بابُ زكاة العُروضِ
(تجب فيها إذ بلغت قيمتها نصاباً إذا كانت للتجارة) ، (ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما) ،
ــ
بابُ زكاة العُروضِ
جمع عرض، سميت بذلك لأنها تعرض ثم تزول. والمراد الأموال التي يتجر فيها ليست ذهباً ولا فضة مطلقاً، ولا مواشي، ولا حبوب، ولا ثمار. بل المراد ما يباع ويشترى فيه: أثاثات، حيوانات، قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [٢/٢٦٧] وفي الحديث: "أمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع".
(تجب فيها إذ بلغت قيمتها نصاباً إذا كانت للتجارة) فإذا مكثت عنده حولاً ولا نقصت فيه وكانت قيمة نصاب فقومت -ثمنت- إذا قرب الحول. إن كان الأحظ تثمنيها بذهب ثمنت بذهب، وإن كان الأحظ لهم تثمنيها بفضة ثمنت لهم بفضة.
(ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما) له دواب وبيوت ولا له قصد إلا أن يتمنحها، ولا له قصد في التجارة، ولا له قصد بيع؛ بل هي عقارات باقية. أما إن اشتراها للتجارة، وفي أثناء التجارة يؤجرها ففيها الزكاة لتجمع بين الرح والتجارة: سيارات، مكائن. كل هذا إذا كان قصده التجارة لا يدري متى تكون مزبونة يبيعها فهذه تجارة.
стр. 212
بابُ زكاة الفِطْر
(وهي طهرة للصائم من اللّغو والرفث) ، (وهي فرض عين على كل مسلم) ، (إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع عنه وعن من يمونه من المسلمين) ، (ولا تلزمه عن الأجير) ، (فإن لم يجد عن الجميع بدأ بنفسه) ، (ثم الأقرب فالأقرب) ، (ولا تجب عن الجنين إجماعاً) ، (ومن تبرع بمؤنة
ــ
بابُ زكاة الفِطْر
ونسبتها إلى الفطر من نسبة الشيء إلى سببه؛ فمن أدركه الفطر لزمته، ومن لا فلا. فمن أدركه بعد الغروب.. الخ. (وهي طهرة للصائم من اللّغو والرفث) كما جاء في الحديث: "طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" في هذا اليوم الذي هو يوم سرور، وليس لهم شيء إلا بالشحاذة، فجاء الأمر بإعطائهم (وهي فرض عين على كل مسلم) صغير أو كبير، حر أو عبد (إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع عنه وعن من يمونه من المسلمين) وجب إخراج فطرتهم. أما إذا كان ما عنده إلا صاع فلا، (ولا تلزمه عن الأجير) لأن الأجير إنما يعمل بأجرة. أما من يمونه من غير إجارة سواء كانت واجبة عليه أو متبرعاً بالنفقة فتلزمه (فإن لم يجد عن الجميع بدأ بنفسه) فيبدأ بنفسه (ثم الأقرب فالأقرب) ممن تحت يده (ولا تجب عن الجنين إجماعاً) وهو الذي في البطن لم يولد بعد (ومن تبرع بمؤنة
стр. 213
مسلم شهر رمضان) ، (لزمته فطرته) ، (ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين) ، (ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر) ، (فإن فعل أثم) ، (وقضى) ، (والأفضل يوم العيد قبل الصلاة) ، (والواجب: صاع من تمر، أو بر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط) ،
ــ
مسلم شهر رمضان) السحور والفطور والعشاء (لزمته فطرته) هذا يمون هذا الشخص في رمضان فوجبت (ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين) لما في حديث: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان -وفي آخره- وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وهذا من باب التوسعة في الوقت فيجوز جواز، وإلا فوقتها الحقيقي للإخراج هو يوم العيد قبل الصلاة، جاءت الأحاديث بذلك منها حديث ابن عمر ﵄ قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" متفق عليه، وحديث: "أغنوهم عن عن السؤال في هذا اليوم" (ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر) لأن الحال بمظنة الحاجة (فإن فعل أثم) فإن أخرها عن يوم العيد فإنه يأثم، يصير عاصي. (وقضى) ويجب عليه إخراج مقدارها من ماله وفاته الأجر الفاضل. (والأفضل يوم العيد قبل الصلاة) لما جاء في الحديث: "أن الناس أمروا بأدائها قبل الصلاة" فإن أخرها بعد الصلاة في سائر يومها كره، وإلا فليس قضاء.
(والواجب: صاع من تمر، أو بر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط)
стр. 214
(فإن عدمها أخرج ما يقوم مقامها من قوت البلد) ، (واستحب أحمد تنقية الطعام) ، (وحكاه عن ابن سيرين) ، (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه) .
ــ
لا بد من صاع من بر ... الخ. هذه الخمسة أصول أيها أخرج من واحد كفى (فإن عدمها أخرج ما يقوم مقامها من قوت البلد) إذا لم يجد في البلد شيئاً لكن يوجد رز، دخن، دخن أو غيره. فيخرج صاعاً يقام الآخر مقامها في القوت. (واستحب أحمد تنقية الطعام) يعني من جميع ما يخالطه من غيره (وحكاه عن ابن سيرين) وذلك أنها زكاة الفريضة وهي عن البدن، وتنقيته أنقى للدين وأصفى له (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه) ويدفع فطرة عشرة إلى إنسان واحد، أو إنسان واحد يعطي عشرة، ليس مثل الكفارة، لم يرد دليل يخالف ما ذكر هنا، وإذا لم يرد فالأصل الإباحة.
стр. 215
بابُ إخْراج الزّكاة
(لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه) ، (إلا لغيبة الإمام، أو المستحق) ، (وكذا الساعي له تأخيرها عند ربها لعذر) ، (قحط) ،
ــ
بابُ إخْراج الزّكاة
(لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه) للأمر: "وآتوا الزكاة" والأمر إذا أطلق صار على الفور. (إلا لغيبة الإمام، أو المستحق) فغيبة الإمام أو المستحق عذر، وهذا تأخير لعذر. (وكذا الساعي له تأخيرها عند ربها لعذر) ولا يعجل قبضها (قحط) لجدب،
стр. 216
(ونحوه كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر) .
ــ
لكونه جدب إذا أخذت فإذا هي قِطِيْع (ونحوه كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر) ١.
стр. 217
بابُ أهلِ الزّكاة
(وهم ثمانية) ، (لا يجوز صرفها إلى غيرهم) ، (للآية) ، (الأول والثاني: ﴿الفقراء والمساكين﴾ ) ، (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه) ، (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،
ــ
بابُ أهلِ الزّكاة
(وهم ثمانية) المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٩/٦٠] (لا يجوز صرفها إلى غيرهم) إلى غير هؤلاء الثمانية (للآية) المتقدم ذكرها (الأول والثاني: ﴿الفقراء والمساكين﴾ )
الأول: الفقراء من لا يجدون بعض الكفاية. الثاني: المساكين الذين يجدون بعضها كنصفها أو أقل فيعطون كفايتهم سنة (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه) للأحاديث التي فيها الوعيد الشديد في سؤال الناس أموالهم وعنده ما يكفيه٢ (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،
стр. 218
والاستقراض) ، (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير) ، (الثالث: ﴿العاملون عليها﴾ : كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال) ، (ولا يجوز من ذوي القربى) ، (الرابع: ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه) ، (أو مسلم) ، (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
ــ
والاستقراض) هذه الأمور لا تدخل في المسألة المذمومة (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير) إذا علم جائع من المسلمين فإطعامه فرض كفاية، وكذلك العاري يجب كسوته إذا علم، وكذلك الأسير يجب فكه من أسره. فإذا علموا يذلك ولم يفعلوا أثموا.
(الثالث: ﴿العاملون عليها﴾ : كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال) لكن نعرف أن العمال الذين يخرصون الآن ما يدخلون في العاملين عليها؛ فإن العمال الذين يقبضون ويكتبون ويحسبون هم العمال. أما هؤلاء الخراص فلهم أجرة على أهل الزرع، وإن بذلت من بيت المال جاز. (ولا يجوز من ذوي القربى) ولا يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى لما يأتي (وإن شاء الإمام أرسله من غير عقد وإن شاء معلوماً) ١.
(الرابع) من أهل الزكاة ( ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه) يعطيه الإمام، (أو مسلم) ولكن في إيمانه ضعف (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
стр. 219
إسلام نظيره، أو نصحه) ، (أو كف شره كرشوة) ، (الخامس: ﴿الرقاب﴾ وهم المكاتبون) ، (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة) ، (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب") ، (السادس: ﴿الغارمون﴾ وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين) ، (وهو من تحمل مالاً لتسكين فتنة) ، (الثاني: من استدان لنفسه في مباح) ، (السابع: ﴿في سبيل الله﴾ وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم
ــ
إسلام نظيره، أو نصحه) أو يعطي لأجل جباية الزكاة من عشيرته، أو نحو ذلك. (أو كف شره كرشوة) أو يعطي ليدفع شره.
(الخامس: ﴿الرقاب﴾ وهم المكاتبون) يشترون أنفسهم من ساداتهم فيفك من الزكاة (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة) فيدخل في عموم فك الرقاب. (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب") لقول ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعق الرقبة من الزكاة.
(السادس: ﴿الغارمون﴾ وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين) فهذا يجوز ويستحق أن يدفع له لأجل دَيْنِه (وهو من تحمل مالاً لتسكين فتنة) كأن تكون ثائرة بين طائفتين فيعطى لفك المشكل وإطفاء تلك الثائرة ترغيباً للرؤساء في إطفاء الفتن وإخماد الشر (الثاني: من استدان لنفسه في مباح) والآية تشملها.
(السابع: ﴿في سبيل الله﴾ وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم
стр. 220
ولو مع غناهم) ، (والحج في سبيل الله) ، (الثامن: ﴿ابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده) ، (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده) ، (وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله) ، (وإن كان جلداً) ، (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه) ، (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) ، (وإن كان
ــ
ولو مع غناهم) يجوز أن يدفع إليهم في حال غزوهم فيأكلون إلى أن يرجعوا (والحج في سبيل الله) يدخل فيه الحج وطلب العلم فإنه يدخل في سبيل الله، وهو نوع من الجهاد.
(الثامن: ﴿ابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده) ولو أنه في بلاده غني (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده) أما الذي يريده وهو في بلده فلا يعطى.
(وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله) أما إذا كان معروفاً بالغني ثم ادعى فقراً فلا بد من شهود ثلاثة كما في قصة قبيصة، (وإن كان جلداً) يعني قوي البدن (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه) وكونه لجلادته ليس يكسب ما يكفيه فإنه لا يصح أن يعطى لقوله: "ولا لذي مرة سوي" (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) بهذين القيدين: إذا لم يعرف له كسب، وبعد إخباره بذلك؛ لقصة الرجلين الذين رفع فيهما النظر وخفضه فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". فأما من عرف أنه لا ينتفع بجلده فيعطى (وإن كان
стр. 221
الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد) ، (ولا يحابي بها قريباً) ، (ولا يستخدم بها أحداً) ، (ولا يقي بها ماله) ، (وصدقة التطوع مسنونة كل وقت) ، (وسراً أفضل) ، (وكذلك في الصحة) ، (وبطيب نفس) ، (وفي رمضان) ، (لفعله ﷺ ، (وفي أوقات الحاجة) ، (لقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ) ، (وهي على القريب صدقة
ــ
الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد) فإذا كان موجود قريب وأجنبي أفقر منه فيعطي الأجنبي (ولا يحابي بها قريباً) بل يبذلها على وجهها الشرعي. ويوجد في كثير من الناس المحاباة لكثير بأن يدفع إلى أقارب ليسوا محاويج فإن هذا لا يجوز ولا يجزي (ولا يستخدم بها أحداً) كمن يوكلهم ونحو ذلك (ولا يقي بها ماله) فلا بد أن يصرفها في وجهها الشرعي.
صدقة التطوع:
(وصدقة التطوع مسنونة كل وقت) وفيها فضل عظيم قال ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة" وأمر النساء بالصدقة وعلل ذلك بقوله: " إني رأيتكن أكثر أهل النار" "الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" (وسراً أفضل) لحديث: "لا تعلم شماله ما تنفق يمسنه" (وكذلك في الصحة) كما في الحديث: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر" (وبطيب نفس) : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً﴾ [٢/٢٦٢] (وفي رمضان) أفضل (لفعله ﷺ فإنه أجود ما يكون في رمضان (وفي أوقات الحاجة) وكذلك في الحاجات (لقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ) فدل على أنها مع الحاجة أفضل (وهي على القريب صدقة
стр. 222
وصلة) ، (ولا سيما مع العداوة) ، (لقوله ﷺ : "وأن تصل من قطعك" ثم الجار) ، (لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [٤/٣٦] ) ، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [٩٠/١٦] ) ، (ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته) ، (ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه) ، (حسن التوكل استحب، لقصة الصديق) ، (وإلا لم يجز، ويحجر عليه) ، (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) ،
ــ
وصلة) فهي وإن كانت على قريب فإنها يجتمع فيها الصدقة والصلة (ولا سيما مع العداوة) لا سيما إن كان عدواً، له، ففيها ثلاثة أمور: الصدقة، والصلة، وعصيان النفس والهوى، (لقوله ﷺ : "وأن تصل من قطعك" ثم الجار) الصدقة فيهم أولى ممن ليس بجار، له ميزة لأجل الجوار (لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [٤/٣٦] ) ، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [٩٠/١٦] ) .
(ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته) غريمه ديانه، أو كفيله؛ لأن هذه الأشياء واجبة؛ فالتصدق بما يضر بالواجب لا يجوز.
(ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه) الصبر و (حسن التوكل استحب، لقصة الصديق) وصدقته بجميع ماله. بشرط أن يعلم من نفسه إلى آخره (وإلا لم يجز، ويحجر عليه) في هذا التصرف (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) لأنها واجبة
стр. 223
(ويحرم المن في الصدقة) ، (وهو كبيرة يبطل ثوابها) ، (ومن أخرج شيئاً يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه) ، (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعاماً لسائل فلم يجده عزله) ، (ويتصدق بالجيد) ، (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) ، (وأفضلها جهد المقل) ، (ولا يعارضه خبر "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" المراد جهد المقل بعد حاجة عياله) .
ــ
(ويحرم المن في الصدقة) للآية الكريمة، (وهو كبيرة يبطل ثوابها) قال تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [٢/٢٦٤] .
(ومن أخرج شيئاً يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه) يستحب له إمضاؤه فإنه شيء طابت نفسه به لله. (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعاماً لسائل فلم يجده عزله) عن ماله (ويتصدق بالجيد) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) والخبيث الرديئ (وأفضلها جهد المقل) سئل ﷺ أي الصدقة أفضل؟ فقال: "جهد المقل " (ولا يعارضه خبر " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " المراد جهد المقل بعد حاجة عياله) فإن الجمع يعني بعد كفايته.
стр. 224
كتاب الصيام
مدخل
...
كتاب الصّيام
(صوم رمضان أحد أركان الإسلام) ، (فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات) ،
ــ
كتاب الصّيام
الصيام في اللغة: الإمساك. ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص، عن أشياء مخصوصة. إمساك بنية ما بين الليلين عن الأكل والشرب والجماع وما يقوم مقامها كالاستمناء والحجامة ونحو ذلك. والأشياء المخصوصة مفسداته كما يأتي. من شخص مخصوص هو المسلم العاقل المميز الذي ليس بحاض ولا نفساء.
(صوم رمضان أحد أركان الإسلام) الخمسة، هو أحد مبانيها العظام فرضيته مدنية لم يفرض إلا بالمدينة، وكذلك الزكاة ذات الأنصاب، بخلاف فريضة الصلاة فإنها مكية كما تعلمون (فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات) وكان قبل فرضية رمضان مفروض صيام يوم عاشرواء فنسخت فرضيته وبقي على الندب فقط.
стр. 225
(ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان) ، (ويجب صوم رمضان برؤية هلاله) ، (فإن لم ير مع الصحو) ، (أكملوا ثلاثين يوماً ثم صاموا) ، (بغير خلاف) ، (وإذا رأى الهلال كبر ثلاثاً، وقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضاه،
ــ
(ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان) الليلة المكملة لشعبان لأنه يمكن أن يرى ويمكن أن لا يرى، فيكون من الاحتياط لهذه العبادة.
(ويجب صوم رمضان برؤية هلاله) إذا رؤي الهلال وجب الصوم، وسواء كانت عامة أو خاصة بأن قامت بينة، ويكفي واحد، كما جاء في الحديث عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود١ (فإن لم ير مع الصحو) ليلة الثلاثين والسماء صافية ليس فيها غيم ولا قتر ولا غبرة (أكملوا ثلاثين يوماً ثم صاموا) (بغير خلاف) إنما النزاع فيما إذا كان ليلة الثلاثين وكان قد حال دونه غبار أو قتر وإن كان القول الصحيح الذي تدل عليه النصوص أنه يوم الشك الذي جاء عن النبي ﷺ فيه النهي: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ٢.
(وإذا رأى الهلال كبر ثلاثاً، وقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضاه،
стр. 226
ربي وربك الله، هلال خير ورشد) ، (ويقبل فيه قول واحد عدل حكاه الترمذي عن أكثر العلماء) ، (وإن رآه وحده وردت شهادته لزمه الصوم) ، (ولا يفطر) ، (إلا مع الناس) ، (وإذا رأى هلال شوال لم يفطر) ، (والمسافر يفطر إذا فارق بيوت قريته) ، (والأفضل له الصوم خروجاً من خلاف أكثر العلماء) ، (والحامل والمرضع إذا خافتا) ، (على أنفسهما أو) ، (ولديهما أبيح لهما الفطر) ،
ــ
ربي وربك الله، هلال خير ورشد) لمجيئه في حديث ابن عمر. (ويقبل فيه قول واحد عدل حكاه الترمذي عن أكثر العلماء) ودلت عليه الأحاديث منها: حديث الأعرابي (وإن رآه وحده وردت شهادته لزمه الصوم) لأنه يعتقد أنه من رمضان، وهو أيضاً يثبت بشهادة واحد (ولا يفطر) إذا صام بناء على رؤيته (إلا مع الناس) لا يفطر على حساب صومه؛ لحديث: "الفطر يوم يفطر الناس" فلا ينفرد بعيد. (وإذا رأى هلال شوال لم يفطر) إذا لم يره معه أحد؛ لأنه لا يثبت بشهادة واحد، بل لا بد من اثنين ولا وجدا.
(والمسافر يفطر إذا فارق بيوت قريته) يسوغ له الفطر في ذلك اليوم، لدلالة الآثار على ذلك (والأفضل له الصوم خروجاً من خلاف أكثر العلماء) الأفضل تكميل ذلك اليوم الذي خرج فيه خروجاً من الخلاف.
(والحامل والمرضع إذا خافتا) من الصيام (على أنفسهما أو) خافتا على (ولديهما أبيح لهما الفطر) أو خافتا على ولديهما لهما الفطر
стр. 227
(وإن خافتا على ولديهما فقط أطعمتا عن كل يوم مسكيناً) ، (والمريض إذا خاف ضرراً كره صومه للآية) ، (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) ، (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) ، (أو دخل إلى حلقه ماء بلا قصد لم يفطر) ،
ــ
لما جاء عن ابن عباس في تفسير الآية١ (وإن خافتا على ولديهما فقط أطعمتا عن كل يوم مسكيناً) فلا يجب إلا الإطعام فقط. أما في الصورتين الأوليين فيجب الإطعام، والصيام.
(والمريض إذا خاف ضرراً كره صومه للآية) ٢.
(ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) وصار المشروع في حقه الأسهل والأيسر، كونه يفطر ولا يصوم؛ فإن صام فهو مكروه في حقه.
(وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) أسفته الريح أو من دقيق يقلبه أو يكيله أو من طعام لم يفسد صومه؛ لأن هذه أشياء في التحرز منها حرج، وهذه الشريعة بعيدة عن الحرج؛ بل هي شريعة اليسر. (أو دخل إلى حلقه ماء بلا قصد لم يفطر) وكذلك إذا تمضمض فدخل إلى حلقه ماء من غير قصد لم يفطر.
стр. 228
(ولا يصح الصوم الواجب إلا بنية من الليل) ، (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده) .
ــ
(ولا يصح الصوم الواجب إلا بنية من الليل) لحديث: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" فمن نواه صح فرضه، ومن لم ينو إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يصح (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده) بشرط أن لا يتقدم منه في أول النهار ما يفسده.
стр. 229
بابُ ما يُفسد الصَّوم
(من أكل أو شرب) ، (أو استعط بدهن أو غيره) ، (فوصل إلى حلقه) ، (أو احتقن) ، (أو استقاء فقاء) ،
ــ
بابُ ما يُفسد الصَّوم
يعني يبطله (من أكل أو شرب) الأكل يبطل إجماعاً، والشرب كذلك (أو استعط بدهن أو غيره) والإستعاط هو حقن الأنف، وصفته: أن يستلقي الإنسان المسعوط ويكون رأسه أخفض بقليل بحيث إذا دخل في الأنف يكون له انحدار إلى خياشيمه وما يتبعها (فوصل إلى حلقه) فإنه يفطر؛ لكونه أدخل إلى جوفه من منفذ. (أو احتقن) والمراد به هنا حقنة الدواء، ويتصور مع القبل فإنه يفطر١. (أو استقاء فقاء) استدعى
стр. 230
(أو حجم) ، (أو احتجم فسد صومه) ، (ولا يفطر ناس بشيء من ذلك) ، (وله الأكل والشرب مع شك في طلوع الفجر، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ) ، (ومن أفطر بجماع فعليه كفارة ظهار) ،
ــ
طيوح كبده، فإذا قاء ولو قليلاً أفطر، بخلاف ما إذا ذرعه القيء (أو حجم) فلو حجم بآلة لم يفطر. (أو احتجم فسد صومه) وهذا إذا خرج دم. أما إذا لم يخرج فلا. لأن إخراج الدم إخراج للقوة، فإذا استدخل ما ينفع أو أخرج ما ينفع فإنه يفطر١.
(ولا يفطر ناس بشيء من ذلك) إذا كان ناسياً صومه فلا يفطر، أو كان ذاكراً صومه لكن باشره لا عن عمد (وله الأكل والشرب مع شك في طلوع الفجر، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [٢/١٨٧] والتبين غير الشك، والتأخر مكروه، وأما الحرام فلا، ما جاء المحرَّم بعد وهو الخيط الأبيض.
(ومن أفطر بجماع فعليه كفارة ظهار) المذكورة في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
стр. 231
(مع القضاء) ، (وتكره القُبْلَةُ لمن تتحرك شهوته) ، (ويجب اجتناب كذب، وغيبة، وشتم، ونميمة) ، (كل وقت) ، (لكن للصائم آكد) ، (ويسن كفه عما يكره) ،
ــ
مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [٥٨/١-٤] (مع القضاء) ودليله حديث أبي هريرة الذي جاء إلى النبي ﷺ يشكو فقال: " هلكت يا رسول الله؟ قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة واللفظ لمسلم فذكر مثل كفارة الظهار سواء من كونها على الترتيب: عتق، فصيام، فإطعام ستين مسكيناً.
(وتكره القُبْلَةُ لمن تتحرك شهوته) لأنها داعية إلى الجماع قوي. وأما الذي لا تتحرك شهوته فلا يكره.
(ويجب اجتناب كذب، وغيبة، وشتم، ونميمة) والبهت (كل وقت) في كل وقت (لكن للصائم آكد) وأغلظ وأشد تحريماً؛ لقوله ﷺ : "من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
(ويسن كفه عما يكره) يحفظ صومه، وأن لا يجعل يوم صومه
стр. 232
(وإن شتمه أحد فليقل إني صائم) ، (ويسن تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب) ، (وله الفطر بغلبة الظن) ، (ويسن تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر) ، (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل) ، (ويفطر على رطب) ، (فإن لم يجد
ــ
ويوم فطره سواء، (وإن شتمه أحد فليقل إني صائم) يندب ذلك يعني لا يشاتم من شتمه فإن شاتمه احد فليقل إني صائم لما جاء في الحديث الذي تقم معناه، (ويسن تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب) بأكل إن كان عنده، كمال فضيلة التعجيل بالأكل، لا بالماء وأصل فضيلة التعجيل يحصل بالماء (وله الفطر بغلبة الظن) إذا رجح في اعتقاده أن الشمس غائبة مهوب لا بد أن يجزم جزم أن الشمس غابت، فلو كان غيم أو قتر وكان معه ساعة مضبوطة أو كان عدد ساعات. ومن دليله أنهم أفطروا مرة في زمن عمر ﵁ ثم تبينت له الشمس فقال: إنا لم نجانف لإثم. فدل على ما تقدم.
(ويسن تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر) إن خشي أن يبغته فليبادر (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل) عدم الوصال. ولكن الفضيلة الشبع. وليس حتى يتخم. وتحصل ولو بقليل.
س: الذي رأى من يأكل ويشرب وهو صائم هل يجب أن ينبهه؟
جـ: فيه وجهان. والذي يقول إنه واجب يقيم دليل.
(ويفطر على رطب) ، (فإن لم يجد
стр. 233
فعلى التمر) ، (فإن لم يجد فعلى الماء) ، (ويدعو عند فطره) ، (ومن فطر صائماً فله مثل أجره) ، (ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والذكر، والصدقة) ، (وأفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم) ، (ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر) ، (وأيام البيض أفضل) ،
ــ
فعلى التمر) هذا هو السنة والأفضل، فها هنا شيئان الحلاوة، وخصوصية الحلاوة. الحلاوة فيها توليد الدم والقوة والفيتامين (فإن لم يجد فعلى الماء) هذا الأخير والماء مادة الحياة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (ويدعو عند فطره) أي بعد فطره، ومنه: اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" (ومن فطر صائماً فله مثل أجره) من غير أن ينقص من أجره شيء جاء ذلك في الحديث الذي هذا معناه.
(ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والذكر، والصدقة) فقد كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. والذكر والصدقة داخلة في ذلك وتضاعف في الأوقات الفاضلة.
صوم التطوع:
(وأفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم) لقوله ﷺ : " أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" هذا أفضله.
(ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر) سواء كانت الثلاث الأولى أو التي تليها أو فرقة في الشهر. وجاء أن الحسنة بعشر أمثالها فيكون كصيام الدهر (وأيام البيض أفضل) لكن بعض الصوم أفضل من بعض
стр. 234
(ويسن صوم يوم الخميس والاثنين) ، (وستة أيام من شوال) ، (ولو متفرقة) ، (وصوم تسع ذي الحجة، وآكدها اليوم التاسع وهو يوم عرفة) ، (وصوم المحرم) ، (وأفضله التاسع والعاشر) ، (ويسن الجمع بينهما) ، (وكل ما ذكر في يوم عاشوراء من
ــ
إذا صمت البيض فهو أفضل قال النبي ﷺ لأبي ذر: " إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" رواه الترمذي وحسنه. وسميت بيضاً لبياض ليالها بالقمر من المغرب إلى الفجر. وقيل: لأن الله بيّض فيها صحيفة آدم من الذنب.
(ويسن صوم يوم الخميس والاثنين) وفي الحديث صيامه لها، وقال: "إن الأعمال تعرض فيهما، على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" فهذا من جملة ما يسن صيامه.
(وستة أيام من شوال) كذلك يسن صيام ستة أيام من شوال، (ولو متفرقة) والتتابع أفضل، ويجوز التفريق. وأيضاً لها صور المبادرة وهي أفضل لقوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [٢٠/٨٤] فكونها تلي رمضان ومبادر بها من غير تفريق أفضل. فمن صام الست كان كم صام الشهرين الباقيين.
(وصوم تسع ذي الحجة، وآكدها اليوم التاسع وهو يوم عرفة) وهو أفضل أيام السنة، كما أن أفضل الليالي ليلة القدر (وصوم المحرم) يندب صيام المحرم كله (وأفضله التاسع والعاشر) أفضله وآكده (ويسن الجمع بينهما) ضم يوم إليه مخالفة لليهود. والأفضل التاسع والعاشر. ويجوز إحدى عشر قال أحمد: وإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام (وكل ما ذكر في يوم عاشوراء من
стр. 235
الأعمال غير الصيام لا أصل له بل هو بدعة) ، (ويكره إفراد رجب بالصوم) ، (وكل حديث في فضل صومه والصلاة فيه فهو كذب) ، (ويكره إفراد الجمعة بالصوم) ، (ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين) ، (ويكره الوصال) ،
ــ
الأعمال غير الصيام لا أصل له بل هو بدعة) مثل كحل العينين. وكذا في أحاديث تذكر كالتوسعة على العيال فهو باطل ما له صحة.
ويوم عاشرواء فيه طائفتان تتقابل: الروافض يجعلونه وما قبله يوم حزن. والنواصب يجعلونه يوم عيد. يسمى "عيد العمر" وأهل السنة لا يرون هذا ولا هذا، ولا يميزونه إلا بالصيام. وله مرتبتان: قبل الإسلام كان واجباً صيامه، ثم نسخ وكان سنة.
(ويكره إفراد رجب بالصوم) كونه رجب من أوله إلى آخره ولا يصوم من الشهر الذي قبله أو بعده مكروه، فإن أفطر منه شيئاً ولو يوماً واحداً زالت الكراهة (وكل حديث في فضل صومه والصلاة فيه فهو كذب) .
والاعتمار فيه الذي يفعله بعض أهل الأمصار ما له وجه، إنما الذين يعظمونه أهل الجاهلية، فلا يعظم بذبح ولا صيام. وسواء قصد مشابهتهم أو لا.
(ويكره إفراد الجمعة بالصوم) لأنها عيد الأسبوع، وإن صيم يوم قبله أو بعده زالت الكراهة.
(ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين) للنهي عنه في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه" الحديث، (ويكره الوصال) كراهة شديدة وهو أن يصوم يومين فأكثر لا يأكل في الليل ولا
стр. 236
(ويحرم صوم العيدين) ، (وأيام التشريق الثلاثة) ، (ويكره صوم الدهر) ،
ــ
يشرب، وبعض يحرمه. ونهى عنه ﷺ وقال: "لو زاد لزدتكم" تنكيلاً ويجوز الوصال إلى السحر (ويحرم صوم العيدين) وهما الفطر والأضحى، الفطر يوم الفطر فرض وحتم إذا صاموا رمضان أن يتعاطوا المباحات، وأن يكون لهم أكل وسرور. وقد فرق الله بينهما فحتم عدم الأكل وجنس المفطرات، وحتم الفطر. فالذي يصومه أراد أن يسوي بين ما فرق الله بينه. وعيد الأضحى هو الذي تنحر فيه الضحايا والهدايا، وهي إنما تذبح للأكل ليس المراد إهراق دمها فقط. فالذي يصوم يريد معاكسة هذا المقصود الشرعي. وقال ﷺ في يوم العيد: "هو يوم فطركم".
(وأيام التشريق الثلاثة) وذلك أنها من أعياد أهل الإسلام؛ لكن الذي لم يجد الهدي يجوز له الصيام إذا لم يصم يوم عرفة وما قبله تعين عليه الصيام؛ لأنه متعينٌ الصيام في الحج. والأفضل أن يقدمن، فإذا لم يبق من أيام الحج إلا هذه تعين أن يصمن.
والعيد عيدان حقيقيان. وما ليس بحقيقي وهو أيام التشريق شرعن تيسيراً في الوقت، فممنوع من صيامهن كما عرفت؛ لكن مرخص فيهن لمن لم يجد الهدي. أما العيدان فلم يرخص فيهما بحال.
(ويكره صوم الدهر) كأن يستمر في صيام لا يفطر أبداً، وفي الحديث: "لا صام من صام الأبد" وهو خلاف سنة النبي ﷺ بالفعل، وخلاف قوله، وأنواع تطوعه بالصيام معلومة معروفة ليس منها هذا بحال.
стр. 237
(وليلة القدر) ، (معظمه) ، (يرجى إجابة الدعاء فيها؛ لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [٩٧/٣] ) ، (قال المفسرون: في قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر خالية منها) ، (وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيه ما يكون في تلك السنة) ،
ــ
(وليلة القدر) هي في رمضان خاصة، وهي لم ترفع، وهي في العشر، وفي أوتاره آكد (معظمه) عظيمة القدر عند الله، ومن عظم قدرها ما جاء في القرآن: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [٩٧/٣] وفي الحديث: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وسميت ليلة القدر لعظم قدرها عند الله . وقيل: لكونه يقدر فيها ما يكون في السنة المقبلة، أو لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً. ولم يثبت فيها بعينها شيء صحيح صريح أنها بعينها في يوم معين، لا. بل دلت الأحاديث على أنها في العشر، وأنها في الأوتار آكد.
(يرجى إجابة الدعاء فيها؛ لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [٩٧/٣] (قال المفسرون: في قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر خالية منها) وهذا يفيك عظم فضل هذه الليلة، وأن بينها وبين سواها هذا البون البعيد. وألف الشهر من السنين ينيف عن ثمانين سنة، وهو عمر الإنسان إذا طال عمره لا يتجاوز هذا غالباً. (وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيه ما يكون في تلك السنة) هذا أحد ما قيل في سبب تسميتها. وهذا هو التقدير الحولي من أنواع التقدير.
стр. 238
(وهي مختصة بالعشر الأواخر، وليالي الوتر) ، (وآكدها ليلة سبع وعشرين) ، (ويدعو فيها بما علمه النبي ﷺ لعائشة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ") ، (والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) .
ــ
(وهي مختصة بالعشر الأواخر، وليالي الوتر) فهي مختصة برمضان، وبالعشر منه، وفي الأوتار آكد (وآكدها ليلة سبع وعشرين) أبلغ في الرجا أن تكون هي ليلة القدر، جاء أحاديث واعتبارات تدل على أنها أرجى من غيرها. (ويدعو فيها بما علمه النبي ﷺ لعائشة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني") مستحب أن يدعو بذلك في الليلة الذي يظنها هي، بل يُكثر؛ فإنه الذي علمه النبي ﷺ عائشة، ففيه التوسل إلى الله في حصول هذا المطلوب بأمرين: أحدهما: التوسل إليه باسمه العفو، وأن من وصفه العفو، ومن وصفه محبته لذلك. (والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) .
نقلته من تقريرات شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ سماعاً منه حرفياً في دروسه١ في عامي تسعة وستين وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية وانتهيت من تبييضه عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف هجرية. وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وأصحابه أجمعين.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم