← Акыда

Акыда · id 11264

شرح كشف الشبهات لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غيرُ النبي ﷺ ؛ فصحَّ أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون: أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه. وإن قلت لا. بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله. ــ إياها غير طلبها منه ﷺ ، وإنما سببها الإيمان به ﷺ والإيمان بما جاء به؛ قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ وما لا يعلمه الله فهو باطل؛ يعني لا يعلم أن من دونه شفعاء. وسئل ﷺ : "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" وقال: "فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً". فالشفاعة للعصاة. أما المشركون فلا شفاعة لهم٣. (وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ هذا جواب ثانٍ لكشف الشبهة السابقة، تقدم الأول وهو كافٍ شافٍ في كشف شبهته، وهذا الثاني (فصحَّ أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون) فجنس الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ولكن هذا الإعطاء مقيد

стр. 72

الشبهة السابعة: أن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك فليس مشركا بذلك ... فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلاَّ، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. ــ (أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم) يعني مقتضى قوله النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبها منه يدلد على ذلك (فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه) فإنها ليست أكثر من طلبهم منهم الشفاعة والذبح لهم لقصد تقريبهم إلى الله وطلب شفاعتهم لا غير كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية١. (وإن قلت لا) أطلبها منهم ولو أعطوها (بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله) واتضح لك أن كون شخص أُعطِيها لا يدل على أنه يعطيها من سألها، وَلَلَزِمَ من ذلك أن يكون كلُ من طلب الشفاعة يعطي إياها من سأله، ولَفسدت الشرائع، فدلّ على أن إعطاءه الشفاعة مقيد وليس دالاً على أنها تُطلب منه، ولو كانت تطلب منه لكان الصحابة أول من يطلبها منه؛ بل أنكر زين العابدين على مَن أتى إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو. وحينئذ انكشفت شبهته، واندحضت حجته، وتبيَّن لك ذلك جهلُه وضلاله. (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) يعني نفي عن نفسه الشرك (فقل له) مجيباً بالاستفصال والتحدي حتى تنكشف شبهته (إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره) وهو لا يمكن أن يجحده (فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟)

стр. 73

فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرَّم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرِّيء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟! أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا. فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك ــ يعني: فسِّر لي حقيقة الشرك بالله، يعني وما معنى عبادة الله (فإنه لا يدري) عن الشرك ولا عن التوحيد إذا طلبت منه بيان هذا وهذا، وَقف فأين هذا من التوحيد؟ (فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟) فإن الحكم على الشيء نفياً وإثباتاً لابد أن يكون بعد العلم والتصور؛ فلا عرفت الشرك حتى تنفيه ولا عرفت التوحيد حتى تثبته (كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟) عدم معرفتك له وعدم مبالاتك به يدل على أنك لا تعرف دينك وأنك لست من التدين في شيء، صادٌ غافل مُعرِض عن الدين ومعرفته، فحقُّك السكوت، ولأي شيء تتكلم (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا) فإن ظن ذلك فقد ضل ضلالا أعظم من ضلاله الأول وأضاف إلى ذلك كفراً آخر. وإنما صدر منه ذلك لأنه كان فيه، وغمره واستحكم عليه ولا درى أنه في الشرك؛ فإن الله قد بيَّن لنا الدقيق والجليل وأكمل لنا الدين. (فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام)

стр. 74

الشبهة الثامنة: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام ... فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك

стр. 75

الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمرَ من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره؛ يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون إنه يُقرِّبنا إلى الله زُلْفَى ويدفع الله عنا ببركته، أو يعطينا ببركته. فقل: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها. فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب. ــ انتقل إلى هذه الشبهة؛ زعم أن الشرك عبادة الأصنام بخصوصه، وهو في زعمه أنه لا يعبد الأصنام بل ولي، فجاوبه بالاستفسار والتحدي فبه يندحض وتنكشف شبهته، ويظهر جهله وضلاله، وأنه أجنبي مما عليه المرسلون وما هو دين المشركين (فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟) التي حصرت الشرك فيها (أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟) فإن قال نعم (فهذا يكذبه القرآن) ويرده؛ فإن القرآن دال على أنهم لا يعتقدون فيها ذلك أصلاً (وإن قال هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته) فهذا تفسيرٌ لعبادة الأصنام صحيح (فقل صدقت) لكن (وهذا هو) بعينه (فعلكم) الذي وقعتم فيه (عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها) وهذا المطابق هو حقيقة تفسيرها (فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب) المطلوب إقرارُه بالحق وكشف شبهته، وقد انكشفت شبهته واندحضت حجته، وتبين جهالته وضلالته.

стр. 76

ويقال له أيضاً: قولك: الشرك عبادة الأصنام. هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكره الله في كتابه مِن كُفر مَن تعلَّق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين. فلابد أن يقرَّ لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب. ــ وحاصله أنك تقول: هل هم يعتقدون أنها تخلق؟ فإن قال نعم فبيِّن لهم الآيات الواردة.. إلخ، وإن قال هو مَن قصد.. إلخ. فقل. نعم، وهذا هم فعلُكم، فهو إما أن يفسّره بباطل فيبيِّن له باطله، وإما أن يقر أن فعلهم موافق له. (ويقال له أيضاً) هذا جواب ثانٍ له (قولك: الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا؟) محصورٌ دون عبادة من سواهم (وأن الاعتماد على الصالحين) والأنبياء والأولياء والملائكة (ودعاءهم لا يدخل في ذلك) لا يكون شركاً (فهذا) أمر باطل (يرده ما ذكره الله في كتابه) ويبطله (من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين) فإن القرآن العزيز بيَّن كفر من تعلق على هؤلاء، وكفر من تعلق على هؤلاء، كما تقدم، وأن عبادة الأصنام قسم من أقسام الشرك (فلابد) حينئذٍ (أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب) وتبين أن من عيد صنماً أو وثناً أو غير ذلك فهو مشرك، وبهذا تنكشف شبهته وتندحض حجته.

стр. 77

وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسِّره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسِّرها لي. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه ــ (وسر المسألة) يعني خالص وحاصل الأجوبة عن الشبه الثلاث. ذكر المصنف ﵀ أولاً جواب المشبه؛ خَصَّ كل شبهة بجواب وبعضها بجوابين، ثم ذكر جوابها هنا على سبيل اللف بعد النشر. (أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: ما معنى الشرك بالله؟ فسره لي: فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام، فسرها لي. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفه وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه) . يعني: وحاصلُ الجواب عن الشبه الثلاث أنك تتحدَّاه؛ فله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يتوقَّف، فقل له: أنت لا تعرف الحق من الباطل، فإذا حَادَ ولا درى ووقف فهو كافٍ في ردِّ شُبَهه، وحينئذ كفانا مؤنَة جوابه؛ فإنَّ هذا حال كثير ممن يعبد الأصنام؛ لا يدري عن الشرك ولا أهله ولا درى عن عبادة الأصنام ولا ميَّز عبادة الأصنام من غيرها، وإن فسرها بما فسره القرآن، فهذا أيضاً كفانا مؤنته وهدم أصله الذي بنى عليه، وإن فسره بالباطل

стр. 78

القرآن فهو المطلوب وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئاً وهو لا يعرفه، وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ . ــ المخالف لتفسير القرآن بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان. فالحاصلُ أنه يتحصَّل منه تسعُ صور من ضرب ثلاث الشبه في جوابه. (وأن عبادة الله وحده لا شريك له) وهو توحيده (هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا) في إنكارهم التوحيد على الرسول لما دعوهم: ( ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١) استنكروا أن يجعل الآلهة إلهاً واحداً. وبه تعرف أن كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام من هذه الأمة ليسوا على الدين، إنما معهم اسمُه فقط ولا يعرفون ما هو شرك الأوَّلين، فلو عرف أحدهم شركَ الأولين وشرك أهل هذا الزمان لوجده هو هو؛ بل مشركو هذه الأزمنة أعظم من شرك أولئك بكثير؛ لما يأتيك من كلام المصنف. شرك الأولين ليس أكثر من اعتقادهم أن أحدهم يطلب ممن يعتقد فيه أن يطلب له من الله، وأنه باب وسائطهم

стр. 79

فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقادَ هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله ﷺ الناسَ عليه؛ فاعلم أن شركَ الأولين أخفُّ من شرك أهل زماننا بأمرين. أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ . ــ وحوائجهم إلى الله كما قال عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . (فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد) وقد يسمونه التوسُّل (هو الشرك) الأكبر الذي كان عليه قريش وأضرابهم (الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله ﷺ الناسَ عليه) وتحقَّقت ما قدمته لك من كشف الشبه المتقدمة (فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين) فشركُ أهل زماننا أعظم وأكبر. وكونُ شرك أهل زماننا أغلظ وأكبر بهذين الأمرين ليس دليلاً على أنه لا يتغلظ إلا بهذين الأمرين، بل يريد أنه تغلظ بهذين الأمرين (أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء) وإنما كان هذا حال المشركين الأولين؛ لأنهم أصح عقولاً وأفهم في هذه الأمور؛ لعلمهم أنه لا ينجي في المضايق والكروب إلا الله فيخلصون لله الدين، ولهذا لما سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم

стр. 80

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . ــ حصيَن: "كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعةٌ، ستة في الأرض وواحدٌ في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء" (كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ) يعني ذهب عنكم من تدعون سواه ( ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ) عن إفراده بالعبادة واللجاء إليه ( ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُوراً﴾ ) ١. (وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤) هذه الآيات ونظائرها دالة على أنهم

стр. 81

فمَن فهِم هذه المسألة التي وضَّحها الله في كتابه؛ وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين. ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهماً جيداً راسخاً، والله المستعان. ــ في الرخاء يشركون وفي الشدة يخلصون؛ في الشدة لا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وأما في زماننا فشركُهم في الحالتين جميعاً، بل إذا كانوا في الشدة نسوا الله بالكلية ولهجوا بمعبوداتهم من دون الله، والعياذ بالله. فأهلُ زماننا إذا ركبوا في البحر وتلاطمت عليهم الأمواج لهجوا بمن يدعونه من دون الله؛ سواء كان من الأموات أو غيرهم، هذا يقول: يا متبولي، يا عيدروس، يا بدوي، يا عبد القادر، يا علي، يا حسين، يا فلان، أين شرك هؤلاء من شرك الأولين؟ بين الشركين فرقٌ بعيد، بل مشركو زماننا زادوا في شركهم بفنونٍ زادوها وضُرُوبٍ جدَّدها. ثم قال المصنف: (فمن فهم هذه المسألة التي وضَّحها الله في كتابه) حقيقة الفهم، وفَهِم عن الله ورسوله، وسَلِمَ من التعصب والهوى، وسلم من الجهل (وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك، له وينسون سادتهم،

стр. 82

الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع اللهِ أُنَاساً مقرَّبين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعةً لله ليست عاصية، وأهلُ زماننا يدعون مع اللهِ أُناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك؛ والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يُشاهد فسقه وفساده ويشهد به. ــ تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين) يعني أن شرك أهل زماننا أعظم وأكبر وأَطَم، وإنما ضلوا بتركهم القرآن والإعراض عنه والتفهم والتدبر (ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهماً جيداً راسخاً؟!) لينجو من الجهل، ولا يظن أن المراد أنهم قوم كانوا فبانوا. وفي الحقيقة إن كانوا وبانوا فقد أعقبوا من هو شرٌّ منهم بكثير (والله المستعان) . (الأمر الثاني) تقدم الأمر الأول الذي صار به المشركون الأولون أعظم شركاً من أهل زماننا (أن) المشركين (الأولين يدعون مع الله أُنَاساً مقربين عند الله: إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة) أو صالحين (أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعة لله ليست عاصية) الكائنات كلها مطيعة لله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (وأهل زماننا يدعون مع اللهِ أناساً من أفسق الناس) بل منهم من يدعو أُناساً من أكفر الناس، بل بعضهم أكفر من اليهود والنصارى؛ كالذين

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يدعون إمام أهل وحدة الوجود ابن عربي؛ فإن عليه الآن قبة في الشام (والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك؛ والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به) فإنه معلوم أن من دعا مع الله غيره من أي شيء كان فهو كافر، وصَارفٌ حقَّ رب العالمين لغيره؛ وكون ذلك المصروف لنبي أو غيره لا ينجيه من الشرك، ولكنه أهون من الثاني؛ فإن عظَّم من لا يُعظَّم بوجه، وهو كالمعاند أيضًا. النصوص الشرعية دلت على نقص هذا وأنه مرذول ومَهِين وهذا عاكسَ الشرعَ وجعله معظماً، فصار شركه أعظم، وإن كان الكل شرك وكفر وضلال. فظهر بذلك صحة ما قاله المصنف وأن شرك مشركي زماننا أعظم وأغلظ من شرك المشركين الأولين؛ لكن الأولين عندهم شبهة أهل الجاهلية وهو أنه معظم في الجملة. والذي يدعو فاسقاً أو كافراً يطلب ممن كان ممقوتاً مذموماً في الشرع ويعبده فكان معانداً للشرع، فاستَويَا في أن الكل شرك، وافترقا فيمن هو معظم في الجملة. والثاني عظم من ليس معظماً بحال فصار أعظم شركاً؛ فإن الأولين لو عظموهم بغير الشرك لكان سائغاً، والفاسق ونحوه لو عظم بدون عبادة له لكان المعظم له عاصياً إذا كان معبودهُ تقام عليه الحدود أو فاسق.

стр. 84

الشبهة التاسعة: قولهم: إنكم تكفِّرون المسلمين ... إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولاً وأخف شركا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهةً يُورِدونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً. ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟. ــ (إذا تحققت) مما تقدم (أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء) يعني من شرك مشركي زماننا (فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا) يدلي بها بعض مَن في زمن المؤلف مِن كون ما عليه مشركو زماننا من الشرك كشرك الأولين؛ بل يقولون إنكم ما اقتصرتم على أن جعلتمونا مثلهم بل زدتم –يريد صاحب هذه الشبهة مما اعترض به من الفروق نفي ما قرره المصنف في هذه الترجمة (وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها) وقد أجاب عنها المصنف ﵀ بتسعة أجوبة، كل واحد منها كافٍ شافٍ في ردها لكن كثّ رها لمزيد كشف وإيضاح (وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله) يعني لا ينطقون بالشهادتين (ويكذبون الرسول) ويمتنعون عن طاعته (وينكرون البعث) ولا يصدقون به (ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً) ولا يصلون ولا يصومون (ونحن نشهد أن لا إله

стр. 85

فالجواب أن لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدَّق رسول الله ﷺ في شيء وكذَّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج. ــ إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟) فكيف تسوُّون مَن يقر بهذه الأمور العظيمة وبين من يجهلها؛ يعني وأنكم سويتم بين المتفارقين وجمعتم بين المختلفين؛ بل ما اقتصرتم، بل جعلتمونا أعظم جهلاً وضلالاً منهم. فعرفت أنهم يعارضون ما قرره المصنف ويقولن لسنا منهم، وأنتم جعلتمونا أعظم منهم، كيف تجعلون من كانت فيه هذه الخصال والفروق كمن ليس فيه منها شيء؟ ويأتيك جواب المؤلف لهم وأن هذه الفروق غير مؤثرة بالكتاب والسنة والإجماع؛ بل هذه الفروق مما يتغلظ كفرُهم بها؛ فإن الكافر الأصلي الذي ما أقر بشيء من ذلك أهون كفراً ممن أقر بالحق وجحده، ولذلك المرتد أعظم كفراً ن الكافر الأصلي في أحكامه. (فالجواب) عما اعترضوا به من هذه الفروق التي زعموا أنها تؤثر؛ أن الفروق منقسمة إلى قسمين: فرق يؤثر، وفرق لا يؤثر. فإنه إجماع أن هذه الفروق لا تؤثر (أن) مخففة (لا خلاف بين العلماء

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام) بالإجماع، يعني أنه ليس بمسلم ولا عنده من الإسلام شعرة؛ فإذا كذبه في واحد وصدقه في الألوف من الصلاة والصدقة ونحو ذلك فهو قاضٍ على تلك الألوف، فإذا كان مَن صدقه في شيء وكذبه في شيء فهو كافر فكيف بالتوحيد الذي هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ ، عمد إلى زبدة الرسالة، وجعل لفاطر الأرض والسماوات شريكاً في العبادة فصرفه له الدعاء الذي هو مخ العبادة وخالصها، إما أن يدعو غيره وحده أو يجعله شريكاً له. فإذا كانت تلك الفروق لا تؤثر فكيف بالتوحيد؟ لكن والعياذ بالله طمس على قلوبهم الشركُ، وامتزجت به؛ فإن أهل هذه الشبهة من أهل الجهالات والضلالات؛ فإن صاحب النظر المنصف إذا نظر في أهل هذه الشبه لقِيَهم مفاليس من العلم بالمرة (وكذلك إذا آمن بالقرآن وجحد بعضه) ولو حرف حرف واحد، أنكره وجحده، أو جحد شيئاً مما ثبت عن النبي ﷺ ، فهو كفر ظاهر؛ أي كفرٌ فوق كفرِ تكذيبِ الله ورسوله (كمن أقر بالتوحيد) لفظاً ومعنى (وجحد) فرعاً من فروع الشريعة معلوم أن الرسول جاء به (وجوب الصلاة) الذي يجحد الصلوات الخمس كافر بالإجماع، ولو أنه يفعلها، وجاء بالتوحيد (أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة) ولو كان يؤديها، فهو كافر بإجماع الأمة (أو أقر بهذا كله وجحد الصوم) ولو أنه يفعله، فإنه كافر بإجماع الأمة لتكذيبه الله ورسوله (أو أقر

стр. 87

ولما لم يَنْقَد أناسٌ في زمن النبي ﷺ للحج أنزل الله في حقهم ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمُه ومالُه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ الآية. ــ بهذا كله وجحد الحج) إلى البيت، وإن كان يحج، فهو كافر بالإجماع لتكذيبه الله ورسوله وردِّه إجماع الأمة. (ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج) إلى البيت (أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ) يعني واجبٌ لله على المستطيع من الناس أن يحج ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني ترك ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١ فدل على أن ترك ذلك كفر؛ فمن جحد ذلك فقد كفر؛ فدلَّ على فريضة حج البيت؛ فدل على أن الذي لا يعتقد ذلك كافر وهذا بخلاف العاجز. وكذلك منع الزكاة بخلاً بخلاف الجاحد. فأما ترك الصلاة تهاونا فاختيار أحمد وحكى إسحاق بن راهويه كفرَه بالإجماع. (ومن أقر بهذا كله وجحد البعث) أي جحد بعث هذه الأجسام بعد بلائها وإعادة أرواحها إليها يوم القيامة (كفر بالإجماع) بإجماع

стр. 88

فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن مَن آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا. ــ أهل العلم (وحل دمه وماله) ولم ينفعه الإقرار بما أقر به كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ الآية١ فصرح الله تعالى في هذه الآية أنه الكافر حقاً؛ فدل على أنه لا يشترط أن لا يكون كفراً إلا إذا كفر بجميع ذلك كله؛ بل هذا كفر نوعي؛ فإن الكفر كفران: كفر كلي، وكفر نوعي. ولا فرق بينهما؛ من كفر ببعض فكمن كفر بالكل لا فرق. (فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا) وبهذا ظهر واتضح أنه يوجد فروق ولكن لا تؤثر؛ فإن الردة ردتان: ردة مطلقة وهي الرجوع كما جاء به الرسول جملة، والثاني أن يكفر ببعض ما جاء به؛ فإنه إجماعٌ بين أهل العلم أن الذي يرتد عن بعض الدين كافر؛ بل يرون أن الاعتقاد الواحد والكلمة الواحدة قد تُخرِج صاحبها عن جملة الدين. وبهاذ انكشفت الشبهة وعرف أن التفريق بالفروق التي ذكرت من الفروق التي هي غير مؤثرة.

стр. 89

ويقال أيضاً: إن كنت تُقّرّ أن من صدق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا يجحد هذا ولا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج. ــ (ويقال أيضاً) هذا جواب ثانٍ للشبهة السابقة (إن كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا يجحد) الخصم (هذا) لا ينكر ما قرر من وجوب هذه المذكورات ولا يستقيم الإسلام، بل ينتقل الإسلام كله ويزول من أساسه١ (ولا تختلف المذاهب فيه) لا تختلف المذاهب في أن جَحْدَ وجوبِ واحدٍ منها كافٍ في انتكاس العبد وأنه كافر بالإجماع (وقد نطق به القرآن كما قدمنا) أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً (فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم) من فريضة (من الصلاة والزكاة والصوم والحج) وتصديقه بكل ما جاء به الرسول ﷺ لا ينفعه ولا يجدي عليه.

стр. 90

فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كَفَر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! ــ (فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر) ؟! فإذا كان هذا فيمن جحد واحداً من أركان الإسلام فكيف بمن جحد التوحيد الذي هو أساس الملة والدين؟ فإنه أعظم، فلا ينفعه تصديقه بكل ما جاء به الرسول ﷺ حيث جحد الأصل، إذا صار حَجْدُ فرعٍ من فروع الدين كفراً فكيف بجحد الأصل وهو التوحيد؟ فلو قدر –وهو لا يكون- أن هذه الفروع كلها من الصلاة وما بعدها مهوب معصية ولا عظيمة لكان جحد التوحيد كفراً برأسه. فكيف وهو الأصل؟ فإن هذا الجهل بمكان١ لا يجحد هذا الخصم أنه يُخرج من الإسلام بمفرده؛ يجعلون من يهدم أساسَ الدين صباحاً ومساءً أنه مسلم لكونه يدعي الإسلام؛ والذي يجحد وجوب الزكاة ولو كان يؤديها كافر بالإجماع! (سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل!) فإن جهل هؤلاء من أعجب الجهل، كونُ الواحدِ منهم يقر أن جحد الصلاة كفر بالإجماع أو جحد غيرها من أركان الإسلام كفر وجحد التوحيد ليس بكفر؟! فلو قدِّر أنها لا تكفِّر –وهو لا يقدر- فالتوحيد وحده يكفر؛ والدليل أن الأصل لا يزول بزوال الفرع بخلاف الفرع فإنه يزول بزوال أصله؛ كالحائط والشجرة إذا زال أصله زال فرعه.

стр. 91

ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويؤذِّنون ويصلون. فإن قال إنهم يقولون إن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب؛ إذا كان مَن رفعَ رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابياً أو نبياً إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، سبحان الله، ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ــ فالحاصل أنه لو قدر أن التوحيد بعض المذكورات لكان جحده كفراً، فكيف وهو أساس ذلك كله؟! بل التوحيد قد يكفي وحده في إسلام العبد ودخوله الجنة؛ فإنه إذا تكلم بكلمة التوحيد ثم توفى قبل وجوب شيء من الفروع عليه كفى التوحيد وحده؛ فالتوحيد ليس فقيراً إليها بل هي الفقيرة إليه في صحتها. فلا أعجب ولا أقبح ولا أعظم ممن جهل هذا، فإذا كان مقراً أن من جحد شيئاً من هذه الفروع فهو كافر، وهو لا يجحد هذا، وإذا جحد التوحيد الذي هو الأصل وما بعده فرع عنه لا يكفر، فلا أعجب مِن جَهْلِ مَن جَهلَ هذا. (ويقال أيضاً) هذا جوابٌ ثالث (هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ (قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسول الله ويؤذنون ويصلون١ فإن قال) المشبه (إنهم يقولون إن مسيلمة نبي) يعني كفَّرهم لقولهم مسيلمة نبي (قلنا) نعم (هذا هو المطلوب) هذا هو مطلوبنا، فهؤلاء ما صدر منهم إلا أنهم قالوا إنه نبي، فجنوا على الرسالة وصار مبطلاً توحيدهم ودينهم (إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة) ولا الصيام ولا الأذان؛ وأنت تقر بهذا، وهذه جريمةٌ: رفعُ مخلوقٍ إلى رتبة مخلوق (فكيف بمن) جنى على الرسالة فكيف بمن جنى على الألوهية؟ فالذي يعبد مع الله غيره قد جنى، بل لا أعظم من جنايته (رفع شمسان٢ أو يوسف

стр. 93

ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار كلُّهم يدّعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما. فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟! أتظنون أن الصحابة يكفِّرون المسلمين؟ أتظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يُكَفِّر؟ ــ أو صحابياً أو نبياً في رتبة جبار السماوات والأرض) يعني هذا أولى بالكفر والضلال لأنه صرف للمخلوق من أنواع العبادة ما لا يستحقه إلا الخالق. وهذا من قياس الأولى يعني إذا كان جنس ما احتجوا به كفر فبطريق الأولى هذا. فهذا رد عليهم من نفس ما احتجوا به، وإلا فالأدلة في ذلك معلومة (سبحان الله ما أعظم شأنه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) كهذا الطبع على قلب هذا الجاهل كيف يتصور أن من رفع رجلاً إلى رتبة رجل فهو كافر وإذا رفع رجلاً في رتبة جبار السماوات والأرض لا يكفر؟! (ويقال أيضاً) هذا جوابٌ رابع للشبهة السابقة في قوله: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ... إلخ. (الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار) وهم من الشيعة

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الغالية من أصحاب علي، زادوا في محبته وتعدَّو الحد، وذلك بدسيسة ناس من أصحابه منافقين دسُّوها ليفسدوا على الناس دينهم أتباع عبد الله بن سبأ؛ ادعى الإسلام وأراد أن يفتكِ بأهل الإسلام ويُدخلهم في الشرك –تعدَّوا الحد في محبة علي وتعظيمه حتى ادعوا فيه الإلهية (كلهم يدعون الإسلام) ويعلمون أعمال الإسلام (وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن) ظهرت منهم المقالة الردية (اعتقدوا في علي) الإِعتقاد الباطل؛ اعتقدوا فيه السرِّ- يعني الألوهية (مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما) كعبد القادر والعيدروس؛ كاعتقاد أهل زماننا في غيرهم. فلما رأى ذلك منهم عليٌ ﵁ خَدَّ لهم أخاديد عند باب كِندة، واضرم فيها النيران وقذفهم فيها من أجل مقالتهم فيه، وقال: لما رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً ... أجَّجت ناري ودعوتُ قنبراً فهذا الأمر من علي ﵁ وافقه عليه جميع الصحابة، ورأوا أنهم مرتدون وأن قتلهم حق، وابن عباس كغيره في ذلك إلا أنه قال: لو قتلتم بالسيف. وقال: يعذَّب بالنار إلا ربُّ النار. وعلي ﵁ فعلُه مزيدُ اجتهادٍ منه؛ رأى تحريقَهم لغلظ كفرهم كما حرَّق أبو بكر بعض المرتدين. (فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أتظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟) فحينئذٍ إذا تحققت وعلمت أن هذا صدر

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من علي على وقت الصحابة فيلزم أهل هذه الشبهة أحد ثلاثة أمور: إما أن يقولوا إن الصحابة غلطوا وأخطؤوا وكفَّروا المسلمين، وقتلوا من لا يستحق الكفر والقتل وهم على ضلالة. وهم لا يقولون ذلك لوضوحه في السير والتأريخ. وإن قالوه في الصحابة فهو كافٍ في الرد عليهم؛ لأنهم صاروا من الخوارج الذين يكفِّرون الصحابة ويسبوهم، أو يقولن حاشاهم من تكفير المسلمين ومن قصد ظلمهم أو الاجتماع على غلط. وإما أن يقولوا إن الاعتقاد في تاج وأمثاله والتوسُّل بالصالحين وسؤالهم قضاءَ الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفَّر، وهم لا يقولون ذلك، فإن قالوا إنه لا يكفر كفى أنه كفر وشرك، وظهر عظيم جهلهم لفضل علي على هؤلاء بما لا نسبة فيه. فلو كان مسامحة في دعوة غير الله أو يكون أسهل لكانت دعوة علي. فحينئذٍ يلزم الأمر الثالث، وهو أن يذعنوا ويسلمون أن مَن تعلَّق على غير الله بأي نوع من أنواع العبادة فهو كافر خارج من الملة مرتد، أغلظُ كفراً ممن ليس معه هذه الأعمال، وأن إقراره بالشهادتين والصلاة والزكاة ونحو ذلك فرق غير مؤثر وغير نافع، فظهر بذلك أنهم ضُلاَّل في تشبيههم وترويجهم؛ فإن الغالية في علي ما اعتقدوا فيه إلا مثل الاعتقاد في تاج وأمثاله من هذه الأصنام. وإن قالوا: ليس من الغلو ففي باب أول الكتاب ما يبين أنه

стр. 96

ويقال أيضاً: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. ــ من الغلو بعبادة المخلوق مع الله. (ويقال أيضاً) هذا جواب خامس للشبهة السابقة (بنو عبيد القداح) الذين ادَّعَوا أنهم فاطميون وساعدهم على ذلك من ساعدهم وهم أدعياء ليسوا بفاطميين –أبوهم وقصة تزوّجه المرأة وتأريخهم معروف١ (الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس) وطالت لهم يَدٌ أيضاً على الحرمين؛ ملوكهم يُسمًّون الحاكميين؛ الحاكم فلان والحاكم فلان (كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة) وينصبون القضاة والمفتين (فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه) كاستحلال بعض المحرمات مثل تجويزهم الجمع بين الأختين (أجمع العلماء) في وقتهم (على كفرهم وقتالهم) ولا جعلوا الشهادتين والصلاة والزكاة والجمعة والجماعة فرقاً مؤثراً، بل رأوه لاغي

стр. 97

ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب (باب حكم المرتد) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ ثم ذكروا أنواعاً كثيرة، كلُّ نوع منها يكفِّر ويُحِلّ دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند مَن فعلها مثل كلمة يقولها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. ــ وذلك أنه وُجِدُ مُكفِّر فلم ينفعهم ما هم فيه (و) أجمعوا في وقتهم على (أن بلادهم بلاد حرب) وأن جهادهم أفضل جهاد. (وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين) وصنف ابن الجوزي كتاباً سمَّاه: النصر على مصر. فكيف بما نحن فيه من التظاهر بدين الإسلام مع نقض أساس الملة بعبادة غير الله؟ ولا فرق بين من يكون كفره عناداً أو جهلاً؛ الكفر منه عناد ومنه جهل. وليس من شرط قيام الحجة على الكافر أن يفهمها، بل من أقيمت عليه الحجة مثل ما يفهمها مثله فهو كافر سواء فهمها أو لم يفهمها، ولو كان فهمُها شرطاً لما كان الكفر إلا قسماً واحداً وهو كفر الجحود؛ بل الكفر أنواع، منها الجهل وغيره، المقصود أن العلماء أجمعوا على قتالهم وكفرهم والأمة لا تجتمع على ضلالة. وبذلك عرفت انكشاف هذه الشبهة؛ وهو أن النطق بالشهادتين لا يكفي مع ما انظمَّ إليه من فعل الطاعات إذا وُجِد أحد المكفِّرات. (ويقال أيضاً) هذا جواب سادس على الشبهة السابقة (إذا كان

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن) يعني وتكذيبه (وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب) المذاهب الأربعة وغيرها (باب حكم المرتد) وعرَّفوه بتعاريف (وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه) فهذا المذكور في هذا الباب إجماعٌ منهم أنه يخرج من الملة، ولو معه الشهادتان، لأجل اعتقادٍ واحد أو عمل واحد أو قول واحد يكفي بإجماع أهل العلم لا يختلفون فيه، وأنه ليس المرتد الذي يخرج عن الإسلام بالمرة، بل هو قسم والقسم الآخر هو ما تقدم (ثم ذكروا أنواعاً كثيرة) ومثَّلوا له أمثلة (كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله) وقالوا: من قال كذا أو اعتقد كذا فهو كافر، وأنه لا ينفعه جميع ما عمل به (حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يقولها بلسانه دون قلبه أو كلمة يقولها على وجه المزح واللعب) حتى إن بعض أهل المذاهب يكفرون من صغَّر اسم المسجد أو المصحف. وما ذكروه وعرفوه هو في الجملة: يُوجد أشياء يكون بها الإنسان مرتداً ولو نطق بالشهادتين وصلى، بل ولو أضاف إلى ذلك ترك المحرمات وأتى بمكفِّرٍ هدم جميع ما معه الإسلام؛ فإن وجود المكفرات التي يصير بها الرجل مرتداً كثيرة لا تحصر. والواحد من أسباب الردة كونه يجعل له واحداً من حق رب

стр. 99

ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . ــ العالمين كافٍ في كفره، وكونه اتخذ إلهاً ولو ليس من كل وجه، بل يكفي كونه جعله يصلح لحق رب العالمين؛ فلهوب من شرط المرتد أن يجمع بين أطراف الردة، أو يجمع الشركيات، أو أن رب العالمين ومعبوده واحد في جميع ما يستحق. وبهذا تنكشف شبهته؛ وهو أنه ولو نطق بالشهادتين وصلى وصام فإنه يصير به مرتداً ويصير أسوأ حالاً ممن لم يكن معه أصل الإسلام عند جميع العلماء. والصحيح من قولي العلماء أن كفار هذه الأزمان مرتدون؛ فكونهم ينطقون بلا إله إلا الله صباحاً ومساءً وينقضونها صباحاً ومساءً، فلا إله إلا الله يدخل بها في الإسلام في الجملة. والقول الثاني أنهم كفار أصليون؛ فإنهم لم يوحِّدوا في يوم من الأيام حتى يُحكَم بإسلامهم. (ويقال أيضاً) هذا جواب سابع عن شبهتهم السابقة. والأجوبة السابقة ظاهرة لك في كشف تلك الشبهة (الذين قال الله فيهم:

стр. 100

فهؤلاء الذين صرَّح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح. فتأمَّل هذه الشبهة، وهي قولهم: تكفِّرون من المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون؛ ويصومون ثم تأمل جوابها؛ فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. ــ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ١ أما سمعت الله كفَّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون) وينطقون بالشهادتين، ويدينون دين المسلمين في الظاهر، فكيف بمن جعل الأنداد مُعاذَه وملاذه وملجأه في الرغبات، كما هو الوقع من القبوريين والعياذ بالله، فلسانه يقول لا إله إلا الله وعمله يقول لا إله إلا فلان (وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢ فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح) كفروا بسبب كلمة واحدة، وهم يعملون الأعمال الشرعية ويعملون أعمال المسلمين، فصاروا بها كفاراً بعد إيمانهم؛ لمَّا صدر منهم شيء واحد صاروا كفار مرتدين. فبهذا تنكشف شبهة

стр. 101

ومن الدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول أناس من الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط" فحلف رسول الله ﷺ أن هذا مثل قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ . ــ المشبِّه بهذه الشبهة. (فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفِّرون من المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، ثم تأمل جوابها) يعني ما ذكره المصنف عليها من الأجوبة (فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق) فإنه من أنفع ما ذكره المصنف في هذا المؤلف؛ وذلك لأنها شبهة قد تروج على مَن لا يعرف ولا يفهم فيظن أن ما ذكره المشبه فروقاً مؤثرة؛ وبما ذكره المؤلف ﵀ يتبين لك أنها فروق غير مؤثرة فإن أهل العلم مجمعون على أن هذه فروق لا تؤثر. (ومن الدليل على ذلك أيضاً) هذا زيادة على الأجوبة السبعة السابقة في كشف شبهته وهي قوله: (تكفرون من المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله ... إلخ) (ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم) والمراد بعلمهم بالنسبة إلى غيرهم في زمنهم؛ يعني أتباع موسى ويقتبسون من علمه ومما جاء به، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فإنه دالٌ على أن صدورَ ذلك منهم عن جهل أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ كأنه أعجب مَن أعجبه منهم واستحسنوه فقال

стр. 102

ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا. فالجواب أن نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا. وهذا هو المطلوب. ــ موسى مُنكِراً عليهم ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١. (وقول أناس من الصحابة) لما مروا بقوم يعلِّقون أسلحتهم على شجرة ويسمونها بهذا الاسم (اجعل لنا ذات أنواط) ٢فأنكر عليهم النبي ﷺ وغلظ هذا الإنكار بأنواع التغليظ (فحلف رسول الله ﷺ أن هذا مثل قول بني إسرائيل ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ) الآيات. (ولكن للمشركين) عند كشف شبهتهم السابقة (شبهة يدلون بها عند هذه القصة) يشبِّهون ويمانعون في كون ذلك دليلاً، قالوا: (وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا.

стр. 103

ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها؛ فتفيد التعلُّم والتحرُّز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فَنُبِّه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاًَ شديداً كما فعل رسول الله ﷺ . ــ فلا يصلح احتجاجكم بالقصتين علينا فإنكم احتججتم بقصتين على تكفيرنا وهم لم يكفروا بذلك. (فالجواب أن نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا) فعدمُ كفرهم لا من قصور أن يكون كفراً (وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا) بل استحسنوا شيئاً وطلبوه؛ لو عكفوا على القبور وكذلك لو اتخذوا إلهاً لكفوا؛ هذا لا ينازع فيه أحد ولا ينفع اتباع الرسول والأعمال الأُخَر. فعدم كفرهم ليس من قصور العمل عن أن يصل إلى التكفير. يعني أن وجه أحتجاجنا هو بتقدير الفعل؛ لو صدر لكان كفراً، فكان احتجاجاً في محله ولكنهم لم يفعلوا وإلا لو فعلوه لكان كفراً. فسلم لنا الاحتجاج بالقصتين عليكم. (ولكن هذه القصة) قصة بني إسرائيل وقصة الذين سألوا النبي ﷺ (تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنها) إذا كان السائل في القصة مع نبي وهو موسى وهم أوسع علماً منه، والسائل في القصة الثانية مع نبي وهم أعلم وأقدم فضيلة، استحسنوا ذلك ظناً منهم أن الله يحبه وأنه من العبادات التي يُتقرَّب بها إلى الله، فكيف بمن دونهم؟ (فتفيد التعلم) تعلم أسباب النجاة فإنه لا نجاة إلا بالعلم ومعرفة الضد والشر لغيره؛ يعرف الشرك وأقسامه ووسائله وذرائعه ليسلم من الوقوع فيه كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال حذيفة ﵁: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني". تعلمنا الشرَّ لا للشرِّ لكن لتوقِّيه ... من لا يعرف الشر يقع فيه (والتحرز) يعني اتهام العمل أن يكون داخله شيء من الشرك؛ بل يجعل على باله هل أخلص قبل دخوله فيه، وتفقد النفس ولحظاتك فيمن هي (ومعرفة أن قول الجاهل التوحيد فهمناه أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان) وهذه الكلمة قد صدرت من بعض الطلبة لما كثر التدريس في التوحيد متنه أو كتب نحوه سئموا وأرادوا القراءة في كتب أخرى. وقيل إنه من المرسلين؛ فنقم عليه المصنف في هذا القول؛ يعني أنك ما فهمته حتى الآن؛ فقال الشيخ ﵀ ذلك لينبههم. ففي هذه القصة الرد عليهم فإن هؤلاء أهل علم وصدر منهم ما صدر. فلا يزهد في التوحيد فإن بالزهد فيه يقع في ضده، وما هلك من هلك ممن يدعي الإسلام إلا بعدم إعطائه

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حقه ومعرفته حق المعرفة وظنوا أنه يكفي الاسم والشهادتان ولم ينظروا ما ينافيه وما ينافي كماله هل هو موجود أو مفقود؟ وهذا كله من عدم التحرز والمعرفة ألفاظ التوحيد لفظة لفظة. من الذي عرف التوحيد كل المعرفة؟ أصله ولله الحمد معروف لكنْ له أقسامٌ وفروع وشعب، وضده الشرك له فروع. ومما يذكر عن المؤلف أنه يوماً قال: يذكر البارحة أنه وُجِد رجل على أمه يجامعها، فاستعظم المحضر ذلك وضجوا منه، رأوا أنه منكر كبير، وهو كبير. ثم قال مرة أخرى إن واحداً أصيب بمرض شديد فقيل له: اذبح "دييك" لفلان –وليّ- فلم يستعظموه. ثم بين لهم أن الأول فاحشة يبقى معها التوحيد والآخر ينافي التوحيد كله، وهذا لم يستعظموه مثل هذا! وهذا هو الواقع من أكثر الناس فإن النفوس تستبشع أشياء أعظم من استبشاعها ما هو أمر التوحيد. (وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر) فإن من الأشياء ما قد يخفى ويكون مجتهداً وبعد ما يُبيَّن له يرجع كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ . (وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاًَ شديداً كما فعل رسول الله ﷺ في إنكاره على أولئك في قولهم اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط كما تقدم.

стр. 106

الشبهة العاشرة: من قال لاإله إلا الله يكفر ولايقتل ولو فعل ما فعل واستدلوا بأحاديث ... ولهم شبهة أخرى: يقولون إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وكذلك قوله: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أُخَر في الكفِّ عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قال لا إله إلا الله لا يُكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. ــ (ولهم شبهة أخرى: يقولون إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وكذلك قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أخر في الكف عمن قالها) ١. (ومراد هؤلاء الجهلة) من إيراد هذه الأحاديث والتشبيه بها (أن من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل!) يعني أن النطق بها كافٍ في إسلام العبد. ومرادهم أنكم معشر الموحدين تكفِّرون من يشهد أن لا إله إلا الله ... إلخ. وهذا من عظيم جهلهم وعمايِتهم؛ يرون أن الدين رسومٌ فقط، ما دَرَوا أن لها أرواحاً ومعانيَ؛ لها معاني هي المرادة، الألفاظ قوالبُ جثة والمعاني روح. ويأتيك كشفها ومراد النبي ﷺ من هذه الأحاديث وأنه لا كما ظنوا وزعموا.

стр. 107

فيقال لهؤلاء المشركين الجهَّال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله. وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام. وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁. ــ (فيقال لهؤلاء المشركين الجهال) في الجواب عن ذلك (معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود) في عدة مواطن (وسباهم) أخذ نساءهم مماليكَ وعبيدَ كالصنيع بسائر الكفار (وهم يقولون لا إله إلا الله) فلا منع قولُ لا إله إلا الله من قتالهم وسبيهم؛ فدل على أن مجرد قول لا إله إلا الله لا يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير ويكونون كفاراًَ: إما لعدم العلم بها، أو العمل بها، أو وجود ما ينافيها. فلابد مع النطق بها من أشياء أخر؛ أكبرها معرفة معناها والعمل به. (وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام) ومع ذلك قاتلوهم، وسبوا حريمهم وذراريهم، مع قولهم لا إله إلا الله ... إلخ، لأجل مُكِّفراتٍ أُخَر. (وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ مع صلاتهم وادعائهم الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، ولكن وقع منهم الغلوُ في علي وتجاوُز الحد في تعظيمه حتى اعدوا

стр. 108

وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقُتل ولو قال لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟! ــ فيه الإلهية. فإنه ليس المراد اللفظ بل اللفظُ وإقرارٌ وعملٌ؛ فإن حصل فهو مع لا إله إلا الله وإلا فإنه ما جاء إلا بلفظِها فقط؛ وروحُها وحقيقتها مفقود. فلا إله إلا الله ينقضها أشياء ليست هي من ذاتها؛ مما ينفي لا إله إلا الله مسبةُ الرسول، ورميُ أزواجه بالإفك. كلُ واحدٍ منها ينقض هذه الكلمة العظيمة فكيف بنفيها نفسها من عبادة غير الله وجعل الأوثان قبلة قلب صاحبها؟! بل هذا أسوأ حالاً ممن يمتنع عن النطق بها؛ لأنه يُؤخذ بأنه دخل الإسلام ثم ما يوجد منه يفيد أنه انتكس عما تسمَّى به؛ فيكون مرتداً، والمرتد أعظم حكماً من الكافر الأصلي: منها أن مالَه فيء؛ إلى آخر أحكام المرتدين؛ بخلاف اليهودي والنصراني والمجوسي فإنهم يتوارثون بينهم. هذا من تغليظ كفره لأنه عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي فصار أغلظ ممن لم يقر أصلاً. (وهؤلاء الجهلة) المشركون (مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله) ولم تنفعه الشهادتان (و) هم مقرون أيضاً (أن من جحد شيئاً من أركان الإسلام) كوجوب الصلاة أو وجوب الصيام (كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟!)

стр. 109

ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث. فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادَّعى الإسلام؛ بسبب أنه ظن أنه ما ادَّعاه إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكفُّ عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: فتثبَّتوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبُّت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبُّت معنى. وكذلك الحديث ــ (ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث) ولا حاموا حولها وعشا على أبصارهم التقليدُ الأعمى والجمود وإحسان الظن بأناس أعرضوا كل الإعراض عن التوحيد، وقلّدوا من ظن أن قول لا إله إلا الله في هذه الأحاديث كافٍ مع الجهل بمدلول لا إله إلا الله. والإنسان إذا أراد أن يطالع في كلام الفقهاء فإنه يجد أن الإنسان إذا أتى بمكفِّرٍ قولي أو اعتقادي فإنه يكفر ولا ينفعه جميع ما تسمَّى به وعمله. والمشركون في هذه الأزمان زعموا أنه لا يكفر إلا من تعلَّق عليها وزعم أنها تستقل بجلب المنافع ودفع المضارّ. وهذا من كبير جهلهم، وهذا بعينه دينُ المشركين الذين ما أُنزِلت جميع الكتب ولا أُرسِلت الرسل إلا لردِّه وإبطاله؛ فإن المشركين الأولين قلَّ منهم من يزعم أن من يلجأ إليه يستقل بجلب المنافع ودفع المضار. (فأما حديث أسامة) يعني وقصته حين قتل الرجل الذي قال

стр. 110

الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أنَّ مَن أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يُناقِض ذلك. ــ لا إله إلا الله (فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك) يعني والحكم الشرعي أنه لا يُقتَل ويجب الكف عنه ما دام في حالةٍ يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً حتى يتبين منه ما يخالف ذلك (وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ أي: فتثبَّتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت) وهو التأني والنظر إلى ما يصير إليه آخر الأمر (فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى) وليس المراد أنه يكف عنه مطلقاً. الناطق بالإسلام إن قامت القرائن أنه إنما قال ذلك ليسلم من القتل فإنها تدوم عصمته حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، فإن تبين منه ما يخالف ذلك قُتل. (وكذلك الحديث الآخر) "أمرت أن أقاتل الناس" (وأمثاله معناه ما ذكرناه) ما ذكره المصنف (أن من أظهر الإسلام والتوحيد
следующие страницы →