← Акыда

Акыда · id 11264

شرح كشف الشبهات لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (130 стр.). Показаны 106–130 · переход к 111.

стр. 106

الشبهة العاشرة: من قال لاإله إلا الله يكفر ولايقتل ولو فعل ما فعل واستدلوا بأحاديث ... ولهم شبهة أخرى: يقولون إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وكذلك قوله: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أُخَر في الكفِّ عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قال لا إله إلا الله لا يُكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. ــ (ولهم شبهة أخرى: يقولون إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وكذلك قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أخر في الكف عمن قالها) ١. (ومراد هؤلاء الجهلة) من إيراد هذه الأحاديث والتشبيه بها (أن من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل!) يعني أن النطق بها كافٍ في إسلام العبد. ومرادهم أنكم معشر الموحدين تكفِّرون من يشهد أن لا إله إلا الله ... إلخ. وهذا من عظيم جهلهم وعمايِتهم؛ يرون أن الدين رسومٌ فقط، ما دَرَوا أن لها أرواحاً ومعانيَ؛ لها معاني هي المرادة، الألفاظ قوالبُ جثة والمعاني روح. ويأتيك كشفها ومراد النبي ﷺ من هذه الأحاديث وأنه لا كما ظنوا وزعموا.

стр. 107

فيقال لهؤلاء المشركين الجهَّال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله. وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام. وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁. ــ (فيقال لهؤلاء المشركين الجهال) في الجواب عن ذلك (معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود) في عدة مواطن (وسباهم) أخذ نساءهم مماليكَ وعبيدَ كالصنيع بسائر الكفار (وهم يقولون لا إله إلا الله) فلا منع قولُ لا إله إلا الله من قتالهم وسبيهم؛ فدل على أن مجرد قول لا إله إلا الله لا يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير ويكونون كفاراًَ: إما لعدم العلم بها، أو العمل بها، أو وجود ما ينافيها. فلابد مع النطق بها من أشياء أخر؛ أكبرها معرفة معناها والعمل به. (وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام) ومع ذلك قاتلوهم، وسبوا حريمهم وذراريهم، مع قولهم لا إله إلا الله ... إلخ، لأجل مُكِّفراتٍ أُخَر. (وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ مع صلاتهم وادعائهم الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، ولكن وقع منهم الغلوُ في علي وتجاوُز الحد في تعظيمه حتى اعدوا

стр. 108

وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقُتل ولو قال لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟! ــ فيه الإلهية. فإنه ليس المراد اللفظ بل اللفظُ وإقرارٌ وعملٌ؛ فإن حصل فهو مع لا إله إلا الله وإلا فإنه ما جاء إلا بلفظِها فقط؛ وروحُها وحقيقتها مفقود. فلا إله إلا الله ينقضها أشياء ليست هي من ذاتها؛ مما ينفي لا إله إلا الله مسبةُ الرسول، ورميُ أزواجه بالإفك. كلُ واحدٍ منها ينقض هذه الكلمة العظيمة فكيف بنفيها نفسها من عبادة غير الله وجعل الأوثان قبلة قلب صاحبها؟! بل هذا أسوأ حالاً ممن يمتنع عن النطق بها؛ لأنه يُؤخذ بأنه دخل الإسلام ثم ما يوجد منه يفيد أنه انتكس عما تسمَّى به؛ فيكون مرتداً، والمرتد أعظم حكماً من الكافر الأصلي: منها أن مالَه فيء؛ إلى آخر أحكام المرتدين؛ بخلاف اليهودي والنصراني والمجوسي فإنهم يتوارثون بينهم. هذا من تغليظ كفره لأنه عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي فصار أغلظ ممن لم يقر أصلاً. (وهؤلاء الجهلة) المشركون (مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله) ولم تنفعه الشهادتان (و) هم مقرون أيضاً (أن من جحد شيئاً من أركان الإسلام) كوجوب الصلاة أو وجوب الصيام (كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟!)

стр. 109

ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث. فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادَّعى الإسلام؛ بسبب أنه ظن أنه ما ادَّعاه إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكفُّ عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: فتثبَّتوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبُّت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبُّت معنى. وكذلك الحديث ــ (ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث) ولا حاموا حولها وعشا على أبصارهم التقليدُ الأعمى والجمود وإحسان الظن بأناس أعرضوا كل الإعراض عن التوحيد، وقلّدوا من ظن أن قول لا إله إلا الله في هذه الأحاديث كافٍ مع الجهل بمدلول لا إله إلا الله. والإنسان إذا أراد أن يطالع في كلام الفقهاء فإنه يجد أن الإنسان إذا أتى بمكفِّرٍ قولي أو اعتقادي فإنه يكفر ولا ينفعه جميع ما تسمَّى به وعمله. والمشركون في هذه الأزمان زعموا أنه لا يكفر إلا من تعلَّق عليها وزعم أنها تستقل بجلب المنافع ودفع المضارّ. وهذا من كبير جهلهم، وهذا بعينه دينُ المشركين الذين ما أُنزِلت جميع الكتب ولا أُرسِلت الرسل إلا لردِّه وإبطاله؛ فإن المشركين الأولين قلَّ منهم من يزعم أن من يلجأ إليه يستقل بجلب المنافع ودفع المضار. (فأما حديث أسامة) يعني وقصته حين قتل الرجل الذي قال

стр. 110

الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أنَّ مَن أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يُناقِض ذلك. ــ لا إله إلا الله (فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك) يعني والحكم الشرعي أنه لا يُقتَل ويجب الكف عنه ما دام في حالةٍ يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً حتى يتبين منه ما يخالف ذلك (وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ أي: فتثبَّتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت) وهو التأني والنظر إلى ما يصير إليه آخر الأمر (فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى) وليس المراد أنه يكف عنه مطلقاً. الناطق بالإسلام إن قامت القرائن أنه إنما قال ذلك ليسلم من القتل فإنها تدوم عصمته حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، فإن تبين منه ما يخالف ذلك قُتل. (وكذلك الحديث الآخر) "أمرت أن أقاتل الناس" (وأمثاله معناه ما ذكرناه) ما ذكره المصنف (أن من أظهر الإسلام والتوحيد

стр. 111

والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ــ وجب الكف عنه) سواء احتمل الحال أنه متعوِّذٌ حقاً أو يحتمل أنه صادق (إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك) فإن تبين منه ما يناقض ذلك فإنه يُقاتَل حتى يدين بدين الإسلام. فصار الذي لا يقول لا إله إلا الله أصلاً يُعتبر قولهُ لا إله إلا الله، وإذا قالها وهو قبل يقولها وهو على ما هو عليه من عبادة غير الله فإنه ما غيَّر شيئاً فكأنه قال: أنا على ما أنا عليه قبل وهو قول لا إله إلا الله، فيقال له: أنت تقاتل قبل وأنت تقول لا إله إلا الله، فهو ما خلع ولبس، بل هو على ما هو عليه، وأهل الكتاب أيضاً حتى لو قالوا لا إله إلا الله فإنهم ما غيَّروا شيئاً. فصار هنا ثلاث صور: الأولى: أن يُعرف أنه حينما نطق بها عمل بها فهذا لا يقتل. الثانية: أن يُشّك في حاله، ولو يُظن أنه متعوِّذ فقط، فهذا أيضاً لا يقتل. الثالثة: أن يقولها ولكن ينقضها، فهذا يقتل لقوله ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ لأنه تبيَّن منه ما يخالف الإسلام، فحلَّ دمهُ ومالهُ. وكذلك إذا كان من قبل يقولها ولا يعمل بها ومتكرِّرٌ منه ذلك فلا لها حكم. (والدليل على هذا) على أن هذا هو مراد النبي ﷺ (أن رسول الله ﷺ الذي قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " وقال: "أمرت

стр. 112

لا إله إلا الله" هو الذي قال في الخوارج: "أينما لقيِتُمُوهم فاقتلوهم. لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتل عاد" مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لمَّا ظهر منهم مخالفة الشريعة. ــ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" هو الذي قال في الخوارج: "أينما لقيِتُمُوهم فاقتلوهم. لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتل عاد"١ مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة) فالخوارج يقولون لا إله إلا الله ويزيدون على قول لا إله إلا الله (فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة) . فتبيَّن أن مراد النبي ﷺ بقوله: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " أنه ليس كل من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل. فقولهم إن من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل، من عظيم جهلهم؛ فكل إنسان ينظر في نصوص الشريعة فإنه موجود كثير ممن يقتل وهو يقول لا إله إلا الله، ومن قال خلاف ذلك فليس من أهل العلم بوجه.

стр. 113

وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة. وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وكان الرجل كاذباً عليهم. فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه. ــ (وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة) فلو أن مجرد قول لا إله إلا الله يعصم الدم والمال لما قاتل رسول الله ﷺ اليهود وقاتل الصحابة بني حنيفة. فليس مراده من "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أخر في الكف عمن قالها كما استدلوا به هنا؛ بل مراده ﷺ أن من كان قبل على الكفر ثم أسلم فإنه يُكفُّ عنه كفَّ انتظار، ولو أنه يحتمل. فالحكم الشرعي أنه يكف عنه وينتظر؛ إن استقام على الإسلام استمر به وإلا قتل قتلاً أشدَّ من الأول وأسوأ حالاً وأحكاماً من الأصلي كما علم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. (وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق) وأمر بالغزو (لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١ وكان الرجل كاذباً عليهم. فكل هذا يدل على أن مراد

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه) وكذلك الأمر بقتل الخوارج. فتبين مما تقدم أو قول لا إله إلا الله لا يكفي في عصمة الدم والمال، بل إذا تبين منه ما يناقض الإسلام قُتل، ولو قال لا إله إلا الله. س: ما الفرق بين هذه الشبهة والتي قبلها؟. ج: أما الأولى فلما ذكر المصنف أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين بأمرين، اعترضوا عليه بهذه الشبهة وهذه الفروق وقالوا: نحن نشهد أن لا إله إلا الله فكيف تجعلوننا مثل أولئك الذين لا يشهدون ... إلخ، بل ما قَصَرتُمونا عليهم، بل زدتمونا بهذين الأمرين. فأجابهم المصنف بقوله في جميع الشبه إن من وُجد منه مُكفِّر بأن كان مصدقاً الرسول في شيء ومكذَّبَه في شيء، أو وجد منه مكفر بأن رفع المخلوق في رتبة الخالق، أو وجد منه مكفر بأن غلا في أحدٍ من الصالحين فادعى في الألوهية، أو وجد منه مخالفة الشريعة في أشياء مثل إباحته نكاح الأختين جميعاً، أو وجد منه مكفر بأي نوع كان من أنواع الردة، أو وجد منه مكفر بأن استهزأ بالله وآياته. وحاصلُها أن من وجد منه مكفر فهو مثلهم وهو معه هذه الفروق يشهد أن لا إله إلا الله؛ إلى آخر ما ذكر. وأما الثانية فهي أنهم يقولون إن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم

стр. 115

الشبهة الحادية عشرة: قولهم إن الاستغاثة بالأنبياء ليست شركا لجواز الاستغاثة بالأنبياء في الآخرة ... ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ". قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً. ــ حرام الدم والمال بدليل قصة أسامة ... إلخ. فأجابهم المصنف بأن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإن تبين منه ما يخالف ذلك قُوتِل، ولو قالها، حتى يعمل بما دلت عليه. (ولهم شبهة أخرى) يعني مشركي هذه الأزمان غير ما تقدم (وهو ما ذكر النبي ﷺ وثبت (أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى) إذا اشتد وطال بهم الموقف عمدوا إلى الاستغاثة بهؤلاء (فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ فيقول: "أنا لها" (قالوا) قال المشبهون بهذا الحديث: (فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً) وهذا من جهلهم، ما عرفوا الفرق بين الاستغاثتين؛ فإن النبي ﷺ حياتُه معهم في القيامة أكمل، والاستغاثة الشركية التي أنكرناها ها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر، وجنسُ سؤال التي موجودٌ في اليوم الآخر وإن كان قد انقطع العمل، موجود في النصوص أن النبي ﷺ يشفع لمن أُذِن له فيه. ففرقٌ بين ما هو معلوم الجواز وبين ما هو معلوم الحرمة والشرك.

стр. 116

فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه؛ فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه لا ننكرها كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله. ــ (فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه) فحالَ بينهم وبين معرفة الفرق بين هذه الاستغاثة وهذه الاستغاثة؛ فصاروا لا يبصرون الشمس في رابعة النهار فلم يفرِّقوا بين الشرك والتوحيد فهذه شيء وهذه شيء آخر، وبينهما فرق في الكتاب والسنة وفرق في الحكم والحد (فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها) يستغيث إنسان إنسانا في شيء يقدر عليه (كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء) الأموات مطلقاً (أو في غيبتهم) والغائبين مطلقاً. وقوله: (عند قبور الأولياء في غيبتهم) خرجَ مخرجَ الواقع والغالب؛ وإلا فالأصنامُ ونحوها كذلك والحي الحاضر (في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) كالسؤال

стр. 117

إذا ثبت ذلك فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة؛ أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له ادعُ الله لي. كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته. وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره؛ بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعاؤه نفسه. ــ منه هدايةَ القلوب؛ أو رفع جبل ونحوه، وهذا كله استغاثة شركية وكلها أنكرناها؛ فمن سوَّى بينهما فقد سوى بين المتضادين وسوى بين المختلفين، فهو نظير التفريق بين المتماثلين؛ فإن الاستغاثة بالميت شرك أصلاً لكونه فاقد الحراك ولا يدري ولا يقدر، والاستغاثة بالغائب أيضاً شرك لكونه لا يسمع ولا يدري، والاستغاثة بالحي الحاضر فيها تفصيل؛ فإن كان فيما لا يقدر عليه كرد البصر بغير أمر طبي أو هداية القلب بغير الإرشاد والحجة أو نحو ذلك فهذا كله شرك أن يفعل بِسرِّه –أي بألوهيته- شيئاً من ذلك؛ فإن هذا لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بالحي الحاضر القادر أمر فطري ضروري معلوم بالشرع والحس والاستعمال؛ فإن الإنسان مدني محتاج إلى بني جنسه ومساعدتهم في جميع معاشه واتصالاته وهكذا كل حياة العالم على هذا. (إذا ثبت ذلك) أي إذا تقرر ما تقدم وهو الفرق بين الاستغاثتين؛ الاستغاثة الشركية التي انكرناها، والجائزة، أن التي أنكرناها استغاثة

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العبادة.. إلخ، لا الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه (فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة) من الثانية؛ فإنها استغاثة بحي حاضر قادر، هم مع الناس حاضرين قادرين في حياة أكمل من هذه الحياة الدنيا (يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف) فحقيقتها أن يرغبوا إليهم أن يسألوا الله ويدعوه (وهذا جائز في الدنيا) ولا محذور فيه (و) جائز في (الآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك) قادر على الكلام (وتقول ادع الله لي) لأنه متمكن؛ وكذلك الأنبياء مع الناس يوم القيامة متمكنون أن يسألوا الله ويدعوه (كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه) ذلك (في حياته) كما قالت أم أنس: "يا سول الله، خُوَيْدِمُك أنس ادع الله له"١ وكما قال عُكَّاشة بن محصن: "ادع الله أن يجعلني منهم"٢. (وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره) بل جاءتهم الكروب ولم يأت أحد زمن الحرة ولا غيرها بل يعدونه من أعظم المنكرات، فإن هذا هو الشرك الأكبر، ولعلهم أن ذلك مختص في حياته وأنه انقطع بعد مماته فلا يستغيثونه ولا يسألونه أن يدعو الله لهم أو يدعو له (بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله) وحده مخلصاً (عند قبره) قبر النبي يظنه أجوب كما أنكر علي بن

стр. 119

الشبهة الثانية عشرة: استدلالهم على أن الاستغاثة بالأموات والغائبين ليست شركا بعرضها على إبراهيم من جبريل ... ولهم شبهة أخرى وهو قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركاً لم يعرضها على إبراهيم. ــ الحسين، وهو أعلم أهل البيت في زمانه، على من أتى قبر النبي ﷺ يدعو الله فنهاه وقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ١. (فكيف بدعاؤه) النبي (نفسه) إذا كان هذا إنكار السلف على من قصد دعاء الله وحده لا شريك له عند قبر النبي فكيف دعاؤه نفسه؟ كيف لو وجدوه يدعو النبي نفسه؟ فإنهم يكونون أشد إنكاراً؛ فإن الأول بدعة لا يجوز. وأما الثاني فهو الشرك الأكبر لأنه صدر منه مخ العبادة وهو دعاء غير الله، فما ظنك لو سمعوا من يقول انصرني أو ارزقني؟ (ولهم شبهة أخرى وهو قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار) حينما أمر عدوُّ الله النمرود بجمع حطب عظيم ثم أضرم فيه النار وأمر بإلقاء إبراهيم فيها (اعترض له جبريل في الهواء) حين ألقي من المنجنيق (فقال له: ألك حاجة؟) في هذه الضيقة والشدة أنفعك بها (فقال: أما إليك فلا) فصبر في شدة هذه الحاجة، ثم

стр. 120

فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى؛ فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه؛ فإنه كما قال الله فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيمَ في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يَهَبَ له ض١شيئاً يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منَّةَ فيه لأحدٍ فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ . ــ قال إبراهيم ﵇: حسبنا الله ونعم الوكيل. أي كافينا الله وحده ونعم الموكول إليه أمر عباده. فقال الله تعالى للنار: (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) فكانت برداً وسلاماً عليه. فالمقصود أن هؤلاء المشركين شبهوا بهذه القصة (قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركاً لم يعرضها على إبراهيم) . وأصل ضلالهم في هذه الشبهة عدم التفريق بين الجائز والحرام، وعدم العلم والاطلاع على ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك. (فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى؛ فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه) وهو حي حاضر قادر؛ فإن هذا من

стр. 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جنس الاستغاثة بالحي الحاضر القادر (فإنه كما قال الله فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ١ فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل) كما صنع حين أمر بقلع ديار قوم لوط وما حولها من القرى حتى بلغ بها عنان السماء (ولو أمره أن يضع إبراهيم ﵇ في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل) . ثم مثَّل المصنف بحالة إبراهيم وجبريل فقال: (وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهب له شيئاً يقضي به حاجته) هذا مثل جبريل (فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منّةَ فيه لأحد) هذا مثل إبراهيم ﵇، فكما أن الفقير لو قبل من الغني لم يكن مشركاً فكذلك هذه. (فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك) التي يفعلونها مع الأموات والغائبين وهي عينُ شركِ المشركين الأولين من هذه الاستغاثة المذكورة في قصة إبراهيم (لو كانوا يفقهون) فهذا جنس وهذا جنس، فمن سوَّى بينهما فقد سوى بين المتباينين من كل وجه. وفي الحقيقة أن من قال هذا أولى ما له مراجعة عقله؛ فمن قال إن هذه مثل هذه أو توقّف فيها فهو مصاب في عقله.

стр. 122

خاتمة: التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل واحد منها انتفى الإسلام ... ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جداً تُفهم مما تقدم، ولكن نُفرِد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلماً. ــ (ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدا تفهم مما تقدم) من أجوبة الشبهات السابقة؛ مجموعُ جواب الشبهات السابقة يكفي لكن متفرق فيها١، وإفرادها يكون أوعى لها وأحفظ٢. ذكرت في الأجوبة عموماً وهاهنا خصوصاً (ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها) وما كان كذلك كان حقيقاً أن يحفظه الطالب وأن يثني عليه الخناصر (فنقول: لا خلاف) بل إجماع بين أهل العلم (أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل) فلابد من الثلاثة؛ لابد أن يكون هو المعتَقَد في قلبه، ولابد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولابد أن يكون هو الذي تعمل به جوارحه (فإن اختل شيء من هذا) لو وحَّد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحد بأركانه دون الباقي (لم يكن الرجل مسلماً) هذا إجماع أن الإنسان لابد أن يكون موحداً باعتقاده ولسانه وعمله.

стр. 123

فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس؛ يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار. ولم يدرِ المسكينُ أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ . ــ وهذه أمثلة اختلال واحد من هذه الثلاثة. (فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند) إذا اعتقد ولا نطق ولا عمل بالحق بأركانه فهذا كافر عند جميع الأمة (كفرعون) كما في آية: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ١ (وإبليس) وكذلك إبليس يعرف الحق كما قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ ٢، ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ٣ فكفرُهُما كفرُ عناد؛ فإن فرعون وإبليس يعرفان الحق في الجملة. وقد ينطقون به، وبعض الكفر يكون عن جهل وعدم بصيرة (وأمثالهما) كعلماء اليهود أمة الغضب وأمثالهم ممن يعلم الحق ولا يعمل به (وهذا) المقام مقامُ التوحيد، وأنه لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل (يغلط فيه

стр. 124

فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شرٌ من الكافر الخالص ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ . ــ كثير من الناس) منهم من إذا نُعِت له التوحيد (يقولون هذا حق) وهذا الذي ندين الله به (ولكن) يعتذرون يقولون: (لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم) يعني ما يوافقون أهل بلده (وغير ذلك من الأعذار) التي اعتذر بها، يعني ليس عن جهل بها، ما جحدوها لكن آثروا العاجل والحطام على الآجل (ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار) التي هي مثل هذه الأعذار (كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ١) ففي هذا أنهم عرفوا الحق وإنما آفتُهم شهوتُهم وإيثارُ عاجِلهم على آجلهم (وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٢) فعلماء اليهود يعرفون الحق ويعرفون أنه الحق، ولكن رياساتهم منعتهم من الانقياد له. فمعرفتُهم وإقرارهم بالحق ما نفعهم حيث تركوا العمل به والانقياد كما كان اليهود قبل مبعث النبي ﷺ يقولون إنه ضل زمن الأنبياء، ووالله لئن بُعثَ نبيٌ لنقاتلنكم معه، قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣ الآية. (فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً) جرى على لسانه وعملت به

стр. 125

وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوفِ نقص دنيا أو ــ أركانه (وهو لا يفهمه. أو لا يعتقده بقلبه) أو فهمه ولكن لم يَنْقَد بجَناحه (فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص) فإن الكافر الخالص لأتى الشر من وجهه ولا خادَعَ ولا دلَّس ولا لبس وخان ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١ يعني تحت الكفار؛ فهم أشرُّ من الكفار في الآخرة. والنفاق مشتق من نافقاء اليربوع إذا خالف باب جُحره. وفي الشرع مخالفة الظاهر للباطن، أما في الاعتقاد كمن يقول باللسان ويعمل بالأركان ولكن مخالف بالجنان. فهذا نفاقٌ أكبر ناقلٌ عن الملة، وقد ذكر الله المنافقين في ثلاث عشرة آية من سورة البقرة، بخلاف الكافر الأصلي فإنه أهون كفراً من المنافق والكفار الأصليون ذُكِروا في آيتين من سورة البقرة. والقسم الثاني نفاقٌ عملي، وهو ما ذكر في الحديث: "إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" وصاحبه لا يكون مثل الأول، وهو أعظم من الكبائر؛ فإن جنس ما أتى في النصوص بتسميته كفراً أو نفاقاً فهو أعظم مما أتى أنه معصية متوعَّدٌ عليها بوعيد؛ لأن ذنب الشرك والنفاق أعظم من غيره وأقبح. (وهذه المسألة) مسألة أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان

стр. 126

جاهٍ أو مداراة، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما ما تقدم من قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب، تبيَّن أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحدً أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها. ــ والعمل (مسألة كبيرة طويلة) جداً (تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس) في أحوال الناس وأردت تحصيل ثلاثة أمور: كونهم اعتقدوه، ونطقوا به بألسنتهم، وكمَّلوه بأعمالهم؛ فإنك تجد الأكثر لم يكملوا هذه الثلاثة، بل إما هذا وإما هذا وإما اثنان (ترى من يعرف الحق) لكن (يترك العمل به) وهذا مثل علماء اليهود ومثل فرعون ومثل إبليس (لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة) هذا قسم. (و) القسم الثاني (ترى من يعمل به ظاهراً) أما قلبُه فلا يصل إليه حقيقة الاعتقاد (فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه) فالأول كثير، والثاني دونه والثالث قليل؛ فالذي يعرفه وينطق به كثير وكذلك الذي يعتقده ويتكلم به كثير، والثالث الذي يعتقد ويعمل ولا ينطق وهو قليل. (ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله) فإن بفهمهما يتبين لك

стр. 127

والآية الثانية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أُكرِه مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان. وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة أو مشحَّة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأَغْرَاض، إلا المُكْرَه. ــ ما قرره المصنف من أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل ... إلخ، (أولاهما ما تقدم من قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١ فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول ﷺ كفروا بسبب كلمة) واحدة (قالوها على وجه المزح واللعب، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحدٍ أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها) وأولى وأحق بالكفر ممن تكلم بكلمة يمزح بها وهو من الصحابة؟ أفالصحابة الذين قالوها يصيرون كفاراً وهؤلاء لا يصيرون كفاراً؟! (والآية الثانية) من الآيتين الدالتين على مراد المصنف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل ... إلخ، (قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ) أي من صدر منه الكفر ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢ أي إلا من كان في حقه شرطان: الأول الإكراه، فلابد أن يكون مكرهاً، والثاني كون قلبه

стр. 128

والآية تدل على هذا من جهتين: الأولى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فلم يستثن الله إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل أو الكلام، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها. والثانية قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ فصرَّح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. آمين. ــ مطمئناً ساكناً بالإيمان (فلم يعذر الله) لم يستثنِ (من هؤلاء إلا من أُكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان) . والإكراه كونه وصل إلى حدِّ يخشى على نفسه القتل أو ولده؛ فهذا يجوز أن ينطق بكلمة الكفر التي أكره عليها بشرط كون قلبه مطمئناً بالإيمان؛ أي معتقد الحق بجنانه، لكن إن كان لما أكره طاع بقلبه ولم يكن مطمئناً فهو من أهل الكفران. (وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره) . (والآية تدل على هذا) أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان

стр. 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعمل (من جهتين: الأولى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره) لا يتصور في حقه الإكراه إلا بهذين الأمرين (إلا على العمل أو الكلام، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها) فإذا فعل وصدر منه الكفر فإنه كافر بعد إيمانه (والثانية) تقدم قول المصنف أنها تدل على ما قرره من جهتين وتقدمت الجهة الأولى وهذه الثانية (قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا﴾ ) الباء للسبب، يعني ذلك بسبب محبتهم ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ ١ يعني الجنة (فصرَّح أن هذا الكفر والعذاب) المحكوم به عليهم في هذه الآية والمترتِّب على ما صدر منهم (لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه) أي صدور الكفر منه، أنه تكلم بالكفر لسبب وهو أن له في التكلم بالكفر شيئاً واحداً، وهو (أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا) يحصل له فيرتكب هذا المحظور لأجل أنه لا يحصل له مطلوبه إلا -والعياذ بالله- بإيثار الحياة الدنيا (فآثره على الدين) على الآخرة. فالإنسان الذي يُلجِئُه من يُلجِئُه إلى أن يصدر منه الكفر له حالات: أحدها: أن يمتنع ويصبر عليها، فهذه أفضل الحالات. الثانية: أن ينطق بلسانه مع اعتقاد جنانه الإيمان، فهذا جائز له تخفيف ورحمة.

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالثة: أن يُكرَه فيجيب ولا يطمئن قلبه بالإيمان؛ فهذا غير معذور وكافر. الرابعة: أن يُطلب منه ولا يُلجَأ؛ فيجيب ما وصل إلى حد الإكراه ولكن يوافق بلسانه وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان فهذا كافر. الخامسة: أن يُذكر له ولا يصل إلى حد الإكراه، فيوافق بقلبه ولسانه فهذا كافر. (والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أمين) . أقول: وكان الفراغ من كتابة هذه المبيضة في شهر صفر عام ألف وأربعمائة وأحد عشر. وقد كان تاريخ كتابة هذه التقريرات المتلقاه من في شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ عام ستة وستين وثلاثمائة وألف هجرية وبعضها بعد ذلك وبعضها قبل هذا التاريخ وقد بلغت نسخها التي كتبتها حال إلقائه الدروس ست نسخ وبعضها أقل من ذلك وقد جمعت ذلك كله في هذه المبيضة والله أسأل أن ينفع به وينفعني به إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبها بخطه محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم