← Акыда

Акыда · id 11264

شرح كشف الشبهات لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة يُخرجِها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تُقرِّبه إلى الله كما ظن المشركون، خصوصاً إن ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يُخلِّصُك من هذا وأمثاله. ــ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ الفرح المذموم كما في آية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٢، لكنه في الدين ممدوح ومحبوب وواجب كما دلت عليه هذه الآية؛ هو خير مما فرح الناس به وهو الدنيا؛ لو اجتمعت لأحد، مع أنها لا تجتمع لأحد، ولو اجتمعت فهي للزوال والاضمحلال. وما كان لله مقصودٌ به وجهَ الله فهو باقٍ لا يزول. فأفاد أن الفرح بفضل الله وبرحمته واجب. (وأفادك أيضاً الخوف العظيم) هذه هي الفائدة الثانية؛ يفيدك مع ما تقدم من الفرح العظيم الخوفَ على نفسك ودينك، فتفرح بالدين والعمل به، وتخاف على نفسك من زوال هذه النعمة وذهاب هذا النور؛ وهي معرفتك دين المرسلين واتباعه ومعرفتك دين المشركين واجتنابه، مع أن أكثر الناس في غاية الجهل به. (فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة) واحدة (يخرجِها من لسانه) دون قلبه (وقد يقولها وهو جاهل) لا يدري ما تبلغ به من

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المبلغ (فلا يعذر بالجهل) . وقد يقولها وهو مجتهد (يظن أنها تقربه إلى الله) زُلفَى (كما ظن المشركون) يعني في جنس شركهم وتوسلهم إلى غير الله، قصدُهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فيصرِفون لهم خالص العبادة من أجل جهلهم، يقولون إنهم يسألون لنا من الله وأنهم أقرب منا إليه، ولكن هذا هو عين الشرك الأكبر (خصوصاً إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم) لما مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم (أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال منكراً عليهم ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١ (فحينئذ) إذا عرفت أن الرجل يكفر بكلمة ... إلخ. (يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) ومن أسبا الخلوص من هذا الداء العضال التفتيشُ عن مبادئه ووسائله وذرائعه خشية أن تقع فيه وأنت لا تشعر، وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"٢. ومن أسباب التخلص من هذا صدقُ الابتهال إلى الله وسؤاله التثبيت، وكثيراً ما كان رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك"٣، كما ابتهل الخليل ﵇ إلى الله فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ

стр. 38

واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ . ــ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١ وفي الحديث: "من أَمِن الله على دينه طرفةَ عين سلبه إياه". (واعلم) أيها الطالب (أن الله سبحانه من حكمته) البالغة (لم يبعث نبياً) من الأنبياء (بهذا التوحيد) من لَدُن نوح إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ (إلا جعل له أعداء) إلا قَيَّض له أعداء قصدُهم الإغواء والصَّدْف عن دين الله؛ هذا الصراط المستقيم. وهذه حكمة بالغة؛ ابتلاء الأخيار بالأشرار ليكمل للأخيار مراتب الجهاد، وإلا لو شاء لما جعل للأشرار شيئاً من السلطة ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، سنته البالغة أن يسلِّط الأشرار على الأخيار؛ سلط الأشرار على الرسل فما دونهم، وليس هواناً بالأنبياء ﵈ وأتباعهم، ولكن ليقوم الأخيار بالجهاد فتعظم الدرجة ويعظم الأجر وينالوا المراتب العالية؛ لأن الجنة غالية لا تُنال إلا بالصبر على المصاعب والمشاق. واعلم أن أتباعهم كذلك من صدق الله في اتباعه للرسل كانوا أعظم أعدائه (كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ يشمل جميع الأنبياء، ثم بيَّن العدو فقال: ﴿شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ يعني من هؤلاء وهؤلاء.

стр. 39

وقد يكون لأعداء التوحيد علومٌ كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ . ــ والشياطين هم الذين فيهم تمرُّد وعلو، قال بعضهم إنه بدأ بشياطين الإنس لأنهم أعظم في هذا المقام من شياطين الجن؛ لأن شيطان الإنس يأتي في صورة ناصح مُحب لَيِّن الجانب واللسان، ثم بيَّن الذي به يصدفون عن الحق فقال: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ فتبين لك أن تزييف القول بالعبارة له تأثير، وأن الحق قد يعرض له من يجعله في صورة الباطل كما قال الشاعر: في زخرف القول تحسينٌ لباطله ... والحق قد يعتريه سوءُ تعبير تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن شئت قلت هذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير١ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ لكنه جعلهم ابتلاء وامتحاناً ليتبين المجاهد من القاعد والصابر من غير الصابر والمجد من المخلد ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٢، وهذا وعيد شديد وتهديد وتغليظ. (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة) لُغوية (وكتب)

стр. 40

إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحاً لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ . ــ يرجعون إليها (وحجج) لكنها عند التحقيق مثل السراب عند المناظرة تبين أنها لا شيء ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ عند الحاجة إليه. ومن تلك الحجج ما تقدم ومنها ما يأتي الجواب عنه. والعلم: هو الموروث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما علمهم فهو إما منامات –أحلام- أو تُرهَات باطلة لا أصل لها، ومنها شيء صحيح في نفسه لكن لا يفهمونه وهو في الحقيقة لا يدل على باطلهم بل هو رد عليهم، والدليل أن عندهم علوماً كثيرة وكتباً وحججاً قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. (إذا عرفت ذلك) يعني ما قرَّره وقدمه المصنف (وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه) ملازمين له لا ينفكُّون عنه ولا يرجعون عنه أبداً، قصدُهم الإغواء والصدف عن هذا الصراط المستقيم (أهل فصاحة) وبلاغة في المنطق (وعلم وحجج) على باطلهم؛ ولكنها ليست من الحجج الموروثة عن الأنبياء صلوات

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله وسلامه عليهم إنما هي منامات وأكاذيب إذا جاء عند التحصيل فإذا هي تخونهم أحوجَ ما يكونون إليها. (فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله) الذي أنزله (ما يصير سلاحاً لك) تذبُّ به عن نفسك ودينك وتدافع به و (تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين) هم بهذا المقام أعظم ضرراً من شياطين الجن، وهم نواب إبليس الذي (قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ) أي: لا أترك أحداً يمر إلا تشبَّثت به وأغويته. لشدة عداوته لهذا النوع الإنساني جَدّ كل الجد واجتهد كل الاجتهاد في إغوائه وصدفه وإضلاله؛ أخبر هذا الخبر عما هو مُريد وجازِم وعازِم عليه؛ ثم أكده بهذه التأكيدات ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ١. فإذا كان الطريق الذي هذه صفتُه عليه مرصودٌ عليه بأنواع الصدوف، وأنواع القيود، وأنواع السلاح، وأنواع الحجج والبينات، وأنواع الكيد والمكر والخداع، فكيف يأمن الإنسان ولا يخاف؟! ومما تقدم تعرف البُعد عن صفة التعب والهُوينا، بل الأمر جد كل الجد. فمعلوم أن المقيَّض له أعداء، لا يكون في غفلة عنهم وليس مقصودهم سفك الدم فقط، لا بل الدين. وكم أهلك في الطريق الذي عليه شياطين الإنس والجن مراصدين مع ما جعل

стр. 42

ولكن إذا أقبلتَ على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيناته فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ . ــ لهم من السلطة على القلب ونحو ذلك يحسبون أنه آمن ولا خافوا من مخاوفه ولا علموا من الشرع طرقه ومخاوفه. بعد ذكر المصنف ما ذكر من عداوة الشيطان ونوابه وحرصهم على اهلاك هذا الجنس الإنساني قال: (ولكن إذا أقبلت على الله) بقلبك وقالبك، وعلم منك اللجأ إليه والتبرِّي والتخلّي من الحول والقوة إلا به (وأصغيتَ) كل الإصغاء (إلى حجج الله وبيناته) من الكتاب والسنة (فلا تخف ولا تحزن) من الأعداء القاعدين لك على الصراط المستقيم؛ فعندك ما يحصنك من هذا؛ فالخوف عليك عندما تُعرِض عن حجج الله وبيناته، الخوف والحزن عليك من جهة نفسك أن لا تُقبِل ولا تصغي؛ وأما إن لجأت إليه فَلاَ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ١. وإن كان قسمُه وحظه من الألف تسعمائة وتسعة وتسعين فليس كثرةُ حزبِه من قوة كيده، بل كيدُه ضعيف، ولكن أكثر الخلق أطاعوه وتولَّوه ومكَّنوه من أنفسهم، فلما جعلوا له سلطاناً كان له عليهم سلطان، وإلا كل عباد الله ليس له عليهم سلطان، ولو أنهم لم يجعلوا له عليهم سلطانا لما كان له عليهم سلطان، فهم الذين أعطوه القياد لأجل الشهوات وإيثار العاجل على الآجل؛ أعطوه ذلك فصاروا إلى حيِّزه من جانب فصارت قوته نسبية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ

стр. 43

والعامِّي من الموحِّدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فجندُ الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين. ــ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ١. فمن استولى عليه الشيطان في شيء فهو الذي ولاه على نفسه، وإذا أطاعه في شيء انتظر منه شيئاً آخر، وهكذا حتى يوصله إلى الهلاك والعياذ بالله. (والعامي من الموحدين) الذي عرف أدلة دينه وإن كان ليس بفقيه ولا عالم، ليس المراد العامي الجاهل اللهم إلا أن يوفق العامي الذي لا يعرف –لحجةٍ عقلية وهو نادر (يغلب الألف) بل الألوف (من علماء هؤلاء المشركين) ، لأن حجج المشركين ترهات وأباطيل ومنامات كاذبة وما كان معهم من الحق فهو رد في الحقيقة عليهم (كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ) ٢ فهذه الآيات أفادت حصر الغلبة في جند الله وهو يقتضي بعمومه الغلب في جميع النواحي: الحجة واللسان والسيف والسنان ويغلبون قبيلهم٣ ولا تظن أنه

стр. 44

فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِير﴾ قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة. ــ يرد عليه تسليط أهل الشر في هذه الأزمان، فإنه بسبب إضاعته، وإلا دينُ رب العالمين محفوظٌ مؤمِّنٌ بحفظ من يقوم به. ولا تظن أنه يرد عليه إدالة أهل الباطل بعض الأحيان فإنه تمحيصٌ ورفعة وغرور لأهل الباطل. (وإنما الخوف على الموحد) العابد لله المستقيم على الوحيد (الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) يذب به عن دينه وهو الحجة والسلاح لم يتعلم أدلة دينه، فهذا مخوفٌ عليه أن يُقتَل أو يُسلَب أو يبقى أسيراً في يد عدوه الشيطان وجنوده فيستزلونه عن الطريق السوي (وقد مَنَّ الله علينا بكتابه) الذي هو السلاح كل السلاح الأعظم. (الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين) . (فلا يأتي صاحب باطل بحجة) كائنةٍ ما كانت إلى يوم القيامة (إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها) يعرف ذلك من يعرفه، ويوفَّق له من يوفق، ويجهل ذلك من يجهله (كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ ) أي بحجة أو شبهة، وهذه نكرة في سياق النفي، فشمل جميع ما يؤتى به ﴿إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِير﴾ ١.٢

стр. 45

احتجاج المشركين في زماننا بالمتشابه ... وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. ــ فالقرآن كفيل بذلك (قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة) ولكن قد يؤتى الإنسان من عدم الفهم له أو عدم الاعتناء به. وقد التزم بعض العلماء؛ وهو شيخ الإسلام ابن تيمية أن لا يحتج مبطِل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقضه، وذكر لذلك أمثلة: منها آية ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ١ و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢. (وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) هذا فيه بيان موضوع الكتاب وما صُنِّف فيه؛ فهو في رد شُبَهٍ شَبَّه بها بعض المشركين على توحيد العبادة؛ فإن الشيخ ﵀ لما تصدى للدعوة إلى الله وبيَّن ما عليه الكثير من الشرك الأكبر تصدى بعض الجهال بالتشبيه على جهالٍ مثلهم، وزعموا أن المصنف ﵀ يكفِّر المسلمين، وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفراً وقامت عليه الحجة فإنه يكفره. فقصد كشف تلك الشُبه المشبهة على الجهال وردّها وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت لكن تشوش عليهم. وقدم المصنف رحمه مقدمة نافعة في بيان حقيقة دين المرسلين وما دعوا إليه وحقيقة دين المشركين وما كانوا عليه؛ ليعلم الإنسان

стр. 46

فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصّل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . ــ حقيقة دين المرسلين عند ورود الشبهة، ويعلم من هو أولى بدين المرسلين من دين المشركين، وبيَّن أن مشركي زمانه هم أتباع دين المشركين١. (فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين) طريق (مجمل) وطريق (ومفصل) . (أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها) وفهمها وعرفها، أما من كانت تجري على لسانه فقط فإن هذا الجواب لا يكون له حجة. وإنما قال ذلك في المجمل لأنه في الحقيقة يصلح جواباً لكل شبهة (وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ) الآيات المحكمات تعبَّد الله الخلقَ بالعلم بها، والعمل بها والإيمان بها. هذا هو حكم المحكم: الأول: الإيمان به أنه من عند الله. الثاني: معرفة معانيه. الثالث: العمل به. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أُمَّ الشيء أصله والذي يرجع إليه عند الاشتباه

стр. 47

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". ــ والإشكال ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الدلالة، ليس دلالتها واضحة مثل المحكمات. وحكمها: أولاً: الإيمان بها أنها من عند الله أنزلها على العباد ليؤمنوا بها. والثاني: أن لا تفسر بما يخالفِ المحكم بل تُرد إلى الأم وهو المحكم وتفسَّر به١. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يعني ميل ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وزاغت الشمس ومالت، والمراد أن الذين في قلوبهم ميل عن الحق ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ يطلبون المتشابه في الدلالة ويتركون المحكم؛ ويصدفون عن الواضح لكونه يهدم ما هم عليه من الباطل ويفضحهم؛ فالجاهل إذا أدلوا عليه بآية من المتشابه راجت عليه، وهذا يفيد أن أهل الاهتداء والاستقامة يتبَّعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم، فيقولون: لم عدلت عن هذه الآية وهذه الآية التي لا تحتمل هذا، ولا هذا، وأنهم خلاف أهل الزيغ؛ لأنه

стр. 48

مثال ذلك إذا قال بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، أو أن الشفاعة حق، أو أن الأنبياء لهم جاهٌ عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره. ــ خص أولئك بأتباع المتشابه ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة١ِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ٢ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣. (وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله" عنى الله بقوله ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ "فاحذروهم" ٤ لا يزيغون بكم عن سبيل الحق زاغوا عن الحق. حذَّر منهم لأن مخالطتهم وسماع كلامهم الداءُ العضال ومرض القلوب، ولا يتكل الإنسان على ما معه من الحق؛ بل يبعد عن أهل الزيغ ويجانبهم ولو معه حق؛ فإن السلف كان هذا شأنهم ويستدلون بالحديث. وهذا حكم أهل الباطل؛ أن يبعد عنهم لئلا يدخل القلب شبهة يعسر التخلص منها؛ فإن أخل الباطل لا يألُون جهداً أن تكونوا مثلهم في زيغ القلوب وهم أضر على الناس من أهل المعاصي الشهوانية. (مثال ذلك) يعني مثل احتجاج المشركين بالمتشابه. وللجواب

стр. 49

فجَاوِبه بقولك إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبَّعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن المشركين يُقرُّون بالربوبية وأن الله كفَّرهم بتعلُّقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ــ عن ذلك بالجواب المجمل (إذا قال بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١ِ) زعم أن الآية تدل على أنهم يدعون، يعني فيطلبون له، وأنهم أهل قرب ومنزلة وجاه وفضل، ومن كان كذلك فقد تأهل. أو شبَّه بـ (أن الشفاعة) التي ذكرت في النصوص (حق) وواقعةٌ، وإذا كانت حقاً فهي تُطلَب من الأموات ونحوهم، فيهتف باسمه ويقول: يا فلان، اشفع لي ... (أو أن الأنبياء لهم جاهٌ عند الله) فهم يسألون ويدعون ليسألوا لمن ليس له الجاه عنده (أو ذكر) المبطل المشبه (كلاماً للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره) يعني لا تفهم أنه يدل على مقصوده وتفهم وتعتقد أن هذه أمور باطلة. (فجاوِبه بقولك إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم) ويعدلون عنه (ويتبعون المتشابه) ويميلون إليه ويستدلون به، وأمت تركت المحكم وهو قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢ِ ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣ِ وعمدت إلى المتشابه ﴿أَلا

стр. 50

هذا أمر محكمَ بيَّن لا يقدر أحد أن يغير معناه. وما ذكرتَه لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه. ــ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وعمدت إلى المتشابه وهو أن الشفاعة حق وتركت المحكم وهو ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (وما ذكرته لك) وجاوبه بما ذكره المصنف (من أن المشركين يقرون بالربوبية) لم ينازعوا فيها. وتبيَّن له أن الداعي عبد القادر مثلاً يدَّعي أنه ذو مكانة وأنت مُقرٌّ بالربوبية والمشركون الأولون مقرون بالربوبية ولا نفعهم (وأن الله كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ِ ومع قولهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ِ ما زادوا على هذا. (هذا أمر محكمَ بيَّن لا يقدر أحد أن يغير معناه) كون الذين في قلوبهم زيغ يحتجون بالمتشابه ويعدلون عن المحكم، وكون المشركين الأولين ما ادَّعَوا فيهم الربوبية وإنزال المطر، وأنهم ما كانوا مشركين كفاراَ إلا بتعلُقهم عليهم رجاء شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. هذان أمران محكمان: الأول: احتجاجهم بالمتشابه. والثاني: أن المشركين مقرون بالربوبية –كما تقدم- وأن الله كفرهم بتعلقهم على الملائكة ونحوهم؛ كونهم ما طلبوا إلا الشفاعة

стр. 51

ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله . وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفَّقه الله تعالى فلا تَستَهِن به. ــ والقرب إلى الله بذلك ليس من الأمور المتشابهة؛ كما أن الأمور المحكمة أنهم ما أرادوا ممن دعَوه وذبحوا له وتعلَّقوا عليه إلا شفاعته كما قال فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . (وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن) كقوله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فإن من المتشابه١ِ وحكمه أن يُردَّ إلى المحكم (أو كلام) النبي ﷺ كقوله: "وأعطيت الشفاعة" (لا أعرف معناه) لا أعرف دلالته على ما قصدت وأردت أنهم يدعون من دون الله. نعم ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ولكن أين دلالته على المقام ما دل على أنهم يدعون، من وصلهم إلى هذه الدرجة؟ أأنت الذي تقول هذا؟! وأنا عندي شيء أقطع به كالشمس من النصوص كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وكقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . (ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف

стр. 52

فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ . ــ كلام الله يعني فأعرف أن هذه الآية ونظائرها لا تنافي هذه النصوص وما معي من النصوص محكم فلا أترك المحكمَ البيِّنَ الدلالةَ للمتشابه. فالأدلة التي معي لا يناقضها شيء هي من المحكمات، وما زعمه أنه يخالفها من المتشابه فلا يخالفها أبداً، ولو ادَّعى هو أن كلام الله يتناقض لكان كفراً آخر، وكذلك لو ادعى أن كلام النبي ﷺ يخالف كلام الله لكان كفراً آخر سوى ما كان عليه من الكفر. (وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفَّقه الله تعالى فلا تستهن به) هذا ثناء من المؤلف على هذا الجواب المجمل وأنه أصل أصيل في دفع شبه المشبّه. (فإنه) نظير الخصلة التي هي الدفع بالتي أحسن (كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١ِ) ، فكذلك هذا الجواب بهذه الصفة العظيمة فإنك إذا وفقت للجواب بهذا فقد وفقت لأمر عظيم. فصار هذا الجواب عن هذه الشبه جواباً مركَّباً ٢ِ من ثلاثة أمور:

стр. 53

الشبهة الأولى: أن من أقر بتوحيد الربوبية ولم يقصد من الصالحين إلا الجاه والشفاعة فليس بمشرك ... وأما الجواب المفصَّل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر أو غيره ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم. ــ الأول: بيان أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. الثاني: أن الأولين مقرون بالربوبية لم ينازعوا فيها وأنهم ما ادَّعَوا إلا مثل ما ادعى هذا المشبِّه من طلب الشفاعة والقرب إلى الله بذلك وأن الله كفرهم بذلك. الثالث: أن معي نصوصاً لا تتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ، وأن المبطل يحتج بشيء هو حق ولا يدل على الباطل بحال. (وأما الجواب المفصل) وهو الذي يُجابُ به عن كل شبهة بجواب يخصُّها (فإن أعداء الله) المشركون عبدةُ غير الله (لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه) منها قولهم مع شركهم بالله (نحن لا نشرك بالله شيئاً) وهم قد وقعوا فيه لكن نَفَوه عن أنفسهم جهلاً وضلالاً. (بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده

стр. 54

فجَاوِبه بما تقدَّم؛ وهو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرتَ، ومقرون أن أوثانهم لا تدبِّر شيئاً، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضّحه. ــ لا شريك له وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر) الكيلاني (أو غيره) ممن له جاه ومنزلة ومقام كبير (ولكن أنا مذنب) ولم أُؤَهَّل إلى الطلب من الجانب الأعلى (والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم) فأطلب منهم وهم يسألون ويطلبون لي ويقرِّبوني إلى الله زلفى، لا أطلبهم ذواتهم. (فجاوِبه بما تقدم؛ وهو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئاً) وأن الله هو النافع الضار وحده (وإنما أرادوا الجاه والشفاعة) فقط تعلَّقوا عليهم لأجل جاههم عند الله؛ فإن المشرك الذي نزل فيه القرآن هو هذا: دعاء من يشفع لهم عند الله؛ لا أنه يخلق ويرزق (واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه) اقرأ عليه الآيات الدالة على هذا وهذا. فمن الآيات الدالة على إقرارهم بالربوبية قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١ِ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢ِ وقوله:

стр. 55

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢ وغير ذلك من الآيات واقرأ عليه الآيات الدالة على أن الله كفرهم بشركهم في الإلهية، وأنهم ما أرادوا إلا شفاعتهم وتقريبهم، وأن هؤلاء ما زادوا على ما فعله المشركون الأولون، ليتبين أنه في عماية عما جاءت به الرسل ومعاكسة لما جاء به الرسل كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ــ ١ سورة لقمان الآية:٢٥ ٢ سورة العنكبوت الآية:٦١ ٣ سورة يونس الآية: ١٨ ٤ سورة الزمر الآية:٣ ٥ سورة يس الآيتان: ٢٢،٢٣

стр. 56

الشبهة الثانية: حصرهم عبادة غير الله في الأصنام دون الصالحين ... فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟!. فجاوِبه بما تقدم؛ فإنه إذا أقرَّ أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة ولكن أراد أن يفرِّق بين فعلهم وفعله بما ذكر. ــ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١ِ ونظائرها من الآيات الدالة على أنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الجاهَ والشفاعة. فحاصلُ جواب هذه الشبهة أنك ما زِدتَ على ما أقَرَّ به المشركون الأولون، ولا زاد فعلُك عن فعلهم بل أنت وهم سواء. (فإن قال) المشبِّه (هؤلاء الآيات) يعني آية: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ونحوها (نزلت فيمن يعبد الأصنام) إن انتقل إلى هذه الشبهة وهي حصرُ عبادة غير الله في الأصنام، يعني وما سواه فليس بعبادة، فليس مثلهم، هو يدعو الصالحين وليس بمشرك! (كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟) حصر عبادة غير الله في الأصنام (أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟) من شأن أهل الباطل وأشباههم نسبتهم مَن نَزَّل الصالحين منازلَهم أن يقولوا: تنقصوهم وهضموهم. وفي الحقيقة هم الناقصون المنتقِّصون للرسل وأرادوا أن يُعطَوْا باطلاً. وأهل الحق نزلوهم منازلهم الحق اللائقة بهم وما جاءوا به، ولا زادوا ولا نقصوا؛ أعطوهم حقهم الواجب ونزَّهوهم عما لا يصلح

стр. 57

فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه وقد قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ــ لهم من الباطل. (فجاوبه بما تقدم) وهو أن المشركين الأولين مقرون بالربوبية؛ أن الله تعالى الخالق وحده لا شريك له الرازق وإنما كانوا مشركين باتخاذهم الوسائط ... إلخ. لكنهم ما أعطوا الربوبية حقها فإن توحيد الألوهية هو نتيجة توحيد الربوبية كما تقدم (فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة) والمشبِّه مقر بذلك (ولكن أراد) المشبه (أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر) وهو أن المشركين يعبدون أصناماً وهو لا يعبد صنماً. (فاذكر له أن الكفار منهم من يعبد الأصنام) والأوثان كما ذكر الله عنهم ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ ١، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ ٢، ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ١. (ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٢ الآية) فمعبوداتُهم متنوعة؛ ليست الأصنام وحدها، من دليل تنوعها هذه الآية فإنها نزلت في أناس يعبدون الجن فأسلم الجن وبقي الإنس على عبادتهم. وقيل نزلت فيمن يعبد العُزَير والمسيح كما هو قول أكثر المفسرين. ولا منافاة بين القولين فإنها نزلت فيمن يدعو مدعواً وذلك المدعو صالح في نفسه يرجو رحمة الرب ويخاف عقابه، فكأن الله سبحانه قال في الرد عليهم: إن من تدعونه عبيدي كما أنكم عبيدي، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، فينبغي أن تفعلوا مثل ما تفعل تلك الآلهة. فصاروا عبيده بثلاثة أشياء: بعبادته وحده، ورجائه وحده، وخوفه وحده. هذا هو الموصّل لهم والوسيلة والسبب الموصل لا عبادة سواه من الأولياء ونحوهم. فهذه الآية من جملة الأدلة على أن من معبوداتهم الأولياء. (ويدعون عيسى ابن مريم وأمه) وهو صريح في شرك النصارى بالرسل؛ عيسى رسول (وقد قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) يعني عظيمة التصديق بالحق ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ

стр. 59

واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . ــ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١. فهذا بعض أنواع شرك الأولين أهل الكتاب. (واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ) ٢ هذه الآية دالة على أن من المشركين من يعبد الملائكة. فعرفت من هذه الآيات أن من المشركين من يدعو الأولياء والصالحين، ومنهم من يدعو الأنبياء، ومنهم من يدعو الملائكة. وأن الآيات منها ما نزل فيمن يعبد الأولياء، وبعضها فيمن يعبد الأنبياء، وبعضها فيمن يعبد الملائكة، وأنها ليست منحصرة فيمن يعبد الأصنام فقط؛ فلا فرق بين المعبودات، بل الكلُّ تسويةُ المخلوق بالخالق، والكل عدل به تعالى سواه في العبادة، فالكل شرك والكل مشركون. فعرفت من الآيات أنه مثلُهم فبذلك انكشفت شبهتُه واندحضت حجته.

стр. 60

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ فقل له: عرفت أن الله كفَّر من قصد الأصنام وكفر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم. ــ (وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو تعالى أعلم أن عيسى لم يقل ذلك، ولكن المراد نطقُه على رؤوس الأشهاد وبيانُ بطلانِ عبادتهم له، وأنه لم يرضَ بذلك. وهذا الخبر من الله ذمٌ وعيب لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهاً لك عمَّا لا يليق بجلالك وعظمتك ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ يعني ما ينبغي لي ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أن أجعل حق رب العالمين الذي لا يشركه فيه غيره لي ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وأنت أعلم أنه لم يصدر مني ذلك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ١. (فقل) للمشبِّهِ الشبهةَ السابقة (عرفت أن الله كفَّر من قصد الأصنام وكفر أيضًا من قصد الصالحين) ٢ بل لابد أن ينضم إلى ذلك تكفيرُهم واعتقاد ذلك، فمن لم يكفرهم دليل على أنه لا يرى عملهم كفراً (وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم) بل جعل

стр. 61

الشبهة الثالثة: أن طلب الشفاعة منهم ليس بشرك ... فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب أن هذا قول الكفار سواءً بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . واعلم أن هذه الشُبَه الثلاث هي أكبر ما عندهم. فإذا عرفت أن الله وضَّحها لنا في كتابه وفهمتها فهما جيداً فما بعدها أيسر منها. ــ سبيلهم واحداً، وإذا تفرقت معبوداتهم، فكلها راجعة إلى شيء واحد وهو عبادة غير الله مع الله. وبذلك انكشف شبهته واندحضت حجته وأنه في غاية الجهالة عما جاء به الرسول ﷺ . (فإن قال الكفار) الذين نزل فيهم القرآن؛ أو جهل وأضرابه (يريدون منهم) يريدون من الآلهه التي يدعون، ويطلبون منهم لأنهم أبواب حوائجهم إلى الله؛ فهم يباشرونهم بالعبادات (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم) والمالك لهم للمطلوب هو الله وأقصدهم ليطلبوا لي من الله الشفاعة. إذا انتقل بعد كشف الشبهتين الأولَييَن وشبه بهذه الشبهة. (فالجواب) عن هذه الشبهة (أن هذا قول الكفار) بعينه حرفاً بحرف (سواءً بسواء) ما وُجد شيء مخفف بل وجد منه شيء أعظم

стр. 62

الشبهة الرابعة: نفيهم عبادة الصالحين مع أنهم يدعونهم أو يذبحون لهم ... فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة. ــ منهم؛ فإنهم مُقرُّون بالربوبية؛ أن الله هو المدبر وحده لا شريك له كما تقدمت الإشارة إليه أول الكتاب. اقرأ عليه الآيات الدالة على إقرارهم بالربوبية المتقدمة، (واقرأ عليه) الآيات الدالة على أنهم ما أرادوا إلا الشفاعة، منها (قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١) فإن في هذه الآية حَصْرَ مطلوبهم وهو شيء واحد؛ يقولون: ليس لنا صلاحية السؤال من الله فنطلب منهم وهم يطلبون لنا من الله ليقربونا إلى الله زلفى. (وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢) ففي هذه الآية بيان أنه ليس لهم قصدٌ إلا شيء واحد وهو طلب الشفاعة إلى رب الجميع. (واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم) هذه والشبهتان قبلها: شبهة انتفاء الشرك مع الإقرار بتوحيد الربوبية، وشبهة حصر الشرك في عبادة الأصنام، وشبهة أن الكفار يريدون منهم وأنه لا يريد منهم إلا الشفاعة (فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهماً جيدا فما بعدها أيسر منها) يعني إذا صار هذه سهولُة ردِّ أعظمِ شبههم فغيُرها بطريق الأولى أسهل وأسهل؛ تجد في النصوص أسهل شيء الرد عليهم. (فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم

стр. 63

فقل له: أنت تُقرّ أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله؟ فإذا قال نعم، فقل له: بيِّن لي هذا الذي فرضه الله عليك وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها؛ فبيِّنها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ف إذا أعلمته بهذا، فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أنه يقول نعم، فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول نعم. فقل له: فإن نحرت لمخلوق نبي أو جِنِّي أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقرّ ويقول نعم. ــ ليس بعبادة) جحد أنه صادر منه شرك (فقل له) مجيباً: (أنت تقرّ أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله؟) فلا يمكنه جحد ذلك، وإن جحد ذلك كفانا مُؤنةَ الرد عليه (فإذا قال نعم، فقل له: بيِّن لي هذا الذي فرضه الله عليك وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك) فإذا سألته عن حقيقة ما فرضه الله عليهم، وهو يعلم ويقر أن الله افترض عليه إخلاصها (فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها) إذ لو عرفها وأنواعها لما نفذها عن نفسه ولما تقدَّم على عبادة الله وغيرَه؛ لكنه من أجهل الجاهلين وأضل الضالين؛ فإن الجهل أنواع عظمها

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجهل بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وهو أعظم من الجهل بشرعه ودينه، فهو متغلظ جهله بأمرين: أحدهما أنه جهل بالتوحيد الذي هو أساس الملة، والثاني أنه جهل بشيء مستفيض واضح عند كل أحد، والجهل بالشيء المعلوم الواضح أعظم من الجهل بالشيء الخفي (فبيَِّنها له) يعني بيِّن له أن الدعاء والطلب عبادة، وأحد تعاريف العبادة: أنه ما أُمر به شرعاً من غير اطراط عرفي ولا اقتضاء عقلي، وقد أمرنا الله تعالى بدعائه وحده (بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١) وهذه الآية تفيد ذلك؛ أنه يحبه ويرضاه، والأمر عبادة. (فإذا أعلمته بهذا) إذا أعلمته أن الآية تدل على أنه عبادة (فقل له: هل علمت هذا عبادة لله، فلابد أن يقول نعم) لا يمكنه أن يجحد، فإن جحد سقط الكلام معه وعُرِف أنه مكابر وانتقل معه إلى الجلاد، إن أمكن (والدعاء مخ العبادة) كما في الحديث: "الدعاء مخ العبادة": (فقل له: إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلاً ونهاراً، خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره) يعني بعبادة الدعاء (هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أنه يقول نعم) إن كان عنده التفات إلى الدليل؛ فإن من لازم إقراره بالثانية فبذلك انكشفن شبهته. (فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢

стр. 65

وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبِّر الأمر، ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جداً. ــ وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟) ودليله واضح وبرهانه قاطع (فلابد أن ويقول نعم) لا يمكنه أن يجحده. (فقل له: فإن نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هما أهل أشركن في هذه العبادة) يعني عبادة النحر (غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول نعم) ما يمكن أن يجحد الثاني بعد الأول، بل إقراره بالأول يلزمه الإقرار الثاني، يعني وكذلك سائر العبادات إما أن يقر أنها عبادة أولا، فإن أنكر كونها عبادة أقيمت عليه الحجة، فإن أقرّ خصم. فبهذا ظهر واتضح جهله وضلاله وانكشفت شبهته وأن قوله: أنا لا أعبد إلا الله ... إلخ. محضُ جهل منه، وأن هذا عبادة لغير الله، وتبيَّن أنه عابدٌ غيرَ الله، وأن ما يصنعه معهم عبادة لهم وأنه عابدٌ الله وعابدٌ غيره. (وقل له أيضاً) تقدم الجواب الأول وهو جوابٌ كافٍ وافٍ، وأردفه بهذا الجواب الثاني عن شبهته السابقة –كما هو شأنه ﵀؛ يذكر جواب الشبهة وافياً، ثم يزيده الجواب والجوابين والثلاثة- وهي قوله: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة.

стр. 66

الشبهة الخامسة: أن من أنكر الشرك فقد أنكر شفاعة الرسول ... فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها؛ بل هو ﷺ الشافع المشفَّع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ . ــ (المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول نعم) لا يمكنه أن ينكر شيئاً أثبته القرآن واذكر له النصوص الدالة على أنهم كانوا يدعون الملائكة والصالحين واللات كقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الآيتين١، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية٢ وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآيات٣. (فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟) يعني أنها ما كانت عبادتهم إلا هكذا، هل هو هذا أو غيره؟ فإنه لا يجد دليلاً غير هذا، فقل له: أنا عندي دليل وهي أن عبادتهم هي هذه ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جداً) في كشف شبهته. (فإن) انتقل المشبه إلى هذه الشبهة الأخرى و (قال: أتنكر شفاعة

стр. 67

ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ . ولا يشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد تبيَّن لك أن الشفاعة كلها لله؛ وأطلبها منه فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال هذا. ــ (رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟) هذا شأن أعداء الله القبوريين؛ إذا أُنِكر عليهم الباطل قالوا هذا إنكارٌ للحق، وإذا أنكر عليهم دعاء غيرِ الله قالوا هذا إنكار للشفاعة١, من شأن أهل الباطل المشبِّهين أهلَ الشرك المباهتةُ وإلباسُهم أهل الحق الشُبَهَ الباطلة، إذا أنكر عليهم دعاء غير الله وشركياتهم وضلالتهم أخذوا في الطعن على أهل التوحيد وقالوا إنكم تنكرون الشفاعة، وأنتم تنقصون الأولياء والصالحين -وليس كذلك- خالفوا طريقة الرسل وألزموهم أن يكونوا راضين بذلك، وهذا عكس ما دعوهم إليه.

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (فقل: لا أنكرها) وأولى من ذلك أن لا أتبرأ منها، وهي أصلٌ لأهل التوحيد دون غيرهم، بل أنا وأمثالي أرجي لشفاعته لكوني متمسك بسنته، بل هم المحروم لكونهم تعلقوا بأذيال لا توصّلهم بل هم تركوا سبب شفاعته ﷺ (بل هو ﷺ الشافع المشفَّع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله) فإن النبي ﷺ لا يملكها استقلالاً بل لا يشفع إلا في أناس مخصوصين قائم بهم التأهل لأن يشفع لهم (كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١) . هذا في سياق قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ فاللام عند جميع العلماء للملك، بيَّنت الآية أن الشفاعة ملك لله وحده وكون النبي ﷺ أُعطِيها لا استقلالاً من دون الله بل أكرمه المالك لها لأناس مخصوصين في مقدار مخصوص، فهي شيء محدود (ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢) فأي قائل أو أي إنسان يخرج النبي من هذا العموم. ولا يشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣) يعني من رضي الله قولَه وعمله (وهو سبحانه لا يرضى) من عباده إلا عمل واحد هو الإسلام والذي يدور عليه هو التوحيد؛ فالتوحيد منزلته من الإسلام كمنزلة الأساس

стр. 69

الشبهة السادسة: أن النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنها تطلب منه ... فإن قال: النبي ﷺ أُعطِيَ الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله. فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . فإذا كنت تدعو الله أن يشفِّع نبيه فيك فَأَطِعْهُ في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . ــ من البنيان، فالمحور هو التوحيد والرب لا يرضى (إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١) وقال عن المشركين ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٢ (فإذا كانت الشفاعة كلها لله) كما في الآية الأولى (ولا تكون إلا من بعد إذنه) كما في الآية الثانية (ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه) كما في الآية الثالثة (ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد) كما في الآية الرابعة (تبيَّن لك) بذلك كله بل بعضه كافٍ (أن الشفاعة كلها لله) ملك له وحده، وأنها لا تُطلب من غير الله بل تطلب من الله (وأطلبها منه) فأطلبها بما هو دعاء لرب العالمين المالك وحده لا دعاء للنبي (فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفّعه فيَّ وأمثال هذا) فإنك إذا قلت ذلك نلتها، ومراده أنك تطلبه بالمعنى ولو ما لفظت؛ فإذا عملت بالتوحيد فأنت تطلب أسباباً فيها نيلُ الشفاعة سواء قلت باللفظ أولا أو ما هذا معناه. (فإن قال) المشبه (النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله) إن انتقل لهذه الشبهة –في زعمه: أنه كما أن من أعطي المال يعطي من شاء فكذلك من أعطي الشفاعة.

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (فالجواب) نعم (أن الله أعطاه الشفاعة) وهو سيد الشفعاء لكن الذي أعطاه الشفاعة هو الله (ونهاك عن هذا) نهاك أن تطلبها منه١ فهذا من جهله يطلب شيئاً منهياً عنه، مع أن إعطاءه الشفاعةَ إعطاءٌ مقيدٌ ر مطلقاً، كما أن إعطاءه المال ﷺ لا يعطيه من شاء إنما يعطيه من أُمِر أن يعطيه (فقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢) فهذا نهي عن دعوة غير الله، ودعوةُ غير الله أنواع: منها دعوة غير الله فيما يرجونه من شفاعتهم، ومنها دعوة غير الله لكشف الكربات ونحو ذلك؛ وهذا منهي عنه بل هو حقيقة دين المشركين الأولين، إنما كانت عبادتُهم آلهتهَم بالدعاء وطلب الشفاعة ونحو ذلك كما تقدم (فإذا كنت تدعو الله) الظاهر أن مراده ترجو الله (أن يشفِّع نبيه فيك فَأَطِعْه في قوله ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ) إذا منت ترجو أن تكون أهلاً لشفاعة سيد الشفعاء فوحِّد الله وأخلِص له العمل تَنَلْ شفاعة المصطفى ﷺ ؛ فإن الشفاعة التي هي حق وأعطيها ﷺ مشروطة بشرط كما تقدم وبينت الشريعة أن سبب نيلها اتباع الرسل وإخلاص العمل فبذلك يكون من أهل الشفاعة. فالمشركون ضيَّعوا سبب الشفاعة وضادُّوه وخالفوه. الشريعة بينت أن سبب أعطائه

стр. 71

وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غيرُ النبي ﷺ ؛ فصحَّ أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون: أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه. وإن قلت لا. بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله. ــ إياها غير طلبها منه ﷺ ، وإنما سببها الإيمان به ﷺ والإيمان بما جاء به؛ قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ وما لا يعلمه الله فهو باطل؛ يعني لا يعلم أن من دونه شفعاء. وسئل ﷺ : "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" وقال: "فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً". فالشفاعة للعصاة. أما المشركون فلا شفاعة لهم٣. (وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ هذا جواب ثانٍ لكشف الشبهة السابقة، تقدم الأول وهو كافٍ شافٍ في كشف شبهته، وهذا الثاني (فصحَّ أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون) فجنس الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ولكن هذا الإعطاء مقيد

стр. 72

الشبهة السابعة: أن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك فليس مشركا بذلك ... فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلاَّ، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. ــ (أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم) يعني مقتضى قوله النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبها منه يدلد على ذلك (فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه) فإنها ليست أكثر من طلبهم منهم الشفاعة والذبح لهم لقصد تقريبهم إلى الله وطلب شفاعتهم لا غير كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية١. (وإن قلت لا) أطلبها منهم ولو أعطوها (بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله) واتضح لك أن كون شخص أُعطِيها لا يدل على أنه يعطيها من سألها، وَلَلَزِمَ من ذلك أن يكون كلُ من طلب الشفاعة يعطي إياها من سأله، ولَفسدت الشرائع، فدلّ على أن إعطاءه الشفاعة مقيد وليس دالاً على أنها تُطلب منه، ولو كانت تطلب منه لكان الصحابة أول من يطلبها منه؛ بل أنكر زين العابدين على مَن أتى إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو. وحينئذ انكشفت شبهته، واندحضت حجته، وتبيَّن لك ذلك جهلُه وضلاله. (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) يعني نفي عن نفسه الشرك (فقل له) مجيباً بالاستفصال والتحدي حتى تنكشف شبهته (إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره) وهو لا يمكن أن يجحده (فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟)

стр. 73

فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرَّم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرِّيء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟! أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا. فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك ــ يعني: فسِّر لي حقيقة الشرك بالله، يعني وما معنى عبادة الله (فإنه لا يدري) عن الشرك ولا عن التوحيد إذا طلبت منه بيان هذا وهذا، وَقف فأين هذا من التوحيد؟ (فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟) فإن الحكم على الشيء نفياً وإثباتاً لابد أن يكون بعد العلم والتصور؛ فلا عرفت الشرك حتى تنفيه ولا عرفت التوحيد حتى تثبته (كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟) عدم معرفتك له وعدم مبالاتك به يدل على أنك لا تعرف دينك وأنك لست من التدين في شيء، صادٌ غافل مُعرِض عن الدين ومعرفته، فحقُّك السكوت، ولأي شيء تتكلم (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا) فإن ظن ذلك فقد ضل ضلالا أعظم من ضلاله الأول وأضاف إلى ذلك كفراً آخر. وإنما صدر منه ذلك لأنه كان فيه، وغمره واستحكم عليه ولا درى أنه في الشرك؛ فإن الله قد بيَّن لنا الدقيق والجليل وأكمل لنا الدين. (فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام)

стр. 74

الشبهة الثامنة: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام ... فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك

стр. 75

الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمرَ من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره؛ يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون إنه يُقرِّبنا إلى الله زُلْفَى ويدفع الله عنا ببركته، أو يعطينا ببركته. فقل: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها. فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب. ــ انتقل إلى هذه الشبهة؛ زعم أن الشرك عبادة الأصنام بخصوصه، وهو في زعمه أنه لا يعبد الأصنام بل ولي، فجاوبه بالاستفسار والتحدي فبه يندحض وتنكشف شبهته، ويظهر جهله وضلاله، وأنه أجنبي مما عليه المرسلون وما هو دين المشركين (فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟) التي حصرت الشرك فيها (أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟) فإن قال نعم (فهذا يكذبه القرآن) ويرده؛ فإن القرآن دال على أنهم لا يعتقدون فيها ذلك أصلاً (وإن قال هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته) فهذا تفسيرٌ لعبادة الأصنام صحيح (فقل صدقت) لكن (وهذا هو) بعينه (فعلكم) الذي وقعتم فيه (عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها) وهذا المطابق هو حقيقة تفسيرها (فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب) المطلوب إقرارُه بالحق وكشف شبهته، وقد انكشفت شبهته واندحضت حجته، وتبين جهالته وضلالته.
следующие страницы →