← Акыда

Акыда · id 11265

شرح مسائل الجاهلية

صالح الفوزان

Полный текст (301 стр.). Показаны 281–301 · переход к 286.

стр. 281

كتمان الحق مع العلم به المسألة الرابعة عشرة بعد المائة [كِتْمَانُ الحَقِّ مَعَ العِلْمِ بِهِ] . الشرح من مسائل الجاهلية من اليهود والنصارى والوثنيين، وغيرهم من طوائف الكفر: كتمان الحق مع العلم به، وهذا يظهر في أهل الكتاب من اليهود والنصارى أكثر؛ فإنهم يعلمون الحق، ولكنهم يكتمونه، ولا يبينونه للناس؛ من أجل مصالحهم الدنيوية، أو من أجل إرضاء الناس، وأعظم الكتمان أنهم علموا أوصاف محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وعلموا صحة رسالته وما جاء به، ومع هذا كتموا ذلك، وأنكروا رسالة محمد ﷺ ، كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم في مواضع من القرآن، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧] ، وهذه الآية

стр. 282

في سياق تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، يعلمون أن رسول الله ﷺ ستكون قبلته الكعبة المشرفة، قبلة إبراهيم ﵇، يعلمون هذا في كتبهم، ومع هذا أنكروا تحويل القبلة، وكتموا ما عندهم من العلم في ذلك. وكذلك كل من كتم حقاً وهو يعلمه من غير اليهود والنصارى، حتى من المسلمين، من كتم الحق ولم يبينه للناس، فإنه على طريقة اليهود والنصارى، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] . شرط في قبول توبتهم: البيان لما كتموه، فلا تكفي التوبة المجملة، ولكن لا بد من البيان، فيجب على من علم الحق أن يبيّنه للناس، ولا يشتري به ثمناً قليلاً، فيكتمه من أجل أن يحصل على مصلحة من مصالح الدنيا، أو من أجل أن يرضي الناس، فالله أحق أن يخشاه – –وأن يرضيه، فلا يجوز كتمان الحق لمن قدر على بيانه وإظهاره، أما من لم

стр. 283

يقدر، أو خاف بالبيان فتنة أكبر، فإنه معذور، لكن من لم يكن عنده مانع من البيان، وإنما كتم الحق من أجل رغبته هو ومصلحته هو، فهذا يلعنه الله ويلعنه اللاعنون. فهذه صفة اليهود، وهي منطبقة على كل من كتم الحق، من أجل اتباع الهوى، ولم يبينه للناس، وإذا سئل عن حكم مسألة أجاب بغير الحق وهو يعرف الجواب الصحيح، فهذا من كتمان الحق، والله جل وعلا أمر بقول الحق ولو على النفس: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، فيجب بيان الحق في الشهادات وفي غيرها. وأشد من كتمان الشهادة: كتمان العلم، الذي هو حياة الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، فالواجب بيان الحق، وعدم المداهنة، ومن ذلك: إذا رأى الناس على باطل أو خرافات أو شرك، فإنه لا يسكت، بل يجب عليه أن يبين، ولا يترك الناس يقعون في عبادة القبور، وعبادة الأضرحة، ومزاولة البدع المضلة، ويسكت ويقول: ليس لي شأن بالناس، أو يرى الناس يتعاملون بالمعاملات المحرّمة ويسكت، فهذا كتمان للعلم وخيانة للنصيحة، فالله لم يعطك هذا العلم من أجل أن تسكت عليه، وإنما حمّلك إياه من أجل

стр. 284

أن تبينه للناس، وأن تدعو إلى الله على بصيرة، وأن تحاول إخراج الناس من الظلمات إلى النور. فلا يسوغ للعلماء أن يسكتوا، وهم يقدرون على البيان، لا سيما إذا رأوا الناس في ضلال وشرك وبدع وخرافات، فلا يسعهم السكوت، فإن سكتوا فإن هذا من كتمان العلم الذي عاب الله به اليهود والنصارى، فكيف إذا قال بخلاف الحق وهو يعلمه، وأفتى بخلافه معتمداً، من أجل إرضاء الناس، أو من أجل تمشية الأمور، أو من أجل أن يساير الناس على ما هم عليه؟!، فالحق أحق أن يتبع، فأنت ترضي الله ، ولا ترضي الناس وهم على باطل، وفي الحديث: "من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" ١.

стр. 285

املسألة الخامسة عشرة بعد المائة: القول على اله بغير علم ... القول على الله بغير علم المسألة الخامسة عشرة بعد المائة [قاعدة الضلال، وهي: القول على الله بغير علم] الشرح قاعدة الضلال، أي: أصل ضلال العالم ومنشؤه، القول على الله بغير علم. والقول على الله بلا علم أعظم من الشرك؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فجعل القول على الله فوق الشرك بالله ، فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بغير علم، كأن يقول: إن الله حرم كذا، أو: إن الله أباح كذا، أو: إن الله شرع كذا، وهو غير مشروع، هذا قول على الله بغير علم، والعياذ بالله. أو يفتي وهو لا يعلم، بل يتخرّص، وهذا خطير جداً، وهذا كذب على الله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾

стр. 286

[الزمر: ٣٢] ، فلا يجوز القول على الله بلا علم. والرسول ﷺ إذا سئل عن شيء لم ينزل عليه فيه وحي يؤجل الإجابة حتى ينزل عليه الوحي من الله ، فكيف بغيره؟ والعالم يخفى عليه أشياء كثيرة، فإذا لم يكن عندك وضوح في المسألة ودليل من الكتاب والسنة، فقل: لا أدري، ولا ينقص هذا من علمك وقدرك، بل يزيد هذا من قدرك عند الله سبحانه، فقد سئل الأمام مالك ﵀ عن أربعين مسألة، فأجاب عن بعضها، وقال عن أكثرها: لا أدري، قال له السائل: أنا جئتك من بلاد بعيدة، وتحملت سفراً، وتقول: لا أدري، فقال له الإمام مالك: اركب راحلتك، واذهب إلى البلد الذي جئت منه، وقل للناس: سألت مالكاً، وقال: لا أدري, وهكذا أهل العلم وأهل الخشية من الله . وحتى في التأليف: فالإنسان لا يؤلّف وهو ليس عنده أهلية التأليف، فليتنا سَلِمنا من كثير من المؤلفات والرسائل، ولم تبق لنا إلا الكتب الصحيحة الموافقة للكتاب والسنة، والمشكل أن هذه الكتب والرسائل ستبقى وتضلل أجيالاً بعدك، وتكون أنت المسؤول عنها، الإنسان يتقي الله في فتواه، وفي كتابه، وفي كلامه، وفي حديثه، وفي محاضرته، فلا يقول إلا ما يغلب على ظنه أنه صواب، وأنه موافق الكتاب والسنة.

стр. 287

السمألة السادسة عشرة بعد المائة: تناقض أقوالهم وتضاربها ... تناقض أقوالهم وتضاربها المسألة السادسة عشرة بعد المائة [التناقض الواضح، لما كذَّبوا بالحق، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] . الشرح التناقض هو: تضارب الأقوال واختلافها، فمن ترك الحق فإنه يُبتلى بالتناقض وتضارب أقواله؛ لأن الضلال يتشعب، ولا حد لشعبه. وأما الحق: فإنه شيء واحد لا يتشعب ولا يختلف، والله جل وعلا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ، فمن ترك الحق وقع في الضلال، والضلال متاهة والعياذ بالله، فتجد أصحابه مختلفين فيما بينهم؛ بل تجد الواحد منهم مختلفة آراؤه؛ لأنه ليس عنده هدىً يسير عليه، وإنما يتخبط، تارة يقول كذا، وتارة يقول كذا. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ

стр. 288

مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] يعني: مختلف، فأهل الباطل يختلفون فيما بينهم، ويتعادون ويضلل بعضهم بعضاً، أو يكفر بعضهم بعضاً، أما أهل الحق المتمسكون بالحق فإنهم لا يختلفون، وإن اختلفوا عن اجتهاد فإنهم لا يتعادون ولا يتقاطعون، وإذا تبين لهم الصواب رجعوا إليه، وتركوا أقوالهم، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، وتجدون الخلاف بين الأئمة الأربعة وبين الفقهاء، ولا أحد منهم ضلّل الآخر أو كفّر الآخر، كل يعمل بحسب ما يظهر له من الدليل، وإذا ظهر أنه مخالف رجع إلى الحق. أما أهل الضلال فليس لهم مرجع يرجعون إليه، وإنما مرجع كل منهم إلى هواه، والأهواء تختلف.

стр. 289

المسألة السابعة عشرة بعد المائة: الإيمان ببعض ما أنزل دون بعض ... الإيمان ببعض ما أنزل دون بعض المسألة السابعة عشرة بعد المائة [الإيمان ببعض المنزَّل دون بعض] الشرح الإيمان ببعض المنزل من عند الله دون بعض سنة اليهود والنصارى، قال : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٣، ٨٤، ٨٥] تؤمنون ببعض الكتاب: وهو فداء الأسير، وتكفرون ببعضه،

стр. 290

وهو القتل والإخراج من الديار فتستحلونه ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥، ٨٦] هذا جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر بالبعض الآخر؛ لأن الواجب الإيمان بالكتاب كله، ولا يأخذ الإنسان ما يوافق هواه ويترك ما يخالف هواه ورغبته، هذه صفة اليهود ومن حذا حذوهم من كل من يأخذ من الكتاب ما يوافق هواه، ويترك ما يخالف هواه. وفي الآية الأخرى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: إذا جاءهم الرسول بما يوافق أهواءهم قبلوه، وإذا جاءهم بما يخالف أهواءهم رفضوه، ثم يكون موقفهم مع هذا الرسول الذي جاءهم بما لا يهوونه: إما أن يكذبوه، وإما أن يقتلوه، والعياذ بالله. وفي هذا عظة للمسلمين أن لا يفعلوا مثل فعلهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم.

стр. 291

المسألة الثامنة عشرة بعد المائة: الإيمان ببعض الرسل دون بعض ... الإيمان ببعض الرسل دون بعض المسألة الثامنة عشرة بعد المائة [التفريق بين الرسل] الشرح التفريق بين الرسل بالإيمان ببعضهم والكفر بالبعض الآخر من صفة أهل الكتاب خاصة، أما الوثنيون والمشركون فلا يؤمنون بالرسل أصلاً، بل يكفرون بالرسل جميعاً، أما اليهود فإنهم كفروا بعيسى ﵇، وكفروا بمحمد ﷺ ، والنصارى كفروا بمحمد ﷺ ، ومن كفر بنبي واحد فهو كافر بالجميع؛ لأن الرسل طريقتهم واحدة ودينهم واحد، وهم أخوة، فمن كفر بواحد منهم، فقد كفر بالجميع، فالحجة التي مع الرسول الذي كفر به هي الحجة التي مع الرسل الذين آمن بهم؛ فلا يفرق بينهم، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ

стр. 292

بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . لا نفرق بين أحد من رسله، فالإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان الستة، التي جاءت في حديث جبريل، لما سأل رسول الله ﷺ فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١، ولا يكفي الإيمان ببعضهم؛ بل لا بد من الإيمان بهم جميعاً، وإلا فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] مع أنهم ما كذبوا إلا بنبيهم، فلما كذبوا نبيهم كانوا مكذبين لجميع الرسل.

стр. 293

المسألة التاسعة عشرة بعد المائة: المحاجة فيما ليس لهم به علم ... المحاجّة فيما ليس لهم به علم المسألة التاسعة عشرة بعد المائة [مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم] الشرح أي: أن أهل الجاهلية يجادلون ويخاصمون فيما ليس لهم به علم. والواجب أن الإنسان لا يجادل إلا بعلم، أما ما لا يعلمه فإنه يسكت عنه، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] يعني: وحقيقته التي يؤول إليها. وهذا يتضمن ناحيتين: الناحية الأولى: أن الإنسان لا يدخل فيما لا يعلم، ولا ينكر ما لا يعلم، بل يقول: الله أعلم؛ ولهذا يقول الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] ، فالإنسان لا يدعي أنه أحاط بالعلم، بل يتقاصر، ويعرف قدر نفسه، ولو كان عنده علم كثير، فما خفي عليه أكثر، والله جل وعلا يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] حتى ينتهي

стр. 294

العلم إلى الله . الناحية الثانية: أنه لا ينكر الشيء الذي يعلمه غيره، فإذا كان عند غيرك علم خفي عليك، فلا تنكر ما عند غيرك، فما أحد من البشر أُعطي العلم كله، ولهذا يقول العلماء: هذه العبارة التي يكررونها دائماً: "من حفظ حجة على من لم يحفظ". والدهريون والمشركون ومعطلة الصفات وسائر أهل الضلال، أنكروا ما أنكروه؛ لجهلهم به، وكونه لا تدركه عقولهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالغيب، وبنوا مذاهبهم على القياس الفاسد، فضلوا عن سواء السبيل.

стр. 295

المسألة العشرون بعد المائة: تناقضهم في اتباعهم لغيرهم ... تناقضهم في اتباعهم لغيرهم المسألة العشرون بعد المائة [دعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم] الشرح عامة اليهود والنصارى، وأهل الضلال من المنتسبين إلى الإسلام، كلهم يدّعون أنهم يتّبعون مَن سبقهم من المؤمنين قبلهم، فاليهود يدّعون أنهم من أتباع موسى ﵇ ومن آمن به، والنصارى يدّعون أنهم يتبعون المسيح ﵇ ومن آمن به، وأهل الضلال من هذه الأمة يدّعون أنهم يتبعون سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأن ما هم عليه هو مذهب السلف. وما كل من ادّعى أنه على مذهب السلف أو على منهج السلف تكون دعواه صحيحة؛ حتى يعرض ما عنده على منهج السلف الصالح، فإن طابق فهو على منهج السلف، وإن خالف فإنه ليس على منهج السلف، وإن ادعى هذا. كل الطوائف

стр. 296

الضالة الآن تدّعي أنها على مذهب السلف، ولكنهم ليسوا على منهج السلف؛ لأنهم لا ينطبق عليهم قول الرسول ﷺ – في ضابط مذهب السلف -: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" ١ هذا الذي يكون على منهج السلف. أما من خالف هذا فإنه ليس على منهج السلف، وإن ادّعى ذلك، والعبرة ليست بالدعوى، وإنما العبرة بالحقيقة، فالذين يدّعون السلفية كثيرون، لكن لا بد من عرض ما هم عليه على منهج السلف الصالح، فإن طابق فهذا حق، وإن خالف فإنهم ليسوا على منهج السلف الصالح. وكذلك الذين ينتسبون إلى المذاهب الأربعة وهم يخالفون الأئمة في الاعتقاد، فانتسابهم غير صحيح؛ لأنهم خالفوهم في أهم الأشياء وهو العقيدة.

стр. 297

الصَّدّ عن سبيل الله المسألة الحادية والعشرون بعد المائة [صدهم عن سبيل الله من آمن به] الشرح الصد عن سبيل الله هو: صرف الناس عن الدخول في دين الله، وهذا عمل الكفار قديماً وحديثاً، من يهود ونصارى ومشركين، فمن مناهج الجاهلية في كل زمان ومكان: الصد عن سبيل الله، والفرق الضالة الآن على هذا النهج، تحاول تضليل المسلمين، وجلبهم إلى نحلهم الباطلة، وكذلك اليهود والنصارى، لا يزالون يحاولون في المسلمين صدهم عن الإسلام، ويقولون: تعالوا نتحاور فيما بيننا، ويقولون بحرية الأديان. هذا من الصد عن سبيل الله ، هل نحن على شك من صحة ديننا وبطلان دينكم حتى نتحاور معكم؟! لسنا على شك من ديننا، وبطلان ما أنتم عليه. فهؤلاء يريدون من هذه الدعايات الحوار بين الأديان،

стр. 298

والتعاون بين الأديان، يريدون به الصد عن سبيل الله، هذا مرادهم، وهذا مقصدهم، ولا يزال الكفار إلى الآن يحاولون إضلال المسلمين، ويقتلونهم، ويرشدونهم، ويعذبونهم، من أجل دينهم وصدهم عنه. وهم الذين يقولون: نتحاور فيما بيننا، ويقولون بحرية الأديان والمعتقدات، لكنهم يقصدون أديانهم ومعتقداتهم، قال الله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] ، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] ، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] ، لكنهم يريدون لبس الحق بالباطل، ومساواة الدين الباطل بالدين الحق، ثم لا يثبتون على هذا، بل يريدون إزالة الإسلام، فهم يقتلون المسلمين ويشردونهم من أجل أن يصرفوهم عن دينهم، ويريدون أن لا يبقى على وجه الأرض مسلم، هذه أمنيتهم، وهذا قصدهم.

стр. 299

المسألة الثانية والعشرون بعد المائة: موالاة الكفار ... موالاة الكفار المسألة الثانية والعشرون بعد المائة [مودتهم الكفر والكافرين] الشرح من مسائل الجاهلية: أنهم يردون الكفر والكافرين، كما ذكر الله ذلك عن بني إسرائيل، أنهم اتخذوا الكفار أولياء، قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠] . وقد حرّم الله موالاة الكفار، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] نهى الله المسلمين أن يفعلوا مثل ما فعل اليهود من موالاة الكفار ومحبة الكفار ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] ، الأمر واضح في هذا، وأنه تجب معاداة الكفار والبراءة منهم ومن دينهم، والولاء والبراء من أعظم الواجبات في الإسلام.

стр. 300

المسائل الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والعشرون بعد المائة:اعتمادهم على الخرافات ... اعتمادهم على الخرافات المسألة الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والثامنة والعشرون بعد المائة [العِيَافَة، والطَّرْقُ، والطِّيَرَة، والكَهَانَة، والتَّحَاكُمُ إلى الطَّاغُوتِ، وكَرَاهَة التَّزْوِيجِ بين العيدين] الشرح العيافة: زجر الطير، وكذلك الطيرة؛ لأنهم في الجاهلية كانوا يتشاءمون بالطيور؛ فإذا رأوها تطير على شكلٍ يكرهونه تراجعوا عما عزموا عليه من أسفارهم وغيرها. والله جل وعلا أمرنا بالتوكل عليه وحده، والمُضِيِّ فيما فيه مصلحة للإنسان، وإذا أشكل عليه شيء من أموره، أو تردد في شيء، فإنه يصلي صلاة الاستخارة، ويدعو بعدها أن يهديه الله للصواب. وكذلك يستشير أهل الخبرة والمعرفة. والطرق: الخطُّ، يخط بالأرض، وهذا إنما يكون عند المشعوذين الذين يخطون في الرمل، ويقولن: سيحصل

стр. 301

كذا، سيحدث كذا. وهذا من فعل الجاهلية؛ لأنه من ادِّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وهو خَرْصٌ وتخمين، ولكن قد يقع ما قالوا؛ من باب الفتنة والاستدراج للناس، فالواجب تجنب هؤلاء والابتعاد عنهم. والتحاكم إلى الطاغوت هو: التحاكم إلى غير كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، من القوانين الوضعية، وحكم العوائد، عوائد البادية وسوالفها، أو علم الكلام والقواعد المنطقية. وكانوا في الجاهلية يتحاكمون إلى الطاغوت، وهو مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، والمراد به هنا: من حكم بغير ما أنزل الله. والواجب على المسلمين التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . وكراهة التزويج بين العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، هو من التشاؤم بالأيام المنهي عنه، وهو نوع من الطيرة. وقد شرع الله التزويج في جميع الأوقات، ما عدا حالة الإحرام بحج أو عمرة، ولا يدخل للأيام في نجاح التزويج أو فشله، وإنما هذا بيد الله . والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.