرة إلا إذا جهر به ولم يسر ب. فيجهر من حين خروجه من بيته إلى أن يأتي المصلى، لفعل ابن عمر ﵄ من حين يخرج وهو مشتغل بالتكبير حتى يصلي. يعني وفي حال الجلوس في المسجد، وهو هنا في مصلى العيد أفضل من قراءة القرآن، والقرآن أفضل من سائر الذكر؛ لكن أوقات يكون الذكر فيها أفضل كالصباح والمساء، كما أنه لا يشتغل بالقراءة في الجلوس للتشهد، فتفضيل الذكر لذاته هو القرآن أفضل الأذكار. وهنا فضيلة الذكر لا من جهة الذات بل من جهة تخصيص الوقت به. ثم القراءة ليست من المنكرات في الجلوس للانتظار للعيد، إلا أن البحث في باب الأفضل لمَّا خصت شرعيته في هذا الوقت. ثم مع رغبة الناس عن الأفضل يكون فيه دعاية أن يرغب إلى المفضول نسبياً (ويتأكد في ليلتي العيدين) للآيتين السابقتين (وفي الخروج إليها) لفعل ابن عمر كما تقدم (وفي الأضحى) بل في عشر ذي الحجة كلها ليلاً ونهاراً.

стр. 157

(يبتدأ التكبير المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة) ، (والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق) ، (ويسن الاجتهاد في العمل الصالح أيام العشر) . ــ (يبتدأ التكبير المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة) التكبير ينقسم إلى مطلق، ومقيد. فالمطلق له زمانان. أحدهما: بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. والثاني: ما يتعلق بعيد النحر، وابتداؤه من استهلال شهر الحج. والمقيد ما قيد بأدبار الصلوات فقط. (والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق) قسم من الزمن مشترك بين المطلق والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة مجتمع فيه المطلق والمقيد. وهذا الابتداء في حق غير المحرم. أما المحرم فبتداؤه من ظهر يوم النحر؛ لأنه مشتغل بالتلبية، والتلبية أخص من التكبير؛ إذا التكبير مشترك بين الحجاج وغيرهم. إلا أنا نعرف أنه مشروع في حق المحرم التكبير أيضاً، وفي حديث أنس: "أنه كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر ولا ينكر عليه". وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وجاء عن السلف فيما يظهر جنس الإتيان بالوتر. (ويسن الاجتهاد في العمل الصالح أيام العشر) ١.

стр. 158

بابُ صَلاةِ الكسوف (ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي) ، (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً حتى للنساء) ، (ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة) ، ــ بابُ صَلاةِ الكسوف أي كسوف أحد النيرين الشمس والقمر. لا ريب في شرعية صلاة الكسوف، ولا نزاع فيه بين أهل العلم لا سيما كسوف الشمس. (ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي) لصلاة الكسوف وقت محدود من أوله إلى آخره. فأوله من حين يبتدأ الكسوف هذا وقتها الحقيقي من أوله. ثم قد يكون أوله نسبياً من حين أدرك الكسوف. وآخره بزوال ما بالشمس والقمر من فقد الضوء وكماله. فإذا لم يوجد منه قليل ولا كثير فلا تكون مشورعية. لقوله: "حتى ينجلي" فدل على أنه لا صلاة قبلها ابتداء (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً حتى للنساء) شرعية صلاة الكسوف مثل ما تقدم. لكن نعرف أن بعض أهل العلم ذهب إلى فرضيتها. وهذه آكد التطوعات كما سبق. واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [٤١/٣٧] وأما السنة فأصرح شيء وأبينه فإنها مستفيضة من حديث عائشة وحديث أبي هريرة، وقد فعلها النبي ﷺ جماعة. (ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة) وفي الحديث: " إذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا "، وفي

стр. 159

(وينادى لها الصلاة جامعة) ، (ويصلي ركعتين) ، (يجهر فيهما بالقراءة) ، (ويطيل القراءة والركوع والسجود) ، (ثم يتشهد ويسلم) ، ــ حديث زائدة: "لقد أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس" أخرجه البخاري. (وينادى لها الصلاة جامعة) فإنه ﷺ أمر منادياً ينادي: الصلاة جامعة، إلى أن اجتمع الناس وحشدوا. (ويصلي ركعتين) للأحاديث الكثيرة في ذلك: حديث عائشة، وأبي هريرة. (يجهر فيهما بالقراءة) السنة أن يقرأ في الكسوف جهراً، لما جاء في الأحاديث. (ويطيل القراءة والركوع والسجود) وتقريب طولها مبين أنها قريب من سورة البقرة. والركوع ما جاء فيه تقدير، جاء ما يدل على أن زمنه قريب من زمن القراءة. وإذا رفع من الركوع يستوي إذا رفع، كالأصل في بقية الصلوات، يرفع الإمام مسمعاً، ويحمد، كغيرها من الصلوات، ويجمع الإمام بينهما، ثم يقرأ بعدما يحمد سورة طويلة وهي دون الأولى، ثم يركع كما تقدم وهو دون الأول، ثم يسجد سجدتين طويليتين، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين لعدم وروده. ويظهر من الأحاديث أن لا يغاير بين السجدتين اللتين في الأولى طولهما سواء، والسجدتين اللتين في الأخيرة طولهما سواء؛ إلا أن مجموع السجدتين الأخيرتين أقل من مجموع السجدتين في الأولى. (ثم يتشهد ويسلم) والروايات بينت صفة صلاة النبي ﷺ على سبيل الاستقصاء لفعله ﷺ .

стр. 160

(وإن تجلى فيها أتمها خفيفة لقوله: ﷺ : "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم") . ــ (وإن تجلى فيها أتمها خفيفة لقوله: ﷺ : "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم") والمراد إذا حصل التجلي كله ولم يبق شيء من التغير؛ لأن الإبطال غير ممكن، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [٤٧/٣٣] ) فيخفف إذا لم يبق كسوف أصلاً. فإذا زال ما بالقمر والشمس من فقد الضوء وكماله لم يبق ما يوجد منه لا قليل ولا كثير فلا تكون مشروعة حينئذ. فقوله: "حتى ينكشف" وقد انكشف والانكشاف انقضى وفرغ، مدلول هذا أن الصلاة إنما هي إلى هذه الغاية.

стр. 161

بابُ صَلاةِ الاسْتسْقاء (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً) ، ــ بابُ صَلاةِ الاسْتسْقاء الاستسقاء طلب السقيا والغيث، (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً) وهو قول الجمهور. وبعضهم يذهب إلى عدم فعلها جماعة. والنبي ﷺ لم يتركه عند سببه. وقد استسقى ﷺ والتمر في المرابد، والاستسقاء فيه أوجه: صلاتها جماعة، واستسقاؤه ﷺ على المنبر، ومرة في طريق من طرق المدينة فرفع يديه ودعا، ومرة في المسجد مع أصحابه. وكل في تلك المواطن يسقون. وفي البر. فهي مشروعة، وقد دلت عليها السنة، مؤكدة تشرع في السفر والحضر بآكدية مع وجود السبب وهو القحط.

стр. 162

(وصفتها صفة صلاة العيد) ، (ويسن فعلها أول النهار) ، (ويخرج متخشعاً، متذللا، متضرعاً، لحديث ابن عباس صححه الترمذي) ، (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة) ، (ويكثر فيها الاستغفار) ، (ويرفع يديه ويكثر منه) ، (ويقول: اللهم اسقنا غيثاً، مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً، دائماً، نافعاً، غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. ــ (وصفتها صفة صلاة العيد) من كونها ركعتين، وفي الصحراء (ويسن فعلها أول النهار) فإنه ﷺ فعلها حين خرج حاجب الشمس (ويخرج متخشعاً، متذللا، متضرعاً، لحديث ابن عباس صححه الترمذي) يشرع أن يخرج متخشعاً كما في هذا الحديث المشار إليه، (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة) يعني كصلاة العيد، (ويكثر فيها الاستغفار) يكثر في خطبته المذكورة من الدعاء والاستغفار (ويرفع يديه ويكثر منه) يكثر من ذلك أي رفعاً كثيراً لحديث: "أن النبي ﷺ لما استسقى رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه" (ويقول: اللهم اسقنا غيثاً، مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً، دائماً، نافعاً، غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.

стр. 163

اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً) ، (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة) ، (ثم يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه) ، (لأنه ﷺ حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة ثم حول رداءه، متفق عليه) ، (ويدعو سراً حال استقبال القبلة) ، ــ اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً) هذا مما حفظ من دعاء النبي ﷺ (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة) لما جاء في الحديث ا، هـ استقبل القبلة. (ثم يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه) ومسنون تحويل ردائه ونحوه، وهذا من باب التفاؤل فإنه يتفاؤل أن يحول الله الحال إلى حال أحسن، بتحويل حالة الجدب إلى حالة الخصب. وجنس التفاؤل مما جاء به الشرع، وفي الحديث: أن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل" (لأنه ﷺ حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة ثم حول رداءه، متفق عليه) ودعا سراً. فدل على مشروعية التحويل المذكور (ويدعو سراً حال استقبال القبلة) يدعو سراً بعد الجهر. وأما في حال استقبال المأمومين والاستغفار فيدعو جهراً.

стр. 164

(وإن استسقوا عقب صلاتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة) ، (ويستحب أن يقف في أول المطر) ، (ويخرج رحله وثيابه ليصيبها المطر) ، (ويخرج إلى الوادي إذا سال ويتوضأ) ، ــ (وإن استسقوا عقب صلاتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة) لحديث أنس أن النبي ﷺ لما كان يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال: يا رسول الله "هلك الأموال وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء" الحديث. والقصة معلومة معروفة. فدل على شرعية الاستسقاء، وأنه إن اقتصر عليه فقد جاء بوجه من أوجه السنة. "أو بعد صلاة" كأن يستسقوا بعدما يفرغون من صلاة الظهر أو الفجر، فإن النبي ﷺ فعل ذلك في المسجد هو وأصحابه. ومن أوجهه أنه دعا عند أحجار الزيت، فإن النبي ﷺ جاء عنه ذلك، كما أن دعا مرة أو مرتين في السفر. (ويستحب أن يقف في أول المطر) يعني لا سيما إذا كان أول مطر في السنة بعد الاستسقاء، مع أنه مستحب الوقوف عند كل مطر. وذكر بعضهم أنه مستحب الحسر عن الرأس، وأظنه جاء في حديث أنه فعل ذلك، وقال: "إنه حديث عهد بربه" ١ (ويخرج رحله وثيابه ليصيبها المطر) وكذلك يخرج رحله يعني متاعه ليصيبه والرحل القش. فمثل الشداد وبعض الأشياء فهذا مما يستحب يعني رجاء أن ينال رحله وبدنه البركة (ويخرج إلى الوادي إذا سال ويتوضأ) يندب أنه إذا سال وادٍ

стр. 165

(ويقول إذا رأى المطر: اللهم صيباً نافعاً) . (وإذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) ، (ويدعو عند نزول المطر) ، (ويقول مطرنا بفضل الله ورحمته) ، ــ في البلد أن يخرج إليه لحديث: "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً نتطهر به"، (ويقول إذا رأى المطر: اللهم صيباً نافعاً) يعني أول ما يقع المطر يندب أن يقول: "اللهم صيباً" يسمى صيباً؛ لأنه يصوب وينزل "نافعاً" يسأل الله أن يجعله نافعاً؛ فإنه بعض الأحيان ينزل المطر ولا ينتفع به، وجاء الحديث: "ليس القحط أن لا تمطروا، بل القحط أن تمطروا، ثم تمطروا، ثم لا يبارك لكم". (وإذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) لما في الحديث أنه ﷺ كان يقول ذلك. (ويدعو عند نزول المطر) أي مستحب أن يدعو فإنه وقت إجابة دعوة، يسأل الله سبحانه ويطلبه الطلبات النافعة المهمة، يعني بأن يكون مراعياً ما له مزيد أهمية، وإلا فهو كغيره من أوقات الدعاء. عبارة أخرى: فإنه وقت يرجى فيه إجابة الدعاء؛ فإنه وقت رحمة من الله للعباد يرجى عند هبته ومده أن يهب للعبد مغفرة ذنوبه، وأن يغيث قلبه كما أغاث الأرض. (ويقول مطرنا بفضل الله ورحمته) مستحب ومتأكد؛ لحديث زيد

стр. 166

(وإذا رأى سحاباً أو هبت ريح سأل الله من خيره واستعاذ من شره) ، (ولا يجوز سب الريح) ، (بل يقول: اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ــ ابن خالد قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل إلى أن قال فيه: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" فمشروع أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته، وممنوع أن يقال: مطرنا بنوء كذا. فالأول من شكر الله على هذه النعمة. والثاني من كفرانها. فمنكر وحرام ومكروه وكفران أن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا. (وإذا رأى سحاباً أو هبت ريح سأل الله من خيره واستعاذ من شره) "سحاباً" يعني مخيلة سحاب. أو هبت ريح استعاذ به تعالى من شرها وسأل الله من خيرها؛ ولهذا في حديث عائشة: "ما هبت ريح إلا جثى رسول الله على ركبتيه يقول ... الخ. وجاء في الحديث: أنه إذا رأى في السماء مخيلة يدخل ويخرج إلى أن يجيء أول المطر، ثم يسرى عنه. وسألته عائشة فقالت: إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، وقد رأى قوم العذاب: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [٤٦/٢٤] يعني والله على كل شيء قدير. (ولا يجوز سب الريح) لقوله ﷺ : "لا تسبوا الريح" (بل يقول: اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به،

стр. 167

وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً. اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) ، (وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) ، (وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب استعاذ بالله من الشيطان) ، (وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله) . ــ وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً. اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) هذا هو المشروع لما تقدم من قوله ﷺ : "لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح" الحديث. (وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) لحديث عبد الله بن عمر ﵄. (وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب استعاذ بالله من الشيطان) وذلك أنها إنما تنهق عند رؤية الشيطان، (وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله) فيسأل الله من فضله فإنها رأت ملكاً.

стр. 168

بابُ الجَنائِزْ (يجوز التداوي) ، (اتفاقاً ولا ينافي التوكل) ، ــ بابُ الجَنائِزْ الجنائز جمع جَنَازة بالفتح؛ لا بالكسر. وذكرت هنا قبل الزكاة لكون الميت يتعلق به أحكام من جملتها الصلاة عليه وهي من أهمها، ومن جملتها غسله، وتكفينه، إلى آخره. عبارة أخرى: مناسبة ذكرها هنا أن أعظم أحكامها الصلاة، فإنه إذا مات تعلق به أحكام منها غسله إلى آخره فلما كان أهمها الصلاة ذكرت قبل الزكاة -فتذكر الصلاة على الميت، وما كان قبلها وما بعدها، ونهاية ما يفعل بجسده بخلاف ماله. (يجوز التداوي) اتفاق بين أهل العلم، إنما اختلفوا في الأفضل: هل هو التداوي، أو تركه؟ لم يقل أحد أنه محرم، فإنه جاء في الحديث: "تداووا عباد الله، ولا تداووا بحرام". (اتفاقاً ولا ينافي التوكل) يجتمع مع التوكل مثل الأسباب الآخر، مثل: اعق وتوكل. فافعل السبب، وتوكل. ومثل مظاهرته ﷺ بين درعين، وغير ذلك. فيفعل الأسباب ومع ذلك يتوكل على الله. س: التوتين؟. جـ: التوتين فيه كلام لأهل العلم لما فيه من تعجل البلاء، ولكونه نجاسة تدخل في البدن -قطعة من الصديد ويجرح الجلد

стр. 169

(ويكره الكي) ، (وتستحب الحمية) ، (ويحرم بمحرم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة) ، (لقوله: "لا تداووا بحرام ") ، ــ ويخش فيه، ثم بإذن الله إذا لقح خرج فيه خروج ويخفف وطئ الجدري، ولهم فيه فتاوى: منها الكراهة وهو أقل أحوالها. وصرح بعضهم بأنه مكروه، وأنه تعجل، وأيضاً قد يلقح فيموت. (ويكره الكي) وإلا فهو جائز هو أحد الثلاثة التي فيها الشفاء، فيجوز، وليس بحرام، لكن مع الكراهة، وإنما كان مكروهاً لأن فيه مزيد حرارة ووجع شديد. (وتستحب الحمية) وهي الامتناع عن بعض المآكل والمشارب التي من طبيعتها أن تمد المرض لقوله ﷺ : "لا تأكل إنك ناقة". (ويحرم) التداوي، (بمحرم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة) يحرم أن يشرب حراماً تداويا به، أو يأكل حراماً تداوياً به، أو يتداوى بصوت ملهاة: مثل الطبل، أو دف، أو مزمار، أو غير ذلك من الملاهي الكثيرة؛ فهو منهي عنه، والآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [٣١/٦] فدخل في ذلك الملاهي كلها، فيحرم حضورها فهي من جملة المحرمات التي ليس فيها شفاء، بل كثير من المحرمات تزيد الداء داء؛ لحديث: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً" (لقوله: "لا تداووا بحرام") ، ولما في حديث: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" لا سيما إذا كان في داخل الجسد. أما إذا كان على الظاهر فجوزه الشيخ وبعض أهل العلم، وقالوا: إنه يغسل. والميتة أبيح منها ما يدفع به المخمصة، فإنه أبيح له ما يسد رمقه، ومثله أن يأخذ جرعة

стр. 170

(وتحرم التميمة) ، (وهي عوذة أو خرزة تعلق) ، (ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له) ، (وعيادة المريض) ، (ولا بأس أن يخبر المريض بما يجد من غير شكوى) ، (ويجب الصبر) ، ــ خمر يدفع بها غصته يخاف الموت ولا عنده ماء، وهذا ليس من باب التداوي، بل هذا من باب دفع تلف النفس. وأما قوله: "ولا تداووا بحرام" فهو عام. (وتحرم التميمة) والأحاديث فيها كثيرة، (وهي عوذة أو خرزة تعلق) على الأولاد عن العين، فلأجل ذلك صارت من أكثر ما تستعمل له (ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له) لحديث: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" أي قاطع اللذات، يعني اجعلوه في قلوبكم وفي ألسنتكم، لأجل الاستعداد للموت؛ فإنه يقطع على أهل النعمة نعمتهم. وذكر الموت فيه منافع وفوائد، ولما قام النبي ﷺ على قبر رجل قال: "إخواني لمثل هذا فأعدوا". (وعيادة المريض) هذا أحد حقوق المسلم على المسلم السبع، وقيل: إنها فرض على الكفاية. وقيل: إنها سنة مؤكدة، (ولا بأس أن يخبر المريض بما يجد من غير شكوى) أجد كذا وكذا، لا سيما إذا ذكر أنه مجرد إخبار لا شكوى؛ فإن الشكوى على الله، وسمى الله أيوب صابراً مع قوله شاكياً إلى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ . عبارة أخرى: كأن يقول أتألم من كذا على وجه الإخبار. (ويجب الصبر) ويجب عليه الصبر على ما يتألم منه من الوجع وحرام عليه التشكي، فالشكوى لا تجوز لمن ليس في أيديهم من الحل والعقد والعافية شيء. والصبر في الشرع أقسام. أحدها: هنا: حبس

стр. 171

(والشكوى إلى الله لا تنافيه) ، (ويحسن الظن بالله وجوباً) ، (ولا يتمنى الموت لضر نزل به) ، (ويدعو العائد للمريض) ، (بالشفاء) ، (فإذا نُزِلَ به استحب أن يلقن لا إله إلا الله) ، (ويوجه إلى القبلة) ، ــ النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن أن يفعل بيده شيئاً كأن يشق جيباً ونحوه مما يدل على عدم الصبر (والشكوى إلى الله لا تنافيه) لا تنافي الصبر كما في قصة أيوب (ويحسن الظن بالله وجوباً) لحديث: "أنا عند ظن عبدي بي فإن ظن بي خيراً فله" (ولا يتمنى الموت لضر نزل به) لا يجوز تمني الموت لشدَّة مرض ووجع. والجزع حرام، والصبر واجب. والحديث: "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي" الحديث. (ويدعو العائد للمريض) يشرع أن يدعو له (بالشفاء) فيقول: طهور. ويدعو له بالشفاء لما جاء في الأحاديث: "كأن يقول شفاك الله". (فإذا نُزِلَ به استحب أن يلقن لا إله إلا الله) إذا صار في السياق فيلقن هذه الكلمة برفق، يُذَكَّر بصوت غير رفيع، ونداء يقهم منه الشفقة واللين لذلك الملقن؛ فإنه في حال شدة، كما أن يندب أن يكون الذي يلقنه أحب أهله إليه ليكون أقبل وأونس فينتهز الحالات التي يناسب أن يذكر فيها؛ فإنه أحرى أن يتكلم بهذه الكلمة؛ لأنه جاء في الحديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" هذه الفائدة من التلقين كونه يكون آخر كلامه لا إله إلا الله (ويوجه إلى القبلة) توجيهه إلى القبلة مندوب.

стр. 172

(ولا يقول أهله إلا الكلام الحسن) ، (لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون) ، (وسجى بثوب) ، (ويسارع في قضاء دينه) ، (لقوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" حسنه ــ فإذا مات أغمضت عيناه، لأن الروح إذا خرجت تبعها البصر، فإذا بقيت مفتوحة بقي بمنظر مشوه. فهذه فائدة إغماضهما لئلا يبقى بمنظر كريه، فإنه إذا مات شخصت عيناه إلى فوق، كشد لحييه يفعل في أول ما تخرج روحه ما دام جسده فيه حرارة. (ولا يقول أهله إلا الكلام الحسن) يندب أن يقولوا الكلام الحسن، كما أنه لا ينبغي أن يقولوا الكلام الحشو فينبغي أن يدعو بالدعوات والأقوال الحسنة لرجاء الإجابة (لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون) عن أم سلمة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه"، (وسجى بثوب) يعني بعدما يموت ينبغي أن تنزع ثيابه يكون أنْفَه له ولا يحتر فيها، وينبغي أن يكون خفيفاً لئلا يسرع إليه التعفن، وليس المراد هذا الثوب بل لو رداء، والأحسن كونه يستره رهيف، (ويسارع في قضاء دينه) يجب وجوب المسارعة في قضاء دينه: من نذر، أو كفارة، أو حق لآدمي، (لقوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" حسنه

стр. 173

الترمذي) ، (ويسن الإسراع في تجهيزه) ، (لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أحمد) ، (ويكره النعي وهو النداء بموته) ، (وغسله والصلاة عليه) ، (وحمله وتكفينه ودفنه موجهاً إلى القبلة) ، ــ الترمذي) لهذا الحديث قوله: "دينه" شمل الديون التي لله والتي للخلق، (ويسن الإسراع في تجهيزه) يندب الإسراع في تجهيز الميت، (لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أحمد) فمندوب ومشروع لهذا الحديث أن يبادر من حين يتوفى. وذكر العلماء أنه إذا مات غير فجأة؛ فإنه قد يظن بعض الأحيان أنه مات إذا وقف نفسه كما وقع لكثير. (ويكره النعي وهو النداء بموته) وكان أهل الجاهلية إذا مات أركبوا فرساً: أن فلان مات. فهو من أفعال الجاهلية ينادي فلان مات. هذا من صنع أهل الجاهلية، تعظيماً لموته. ومنهم من يركب فارس أو مطية يحوم في العشائر فلان مات. أم الإخبار لمصلحة فهذا مما لا بأس به إذا لم يكن على وجه ما يمت لجاهلية، والنبي ﷺ نعى النجاشي، فهي للمصلحة لا تدخل في هذا. (وغسله والصلاة عليه) فرض كفاية، (وحمله وتكفينه) يعني جعل كفن له، وعمل التكفين، إن كان من ماله، وإلا فلا بد للحاضرين أن يشتوا ذلك، ولا بد أن يباشروه ويلفوه في أكفانه. هذا فرض كفاية، كما تقدم (ودفنه موجهاً إلى القبلة) كل هذا فرض كفاية، وفي الآية: يقبر ولا يترك ويهمل، يجب ويتعين فعله ولا يترك.

стр. 174

(ويكره أخذ الأجرة على شيء من ذلك) ، (وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة) ، (ويسن للغاسل أن يبدأ بأعضاء الوضوء والميامن) ، (ويغسله ثلاثاً أو خمساً) ، (ويكفي مرة) ، ــ (ويكره أخذ الأجرة على شيء من ذلك) بل المشروع أن تفعل هذه الأمور ابتغاء وجه الله مجاناً، يعني تغسيله، والصب عليه، وتطييبه، وكذلك حمله من موقعه إلى أن يوصل إلى محل غسله، وحمله إلى أن يوضع على كفنه، ولف كفنه عليه، وحمله إلى المصلى، وحمله إلى قبره، ودفنه، وحثي التراب عليه. كل هذه فروض كفاية. ولا يحرم أخذ الأجرة على ذلك. وقد لا يكره بعض الأحيان نظير الذي وجد ماء من المياه المكروهة التي صرح العلماء أنها مكروهة ثم لا يجد إلا هو فإنها تزول الكراهة. لو هنا فقير لا يجد إلا هذا فيأخذ وتزول الكراهة؛ فأخذ الأجرة يكره إلا إذا كان هناك حاجة. (وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة) إلا أن يوصي أن يقبر حول أهل الصلاح١. (ويسن للغاسل أن يبدأ بأعضاء الوضوء والميامن) لحديث أم عطية: " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" تشريفاً للميامن على المشائم، وتشريفاً لأعضاء الوضوء على بقية البدن، (ويغسله ثلاثاً أو خمساً) خمساً سبعاً إذا احتاج إلى ذلك؛ لكن السنة هو ما تقدم (ويكفي مرة) إذا حصل بها الإنقاء.

стр. 175

(وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه) ، (لقوله ﷺ : "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" صححه الترمذي، ولفظه: "والطفل يصلى عليه") ، (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو غيره يمم) ، (والواجب في كفنه ثوب يستر جميعه) ، (فإن لم يجد ما يستره ستر العورة، ثم رأسه، وما يليه) ، (ويجعل على باقي جسده ــ (وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه) وما قبله فلا يصلي عليه لأنها لم تنفخ فيه الروح، (لقوله ﷺ : "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" صححه الترمذي، ولفظه: " والطفل يصلى عليه") ولحديث ابن مسعود في حديث أطوار النطفة، فيدل على أنه بعد الزيادة على أربعة أشهر يغسل ويصلى عليه (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو غيره يمم) من أجل كونه في برية، أو لضرورة كحريق، أو غيره مما يخشى سقوط شيء من البدن فإنه ييمم، فيضرب الميمم بيدي نفسه فيمم بهما وجهه وكفيه. (والواجب في كفنه ثوب يستر جميعه) والزائد على ذلك سنة، (فإن لم يجد ما يستره ستر العورة، ثم رأسه، وما يليه) ستر العورة وجوب من السرة إلى الركبة، فإن لم يكف فيستر به الفرجين وما يليهما، فإن كان أوسع من ذلك فالعورة، فإن وجب زيادة فالرأس أولى من الرجلين، لشرفه؛ فإن فيه الحواس، وفيه الدماغ، وفيه محل العقل إما جميعه أو فيه والقلب جميعاً. والعورة كل البدن من الميت؛ لكن عورته الغليظة هي الفرجان. فإن وجد زائد على السترة والركبة فيجعل على الرأس كما تقدم، ثم يجعل على الميامن (ويجعل على باقي جسده

стр. 176

حشيش أو ورق) ، (ويقوم الإمام في الصلاة عليه عند صدر رجل ووسط امرأة) ، (ويكبر فيقرأ الفاتحة) ، (ثم يكبر فيصلي على النبي ﷺ ، (ثم يكبر) ، (ويدعو للميت) ، ــ حشيش أو ورق) قراطاس. (ويقوم الإمام في الصلاة عليه عند صدر رجل ووسط امرأة) . موقف الإمام في الصلاة على الرجل والمرأة في "صلاة الجنازة" هو ما تقدم لحديث: "أن امرأة توفيت في زمن النبي ﷺ فقام وسطها" أما الرجل فجاء عن أحمد رأسه وفاقاً للشافعي، والآخر لأحمد عند صدره. والحقيقة أنه قائم بينهما. وقيل في تعليل ذلك: لأن المرأة إنما كمالها بحملها بالذكور، والرجل بعلمه وعقله وهو في دماغه وقلبه (ويكبر فيقرأ الفاتحة) يكبر تكبيرة الإحرام، وبعدها يتعوذ، ويبسمل ويقرأ الفاتحة (ثم يكبر) الثانية (فيصلي على النبي ﷺ إلى كمالها، (ثم يكبر) الثالثة (ويدعو للميت) وأي دعاء كان يكفي، وبالمشروع أفضل. الكمال أن يدعو بالدعاء المشهور العمومي، ثم يدعو لخاصة نفسه، ومذكور جنسها في الكتب١.

стр. 177

(ثم يكبر الرابعة ويقف بعدها قليلاً) ، (ثم يسلم واحدة عن يمينه) ، (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) ، (ويقف مكانه) ، (حتى ترفع روي ذلك عن عمر) ، (ويستحب لمن لم يصل عليها أن يصلي عليها إذا وضعت، أو بعد الدفن على القبر، ولو جماعة، إلى شهر من دفنه) ، (ولا بأس بالدفن ليلا) ، ــ عبارة أخرى: ويكبر أربع تكبيرات لا بد منها، ولا يستفتح، ثم بعد الثالثة يدعو بالدعاء العام، ثم الخاص. (ثم يكبر الرابعة ويقف بعدها قليلاً) ولا يبادر بالسلام (ثم يسلم واحدة عن يمينه) فقط (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) هذا المشروع رفع اليدين عند كل تكبيرة ثبت ذلك في الأحاديث ذكر تكبيرات العيد فإنها أشبه شيء بها، وهذا شأن تكبيرات الواقف: الإحرام، فما بعدها (ويقف مكانه) كما هو (حتى ترفع روي ذلك عن عمر) والتسليمتان جاءت عن بعض. والرجح الذي يعمل به الآن أنه واحدة. (ويستحب لمن لم يصل عليها أن يصلي عليها إذا وضعت، أو بعد الدفن على القبر، ولو جماعة، إلى شهر من دفنه) من فاتته يستحب أن يصلي عليها إذا وضعت عند الدفن، أو موضع آخر، أو على القبر؛ لكن إلى شهر فإنه أكثر ما وجد شهر، فدل على أن الزائد لم يرد به الشرع، والحد إلى الشرع. أكثر ما ورد أنه إلى شهر. (ولا بأس بالدفن ليلا) للأحاديث في الدفن ليلاً من ذلك الفن الذي قالت فيه عائشة: "فلم أسمع إلا وقع المساحي".

стр. 178

(ويكره عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها) ، (ويسن الإسراع بها) ، (دون الخبب) ، (ويكره جلوس من تبعها حتى توضع على الأرض للدفن) ، (ويكون التابع لها متخشعاً متفكراً في مآله) ، (ويكره التبسم والتحدث في أمر الدنيا) ، (ويستحب أن يدخله قبره من عند رجليه إن كان أسهل) ، ــ (ويكره عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها) لحديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب". (ويسن الإسراع بها) يسن الإسراع بالجنازة لما في الحديث: "إن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه" الحديث، (دون الخبب) مما يتضرر به الحاملون، ولكونه يسبب خروج خارج. (ويكره جلوس من تبعها حتى توضع على الأرض للدفن) بل يكون قائماً إلى أن تدفن (ويكون التابع لها متخشعاً متفكراً في مآله) ظاهر عليه الخشوع والخضوع وأنه صائر إلى القبر، وبعده إلى أن يستقر به القرار في أحد الدارين. (ويكره التبسم والتحدث في أمر الدنيا) فلا ينبغي الضحك ولا الكلام الذي ينافي التفكير في المآل، فإن الموت من أعظم المواعظ، الذي لا ينزجر في مثل هذه الحال قاسي قلب، الضحك أشد فإنه والغيبة في تلك الحال أشد وأشد. (ويستحب أن يدخله قبره من عند رجليه إن كان أسهل) يعني بأن

стр. 179

(ويكره أن يسجى قبر رجل) ، (ولا يكره للرجل دفن امرأة وثم محرم) ، (واللحد أفضل) ، (ويسن تعميقه وتوسيعه) ، (ويكره دفنه في تابوت) ، (ويقول عند وضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله) ، (ويستحب الدعاء عند القبر بعد الدفن واقفاً عنده) ، ــ يدخل الرأس أولاً من عند رجلي القبر، ثم يذهب به سلاً بانحدار (ويكره أن يسجى قبر رجل) إنما يفعل بالنساء. أما الرجل فيكره، كما جاء عن علي ﵁: أنه رفعه، وقال: إنما ينبغي للنساء. وهو الغطية بثوب ونحوه (ولا يكره للرجل دفن امرأة وثم محرم) هذا غير مكروه. (واللحد أفضل) من الشق وفي الحديث: "اللحد، والشق لغيرنا" والنبي ﷺ لحد له. واللحد: هو أن يحفر بعد انتهاء القبر في جانبه ما يتسع للميت. والشق أن يحفر في وسطه شبه الساقي فيوضع فيه، يزاد في عمقه ثم يبقى من هنا وهنا وكلُّ جاء، ولكن اللحد أفضل. (ويسن تعميقه) تغويطه عن السباع (وتوسيعه) لأنه بيته إلى يوم القيامة؛ (ويكره دفنه في تابوت) لأنه خلاف سنة المسلمين في قبورهم (ويقول عند وضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله) لما روي في ذلك١. (ويستحب الدعاء عند القبر بعد الدفن واقفاً عنده) يستحب الوقوف بعد الفراغ من دفنه، لحديث: "استغفروا لأخيكم فإنه الآن

стр. 180

(ويستحب لمن حضر أن يحثو عليه من قبل رأسه ثلاث حثيات) ، (ويستحب رفع القبر قدر شبر) ، (ويكره فوقه لقوله ﷺ لعلي: " لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". رواه مسلم) ، (ويرش عليه الماء ويوضع عليه حصباء تحفظ ترابه) ، ــ يسأل", ورفع اليدين بعد دفن الجنازة ما جاء فيه شيء، ولا ترفع. (ويستحب لمن حضر أن يحثو عليه من قبل رأسه ثلاث حثيات) يندب لما ورد١. ثم بعد ذلك يهال إهالة بالمساحي ونحوها. (ويستحب رفع القبر قدر شبر) لما جاء في وصف قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه، وأن يكون مسنماً لما ورد في ذلك٢. (ويكره فوقه لقوله ﷺ لعلي: "لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". رواه مسلم) وهذا بالنسبة إلى الشيء اليسير الذي ليس الرفع الكثير الذي يفعل على وجه الغلو في الميت؛ فإن الثاني محرم، وهو من وسائل الشرك، فإنه جاء النهي عن عدة أشياء تفعل حول القبر. منها: تعليته، ومن المنهي عنه التجصيص. وفتنة القبور عظيمة ووسيلة قوية إلى الإيقاع في الشرك، وقصة العلماء من قوم نوح وما فعل من في زمانهم معهم في قبورهم كاف في ذلك، مع ما ورد من أشياء أخر. (ويرش عليه الماء ويوضع عليه حصباء تحفظ ترابه) لتلتصق الحصباء بالتراب الذي تطين بالماء.
следующие страницы →