لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ " ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] وبإقامة هذه الأحكام الربانية استتب الأمن، وسادت المحبة بين المسلمين، وزالت عنهم فوضى الجاهلية وعنجهيتها، والحمد لله رب العالمين.
стр. 247
المسالة الثانية والتسعون: الفخر بغير الحق أو بحق
...
الفخر بغير الحق أو بحق
المسألة الثانية والتسعون
[إِنَّ أَجَلَّ فَضَائِلَهُمُ الفَخْرُ وَلَوْ بِحَقٍّ، فَنُهِيَ عَنْهُ] .
الشرح
من مسائل الجاهلية: الفخر ولو بحق، فهم يفخرون بأفعالهم وأفعال آبائهم، وهذا منهي عنه؛ لأن الفخر بالأعمال يؤدِّي إلى الإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وهو منهي عنه، وهو من أفعال الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يفتخر؛ لأنه مهما بذل ومهما عمل فإنه مقصر، ولا يؤدي كل ما أوجب الله عليه، فحق الله عظيم، وحق الوالدين عظيم، وحق الأقارب عظيم، وعليه حقوق عظيمة، فكيف يفخر الإنسان إذا فعل شيئاً من الإحسان، أو من المعروف، أو من أفعال الخير، مع أنه إنما أتى بشيء يسير؟ هذا في الافتخار فيما بينه وبين الخلق، أما إذا افتخر بأعماله التي بينه وبين الله، فهذا أشد؛ لأنه يؤدي إلى الإعجاب بالعمل، وإلى استكثار العمل، وهذا يبطل العمل.
стр. 248
فالواجب على الإنسان أن يعتبر نفسه مقصراً دائماً وأبداً فيما بينه وبين الله، وهذا واضح، وفيما بينه وبين الخلق أيضاًُ؛ فإنه إذا اعتبر نفسه مقصراً، حمله ذلك على التواضع، وحمله ذلك إلى المزيد من الخير، أما إذا اعتبر نفسه مكمّلاً، وأنه قام بالواجب، فهذا يستدعي أنه يتوقف عن فعل الخير، ويرى أنه قد بلغ النهاية، فيتوقف عن فعل الخير.
والحاصل: أن الافتخار لا ينبغي أن يصدر من مسلم، وإنما هو من أفعال الجاهلية، والنبي ﷺ –لما ذكر أنه سيد ولد آدم- قال: "ولا فخر" ١ مع أن مقامه هذا لا يساويه فيه أحد، ومع هذا قال "ولا فخر"، نفى عن نفسه الفخر، وإنما أخبر بذلك من باب التحدث بنعمة الله والشكر عليها لا من باب الفخر.
стр. 249
المسألة الثالثة والتسعون: التعصب الممقوت
...
التعصب الممقوت
المسألة الثالثة والتسعون
[أنَّ تَعَصُّبَ الإِنْسَانِ لِطَائِفَتِهِ عَلَى الحَقِّ وَالبَاطِلِ، أَمْرٌ لاَبُدَّ مِنْهُ عَنْدَهُمْ، فَذَكَرَ اللهُ فِيهِ مَا ذَكَرَ]
الشرح
التعصب المذموم هو الاستمرار على الباطل، مع العلم ببطلانه؛ تكبراً وعناداً ونصرة للشخص أو للقبيلة على حق أو باطل، وهذا من أمور الجاهلية.
ويقول شاعرهم:
غَوَيْتُ وإنْ تَرْشَدْ غزية أَرْشد ... وما أنا مِنْ غزية إن غَوَتْ
فأنزل الله في ذلك ما أنزل، من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملكم بغض قوم على ألا تعدلوا في حقهم، ولو كانوا أعداءكم، فالعدل مطلوب مع الأصدقاء ومع الأعداء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، فلا تحملك القرابة على أنك تحيف مع قريبك، بل إذا كان مخطئاً
стр. 250
تُغيِّر خطأه، ولا تتابعه بل تنصحه، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥] .
فالواجب على الإنسان العدل مع نفسه ومع صديقه ومع عدوه، لا تحمله عداوة أحد أن يظلمه، أو يجور عليه، هذا هو شأن المسلم.
وأما أهل الجاهلية فإنهم يتعصبون لقومهم، ولو كان قومهم ظالمين، فأمرنا الله جل وعلا بمخالفتهم، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا وعلى أقاربنا وعلى أصدقائنا وعلى أعدائنا، وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، قالوا: يا رسول الله، ننصره إذا كان مظلوماً، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟! قال: "تمنعه عن الظلم، فذلك نصره" ١فنصره: أن تمنعه من الظلم، وليس نصره أن تساعده على الظلم، فهذا خذلان له.
стр. 251
المسألة الرابعة والتسعون: أخذ البريء بجريمة غيره
...
أخذ البريء بجريمة غيره
المسألة الرابعة والتسعون
[أَنَّ مِنْ دِينِهِمْ: أَخْذَ الرَّجُلِ بِجَرِيمَةِ غَيْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] .
الشرح
من مسائل الجاهلية: أنهم يأخذون الرجل –أي يعاقبونه- بسبب جرم غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] فالذي لم يحصل منه ظلم لا يؤاخذ بظلم غيره، حتى لو كان قريبه ابن عمه أو والده أو ولده، لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يؤخذ البريء بجريمة المعتدي، فإذا أُخذ غير المعتدي بعدوان المعتدي، فهذا ظلم وجور لا يقره الإسلام.
والآن في بعض البوادي: إذا حصل اعتداء من شخص من قبيلة، وكان هذا الشخص لا وزن له، لا يقتصون منه، وإنما يقتلون أو ينتقمون من غيره من القبيلة ممن هو أشرف منه
стр. 252
وأعز منه، ولا يأخذون المعتدي، وإنما يأخذون شيخ القبيلة أو من له قيمة أو مقام في القبيلة، وهذا من فعل الجاهلية.
الواجب أن الجريمة تختص بصاحبها، ويقتص من صاحبها، هذا هو العدل ... ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
فالحاصل: أن هذه قاعدة عظيمة: أن الجريمة تختص بمن فعلها، ولا تتناول غيره.
فإن قلت: يرد على هذا أن الله جعل دية الخطأ على العاقلة، ولم يجعلها على القاتل، أليس هذا فيه تحميل لغير المذنب بذنب غيره؟
نقول: لا، هذا من العدل والتعاون، لما كان القاتل خَطَأً غير متعمد، ناسب ذلك أن تعينه عصبته، كما أنهم يرثون ماله لو مات، فكذلك يحملون عنه الخطأ الذي وقع فيه من غير قصد. أما المتعمد للجريمة فهذا يختص جزاؤه به ولذلك لا تحمل العاقلة عمداً.
стр. 253
المسألة الخامسة والتسعون: تغيير الرجل بنقص في غيره
...
تعيير الرجل بنقص في غيره
المسألة الخامسة والتسعون
[تَعْبِير الرَّجُلِ بِمَا فِي غَيْرِهِ، فَقَالَ: "أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"]
الشرح
هذا في قصة أبي ذر ﵁، لما قال في واحد من أفاضل الصحابة من السابقين الأولين إلى الإسلام، قال له: يا ابن السوداء؛ لأن أمه سوداء، قال له صلى اله عليه وسلم: "أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" ١فتعيير الشخص بشيء ليس فيه، وإنما هو في غيره، أو بدناءة نسبه، هو من أمور الجاهلية، وليس كل من كانت فيه خصلة من خصال الجاهلية يكون كافراً.
стр. 254
المسألة السادسة والتسعون: افتخارهم بأعمالهم الطيبة
...
افتخارهم بأعمالهم الطيبة
المسألة السادسة والتسعون
[الافْتِخَارُ بِوِلاَيَةِ البَيْتِ، فَذَمَّهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] .
الشرح
من مسائل الجاهلية: أنهم يفتخرون بقيامهم على المشاعر، بسدانتها وتنظيمها، ورفادة الوافدين إليها، وسقاية الحجيج، فهم يفتخرون بهذا العمل ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: بولاية البيت وبخدمة البيت الشريف، وبخدمة الوافدين إليه، يفتخرون بهذا على غيرهم من العرب، فهذا من أمور الجاهلية؛ لأن خدمة بيوت الله عبادة، فلا يجوز الإنسان أن يفتخر بالعبادة؛ لأنه يتقرب بها إلى الله، لا يريد الثناء من الناس والمدح من الناس، بل يحمد الله أن جعله ممن يقومون بهذا العمل، دون أن يتكبر به أو أن يفتخر به.
فهم بدلاً من أن يؤمنوا بالرسول وبالكتاب ويتبعوه، يفتخرون بعملهم في البيت، ويظنون أن هذا يكفيهم عن اتباع
стр. 255
الكتاب واتباع الرسول ﷺ ، هذا وجه الذم لهم؛ أنهم اعتاضوا عن اتباع الكتاب بخدمة البيت، ظناً منهم أنها تكفيهم، فهذا من أمور الجاهلية.
والله جل وعلا يقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] نعم، سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام عمل صالح، ولكن لا يفتخر الإنسان بهذا، ويظن أنه يكفيه، بل عليه أن يسهم بالأعمال الصالحة الأخرى، التي هي أجلّ من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وهي الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله، والهجرة، وأعمال جليلة.
فالإنسان لا يقتصر على عمل ويظن أنه يكفيه، لا سيما إذا ظن أنه يكفيه عن اتباع القرآن والسنة. والآن هناك من يظنون أن سكناهم في مكة والمدينة تكفيهم عن العمل حتى قال قائلهم: النائم فيه –يعني الحرم – خير من القائم في غيره وهذا غرور من الشيطان.
стр. 256
المسألة السابعة والتسعون: افتخارهم بانتسابهم إلى الطيبين مع مخالفتهم لهم
...
افتخارهم بانتسابهم إلى الطيّبين مع مخالفتهم لهم
المسألة السابعة والتسعون
[الافْتِخَارُ بِكَوْنِهِمْ ذُرِّيَةَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَتَى اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] .
الشرح
من عمل بني إسرائيل: أنهم يفتخرون بكونهم ذرية الأنبياء، دون أن يتبعوهم، ولا سيما خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، وكان الواجب عليهم أن يتبعوه، أما أن يقولوا: نحن ذرية الأنبياء، ويكتفوا بهذا، دون أن يتبعوهم، فهذا رد الله عليه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] فالإنسان يُعتبر بعمله هو، لا بعمل غيره، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أفضل الخلق، ولكن هذا لا يغني عن ذريتهم إذا لم يتبعوهم، فأعمال الأنبياء لهم، وأنتم لكم أعمالكم، وكذلك كل من يفتخر بعمل آبائه وأجداده، وأنهم صالحون وأنهم علماء، ويظن أن هذا يكفيه عن أن يعمل هو،
стр. 257
كالذين ينتسبون إلى أهل البيت، ويظنون أن انتسابهم إلى أهل البيت يكفيهم دون أن يقوموا هم بأعمال صالحة، هذا من هذا القبيل.
وكذلك الذين يتوسلون بعمل النبي، أو بجاه النبي، أو بعمل الأولياء أو الصالحين، ما علاقتهم بعمل غيرهم؟ عملهم لهم، وعملك لك، ولا ينفعك عملهم، يوم القيامة لا أحد ينفع أحداً ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ، فهذا فيه رد على الذين يتوسلون بالأولياء والصالحين أو بجاههم، أو يكتفون بانتسابهم إلى الصالحين أو إلى الأنبياء، أو قرابتهم منهم، دون أن يعملوا لأنفسهم، يقول ﷺ : "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنكم كمن الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً" ١، فالرسول يقول لأقرب الناس إليه: "لا أغني عنكم من الله شيئاً"، فكونكم تنتسبون إلى الرسول، أو قرابة الرسول، أو قرابة الأولياء والصالحين، أو تتوسلون بجاههم،
стр. 258
هذا لا ينفعكم شيئاً.
ويوم القيامة يقول الله : ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤- ٣٧] كل مشغول بنفسه؛ حتى إن عيسى ﵇ يقول: رب، لا أسألك مريم التي ولدتني، نفسي نفسي.
стр. 259
المسألة الثامنة والتسعون: افتخارهم بصنائعهم على من دونهم في ذلك
...
افتخارهم بصنائعهم على من دونهم في ذلك
المسألة الثامنة والتسعون
[الافْتِخَارُ بِالصَّنَائِعِ، كَفِعْلِ أَهْلِ الرّحْلَتَيْنِ عَلَى أَهْلِ الحَرْثِ]
الشرح
الافتخار بالصنائع، التاجر يفتخر بتجارته على الحرفي، وعل النجار وعلى الحداد، والموظف يفتخر بوظيفته على من دونه من الموظفين.
المسلم لا يحتقر من هو دونه، بل لا يحتقر الناس عموماً، فكيف يحتقر المسلمين لأجل حرفهم، وأنها دون حرفته؟ هذا من أمور الجاهلية، كما ذكر الله عن قريش في الرحلتين، فالله أنعم على قريش بالرحلتين التجاريتين، رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام؛ للتجارة، فهم يفتخرون على الناس بأنهم أصحاب الرحلتين، ويفتخرون على من دونهم من المزارعين وأهل
стр. 260
الحرث.
وهذا يتناول كل من افتخر بصنعته أو وظيفته على من دونه، فالإنسان لا يستكبر.
ومن ذلك: تنقصهم لمن حِرَفُهُمْ صنائعهم ليس مثل حرف أشرافهم، كالحدادين والنجارين، وهذه خصلة لا تزال موجودة في بعض الناس.
ومن هذا الباب: الذين يحتقرون أئمة المساجد والمؤذنين، مع أن وظيفة الإمام هي أفضل الوظائف، وهي عمل الرسول ﷺ ، وكذلك وظيفة المؤذن، فأشرف وظيفة هي وظيفة الإمام والمؤذن، فهما أشرف من عمل الوزير، وأشرف من جميع الأعمال.
стр. 261
المسألة التاسعة والتسعون: نظرتهم إلى الدنيا نظرة إعجاب
...
نظرتهم إلى الدنيا نظرة إعجاب
المسألة التاسعة والتسعون
[عَظَمَةُ الدُّنْيَا فِي قُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] .
الشرح
من مسائل الجاهلية: عظمة الدنيا في نفوسهم، فالذي عنده دنيا هو العزيز عندهم، والذي ليس عنده دنيا ذليل محتقر عندهم، حتى في الرسالة – التي هي من اختيار الله جل وعلا –يرون أنها يجب أن تكون في الأغنياء، ولا تكون في الفقراء، ويقولون: الله ما وجد إلا يتيم أبي طالب ليرسله؟ (يعنون محمداً ﷺ ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] القريتان: مكة والطائف، وهذا الرجل هو الوليد بن المغيرة في مكة، أو حبيب بن عمرو الثقفي -، وقيل: عروة بن مسعود –في الطائف، يقولون: لو كانت الرسالة في أحد هذين الرجلين؛ لكان هذا أليق بالرسالة، أما أن تذهب ليتيم فقير، وهو محمد ﷺ ، فهذا غير لائق عندهم.
стр. 262
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: يتدخلون في أعمال الله جل وعلا، ويريدون أن يقسموا رحمة الله، ولا يثقون بقسمة الله ، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
стр. 263
المسألة المائة: الاستدراك والاقتراح على الله
...
الاستدراك والاقتراح على الله
المسألة المائة
[التَّحَكُّمُ عَلَى اللهِ، كَمَا فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ]
الشرح
التحكم على الله يعني: الاقتراح على الله، كما في الآية: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] ويقترحون على الله، ويقولون: كيف يفرق الله القرآن وينزله منجماً، ولم ينزله جملة واحدة؟ يتدخلون فيما لا يعنيهم وفيما لا علم لهم به.
ثم بيّن سبحانه الحكمة في إنزال القرآن مفرقاً، وقال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦]
стр. 264
وأيضاً لأجل التسهيل لوقت العمل به، ولو نزل القرآن جملة واحدة ما استطاع الناس العمل به وكذلك الله نزله منجماً على حسب الوقائع؛ لأجل أن يبين حكم كل نازلة أو كل حادثة، هذه هي الحكمة في تنزيل القرآن مفرقاً.
ولا يخلو الزمان ممن هم على هذه الشاكلة، يتدخلون في النصوص، ويقترحون على الله ورسوله، أنه لو كان النص كذا، أو كان الحديث كذا وكذا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] لا تقترحوا على الله وعلى الرسول، عليكم بالإيمان بالله، والعمل بما أنزل الله، دون الاقتراحات والاعتراضات.
стр. 265
المسألة الحادية بعد المائة: احتقارهم للفقراء
...
احتقارهم للفقراء
المسألة الحادية بعد المائة
[اِزْدِرَاءُ الفُقَرَاءِ، فَأَتَاهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
الشرح
هذه سبق لها نظير، وهو أنهم يتركون اتباع الأنبياء؛ لأن الفقراء هم الذين اتبعوهم، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] أي: الفقراء والذين لا شأن لهم في المجتمع، وهذا من دين الجاهلية، حتى إنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يمنع هؤلاء وأن يجلسوا معهم؛ تكبراً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] فلو طردهم ﵊ لكان من الظالمين.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا
стр. 266
أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٣،٥٤] فمن اتبع الحق- ولو كان فقيراً –فهو الكريم عند الله ، وهو الذي يستحق أن يقابل بالمقابلة الحسنة ويفسح له في المجلس، وأما من أعرض عن الحق واستكبر عنه فهذا لا يستحق التكريم؛ لأنه هو الذي أهان نفسه، فيستحق الإبعاد والإقصاء والهجر.
стр. 267
المسألة الثانية بعد المائة: اتهامهم لأهل الإيمان في نياتهم ومقاصدهم
...
اتهامهم لأهل الإيمان في نهايتهم ومقاصدهم
المسألة الثانية بعد المائة
[رَمْيُهُمْ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ بِعَدَمِ الإِخْلاَصِ، وَطَلَبِ الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] ، وَأَمْثَالُهَا] .
الشرح
من أعمال أهل الجاهلية: أنهم يرمون الفقراء بأنهم ما آمنوا إلا من أجل ألان يحصلوا على شيء من مطامع الدنيا، كما قال آل فرعون لموسى ﵇ هو وهارون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] يرمون الأنبياء بأنهم يريدون الشرف والرئاسة، ويرمون فقراء المؤمنين بأنهم يريدون الغنى والثروة باتباعهم الرسول ﷺ ، فالله جل وعلا قال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
стр. 268
[الأنعام: ٥٢] فهذا رد عليهم بقولهم في المؤمنين: إنهم يريدون الدنيا، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فأثبت لهم الإخلاص.
стр. 269
كفرهم بأصول الإيمان
المسائل: الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والثامنة بعد المائة
[الكُفْرُ بالمَلاَئِكَةِ، الكُفْرُ بالرُّسُلِ، الكُفْرُ بالكُتُبِ، الإِعْرَاضُ عَمَّا جَاءَ عَنِ اللهِ، الكُفْرُ باليَوْمِ الآخِرِ، التَّكْذِيبُ بِلِقَاءِ اللهِ] .
الشرح
كل هذه المسائل من أمور الجاهلية، فهم لا يؤمنون بالكتب، ولا يؤمنون بالرسل، ولا يؤمنون بالملائكة، ولا يؤمنون باليوم الآخر، ولا يؤمنون بلقاء الله؛ لأن هذه من أمور الغيب، وهم لا يؤمنون بالغيب، وإنما يؤمن بهذه الأمور من يؤمن بالغيب، فلذلك كفروا بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر؛ ولهذا أثنى الله على الذين يؤمنون بالغيب في أول القرآن فقال: ﴿ ... هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ... ﴾ [البقرة: ٢، ٣] ويدخل في ذلك الإيمان
стр. 270
بالله، والإيمان بالملائكة، والكتب، والوحي، والإيمان باليوم الآخر، كل ذلك يدخل في الإيمان بالغيب، والجاهلية لا يؤمنون بالغيب، فلذلك يكفرون بهذه الأمور، ويكفرون بلقاء الله يوم القيامة.
стр. 271
المسالة التاسعة بعد المائة: تكذيبهم لبعض ماأخبرت به الرسل
...
ت كذيبهم لبعض ما أخبرت به الرسل
المسألة التاسعة بعد المائة
[التَّكْذِيبُ بِبَعْضِ مَا أَخْبَرتْ به الرُّسُلُ عن اليوم الآخر، كما في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] ، ومنها: التكذيب بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، وقوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .
الشرح
منهم من يكفر باليوم الآخر جملة ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] ومنهم من يؤمن باليوم الآخر، ولكن يجحد بعض الأمور التي تكون فيه، كأن يجحد الحساب أو وزن الأعمال، أو الجنة أو النار، فمنهم من يكفر به جملة، ومنهم من يكفر ببعض ما يكون فيه، ... فالذي يكفر ببعضه كالذي يكفر به كله، لا فرق؛ لأنه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ
стр. 272
سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٥] ... ومنهم من يكذب بالحساب، كما في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، فالدين هنا هو الحساب، وهم يكذبون به، وبالجزاء على الأعمال، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهذا اليوم هو يوم الدين ... ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ، إذا لم يكن معك عمل صالح يوم القيامة فإنه لا حيلة لك في ذلك اليوم في النجاة، فلا تجد أعمالاً تباع فتشتريها كما يشتري الإنسان الحوائج في الدنيا ... ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ ... فإذا لم تجد أحداً يبيع لك في الدنيا، فيمكن أن يكون لك صديق تذهب إليه، فيعطيك مما عنده، ولكن لا توجد خلة يوم القيامة، ولن ينفعك أحد ولو كان صديقك، ولكن ربما يشفع لك أحد، ويتوسط لك كما في الدنيا، وهذا أيضاً غير موجود يوم القيامة ﴿وَلا شَفَاعَةٌ﴾ .
إذا تقطعت عنك كل الوسائل يوم القيامة، وليس لك حيلة، إلا إذا كان معك عمل صالح قدمته لنفسك، وأعظم ذلك: التوحيد والسلامة من الشرك؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلا
стр. 273
يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، ﴿شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي قال: لا إله إلا الله، في الدنيا، ومات عليها، ولا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يعلم معناها، ولذلك قال: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فلا يكفي مجرد اللفظ من غير فهم للمعنى، ولا يكفي اللفظ ومعرفة المعنى بدون العمل بمقتضاها؛ لأن العلم وسيلة للعمل، فإذا لم يكن مع العلم عمل فلن تنفعك لا إله إلا الله.
стр. 274
المسألة العاشرة بعد المائة: اعتداؤهم على دعاة الحق
...
اعتداؤهم على دعاة الحق
المسألة العاشرة بعد المائة
[قَتْلُ الذين يأمرون بالقسط من الناس]
الشرح
من جملة أعمال اليهود القبيحة: قتل الأنبياء، وقتل الدعاة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وكذلك من قام في وجه الحق وصد عن سبيل الله، وقتل الدعاة إلى الله، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن الآية الكريمة تتناوله؛ لأنه سلك مسلك أهل الجاهلية، فيكون حكمه حكمهم.
стр. 275
المسألة الحادية عشرة بعد المائة: الإيمان الباطل
...
الإيمان بالباطل
المسألة الحادية عشرة بعد المائة
[الإيمان بالجبت والطاغوت]
الشرح
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] ، والجبت، قيل: هو السحر، وقيل: الشيطان، والطاغوت: من تجاوز حدود الله.
وسبب نزول الآية: أن اليهود الذين كانوا بالمدينة لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وعقد معهم المعاهدة على ألا يقاتلوا المسلمين، وأن يدافعوا عن المدينة مَنْ قَصَدها، وأعطوا العهد على ذلك، فلما ضاقوا بالنبي وبأصحابه ذرعاً، ورأوا أن الإسلام ينتصر وينمو، ذهب سادتهم إلى قريش بمكة يستنجدون بهم على الرسول ﷺ ، ويريدون منهم أن يذهبوا معهم القتال النبي ﷺ ، فألهم الله قريشاً أن يسألوا هؤلاء وقالوا لهم: أنتم أهل كتاب، فأينا على الحق، محمد ﷺ أم نحن؟!
стр. 276
قالوا: ماذا أنتم عليه؟! قالوا: نحن نكرم الضيف، ونصل الأرحام، ونسقي الحجيج، وكذا وكذا، وأما محمد فإنه سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وخالف دين أجداده، وقطع أرحامنا و ... و...و ... ، فقالوا لهم: أنتم على الحق، ومحمد على باطل. وهم يعلمون أن محمداً على الحق، وهو رسول الله، وأن هؤلاء عبدة أصنام وأوثان، فقال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء: ٥١] ولاحظوا كيف أن الله قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ، مع أن الأمر موافقة في الظاهر فقط، وسماه إيماناً، فدل على أن الموافقة للكفار على ما هم عليه من غير إكراه إيمان بما هم عليه، ولو لم يعتقد بقلبه.
وهناك أناس الآن يقولون: إن الإنسان لا يكفر ولو قال الكفر حتى يعتقد بقلبه، فلو قال كلام الكفر من غير إكراه، وفعل أفعال الكفر، وسب الله ورسوله، وفعل ما فعل، فإنه لا يُكفَّر عند هؤلاء حتى يُعلم ما في قلبه. وهذا مذهب غلاة المرجئة، نسأل الله العافية والسلامة.
فالله وصف هؤلاء بأنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] مع أن ما حصل منهم هو موافقة في الظاهر، وهم في
стр. 277
قلوبهم يعتقدون أنهم خاطئون، وأن محمداً ﷺ على الحق، لكن حملهم الكبر والحسد وعداوة الرسول أن يوافقوهم في الظاهر، وكفّرهم الله بذلك.
وهذه دقيقة عظيمة من مسائل التكفير، وفيها رد على من يقول: لا يكفر الإنسان مهما قال: ومهما فعل، ومهما أتى من الكفر، ولو سب الله ورسوله، حتى يعلم أنه في قلبه يوافق على هذا الشيء! نسأل الله العافية من هذا الضلال.
стр. 278
المسألة الثانية عشرة بعد المائة: تفضيلهم الكفر على الإيمان
...
تفضيلهم الكفر على الإيمان
المسألة الثانية عشرة بعد المائة
[تفضل دين المشركين على المسلمين]
الشرح
كما حصل من اليهود مما جاء ذكره في المسألة السابقة.
وهذا يتناول كل من فضل دين الكفر على دين المسلمين، أو ساوى بينهما، ومن ذلك الذين يحاولون التقريب بين الأديان الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام، ويقولون: كلها أديان سماوية، يجب التآخي بين أصحابها والتعاون فيما بينهم.
стр. 279
المسألة الثالثة عشرة بعدالمائة: خلط الحق بالباطل ليقبل الباطل
...
خلط الحق بالباطل ليُقبل الباطل
المسألة الثالثة عشرة بعد المائة
[لَبْسُ الحَقَّ بِالبَاطِلِ]
الشرح
من عادة الكفار وأهل الجاهلية من اليهود والنصارى وغيرهم: لَبْسُ الحق بالباطل، واللَّبْسُ هو: الخلط، فهم يخلطون الحق بالباطل؛ من أجل أن يروج الباطل؛ لأنه لو كان الباطل وحده ما قبله أحد، لكن إذا لبس بالحق فإن الأغرار من المؤمنين وقاصري النظر يقبلونه، ويقولون: هذا فيه حق، فيقبلونه كله، أما لو أنهم قبلوا الحق منه فقط وردوا الباطل، كان حسناً، ولكن إذا قبلوه كله فهذا هو الخطأ، فالواجب على أهل النظر وأهل العقول السليمة أنهم لا يقبلون الأشياء على عواهنها، بل يُمَحِّصُونها ويختبرونها، فيقبلون ما كان فيها من حق، ويردون ما كان فيها من باطل.
فالكفار قد يذكرون الحق لا رغبة في الحق، ولا محبة
стр. 280
له، وإنما يذكرونه من أجل ترويج الباطل به، والواجب التنبُّه لهذا الأمر، وهو تمييز الأشياء، وعدم التسرع في قبولها لما يظهر فيها من بريق الحق، حتى تُختبر وتُمحّص، ويُؤخذ ما فيها من حق، ويُردّ ما فيها من باطل، وهذا إنما يعلمه أهل العلم وأهل البصيرة، وأما العوام والجهال –وقاصرو النظر- فينخدعون في مثل هذه الأمور، وتنطلي عليهم، لكم الواجب عليهم أن يسألوا أهل العلم، ويستشيروا أهل النظر قبل قبولها؛ حتى يَسْلَمُوا من التمويه.
стр. 281
كتمان الحق مع العلم به
المسألة الرابعة عشرة بعد المائة
[كِتْمَانُ الحَقِّ مَعَ العِلْمِ بِهِ] .
الشرح
من مسائل الجاهلية من اليهود والنصارى والوثنيين، وغيرهم من طوائف الكفر: كتمان الحق مع العلم به، وهذا يظهر في أهل الكتاب من اليهود والنصارى أكثر؛ فإنهم يعلمون الحق، ولكنهم يكتمونه، ولا يبينونه للناس؛ من أجل مصالحهم الدنيوية، أو من أجل إرضاء الناس، وأعظم الكتمان أنهم علموا أوصاف محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وعلموا صحة رسالته وما جاء به، ومع هذا كتموا ذلك، وأنكروا رسالة محمد ﷺ ، كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم في مواضع من القرآن، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧] ، وهذه الآية
стр. 282
في سياق تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، يعلمون أن رسول الله ﷺ ستكون قبلته الكعبة المشرفة، قبلة إبراهيم ﵇، يعلمون هذا في كتبهم، ومع هذا أنكروا تحويل القبلة، وكتموا ما عندهم من العلم في ذلك.
وكذلك كل من كتم حقاً وهو يعلمه من غير اليهود والنصارى، حتى من المسلمين، من كتم الحق ولم يبينه للناس، فإنه على طريقة اليهود والنصارى، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] . شرط في قبول توبتهم: البيان لما كتموه، فلا تكفي التوبة المجملة، ولكن لا بد من البيان، فيجب على من علم الحق أن يبيّنه للناس، ولا يشتري به ثمناً قليلاً، فيكتمه من أجل أن يحصل على مصلحة من مصالح الدنيا، أو من أجل أن يرضي الناس، فالله أحق أن يخشاه – –وأن يرضيه، فلا يجوز كتمان الحق لمن قدر على بيانه وإظهاره، أما من لم
стр. 283
يقدر، أو خاف بالبيان فتنة أكبر، فإنه معذور، لكن من لم يكن عنده مانع من البيان، وإنما كتم الحق من أجل رغبته هو ومصلحته هو، فهذا يلعنه الله ويلعنه اللاعنون.
فهذه صفة اليهود، وهي منطبقة على كل من كتم الحق، من أجل اتباع الهوى، ولم يبينه للناس، وإذا سئل عن حكم مسألة أجاب بغير الحق وهو يعرف الجواب الصحيح، فهذا من كتمان الحق، والله جل وعلا أمر بقول الحق ولو على النفس: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، فيجب بيان الحق في الشهادات وفي غيرها.
وأشد من كتمان الشهادة: كتمان العلم، الذي هو حياة الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، فالواجب بيان الحق، وعدم المداهنة، ومن ذلك: إذا رأى الناس على باطل أو خرافات أو شرك، فإنه لا يسكت، بل يجب عليه أن يبين، ولا يترك الناس يقعون في عبادة القبور، وعبادة الأضرحة، ومزاولة البدع المضلة، ويسكت ويقول: ليس لي شأن بالناس، أو يرى الناس يتعاملون بالمعاملات المحرّمة ويسكت، فهذا كتمان للعلم وخيانة للنصيحة، فالله لم يعطك هذا العلم من أجل أن تسكت عليه، وإنما حمّلك إياه من أجل
стр. 284
أن تبينه للناس، وأن تدعو إلى الله على بصيرة، وأن تحاول إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
فلا يسوغ للعلماء أن يسكتوا، وهم يقدرون على البيان، لا سيما إذا رأوا الناس في ضلال وشرك وبدع وخرافات، فلا يسعهم السكوت، فإن سكتوا فإن هذا من كتمان العلم الذي عاب الله به اليهود والنصارى، فكيف إذا قال بخلاف الحق وهو يعلمه، وأفتى بخلافه معتمداً، من أجل إرضاء الناس، أو من أجل تمشية الأمور، أو من أجل أن يساير الناس على ما هم عليه؟!، فالحق أحق أن يتبع، فأنت ترضي الله ، ولا ترضي الناس وهم على باطل، وفي الحديث: "من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" ١.
стр. 285
املسألة الخامسة عشرة بعد المائة: القول على اله بغير علم
...
القول على الله بغير علم
المسألة الخامسة عشرة بعد المائة
[قاعدة الضلال، وهي: القول على الله بغير علم]
الشرح
قاعدة الضلال، أي: أصل ضلال العالم ومنشؤه، القول على الله بغير علم.
والقول على الله بلا علم أعظم من الشرك؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فجعل القول على الله فوق الشرك بالله ، فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بغير علم، كأن يقول: إن الله حرم كذا، أو: إن الله أباح كذا، أو: إن الله شرع كذا، وهو غير مشروع، هذا قول على الله بغير علم، والعياذ بالله. أو يفتي وهو لا يعلم، بل يتخرّص، وهذا خطير جداً، وهذا كذب على الله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾