مقدمة
...
شرح كتاب كشف الشبهات
تأليف: محمد بن إبراهيم آل الشيخ
جمع وترتيب: محمد بن عبد الرحمن قاسم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فهذا شرح لكتاب "كشف الشبهات"١ للشيخ محمد بن عبد الوهاب -قدس الله روحه- جمعته من تقريرات شيخنا الشيخ/ محمد بن إبراهيم ﵀. كتبتها حال إلقائه الدروس في مسجده وفي بيته من عام ستة وستين وثلاثمائة وألف إلى عام اثنين وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية. وقد تكررت كتاباتي لهذا الشرح ست مرات. أكتب لفظه من فيه في حينه حرصاً على تقييد الفوائد، ومحافظة على أمانة النقل. وإن كان الثقات من العلماء يقتنعون بالنقل عن مشايخهم سماعًا ويحدثون به، كما يقول ابن القيم أحيانًا: وسمعت شيخنا أو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وكما يذكره الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ﵀ عن مشايخه بلفظ: "تقرير" وغيرهما.
وهذه التقريرات التي سمعتها منه وسجلتها في دفاتري كملت بعضها ببعض ورتبتها فتحصل منها شرح واف بالمقصود موجز سهل العبارة ولله الحمد والمنة. ووضعت عناوين في الهامش للشبه وأجوبتها لتسِّهل فهم الكتاب. وجعلت المتن في أعلا كل صفحة. وفصلت بين المتن والشرح. وأعدت فقرات المتن مع الشرح ليكون أوضح من وضعه بصفة تعليق. وذكرت بعض ما روى من الأحاديث، خرجت الآيات، ونبهت على ما يشكل أو يحتاج إلى توضيح.
стр. 2
وقدمت للكتاب بمقدمة وصفت فيها طريقة الشيخ محمد بن إبراهيم في افتتاح الدروس، وبينت حرصه على تعليم التوحيد، وحث الطلاب على تعلمه، وذكرت الفرق بين دين قريش ودين محمد ﷺ ، ثم ذكرت موضوع الكتاب، ثم نص الشبه وملخص الجواب عنها.
стр. 3
طريقة الشيخ في افتتاح الدرس
"الحمد لله رب العالين، والصرة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رجمه الله تعالى":
كان شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ يستفتح الدروس في هذا الكتاب وغيره بهذه العبارة التي فيها الثناء على الله سبحانه، والصلاة والسلام على رسوله وآله وأصحابه أجمعين، ثم يترحم على المؤلفين.
وكذلك الطلاب يستفتحون قراءتهم عليهم في المختصرات "المتون" و"المطولات" كتب الحديث والتفسير والعقائد والفقه والنحو وغيرها بهذه العبارة. يجمعون بين الصلاة والسلام على آله وأصحابه تبعاً للصلاة والسلام عليه؛ لا يقتصرون على الصلاة والسلام على "آله" دون "أصحابه". وإذا تلوا نص الأحاديث اقتصروا على الصلاة والسلام على الرسول ﷺ كما هما موجودان في كتب الحديث ومؤلفات العلماء المعروفين باتباع طريقة أهل السنة والجماعة. وقد نبَّهنا شيخنا ﵀ في تقريراته -وكما يذكر ذلك غيره- على سر الجمع بين الصلاة السلام على آله وأصحابه بأن ذلك تأكيداً لعقيدة أهل السنة والجماعة في معرفة حقوقهم وفضائلهم ومحبتهم، وبراءة من المبتدعين الذميمتين بدعة "النواصب" وبدعة "الروافض" حيث كان الاقتصار على الصلاة والسلام على "آله" دون أصحابه شعاراً للروافض ودعاية لعقيدتهم. هذا بقطع النظر عما يعنون "بآله".
ولم نسمع منه ﵀ في الدروس ولا في الخطب ولا غيرهما بعد ذكر "آله" عبارة "الطيبين الطاهرين" لأن هذه العبارة خبر عن طهارتهم والآية والحديث الواردان في ذلك فيهما الأمر لهم، وفرق بين الأمر والخبر.
стр. 4
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة": والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس فإن هذا من الكذب على الله، كيف ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر، ولأنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ . [الأحزاب: ٣٣] . ففيه أنه يحب ذلك ويرضاه لكم ويأمركم به، فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك.
وقال في موضع آخر: قوله ﷺ : "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". دليل على أنه لم يخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك لا يقتصر على مجرد الدعاء١ ولأنه قال في الدعاء لنفسه والأمة تبع له: "اللهم طهرني من الذنوب والخطايا". ٢
стр. 5
حرصه على تعليم التوحيد، وحث الطلاب على تعلمه
قال شيخنا ﵀: لا يُزهد في التوحيد، فإن بالزهد فيه يوقع في ضده. وما هلك من هلك ممن يدعي الإسلام إلا بعدم إعطائه حقه ومعرفته حق المعرفة، وظنوا أنه يكفي الاسم والشهادتان [لفظاً] ، ولم ينظروا ما ينافيه وما ينافي كماله هل هو موجود أو مفقود؟!
قال: ومما يذكر عن المؤلف ﵀ أنه قال يوماً: يذكر البارحة أنه وجد رجل على أمه يجامعها، فاستعظم المحضر ذلك وضجوا منه رأوا أنه منكر كبير، وهو كبير. ثم قال لهم مرة أخرى: واحد أصيب بمرض شديد، فقيل له: اذبح "دِيَيْكْ" لفلان "وَليٍّ" فلم يستعظموه. ثم بين لهم أن الأول فاحشة يبقى معها التوحيد، والآخر ينافي التوحيد كله. وهذا لم يستعظموه مثل ذاك. وهذا هو الواقع من أكثر الناس فإن النفوس تستبشع أشياء أعظم من استبشاعها ما هو ضد التوحيد.
ولما ذكر المؤلف قصة بني إسرائيل الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ . [الأعراف: ١٣٨] وقصة الذين سألوا النبي ﷺ "أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ ذَاتَ أَنْوَاطٍ" قال: ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، وتفيد أن قول الجاهل: "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. قال شيخنا: إذ كان السائل في القصة الأولى مع نبي وهو موسى وهم أوسع علماً منه والسائل في القصة الثانية مع نبي وهم أعلم وأقدم فضيلة استحسنوا ذلك ظنًّا منهم أن الله يحبه وأنه من العبادات التي يتقرب بها إلى الله.
وهذه الكلمة "التوحيد فهمناه" قد صدرت من بعض الطلبة لما كثر التدريس في التوحيد متنه أو كتب نحوه سئموا وأرادوا القراءة في كتب أخرى. وقيل: إنها صدرت من المراسلين١.
стр. 6
دين قريش ودين محمد ﷺ
عقيدة المشركين ودينهم:
قريش أناس يتعبدون ويحجون ويعتمرون ويتصدقون ويصلون الرحم ويكرمون الضيف ويذكرون الله كثيراً ويعترفون أن الله وحده هو المتفرد بالخلق والتدبير ويخلصون لله العبادة في الشدائد. ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويذبحون لهم وينذرون لهم ويستغيثون بهم ليشفعوا لهم ويسألوا الله لهم زعماً منهم أنهم أقرب منهم إلى الله وسيلة.
فبعث الله محمداً ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇ ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، وأن فعلهم هذا أفسد جميع ما هم عليه من العبادات وصاروا بذلك كفاراً مرتدين حلال الدم والمال، وقاتلهم رسول الله ﷺ ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله.
وانتقد المؤلف والشارح -رحمهما الله- من يدعي الإسلام بل يدعي العلم بل يدعي الإمامة في الدين وهو لا يعرف من كلمة "لا إله إلا الله" إلا مجرد التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. وأن الحاذق منهم الذي يرى أن المراد شيء آخر غير اللفظ يخطئ المعنى المراد ولا يعرفه، يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بأصل الإسلام. هذا أجهل من أبي جهل وأضرابه.
قلت: وسمعت أحد هؤلاء يشرح حديثاً يروى في فضل ليلة النصف من شعبان ونصه: "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن".
стр. 7
ففسر المشرك: بأنه الشخص إذا أتى إلى صاحب القبر وسجد له وسأله جلب نفع أو كشف ضر فهذا هو الشرك.
وقال الشارح أيضاً: كثير ممن ينتسب إلى الإسلام من هذه الأمة ليسوا على الدين إنما معهم اسمه فقط، ولا يعرفون شرك الأولين وشرك أهل هذا الزمان ولو عرفوه لوجدوه هو هو؛ بل شرك مشركي هذه الأزمنة أعظم بكثير١.
وقال المؤلف والشارح في آخر الكتاب: كثير من الناس إذا بين له أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل قالوا: هذا حق، وهذا الذين ندين الله به؛ ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار. ما جهلوا ذلك ولا جحدوه؛ لكن آثروا العاجل والحطام على الآجل. والعياذ بالله.
هذا من أسباب بقاء كثير على الشرك.
ومن أسباب بقاء عامتهم على الشرك أن كثيراً ممن يدعي العلم والإمامة في الدين منهم يشارك عبَّاد القبور في عباداتهم واحتفالاتهم ويأكل من نذورهم.
стр. 8
وإذا شدد الإنكار عليه وانقطعت حجته قال: "هذه مظاهر الكفر" وهذه الكلمة تخفي تحتها أن عقائدهم في التوحيد صحيحة سليمة.
ويعتذر بعضهم عن عامتهم: بأنهم جهال جهال، أو خرافيون، أو صوفية، أو ما قصدوا بعبادة أصحاب القبور إلا الله فلا يخرجون من دائرة الإسلام بهذه الأفعال وأشباه هذه العبادات التي فيها التهوين من شأن الشرك أو تسويغه.
لم يصرح لهم بالتوحيد الذي بعث الله به الرسل ولا بأن ما يفعلونه مثل ما كان يفعل عند اللاَّت والعزى وهبل، بل أعظم، حتى أن بعضهم يحلف بالله كاذباً ولا يحلف بمعبوده إن كان كاذباً١، بل إن بعض ينتسب إلى الإسلام بدلاً من أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله ينشدون:
أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين٢
وإذا أضيف إلى ذلك الشهادة لهم بالإسلام بموجب البطاقة "الهوية" أو بأن آبائهم كانوا مسلمين. فمتى يقلع هؤلاء عن دعاء الأموات والطواف بقبورهم والعكوف عندها وبناء المساجد عليها والذبح والنذر لها وسؤال أصحابها العون والمدد وغير ذلك من الشركيات والبدعيات التي الإسلام والمسلمون حقاً براء منها ومن أهلها؟ ٣ ومتى يدخلوا في الإسلام المبني على خمسة أركان. ويسلم البعض الآخر من الإلحاد في الدين، واتباع طريقة العلمانيين (اللادينيين) ؟ ومتى تصحح عقائد الناشئين، ويعرفوا الفرق بين دين المرسلين ودين المشركين؟ ومن يتحمل إثم الأريسيين؟!!
стр. 9
موضوع كتاب كشف الشبهات
(للشيخ محمد بن عبد الوهاب -قدس الله روحه-)
أما موضوعه فقد عبر عنه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بقوله:
هذا الكتاب جواب لشبه اعترض بها بعض المنتسبين للعلم في زمانه عليه؛ فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لما تصدى لبيان التوحيد والدعوة إليه وتفصيل أنواعه والموالاة والمعاداة فيه ومصادمة من ضاده وكشف شبه من شبه عليه -وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت وبين ما عليه الكثير من الشرك الأكبر- اعترض عليه بعض الجهلة المتمعلمين أزَّهم إبليس فجمعوا شبها شبهوا بها على الناس، وزعموا أن الشيخ ﵀ يكفر المسلمين وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرا١ وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب، وما يميز به المنصف ما عليه الشيخ وأتباعه وما عليه أولئك.
وقدم مقدمة في بيان حقيقة دين المسلمين وما دعوا إليه، وحقيقة دين المشركين وما كانوا عليه. وبين أن مشركي زمانه هم أتباع دين المشركين. اهـ.
стр. 10
ملخص الشبهات وأجوبتها
هذه "الشبه" أجاب المصنف عنها بجواب مجمل، ومثل لذلك بآية ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وأن الشفاعة حق، والأنبياء لهم جاه عند الله. ثم أجاب عن كل شبهة بجواب يخصها أو جوابين أو أكثر.
الشبهة الأولى: أن من أقر بتوحيد الربوبية -أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله- وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا فضلاً عن عبد القادر أو غيره -وإنما قصد من الصالحين الجاه والشفاعة فليس بمشرك.
والجواب: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت وإنما أرادوا مثل ما أردت.
الشبهة الثانية: قوله: إن الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.
الجواب: أن الكفار منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأولياء ومنهم من يدعو عيسى ابن مريم وأمه، ومنهم من يعبد الملائكة، ولا فرق بين المعبودات١ فالكل شرك والكل مشركون، كفر الله من يعبد الأصنام وكفر من يعبد الصالحين والملائكة.
الشبهة الثالثة: أن طلب الشفاعة منهم ليس بشرك.
والجواب: أن هذا هو قول الكفار سواء بسواء ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ليس لهم قصد إلا شيء واحد وهو طلب الشفاعة من رب الجميع، وأنه كفرهم بذلك.
стр. 11
الشبهة الرابعة: نفيهم عبادة الصالحين مع أنهم يدعونهم أو يذبحون لهم ويقرون بأن هذا عبادة وأن المشركين الأولين هكذا كانت عبادتهم. وإن أنكروا أن هذا عبادة أو جهلوا فهذه الآيات والأحاديث تبين ذلك.
الشبهة الخامسة: أن من ينكر طلب الشفاعة من الرسول والصالحين فهو منكر لشفاعة الرسول ومنتقص للأولياء.
والجواب: أن الأمر بالعكس؛ فإن الشفاعة ملك لله ولا تكون إلا من بعد إذنه ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد، وأن طلبها من غير الله شرك وهو سبب حرمانها.
الشبهة السادسة: أن النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنها تطلب منه.
والجواب: إن إعطاءه الشفاعة إعطاءً مقيداً لا مطلقاً، وشفاعته للعصاة لا للمشركين. وأيضاً الشفاعة أعطيها غير الرسول -فلا يدل على أنه يعطيها من سألها ولا أنها تطلب منه.
الشبهة السابعة: أن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فليس مشركاً.
الجواب بالتحدي: يسأل عن الشرك ما هو؟ وعن عبادة الله ما هي؟ فإنه لا يدري ما هو التوحيد، ولا ما هو الشرك الذي وقع فيه.
الشبهة الثامنة: قوله: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.
فيقال له: هل هم يعتقدون أنها تخلق وترزق.
وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره يدعونه ويذبحون له يقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته. فهذا تفسير صحيح لعبادة الأصنام وهو فعلكم بعينه. مع أن الشرك ليس مخصوصاً بعبادة الأصنام.
الشبهة التاسعة: قولهم: إنكم تكفرون المسلمين -تجعلوننا مثل المشركين الأولين ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
стр. 12
ونصدق بالبعث ونصلي ونصوم ونحج ونعتمر -وهم بالعكس- كيف تجعلون من كان معه هذه الخصال وهذه الفروق كمن ليس فيه منها شيء.
وقد أجاب عنها بتسعة أجوبة بين فيها أن هذه الفروق غير مؤثرة بالكتاب والسنة والإجماع، بل هذه الخصال والفروق مما يتغلظ بها كفرهم.
من وجد منه مكفر بأن صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء، أو رفع المخلوق في رتبة الخالق، أو غلا في أحد الصالحين فادعى فيه الألوهية، أو خالف الشريعة في أشياء مثل استحلال نكاح الأختين، أو وجد منه نوع من أنواع الردة، أو استهزأ بالله أو آياته. فهو مرتد، ليس من شرط الردة أن يجمع أطراف الردة أو يجمع الشركيات أو أن رب العالمين ومعبوده واحد في جميع ما يستحق. فإن الردة ردتان: ردة مطلقة، وهي الرجوع عما جاء به الرسول جملة. والثانية: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول.
الشبهة العاشرة: أن من قال: لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. واستدلوا بأحاديث.
والجواب: أنها لا تدل على ما زعم المشبه من أن مجرد قول لا إله إلا الله يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير وهم كفار؛ إما لعدم العلم بمعناها أو عدم العمل بمقتضاها أو وجود ما ينافيها -ومثل لذلك بأن اليهود يقولونها، وأصحاب مسيلمة الذين قاتلهم الصحابة، وكذلك الذين حرقهم علي ﵁، فقولها باللسان لا يكفي في عصمة الدم والمال.
الشبهة الحادية عشر: قولهم: إن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً لجواز الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة. وقد بين المؤلف جهلهم حيث لم يفرقوا بين الاستغاثتين.
الشبهة الثانية عشر: استدلالهم على أن الاستغاثة بالأموات والغائبين
стр. 13
ليست شركاً بعرضها على إبراهيم من جبريل.
والجواب: أن هذه الاستغاثة جنس وتلك جنس آخر، فمن سوى بينهما فقد سوى بين المتباينين.
الخاتمة:
في بيان أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً.
هذا والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
محمد بن عبد الرحمن بن قاسم
٢٤/٤/١٤١٧هـ
стр. 14
كشف الشبهات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم رحمك الله..
ــ
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
ابتدأ المصنف ﵀ كتابه بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز وتأسَّياً بالنبي ﷺ في مكاتباته ومراسلاته؛ فإنه كان يبدأها بالبسملة، وعملاً بحديث "كل أمر ذي بال" أي حال وشأن يُهتم به شرعاً: "لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع".
مقدمة المؤلف
قدَّم المؤلف ﵀ بعد البسملة مقدمة نافعة في بيان حقيقة دين المرسلين وما دعَوا إليه، وحقيقة دين المشركين وما كانوا عليه؛ ليعلم الإنسان حقيقة دينهم عند ورود الشبهات، ويعلم من هو أولى بدين المرسلين من دين المشركين١ ثم ذكر شبهاتهم التي أوردوها عليه، وأجاب عنها حيث قال: وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا ... إلخ. وهي موضوع الكتاب.
(اعلم) هذه الكلمة يُؤتَى بها عند ذكر الشيء الذي له أهمية وينبغي
стр. 15
أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة
ــ
أن يصغي إليه المتعلم، ويتفهَّم ما يُلفى إليه، وما قرَّره المصنف في هذا الكتاب حَقِيقٌ بأن يصغى إليه غاية الإصغاء.
(اعلم) هذا الكلمة يأتي بها المتكلم لقصد التفهم لما بعدها؛ أي: اجمع قُوَاك وحواسك وكن متفهماً لما يلقى إليك بعدها. ولا شيء أعظم من أن يُعتنى به ويُلقى له السمع والقلب أعظم من كلمة التوحيد (عبارة أخرى) .
(رحمك الله) كثيراً ما يجمع المصنف ﵀ بين الدعاء للطالب مع ما قرره ووضحه وهذا من حسن مسلكه ومحبته ورحمته بالمسلمين.
"رحمك الله" أي: غفر لك فيما مضى ووفقك فيما يستقبل.
(أن التوحيد) الذي بعثت به الرسل وأول واجب على المكلَّف علماً وعملاً.
(هو إفراد الله بالعبادة) فأل فيه للعهد. والمصنف كثيراً ما يعتمد هذه العبارة، وهي أحسن التعاريف وأخصرها.
نعرف أن التوحيد ثلاثة أقسام:
الأول: توحيد الألولهية والعبادة؛ وهو المَعنِيّ هنا.
الثاني: توحيد الربوبية؛ وهو العلم والإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر وحده.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات؛ وهو أن يوصف الله بما
стр. 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ في السنة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
والقسم الأول هو مدلول كلمة لا إله إلا الله مطابقة١ وإن كانت قد دلت على القسمين الأولين بطريق التضمّن٢.
"والعبادة" مشتقة من التعبد وهو التذلل والخضوع. يقال: طريق مُعَّبد؛ أي: مذلل قد وطئته الأقدام. وسميت وظائف الشرع على المكلَّفين عبادات لأنهم يفعلونها خاضعين ذليلين.
وفي الشرع لها تعاريف عند العلماء. أحدها ما عرَّفها به شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومنها ما عرفه الفقهاء بقولهم: العبادة ما أُمر به شرعاً من غير
стр. 17
وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده
ــ
اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي.
ومنها ما عرفها به ابن القيم ﵀ بقوله:
وعبادةُ الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان
وداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان
(وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده) عرفه بأنه دين جميع المرسلين من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢ وإن تفرقت شرائعهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ٣ وقال ﷺ : "ألأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد"٤ فدين جميع لرسل واحد والذي بعثوا به هو عبادة الله، والذي بُعثوا به هو الذي من أجله خُلِق الخلق، وهو الذي من أجله أُرسِلت الرسل وأنزلت الكتب.
стр. 18
فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين
ــ
(فأولهم نوح ﵇ نوح هو أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية.
وكان بنو آدم قبله عشرة قرون كلهم على دين الإسلام١.
(أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين) فأول ما حدث الشرك في قوم نوح بسبب الغلو؛ وهو مجاوزة الحد في محبة الصالحين وتعظيمهم فوق ما شرعه الله؛ عظموهم تعظيماً غير سائغ لهم بأن عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، وإن كانوا ما عبدوهم وإنما عبدوا الصور لأنهم لم يأمروهم بعبادتهم، وإن كانوا أيضاً لم يعبدوا الصور إنما عبدوا الشيطان في الحقيقة لأنه الذي أمرهم. وبه تُعرَف مضرة الغلو في الصالحين فإنه الهلاك كل الهلاك، فإن الشرك بهم أقرب إلى النفوس من الشرك بالأشجار والأحجار، وإذا وقع في القلوب صعب إخراجه منها؛ ولهذا أتت الشريعة بقطع وسائله وذرائعه الموصلة إليه والمقربة منه.
والوسائل إما قولية أو فعلية، وهؤلاء غَلَوا فعلاً؛ غلوا بكثرة التردد إلى قبورهم وهذا فيه مشروع لكن زادوا فيه، وغلوا بالعكوف
стр. 19
ودّ وسُوَاع ويغوث ويعوق ونَسْر
ــ
وهو نسفه عبادة ووسيلة إلى عبادة أربابها؛ فلما رأى منهم الشيطان ذلك زين لهم تصويرهم. وهاتان الذريعتان -التصوير والعكوف- من أعظم الوسائل الموصلة إلى الشرك كما تقدم ويأتي.
ثم ذكر المغلوّ فيهم:
(ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) وكانوا أهل خير وعلم وصلاح، فماتوا في زمن متقارب، فأسفوا عليهم وفقدوا ما معهم من العلم، فزيَّن لهم الشيطان التردد إلى قبورهم واللبث عندها، ثم أوقعهم فيما هو أعظم من ذلك فقال ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه صار أهون عليكم من التردد إلى قبورهم واللبث عندها؛ فدلهم على تصوير تماثيلهم وقال إذا فعلتم ذلك كان أشوق لكم إلى الإكثار. من العبادة فكأنكم تشاهدونهم في مجالسهم وعلى حالتهم ولم يكن مفقوداً منهم إلا الأجسام فقط؛ ففعلوا. ثم انقرض ذلك الجيل وأتى جيل آخر لم يدروا لما صُوِّرت تلك الصور، فقال إن مَن كان قبلكم كانوا يستسقون بهم المطر، يعني يسألونهم ويزعمون أنهم يسألون الله لهم. فوقع الشرك في بني آدم بسبب الغلو في الصالحين، فهو الباب الأعظم المفضي إلى الشرك بالله.
ولما أرسله الله إلى قومه فدعاهم إلى عبادة الله وحده ولم يحبه إلا القليل أمره الله بصنع السفينة فصنعها، وأرسل الله على أهل الأرض الطوفان وأغرق جميع من عَصَوه.
ورُوي أن السيل ألقى هذه الأصنام في جدة لما أغرق قوم نوح.
стр. 20
وآخر الرسل محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين.
ــ
ثم بعد مضي سنتين أتى إبليس إلى عمرو بن لحي الخزاعي -وكان رئيس قومه تلك المدة- فقال له: إئت جده، تجد بها أصناماً مُعدَّه، فَرِّقها في العرب، وادعُ إليها تجب، فإنك إذا فعلت ذلك لم تختلف عليك منهم اثنان؛ ففعل -لعنه الله- فعُبِدت.
(وآخر الرسل محمد ﷺ وهو خاتم النبيين كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ وقال ﷺ : "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"٢.
(وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين) المعبودة على عهد نوح ﵇؛ صور ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. فانظر إلى آثار الشرك وعروقه إذا علقت متى تزول وتنمحي؟! فإن هذه الأصنام بقيت من يوم عُبِدت من دون الله حتى بعث محمد ﷺ وكسرها٣،
стр. 21
أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله؛ يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده: مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.
ــ
فالشرك إذا وقع عظيم رفعه وشديد؛ فإن نوحاً مع كمال بيانه ونصحه ودعوته إياهم ليلاً ونهاراً وجهاراً أخذ ألف سنة إلا خمسين عاماً ما أجابه إلا قليل، ومع ذلك أغرق الله أهل الأرض كلهم من أجله، ومع ذلك تلك الأصنام الخمسة مازالت حتى بُعث محمد ﷺ وكسرها.
فيفيدك عظم الشرك إذا خالط القلوب صعب زواله كيف أن أصناماً عُبِدت على وقت أول الرسل وما كسرها إلا آخرهم.
(أرسله الله إلى) قومه قريش ومن يلحق بهم وإلا فهو بعث إلى الناس كافة أحمرهم وأسودهم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (أناسٍ يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً) ويصلون الرحم ويكرمون الضيف ١. ويعرفون أن الله
стр. 22
فبعث الله محمدا ﷺ يُجدِّد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇ ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لا لملَكٍ مقرَّب ولا نبي مُرسَل فضلاً عن غيرهما؛ وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا الله،
ــ
وحده هو المتفرد بالخلق والتدبير ويخلصون في الرخاء١، (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله؛ يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده. مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين) . هذه آفتهم، وهي اتخاذهم وسائط بينهم وبين الله. فعبادتهم لا تنفعهم إذ جعلوا لله شريكاً في العبادة؛ فهذا أفسدَ جميع ما هم عليه من هذه العبادات وصاروا بذلك كفاراً مرتدين حلال الدم والمال. فهذه هي عقيدة المشركين الأولين وهذا دينهم.
فأهم شيء معرفة دين المسلمين فيُتَّبع، ومعرفة دين المشركين والشياطين فيُجتَنَب؛ فإن من لا يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام. وللشيخ ﵀ مؤلَّفٌ في مسائل الجاهلية. فاعرف حقيقة دين المشركين كلمة كلمة وفقرة فقرة واعرف تفاصيلها، ويأتي بعضها وبعض تفاصيلها بأدلة معروفة.
(فبعث الله محمدا ﷺ وهم على تلك الحالة (يجدِّد لهم) ما اندرس
стр. 23
ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
ــ
واخلولق من (دين أبيهم إبراهيم ﵇ فإن قريشاً ومَن يليهم ذريتُه وورثته، وكانوا على هذا الدين الحنيف ولكنه اندرس واخلولق فيهم بسبب عمرو بن لحي بعد أن استخرج الأصنام وفرقها في العرب وغيَّر عليهم التلبية فتغير بسبب ذلك١.
(ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد) الذي يباشرون به الآلهة (محض حق الله) خالص حق الله من العبادة (لا يصلح منه شيء لا لملكٍ مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما) وإذا كان لا يصلح لأهل الدين والفضل فمَن دونهم بطريق أولى، فلا يُعتَقد ولا يُطلب ولا يُقصَد إلا الله تعالى، ولا يوسَّط من الخلق أحدٌ بينه وبينهم ولا يُتقَرَّب به، ولا يصلُح ولا يدنو من أن يصلح لبشر من حق رب العالمين شيء. وبهذا تعرف دين قريش ودين محمد ﷺ .
(وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره)
стр. 24
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ
ــ
فهم مُقرُّون مذعنون بتوحيد الربوبية، لم ينازعوا فيه، ولا جاءهم الخللُ من ذلك؛ فهم يعرفون الله ويفعلون أنواعاً من العبادات، إنما نازعوا في توحيد العبادة، وجاءهم الخلل بجعل الوسائط شركاء مع الله في العبادة زعماً منهم أنهم أقرب منهم إلى الله وسيلة. هذا هو شركهم الذي صاروا به كفاراً مرتدين.
فحقيقة دين قريش قبل مبعث النبي ﷺ أنهم يتخذون شفعاء؛ يدعونهم ويذبحون لهم ويهتفون بأسمائهم، يقولون لسنا أهلاً لسؤال الله، فيتخذون وسائط أقرب منهم إلى الله ليشفعوا لهم ويسألوا الله لهم! فأخبرهم النبي ﷺ أن هذا محض حق الله لا يصلح منه شيء لغير الله. أما توحيد الربوبية فهم معترفون به.
(فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 25
َلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وغير ذلك من الآيات.
ــ
وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ سيجيبونك إذا سألتهم أن الذي يفعل ذلك هو الله ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١ الشرك به في ألوهيته وعبادته، وقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ ملك له ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ المالك لها وحده هو الله ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وتستدلون بها على أنه المستحق أن يُعبَد إذا كانت ملكه وليس لهم فيها شركة، فتفردونه بالعبادة وتتركون مَن سواه من العباد الذين ليس لهم من الملك في الأرض ومن فيها ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ يعني وحده فإنهم ما أشركوا في الربوبية إنما أشركوا في الألوهية بجعلهم الوسائط ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢ أي كيف تُخدَعون وتُصرفون عن طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده الخالق المتصرف.
(وغير ذلك من الآيات) الدالة على إقرار المشركين بالربوبية كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
стр. 26
فإذا تحقَّقت أنهم مقرون بهذا ولم يُدخِلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً؛ ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى.
ــ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وهذا مما احتج به تعالى عليهم؛ احتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته على ما جحدوه من توحيد العبادة؛ فإن توحيد الربوبية هو الأصل وهو الدليل على توحيد الألوهية، فإذا كان الله تعالى هو المتفرِّد بخلق السماوات والأرض لم يشرك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. فكونه هو الخالق وحده يقتضي أن يكون هو المعبود وحده؛ فإنه من أبعد شيء أن يكون المخلوق مساوياً للخالق أو مستحقاً لما يستحقه الخالق، فلا يُسوَّى ولا يُجعل مَن لا شركة له في شيء شريكاً لمن هو مالك كل شيء، فإقرارُهم بالربوبية ناقص، لو كان حقيقة لعملوا بمقتضاه، لو تمَّموا أنه الخالق وحده الرازق وحده لما جعلوا له نداً من خلقه؛ لكنه مع ذلك فيه ضعف؛ لو أنه تام لما تخلَّف عنه إفراده بالعبادة.
(فإذا تحقَّقت أنهم مقرون بهذا) إذا تحققت مما تقدم أنهم مقرون بتوحيد الربوبية وأنه لم يدخلهم في الإسلام لم يكونوا مُوحِّدين بل
стр. 27
وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ .
ــ
كانوا مشركين، دليل ذلك الآيات المتقدم ذكرها.
(وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه) وصاروا بجحده كفارا حلال الدم والمال (هو توحيد العبادة) .
إذا تأمَّلت ما مرَّ من إذا تحققت وما عطف عليها أنه ليس توحيد الربوبية كافياً في الدخول في الإسلام، وأنه لابد من ثمرته وهو توحيد الألوهية، وأن التوحيد الذي أشركوا فيه ولم يخلصوا فيه هو توحيد العبادة (الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد) فيقولون: فلان فيه عقيدة، يعني الصلح أن يعتقد فيه أنه ينفع؛ إذا ادَّعوا في شخص الاعتقاد، يعني الادعاء فيه الألوهية (كما كانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً) يعني المشركين الأولين يدعون الله ليلاً ونهاراً.
(ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى) من الأولين في بعض الأحيان من يدعو الملائكة ... إلخ. هذا هو حقيقة شركهم فقط؛ فحقيقة دينهم أمران:
الأول: أنهم يزعمون أن هذا شيء يحبه الله.
الثاني: أنها تقربهم إلى الله زلفى؛ فتقرَّبوا إلى الله بما يبعدهم منه.
(وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إخلاص العبادة لله وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ١) قيل: المراد بالمساجد أعضاء السجود، وقيل: المراد بها المبنية للصلوات. والكل حق؛ فالمساجد بُنِيت ليوحَّد اللهُ فيها ولا يُعبَد فيها سواه، والأعضاء خلقت ليُعبد بها ولا يعبد بها سواه ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ هذا عمومٌ داخلٌ فيه جميع المخاطبين من الأنبياء وسائر المكلَّفين. و (أحداً) نكرة؛ لا حجر ولا شجر، ولا نبي ولا ولي.
(وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ ) فهو الحق، ودعوته وحده هي الحق، وهو المستجيب لداعيه كما قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
( ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٢) وهذه من صيغ العموم؛ تشمل الأنبياء والأولياء والصالحين. (شيء) نكرة؛ فشملت أي نوع وجنس؛ فعمَّت المدعو وعمت المطلوب؛ فأي مدعو لا يستجيب من أي شيء كان، وأي مطلوب لا يحصل من أي شيء كان، فما سواه باطل ودعوتهم باطلة؛ فإنهم ما بين ميت وغائب وحاضر لا يقدر قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
стр. 29
وتحقَّقت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاءُ كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يُدخِلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعَتهم والتقرُّبَ إلى الله بذلك هو الذي أحلَّ دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيدَ الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإِقرار به المشركون.
ــ
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآية.
فدعاؤهم كما أنه شركٌ فهو ذاهبٌ ضيَاع وخَسار، فالمشركُ أضل الناس وأغبنُهم صفقةً في الدنيا والآخرة.
(وتحققت) مما تقدم (أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخِلهم في الإسلام وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء
стр. 30
وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله.
فإن الإله عندهم هو الذي يُقصَد لأجل هذه الأمور؛ سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً، لم يريدوا أن
ــ
يريدون شفاعَتهم والتقرُّبَ إلى الله بذلك هو الذي أحلَّ دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيدَ الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإِقرار به المشركون) إذا تأملت ما مرَّ من قوله (إذا تحققت) وما عُطِف عليها، تبيَّن لك التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون، وعرفت حقيقته؛ أنه توحيد الألوهية والعبادة.
عبارة أخرى: فإذا عرفت إقرارهم بالربوبية هان عليك ما عليه المتأخرون واتضح لك دين المرسلين من دين المشركين.
(وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله) لم يكتفِ بذكر التوحيد بل صرَّح لك بكلمته فقال: (هذا التوحيد) هو مدلول هذه الكلمة لا إله إلا الله؛ يعني أن يكون الإله المعبود هو الله وحده دون كل ما سواه، هذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله مطابقة١ وهي التي وُضعت له، واشتملت على ركنين: النفي، والإثبات؛ نفي الألوهية عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله وحده. ومعناها لا معبودَ حق إلا الله وحده؛ كلُ معبود سوى الله فعبادتُه وتألُّهه أبطل الباطل وأضلُّ الضلال.
(فإن الإله عندهم) أي عند أهل اللسان من قريش وغيرهم
стр. 31
الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد.
فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال
ــ
الذين بُعث فيهم النبي ﷺ وخاطبهم بقوله: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" (هو الذي يقصد) بالذبح والنذر والدعاء ونحو ذلك (لأجل هذه الأمور) وهي طلب الشفاعة والتقريب إلى الله (لم يريدوا أن الإله) إذا قالوا إله أنه –يرزق حقيقة؟ لا. هذا يكذبه القرآن، بل جاء القرآن بأنهم يقولون يصلحون وينفع إذا اعتقد فيه وأنه يتصرف بالشفاعة عند رب الجميع. نعم في آخر الزمان يعتقدون أنه يفيض عليه من بركته- هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده) كما تقدم ذلك بأدلته من الكتاب كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية ونحوها (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد) إذا قالوا هذا سيد، يعني إله، وإن لم يستشعروا هذا اللفظ، لكن المعنى أنه يصلح لأن يوسّط بين أحد من الخلق وبين الله، وأن الاعتقاد فيه ينفع إذا تُشُبَّث به وطُلب منه أن يطلب لهم من الله حوائجهم. يعنون أن هذا ولي وهذا معتقد لنا، بمعنى أن المعتقَد فيه ينفعه ويجيبه، وأنه يصلح للالتجاء إليه، فيتقربون إليه ليقربهم إلى الله؛ يعني أنهم وسائط.
(فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله) التي فيها إبطال جميع ما يتعلقون به على غير الله بشيء من أنواع
стр. 32
يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلُّق، والكفر بما يُعَبد من دونه والبراءة منه; فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .
ــ
العبادة المفرِدة ربَ العالمين بالألوهية استحقاقاً وعملاً وفهماً لذلك (والمراد من هذه الكلمة) كلمة لا إله إلا الله (معناها لا مجرد لفظها) فإنه لا يكفي فيها أريد بها، وإن كان لابد من النطق بها عند إسلام العبد، لكن هي مقصودة لغيرها وهو العمل بما دلت عليه، هي من الوسائل لا من الغايات، فلا يكفي اللفظ بدون المعنى، ولا يكفي المعنى بدون اللفظ. (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلُّق والكفر بـ) جميع (ما يُعَبد من دونه) كَهُبَل ونحوه، وهذا فهم صحيح (والبراءة منه) وأن يتبرأ منه، ودليل ذلك وبرهانه (فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله) فرُّوا واستنكروا من إفراد الله بالعبادة و (قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١) أي: أَجَعَل المعبودات معبوداً واحدا؟! فدلَّ على أنهم عرفوا معناها، وقالوا فيما حكاه الله عنهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢. فالتوحيد هو الحق وهو النور لكن عقولهم فسدت وأفسد مزاجَها الشركُ؛ لأنها نشأت عليه وألفته، فصارت لا تستنكره. فصاروا كالمريض الذي إذا أُتي بالشيء الحلو قال هذا مُرّ لفساد مزاجه، ولم تنشأ على الوحيد فاستنكرته.
стр. 33
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار.
بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجلٍٍ جُهَّالُ الكفار أعلمُ منه بمعنى لا إله إلا الله.
ــ
(فإذا عرفت أن جهال الكفار) كأبي جهل فرعون هذه الأمة وأَضْرابِه (يعرفون ذلك) يعني معنى لا إله إلا الله كما تقدم (فالعجب ممن يدعي الإسلام) بل يدعي العلم؛ بل يدعي الإمامة في الدين (وهو لا يعرف من هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار) فإن هذا –ادعاؤه الإسلام- فضلاً عن العلم فضلاً عن الإمامة، ويخفى عليه ذلك الذي بان وظهر لجهال الكفار، هذا في الحقيقة من أعجب العجب؛ بل من أعظم الجهل وأفحش الخطأ.
(بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني) فإن أبا جهل وأضرابه لو يعلمون أن هذا هو المراد لما تلعثموا في قولها ولا نازعوا، وكذلك لو فهموا أن المراد الربوبية لسارعوا إلى ذلك ولم ينازعوا، لكن علموا أن معناها أن يكون الإله المعبود هو الله وحده دون كل ما سواه والتبرِّي مما سواه، وأنه لابد من اعتقاد ذلك ووجود في العمل، وأنها تُبطِل جميع ما هم عليه من دين آبائهم وأجدادهم (والحاذق منهم) الذي يرى أن المراد شيء آخر غير اللفظ يخطئ المعنى المراد ولا يعرفه (يظن أن معناها
стр. 34
إذا عرفتَ ما قلتُ لك معرفةَ قلب، وعرفتَ الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالبُ الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين:
ــ
لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله) يعني أنها دلّت على توحيد الربوبية، ومعلوم أن لا إله إلا الله دلت على توحيد الربوبية بالتضمُّن١ لكن معناها الذي وُضعت له مطابقة أن يكون الله وحده هو المعبود دون كل من سواه.
(فلا خير في رجل جهال الكفار أعلمُ منه بمعنى لا إله إلا الله) هذا رجلُ سُوءٍ لا خير فيه، هذا أقل ما يُقال فيه؛ فالمصنف اقتصر واقتصد على أدنى ما يقال فيه وإلا فهو يستحق أعظم، بل لا خير فيه بحال. إذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة وأضرابه أعلم منه بمعناها فلا جهلَ معنى هذه الكلمة التي هي أصل دين الإسلام وقاعدته وأساسه.
(إذا عرفتَ ما قلتُ لك معرفةَ قلب) يعني معرفة حقيقية واصلة إلى سويداء القلب ليست مجرد دعوى باللسان؛ فإن مجرد دعوى اللسان من غير معرفة القلب ليست معرفة (وعرفت الشرك بالله) وهذا من عطف العام على الخاص، وإلا فما تقدم وافٍ في بيان
стр. 35
الأولى: الفرحُ بفضل الله وبرحمته كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وأفادك أيضاً الخوف العظيم.
ــ
حقيقة دين المرسلين وحقيقة دين المشركين (الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية١) ، وتصوَّرته ما هو، وقد قدم لك المصنف ما يُعرِّفك به فيما قرَّره من معرفة التوحيد؛ فإن التوحيد يتبين ضده الشرك (وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه) يعني الذي هو التوحيد. وتقدَّم هذان الأمران مُقَرَّرَين لك في صدر هذا الكتاب: دين المرسلين ودين المشركين. (وعرفت ما أصبح غالبُ الناس فيه من الجهل بهذا) بالتوحيد والشرك؛ فإن أكثرهم ما عرف دين الله هذا، بل عادَوا أهل التوحيد وعابوهم وحاربوهم، واتبعوا دين المشركين كله بسبب عدم الفرق بين هذا وهذا، إذا عرفت هذه الأمور الأربعة معرفة قلب (أفادك فائدتين) عظيمتين.
(الأولى الفرح بفضل الله وبرحمته) إحداهما معرفتك دين المرسلين واعتقاده والعمل به، ومعرفتك دين المشركين ومجانبته والكفر به، كونُ الله علَّمك دين المرسلين ودلَّك سبيلَهم وعرفك طريقهم. وتعظم النعمة أن الأكثر صاروا من أهل الجهل به؛ فإن النعمة تزداد إذا كانت مختصة بالقليل دون الكثير كما قال تعالى: ﴿قُلْ
стр. 36
فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة يُخرجِها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تُقرِّبه إلى الله كما ظن المشركون، خصوصاً إن ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يُخلِّصُك من هذا وأمثاله.
ــ
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ الفرح المذموم كما في آية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٢، لكنه في الدين ممدوح ومحبوب وواجب كما دلت عليه هذه الآية؛ هو خير مما فرح الناس به وهو الدنيا؛ لو اجتمعت لأحد، مع أنها لا تجتمع لأحد، ولو اجتمعت فهي للزوال والاضمحلال. وما كان لله مقصودٌ به وجهَ الله فهو باقٍ لا يزول. فأفاد أن الفرح بفضل الله وبرحمته واجب. (وأفادك أيضاً الخوف العظيم) هذه هي الفائدة الثانية؛ يفيدك مع ما تقدم من الفرح العظيم الخوفَ على نفسك ودينك، فتفرح بالدين والعمل به، وتخاف على نفسك من زوال هذه النعمة وذهاب هذا النور؛ وهي معرفتك دين المرسلين واتباعه ومعرفتك دين المشركين واجتنابه، مع أن أكثر الناس في غاية الجهل به.
(فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة) واحدة (يخرجِها من لسانه) دون قلبه (وقد يقولها وهو جاهل) لا يدري ما تبلغ به من
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المبلغ (فلا يعذر بالجهل) . وقد يقولها وهو مجتهد (يظن أنها تقربه إلى الله) زُلفَى (كما ظن المشركون) يعني في جنس شركهم وتوسلهم إلى غير الله، قصدُهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فيصرِفون لهم خالص العبادة من أجل جهلهم، يقولون إنهم يسألون لنا من الله وأنهم أقرب منا إليه، ولكن هذا هو عين الشرك الأكبر (خصوصاً إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم) لما مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم (أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال منكراً عليهم ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١ (فحينئذ) إذا عرفت أن الرجل يكفر بكلمة ... إلخ. (يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) ومن أسبا الخلوص من هذا الداء العضال التفتيشُ عن مبادئه ووسائله وذرائعه خشية أن تقع فيه وأنت لا تشعر، وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"٢. ومن أسباب التخلص من هذا صدقُ الابتهال إلى الله وسؤاله التثبيت، وكثيراً ما كان رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك"٣، كما ابتهل الخليل ﵇ إلى الله فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ
стр. 38
واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ .
ــ
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١ وفي الحديث: "من أَمِن الله على دينه طرفةَ عين سلبه إياه".
(واعلم) أيها الطالب (أن الله سبحانه من حكمته) البالغة (لم يبعث نبياً) من الأنبياء (بهذا التوحيد) من لَدُن نوح إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ (إلا جعل له أعداء) إلا قَيَّض له أعداء قصدُهم الإغواء والصَّدْف عن دين الله؛ هذا الصراط المستقيم. وهذه حكمة بالغة؛ ابتلاء الأخيار بالأشرار ليكمل للأخيار مراتب الجهاد، وإلا لو شاء لما جعل للأشرار شيئاً من السلطة ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، سنته البالغة أن يسلِّط الأشرار على الأخيار؛ سلط الأشرار على الرسل فما دونهم، وليس هواناً بالأنبياء ﵈ وأتباعهم، ولكن ليقوم الأخيار بالجهاد فتعظم الدرجة ويعظم الأجر وينالوا المراتب العالية؛ لأن الجنة غالية لا تُنال إلا بالصبر على المصاعب والمشاق. واعلم أن أتباعهم كذلك من صدق الله في اتباعه للرسل كانوا أعظم أعدائه (كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ يشمل جميع الأنبياء، ثم بيَّن العدو فقال: ﴿شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ يعني من هؤلاء وهؤلاء.
стр. 39
وقد يكون لأعداء التوحيد علومٌ كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ .
ــ
والشياطين هم الذين فيهم تمرُّد وعلو، قال بعضهم إنه بدأ بشياطين الإنس لأنهم أعظم في هذا المقام من شياطين الجن؛ لأن شيطان الإنس يأتي في صورة ناصح مُحب لَيِّن الجانب واللسان، ثم بيَّن الذي به يصدفون عن الحق فقال: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ فتبين لك أن تزييف القول بالعبارة له تأثير، وأن الحق قد يعرض له من يجعله في صورة الباطل كما قال الشاعر:
في زخرف القول تحسينٌ لباطله ... والحق قد يعتريه سوءُ تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن شئت قلت هذا قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير١
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ لكنه جعلهم ابتلاء وامتحاناً ليتبين المجاهد من القاعد والصابر من غير الصابر والمجد من المخلد ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٢، وهذا وعيد شديد وتهديد وتغليظ.
(وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة) لُغوية (وكتب)
стр. 40
إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحاً لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ .
ــ
يرجعون إليها (وحجج) لكنها عند التحقيق مثل السراب عند المناظرة تبين أنها لا شيء ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ عند الحاجة إليه. ومن تلك الحجج ما تقدم ومنها ما يأتي الجواب عنه. والعلم: هو الموروث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما علمهم فهو إما منامات –أحلام- أو تُرهَات باطلة لا أصل لها، ومنها شيء صحيح في نفسه لكن لا يفهمونه وهو في الحقيقة لا يدل على باطلهم بل هو رد عليهم، والدليل أن عندهم علوماً كثيرة وكتباً وحججاً قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
(إذا عرفت ذلك) يعني ما قرَّره وقدمه المصنف (وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه) ملازمين له لا ينفكُّون عنه ولا يرجعون عنه أبداً، قصدُهم الإغواء والصدف عن هذا الصراط المستقيم (أهل فصاحة) وبلاغة في المنطق (وعلم وحجج) على باطلهم؛ ولكنها ليست من الحجج الموروثة عن الأنبياء صلوات