← Акыда

Акыда · id 11265

شرح مسائل الجاهلية

صالح الفوزان

Полный текст (301 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الجميع واحد، هو دين الله جل وعلا على جميع الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . جميع الخلق الجن والإنس يجب أن يكون دينهم واحد، هو التوحيد، وإفراد الله بالعبادة جل وعلا، والعبادة بينها على ألسن الرسل، ما وكلها إلى الناس؛ بل أنزل علينا كتاباً وأرسل إلينا رسلاً، وقال: هذا هو الدين، وهذه هي العبادة. وهي توفيقية، والدين توقيفي، ليس من حق الناس أن يشرعوا لهم الدين ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ، هذا إنكار منه ، عليهم ما شرعه الله، وأنزله في كتبه، وعلى ألسن رسله، عليهم الصلاة والسلام، فهو توقيفي، والرسل إنما هم مبلغون عن الله جل وعلا، يبلغون عن الله ما شرعه لعباده، هذه وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم متعبدون بهذا الدين مثل غيرهم، عباد يعبدون الله جل وعلا بهذا الدين الذي شرعه لهم، ولأممهم. وقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] هذا نهي لنا نكون مثل أن نكون مثل أهل الجاهلية الذين تفرقوا في دينهم

стр. 37

واختلفوا، ولم يكن هذا عن جهل منهم، وإنما هو عن هوى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ تركزا البينات واتبعوا الهوى، فالذي حملهم على هذا التفرق هو الهوى-؛ والعياذ بالله- اتخذوا أهواءهم آلهة من دون الله ، والله جل وعلا لم يترك حجة لأحد، أرسل الرسل وأنزل الكتب ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨،٣٩] . فالله جل وعلا ما ترك الناس، منذ أن أهبط آدم إلى الأرض، لم يترك الناس بلا دين وبلا نبي؛ بل ما زال جل وعلا يرسل الرسل متتابعة، ويشرع للناس الدين ويبينه لهم، إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ ، الذي لا تنسخ ملته حتى تقوم الساعة، ومدادها الكتاب والسنة، فما فيه وقت من الأوقات إلا وهناك دين لله جل وعلا جاءت به الرسل، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ، ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ليس لأحد حجة ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] فالله جل وعلا أقام الحجة على الخلق. لكن أهل الجاهلية خالفوا ما جاءت به الرسل، لا عن

стр. 38

جهل، وإنما هو عن عناد واتباع للهوى، خصوصاً اليهود والنصارى فهم على علم بذلك؛ ولذلك سماهم أهل الله أهل الكتاب، من باب العيب عليهم، أنهم أهل كتاب وأهل علم، ومع هذا يخالفون أمر الله ، ويتبعون أهواءهم. نهى الله هذه الأمة أن تسلك هذا المسلك الجاهلي، وأمرهم أن يتمسكوا بالدين الذي أنزله على رسوله ﷺ ، والذي سار عليه صحابة الرسول ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون، هذا هو الدين الذي يجب أن تتمسك به الأمة إلى أن تقوم الساعة، وإذا اختلفوا في شيء أن يردوه إلى الكتاب والسنة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] . والاختلاف من طبيعة البشر، لكن الله جل وعلا أحالنا على الكتاب والسنة إذا اختلفنا ولا ندري أيُّنا المصيب، نرجع إلى الكتاب والسنة، فمن شهد له الكتاب والسنة بأنه حق أخذنا به، وما شهدا أنه غير حق تركناه؛ لأن هدفنا اتباع الحق، لا الانتصار للآراء، أو تعظيم الآباء والأجداد أو الشيوخ، ليس هذا شأن المسلمين، الحق هو ضالة المؤمن؛ أين وجده أخذه، الهدف الحق ﴿ِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء:٥٩] من بقائكم على النزاع ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] يعني: أحسن عاقبة. وهذا من رحمة الله لنا؛

стр. 39

أنه أبقى فينا ما يحل النزاع ويدل على الحق، وهو كتابه، ولهذا قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وهو القرآن ﴿جَمِيعاً﴾ ليس بعضكم فقط، بل جميعاً، أي جميع الخلق عموماً، وهذه الأمة خصوصاً ﴿وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّار﴾ دين الجاهلية ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أنقذكم بالإسلام، وبهذا القرآن، فاشكروا نعمة الله . والاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالكتاب؛ لأن الكتاب هو حبل الله الممدود الذي من تمسك به نجا، ومن أفلت منه هلك. هذا ما قصّه علينا من حالة أهل الجاهلية: أنهم ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] ، ثم نهانا عن ذلك، نهانا أن نتشبه بهم، ثم أمرنا بالاعتصام بكتابه الذي هو أمان من الاختلاف وأمان من النزاع والهلاك، فلا نجاة إلا بالاعتصام بكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله ﷺ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، فأهل الجاهلية متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] مسرورون بمذهبهم، وإن كان

стр. 40

باطلاً. وكذلك كانوا متفرقين في دنياهم؛ لأن من ضيع الدين ضيع الدنيا، فكانوا في دنياهم متفرقين لا يجمعهم جماعة؛ بل كل قبيلة تحكم نفسها بنفسها، وكل قبيلة تستبيح دماء القبيلة الأخرى وأموالها. هذه حالة العرب قبل بعثة الرسول ﷺ ، لما ضيعوا دينهم ضيعوا دنياهم، وصار الخوف والقلق والجوع ملازماً لهم دائماً، وكانت الجاهلية كلها حروب، وكلها غارات وثارات، حتى الإخوة يتقاتلون في الجاهلية، فالأوس والخزرج في المدينة هم أخوة من ناحية النسب، قبيلة واحدة قحطانية، لكن قامت بينهم حرب طاحنة استمرت أكثر من مائة سنة، يسمونها "حرب بعاث" بين الأوس والخزرج، وكان اليهود يوقدونها، فلما بعث الله نبيه محمداً ﷺ ، وهاجر إلى المدينة، جمعهم الله به، وطفئت الحروب، وتآخى المسلمون، وصاروا يداً واحدة مع الرسول ﷺ ، وهذا ما ذكَّرهم الله به ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران: ١٠٣] ألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وانطفأت الحروب التي بينهم، وصلحت دنياهم كذلك بقية قبائل العرب لما دخلوا في الإسلام، صلحت دنياهم لما صلح دينهم، وأمنوا على دمائهم وأموالهم، وصاروا يسيرون في الأرض آمنين،

стр. 41

وصار العربي يلقى العربي الآخر من أي قبيلة فلا يعرض له بسوء؛ بل سادت المحبة بينهم، تآخوا في دين الله . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] هذه براءة من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، أي: أحزاباً؛ لأن المطلوب أن يكون الدين واحداً، وأن يكون الناس جماعة واحدة على الدين، هذا هو الذي أمر الله به ، فمن كان كذلك فالرسول ﷺ يواليه، وهو وليه، أما من فَرَّق دينه وبقي على النزاع، وبقي على أمر الجاهلية، فالرسول بريء منه. يبقى أن نعرف حقيقة الاختلاف، أو الخلاف، في المسائل الفقهية. فالخلاف واقع وموجود الآن في أمور الفقه، فهل هذا من الاختلاف المذموم؟ نقول: الاختلاف على قسمين: القسم الأول: الاختلاف في الدين، كالاختلاف في العبادة والعقيدة، وهذا اختلاف مذموم ومحرم؛ لأن الدين ليس مجالاً للاجتهاد، وليس مجالاً للآراء، بل الدين توقيفي، والعقيدة توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، علينا أن نتمسك بما شرعه الله لنا من الدين ومن العقيدة، دون أن نتدخل بآرائنا واجتهاداتنا، كذلك العبادة توقيفية؛ ما جاءنا به دليل علمنا به،

стр. 42

وما ليس عليه دليل فإنه بدعة يجب علينا تركه؛ لحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"١، وحديث: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ٢، فأمور العقيدة وأمور العبادة وأمور الدين عموماً لا مجال للخلاف فيها أبداً، وإنما تتبع فيها النصوص من الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة. القسم الثاني: الاختلاف فيما للرأي فيه مجال، أو ما هو مسرح للاجتهاد من مسائل الفقه، واستنباط الأحكام من الأدلة، هذا يقع فيه الاختلاف؛ لأن مدارك الناس تختلف في الاستنباط من النصوص، ومسائل الإجماع محصورة، ولا يجوز مخالفتها. لكن ما ليس عليه إجماع من المسائل الاجتهادية التي هي مجال للاجتهاد فالله جل وعلا أعطى كل عالم بحسب ما خصه به من المدارك والفهم، وما يصل إليه من النصوص، والاجتهاد مشروع في ذلك، وقد حصل الاجتهاد في عهده ﷺ كما هو معروف، فهذا اختلاف

стр. 43

في الاجتهاد، وليس اختلافاً في العقيدة ولا في الدين، وإنما هو اختلاف في مسائل الفقه، وكان الناس في عهد النبي ﷺ يجتهدون ويختلفون. وهذا الاجتهاد على قسمين: قسم ظهر الدليل مع أحد الطرفين المختلفين فيه فيجب أخذ ما عليه الدليل، وترك ما لم يقم عليه الدليل، فتعرض آراء الفقهاء على الدليل، فما دل عليه الدليل وجب الأخذ به وترك ما خالفه، ويجب على المجتهد الذي لم يوفق للصواب وخالف الدليل أن يقبل الحق ويرجع إلى الصواب، ولا يجوز له الاستمرار في الاجتهاد الخاطئ، ولا يجوز لنا أن نتبعه على الاجتهاد الخاطئ، والأئمة يوصوننا بهذا ويقولون: اعرضوا أقوالنا على الكتاب والسنة، فالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: "إذا جاء الحديث عن الرسول ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء الحديث عن صحابة رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء الحديث عن التابعين فنحن رجال وهم رجال". هذا كلام الإمام أبي حنيفة، أقدم الأئمة الأربعة. والإمام مالك ﵀ يقول: "كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" يعني: رسول الله ﷺ ، ويقول ﵀: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل،

стр. 44

تركنا ما نزل به جبريل على محمد لجدل هؤلاء؟! " هذا كلام الإمام مالك ﵀. ويقول ﵀: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ما هو الذي أصلح أولها؟ الكتاب والسنة. وهذا كلام الإمام مالك ﵀. والإمام الشافعي ﵀ يقول: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد"، ويقول ﵀: "إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ ، فاضربوا بقول عرض الحائط"، ويقول ﵀: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". هذه كلمات الشافعي ﵀ ١. والإمام أحمد ﵀ يقول: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان! والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله – يعني رسول الله ﷺ – أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".

стр. 45

إذاً، هذه أقوال الأئمة المجتهدين، اجتهدوا عن علم وعن أهلية للاجتهاد، لكن لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة، بل أوصوا أن يؤخذ من أقوالهم ما وافق الدليل، فيجب على الحنبلي إذا رأى الدليل مع الشافعي أن يأخذ بقول الشافعي، وواجب على الشافعي إذا رأى الدليل مع الحنفي أن يأخذ بقول الحنفي، وواجب على المالكي إذا رأى الدليل مع الحنبلي أن يأخذ بقول الحنبلي؛ لأن الغرض هو اتباع الدليل، ليس الغرض قول فلان ولا فلان، فلا يتعصبون لأئمتهم، وإنما يتعصبون للدليل فقط. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب كلهم يأمرون بهذا ويقولون: انظروا في أقوال العلماء، فخذوا ما قام عليه الدليل. وكلامهم في هذا معلوم من كتبهم. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، لا تعصب، لكن ليس معنى هذا أن نرفض المذاهب ونتركها؛ بل نستفيد من المذاهب ومن فقه الأئمة؛ لأنه ثروة عظيمة، لكن نتابع الدليل، من كان معه دليل أخذنا بقوله، هذا هو الواجب. ومن لا يعرف الدليل يسأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ؛ لأنك تريد براءة الذمة، فإذا كنت تعرف، فالحمد لله، خذ بالدليل

стр. 46

وإذا كنت لا تعرف تسأل أهل العلم، هذا هو الواجب. القسم الثاني من هذا: الاجتهاد الفقهي ما لم يظهر فيه دليل مع أحد القولين؛ بل كلا القولين محتمل، فهذا لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ما دام لم يترجح شيء منها بالدليل، فلا إنكار على من أخذ بقول من الأقوال؛ شريطة ألا يكون عنده تعصب أو هوى، وإنما قصده الحق؛ لذلك لا ينكر الحنبلي على الشافعي، ولا ينكر الشافعي على المالكي، والأئمة الأربعة وأتباعهم إخوة على مدار الزمان، ولله الحمد، ما وقع بينهم عداوات، ولا وقع بينهم حزازات، وإن وقع شيء من ذلك فإنما هو من بعض المتعصبة، الذين لا عبرة بهم، لكن جمهور أصحاب المذاهب الأربعة – والحمد لله – ليس بينهم عداء ولا تفرق ولا حزازات، يتزاوجون، ويصلي بعضهم خلف بعض، ويسلم بعضهم على بعض، ويتآخون، مع أن عندهم اختلاف في بعض المسائل الاجتهادية المحتملة، التي لم يظهر رجحان بعضها على بعض، ومن هنا قالوا الكلمة المشهور: "لا إنكار في مسائل الاجتهاد". فإذا كان أهل بلد على قول من هذه الأقوال الاجتهادية التي لم يظهر ما يخالفها ولا ما يعرضها، مجتمعين على رأي من هذه الآراء الفقهية، فلا يسوغ لأحد أن يفرق هذا الاجتماع، بل ينبغي الوفاق وعدم الاختلاف.

стр. 47

المسألة الثالثة: أعتبارهم مخالفة ولي الأمر فضيلة ... اعتبارهم مخالفة ولي الأمر فضيلة وطاعته والانقياد له ذلة ومهانة المسألة الثالثة [إن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة، فخالفهم رسول الله ﷺ ، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى وأعاد. وهذه المسائل الثلاث هي التي جمع بينها فيما صح عنه في الصحيح أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١. ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال في هذه الثلاث أو بعضها.] الشرح من مسائل الجاهلية: أنهم لا يخضعون لولي الأمر، ويرون أن هذا ذلة، ومعصية الأمير يعتبرونها فضيلة وحرية؛

стр. 48

ولذلك لا يجمعهم إمام، ولا يجمعهم أمير؛ لأنهم لا يخضعون، وعندهم أنفة وكبر. فجاء الإسلام بمخالفتهم وأمر بالسمع والطاعة لولي الأمر المسلم؛ لما في ذلك من المصالح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر بطاعة ولاة الأمور، والرسول ﷺ حدد ذلك في غير المعصية، فقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ١ وقال: "إنما الطاعة في المعروف" ٢، فتجب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله، إذا أمر بمعصية فلا يطاع، لكن لا يخالف في بقية الأمور، لا يطاع في هذه المسألة خاصة التي فيها معصية، أما بقية الأمور فلا ينتقض بيعته بسبب ذلك، ولا يخالف، ما دام أنه على الإسلام؛ لما في طاعة ولاة الأمور من اجتماع الكلمة، وحقن الدماء، واستتاب الأمن، وإنصاف المظلوم من الظالم، ورد الحقوق إلى أصحابها، والحكم بين الناس بالعدل، حتى ولو كان ولي الأمر غير مستقيم في دينه، حتى

стр. 49

ولو كان فاسقاً، ما لم يصل إلى الكفر، كما قال ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم عليه من الله برهان" ١، فما دامت معاصيه دون الكفر، فإنه يُسمع له ويطاع، وفسقه على نفسه، لكن ولايته وطاعته لمصلحة المسلمين. ولهذا لما قيل لبعض الأئمة: إن فلاناً فاسق لكنه قوي، وإن فلاناً صالح لكنه ضعيف، أيهما يصلح للولاية؟ قال: الفاسق القوي؛ لأن فسقه على نفسه، وقوته للمسلمين. أما هذا الصالح فإن صلاحه لنفسه وضعفه يضر المسلمين. فيُسمع له ويطاع وإن كان فاسقاً في نفسه، بل وإن جار وإن ظلم، يقول رسول الله ﷺ : "أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك" ٢؛ لأن في طاعته مصلحة أرجح من المفسدة التي هو عليها، ولأن مفسدة الخروج عليه أعظم من مفسدة البقاء على طاعته وهو عاص؛ لأن في الخروج عليه سفكاً للدماء وإخلالاً بالأمن وتفريقاً للكلمة. وماذا حصل للذين خرجوا على الأمراء وولاة الأمور

стр. 50

مما قصه التاريخ؟ ماذا حصل لما إن نازغةً من الشذاذ في عهد عثمان ﵁ قاموا وشقوا عصا الطاعة وقتلوا أمير المؤمنين عثمان؟ ماذا حصل على المؤمنين من النكسات إلى الآن؛ بسبب الخروج على أمير المؤمنين وقتله؟ فلا يزال المسلمون يعانون من النكسات المتوالية والمفاسد، وكذلك في حق بقية الولاة الصبر على طاعته وإن كان فيه مفسدة جزئية أخف من مفسدة الخروج عليه؛ فلذلك أوجب النبي ﷺ طاعته ما لم يخرج عن الإسلام، ولو كان فاسقاً، ولو كان ظالماً، فإنه يصبر على هذه المفاسد الجزئية؛ درءًا للمفسدة العظيمة، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما، هذا شيء معروف. وما من قوم خرجوا على إمامهم إلا كانت المفسدة في الخروج عليه أعظم من المفسدة في الصبر على طاعته. وهذا فرق ما بين أهل الجاهلية: وأهل الإسلام في مسألة ولاة الأمور، أهل الجاهلية لا يرون الطاعة لولاة الأمور، ويرون ذلك ذلة. وأما الإسلام: فإنه أمر بطاعة ولاة الأمور المسلمين، وإن كان عندهم شيء من الفسق في أنفسهم، أو عندهم ظلم للناس، يصبر عليهم؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين، وفي الخروج عليهم مضار للمسلمين أعظم من المفاسد التي في البقاء على طاعتهم مع انحرافهم

стр. 51

الذي لا يخرجهم عن الإسلام، هذه القاعدة العظيمة التي جاء بها الإسلام في هذا الأمر العظيم. وأما أهل الجاهلية – كما سبق – لا يرون انعقاد ولاية، ولا يرون سمعاً ولا طاعة، ومثلهم الأمم الكافرة الآن، الذين يقولون بالحريات والديمقراطيات، ماذا تكون مجتمعاتهم الآن؟ همجية، بهيمية، قتل وسلب وفساد أعراض، وشر واضطراب أمن، وهم دول كبرى، وعندهم أسلحة، وعندهم مدمرات، لكن حالتهم حالة بهيمية – والعياذ بالله – لأنهم باقون على ما كانت عليه الجاهلية. وأمر النبي ﷺ بالسمع والطاعة لهم، وأمر بالنصيحة لهم سراً، بينهم وبين الناصح. وأما الكلام فيهم وسبهم واغتيابهم؛ فهذا من الغش لهم؛ لأنه يؤلب الناس عليهم ويفرح أهل الشر، وهذا من الخيانة لولاة الأمور. أما الدعاء لهم وعدم ذكر معائبهم في المجالس، فهو من النصيحة لهم، ومن كان يريد أن ينصح الإمام فإنه يوصل النصيحة إليه في نفسه، إما مشافهة، وإما كتابة، وإما بأن يوصى له من يتصل به ويبلغه عن هذا الشيء؛ وإذا لم يتمكن فهو معذور. أما أنه يجلس في المجالس أو على المنابر أو أمام أشرطة ويسب ولاة الأمور ويعيبهم، فهذا ليس من النصيحة،

стр. 52

وإنما هو من الخيانة لولاة الأمور، والنصيحة لهم تشمل الدعاء لهم بالصلاح، وتشمل ستر عيوبهم وعدم إفشائها على الناس، وكذلك من النصيحة لهم: القيام بالأعمال التي يكلونها إلى الموظفين، ويعهدون بها إلى الولاة في القيام بها، هذا من النصيحة لولاة الأمور. ثم قال الشيخ ﵀: وهذه المسائل الثلاث هي التي جمع بينها فيما صح عنه في الصحيح أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١. ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال في هذه الثلاث أو بعضها. يقول الشيخ ﵀: وقد جمع النبي ﷺ هذه المسائل الثلاث، يعني: التي تقدّم ذكرها وهي: المسألة الأولى: أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأولياء والصالحين، ويقولون: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] . والمسألة الثانية: أن أهل الجاهلية كانوا متفرقين في

стр. 53

دينهم ودنياهم. والمسألة الثالثة: أنهم لا يخضعون لولي الأمر، ويرون ذلك ذلة ومهانة. هذه المسائل الثلاث جمعها رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلام وفصل الخطاب في كلمة واحدة، وذلك في قوله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١. الأولى: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ويدخل في الشرك عبادة الأولياء والصالحين. الثانية: أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، عكس ما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا متفرقين في دينهم ودنياهم، وحبل الله هو القرآن، والاعتصام به هو أن تتمسكوا به، فتعملوا بما أمركم به، وتجتنبوا ما نهاكم عنه؛ لأن القرآن هو المنهج الرباني الكفيل بمصالح العباد في دينهم ودنياهم، فالتمسك به رحمة، وعدم التمسك به عذاب وشقاء. الثالثة: أن تناصحوا من ولاّه الله أمركم، وهذا بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية الذين لا ينقادون لولي الأمر، وهذا

стр. 54

فيه الأمر بالانقياد لولي الأمر، ومناصحته وطاعته، وعدم الخروج عليه، وعدم الكلام فيه أما الناس وذكر عيوبه بين الناس، لأن هذا من الخيانة لولي الأمر، ليس هذا من النصيحة، وإن كان بعض الناس يزعم أن هذه نصيحة، فهذه ليست نصيحة، وإنما هذا تشهير وشر، وإلقاء للعداوة بين الوالي والرعية، وليس فيه مصلحة أبداً، بل هو مضرة محضة. ثم بيّن – ﵀ – أن الخلل الذي يقع في دين الناس ودنياهم، إنما سببه الإخلال بهذه الثلاث أو الإخلال ببعضها وهو الشرك بالله، والتفرق، والخروج على ولي الأمر.

стр. 55

المسألة الرابعة: التقليد الأعمى ومضاره ... التقليد الأعمى ومضاره المسألة الرابعة [إن دينهم مبني على أصول: أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار، أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] ، فأتاهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ... ﴾ [سبأ: ٤٦] الآية، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] . الشرح من مسائل الجاهلية: أنهم لا يبنون دينهم على ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما يبنون دينهم على أصول أحدثوها هم من عند أنفسهم، ولا يقبلون التحول عنها،

стр. 56

منها: التقليد، وهو المحاكاة، بأن يقلد بعضهم بعضاً، وإن كان المقلد لا يصلح للقدوة، كما قال : ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . ومترفوها هم: أهل الرفاهية والمال في الغالب؛ لأنهم أهل الشر وعدم قبول الحق، خلاف الضعفاء والفقراء فإن الغالب عليهم التواضع وقبول الحق. فأهل الترف هم أصحاب الجاه وأصحاب المال ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أي أصحاب المال والجاه فيهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] أي: على ملة ودين، وإنا متبعون لهم على دينهم، يعني: لسنا بحاجة إليكم أيها الرسل، يزعمون أن هذا يغنيهم عن اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذا هو التقليد الأعمى، وهو من أمور الجاهلية. أما التقليد في الخير فهذا يسمى اتباعاً واقتداء، قال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] . وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ . ولهذا قال الله تعالى في أهل الجاهلية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ

стр. 57

اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] فالذي لا يعقل ولا يهتدي ليس محلاً للقدوة، إنما القدوة فيمن يعقل ويهتدي، فالتقليد الأعمى من أمور الجاهلية، وهذا يسمى بالتعصب؛ لأن القدوة هو رسول الله ﷺ ومن اتبعه. ثم قال الشيخ ﵀: وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] . وإذا قيل للمشركين والكافرين ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهو القرآن ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أي يدعو هؤلاء الآباء ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أتتبعونهم للسعير؟ يعني: تقتدون بآبائكم وإن كانوا من أتباع الشيطان، ومآلهم إلى السعير؟ العاقل يجب أنه ينظر في أمره، وفيمن يقلد. ثم قال الشيخ ﵀: فأتاهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] . أي: أتاهم رسول الله ﷺ بهذه الآية، فهم يقولون: نحن

стр. 58

نتمسك بما عليه آباؤنا، ولا نطيع هذا الرجل، يعنون محمداً ﷺ . والله جل وعلا يقول: انظروا وتفكروا فيما قال لكم هذا الرجل، تفكروا، ولا تأخذكم العصبية، ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [ (سبأ: ٤٦] جماعات وفرادى، تنظرون فيما دعاكم إليه محمد ﷺ ، فإن كان حقاً وجب عليكم اتباعه، ولا يجوز لكم البقاء على ما كان عليه الآباء والأجداد. ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ يعني: لا للهوى والعصبية؛ بل يكون قيامكم لله، تريدون الحق ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ اثنين اثنين، يفكرون ويجتمعون، ويعقدون جلسة؛ لأن تعاون الجالسين أو الجماعة فيه رجاء الوصول إلى الحق، أو فرادى، أن يخلو بنفسه ويفكر، ويتأمل ما جاء به الرسول ﷺ ، وسيجد أنه حق فيجب عليه اتباعه، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ ، الذي تقولون: إنه مجنون، وهو ليس به جنون؛ بل هو أعقل الرجال وأعقل الخلق ﷺ ، وأنصح الخلق وأعلم الخلق، ﵊، فكيف تقولون: إنه مجنون؟ فكروا، انظروا في عقله، انظروا في تصرفاته، هل هي مثل تصرف المجنون؟ ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] إنْ لم تؤمنوا به وتتبعوه، فإنه سيحل بكم العذاب الشديد، فهو جاءكم ناصح لكم، يريد لكم

стр. 59

الخير، ويريد لكم النجاة، ويريد لكم الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فكيف تصفونه بهذا الوصف، تقولون إنه مجنون، بدون رويّة وبدون تفكر وبدون تأمل لما جاء به؟ وهكذا يجب على كل عاقل أن ينظر في أقوال الناس، فيميزها ويفحصها، ويرى الخطأ من الصواب، فيقبل الحق ويرد الخطأ، ولا يحمله التقليد الأعمى على البقاء على الباطل.

стр. 60

المسألة الخامسة: الاحتجاج بما عليه الأكثرون دون نظر إلى مستنده ... الاحتجاج بما عليه الأكثر دون نظر إلى مستنده المسألة الخامسة [إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ قَوَاعِدِهِم: الاغتِرَارَ بِالأَكْثَرِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الشَّيْءِ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى بُطْلاَنِ الشَّيءِ بغُرْبَتِهِ وَقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَأَتَاهُمْ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَأَوْضَحَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ مِنَ القُرْآَنِ] . الشرح من مسائل الجاهلية: أنهم يستدلون بالأكثرين على الحق، ويستدلون بالأقلين على غير الحق، فما كان عليه الأكثر عندهم فهو الحق، وما كان عليه الأقل فهو غير حق، هذا هو الميزان عندهم في معرفة الحق من الباطل. وهذا خطأ؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] ، ويقول : ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَْ﴾ [لأعراف: ١٨٧] ، ويقول : ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٠٢] ،

стр. 61

إلى غير ذلك. فالميزان ليس هو الكثرة والقلة؛ بل الميزان هو الحق، فمن كان على الحق –وإن كان واحداً- فإنه هو المصيب، وهو الذي يجب الاقتداء به، وإذا كانت الكثرة على باطل فإنه يجب رفضها وعدم الاغترار بها، فالعبرة بالحق، ولذلك يقول العلماء: الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق. فمن كان على الحق فهو الذي يجب الاقتداء به. والله جل وعلا –فيما قص عن الأمم –أخبر أن القلة قد يكونون على الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وفي الحديث –الذي عرضت فيه الأمم على النبي ﷺ رأى النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي وليس معه أحد. فليست العبرة بكثرة الأتباع على المذهب أو على القول، وإنما العبرة بكونه حقاً أو باطلاً، فما كان حقاً –وإن كان عليه أقل الناس، أو لو لم يكن عليه أحد، ما دام أنه حق –يُتمسك به فإنه هو النجاة. والباطل لا يؤيده كثرة الناس أبداً، هذا ميزان يجب أن يتخذه المسلم دائماً معه. والنبي ﷺ يقول: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما

стр. 62

بدأ" ١وذلك حين يكثر الشر والفتن والضلال، فلا يبقى على الحق إلا غرباء من الناس ونزاع من القبائل، يصبحون غرباء في المجتمع البشري، والرسول ﷺ بعث والعالم كله يموج في الكفر والضلال، ودعا الناس، فاستجاب له الرجل والرجلان، إلى أن تكاثروا. وكانت قريش –وكانت الجزيرة كلها، وكان العالم كله – على الضلال. والرسول ﷺ وحده يدعو الناس، والذين اتبعوه قليل بالنسبة للعالم. فالعبرة ليست بالكثرة، العبرة بالصواب وإصابة الحق. نعم، إذا كانت الكثرة على صواب فهذا طيب، ولكن سنة الله جل وعلا أن الكثرة تكون على الباطل ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] .

стр. 63

المسألة السادسة: الاحتجاج بما عليه الأقدمون دون نظر إلى مستنده ... الاحتجاج بما عليه الأقدمون دون نظر إلى مستنده المسألة السادسة [الاحْتِجَاجُ بالمُتَقَدِّمِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] ، وَقَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] . الشرح أي: إذا جاءتهم الرسل بالحق احتجوا بآبائهم، فإن موسى ﵇ لما دعا فرعون إلى الإيمان احتج فرعون بما عليه الأولون ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] يريد أن يحتج بما عليه القرون الأولى التي سبقته من الكفرة، وهذه حجة باطلة، وهي حجة جاهلية. وكما قال قوم نوح لما دعاهم إلى الله، قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فقابلوا دعوة نبي الله نوح بما عليه آباؤهم على أنه حق، وأن ما جاء به نوح باطل؛ لأنه مخالف لما عليه آباؤهم. وكفار قريش يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا

стр. 64

إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [صّ: ٧] أي: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي جاء به محمد ﷺ ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ملة آبائهم وأجدادهم ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ كذب، فهم وصفوا ما جاء به الرسول ﷺ بأنه كذب، لماذا؟ لأنه مخالف لما عليه آباؤهم، وهو عبادة الأوثان، ولم يرجعوا إلى دين أبيهم إبراهيم وإسماعيل؛ بل رجعوا إلى ما كان عليه آباؤهم قريباً، وهم آباؤهم وأجدادهم في مكة من كفار قريش، فهذه سنة الكفار، وهذه سنة الجاهلية؛ أن يحتجوا بمن سبقهم من الأمم. والواجب على العقلاء أن ينظروا ما مع الرسل، ويقارنوا بينه وبين ما عليه آباؤهم؛ ليتضح لهم الحق من الباطل، ويقارنوا بينه وبين ما عليه آباؤهم؛ ليتضح لهم الحق من الباطل، أمّا إغلاق الباب على أنفسهم، يقولون: ما نقبل إلا ما عليه آباؤنا، ولا نقبل ما يخالفه، فهذا ليس من شأن العقلاء فضلاً عن الذين يريدون النجاة لأنفسهم. والآن عُبّاد القبور إذا نُهوا عن عبادة القبور، قالوا: هذا عليه البلد الفلاني، وعليه الجماعة الفلانية، وعليه قرون مضت. وأصحاب الموالد إذا نهوا، قيل لهم: هذه بدعة قالوا: هذا شيء معمول به قبلنا، ولو كان باطلاً ما عملوه. وهذا احتجاج أهل الجاهلية، فليس العبرة بما عليه

стр. 65

الناس، وإنما العبرة بما جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن الناس يخطئون ويصيبون، لكن ما جاء به الرسول ﷺ فهو صواب قطعاً، والواجب اتباعه، والله لم يكلنا إلى آبائنا وأجدادنا، ولو كان الذي عند الآباء والأجداد يكفي ما احتجنا إلى الرسل. وهكذا الصوفية، يقولون: أحوالنا تكفي عن اتباع الرسول، ولنا أحوال، ولنا اتصال مع الله، ونأخذ عن الله مباشرة، وأهل السنة يأخذون دينهم عن أموات – يعنون رجال السند-، أما نحن فنأخذ ديننا عن الحي الذي لا يموت، ويقولون: الرسل إنما يحتاجهم العوام، أما الخواص فهؤلاء ليسوا بحاجة إلى الرسل؛ لأنهم وصلوا إلى الله، وعرفوا وليسوا بحاجة إلى الرسل، هكذا يقول لهم الشيطان، ويقول: إن أصحاب الطرق لا يحتاجون للرسل؛ لأنهم يأخذون عن الله مباشرة. وهذا من دين الجاهلية، والوقائع كثيرة من هذا النوع.

стр. 66

المسألة السابعة: الاستدلال بما عليه أهل القوة بأنه هو الحق ... الاستدلال بما عليه أهل القوة بأنه هو الحق المسألة السابعة [الاستدلال بقوم أعطوا قوى في الأفهام والأعمال، وفي الملك والمال والجاه، فرد الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] ، وقوله: ﴿َكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] ، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] . الشرح من مسائل الجاهلية: أنهم يستدلون أنَّ ما كان عليه الأقوياء من الناس وأصحاب الجاه وأصحاب الذكاء، أنه هو الحق. فهذا هو الضابط عندهم لمعرفة الحق؛ أنهم ينظرون في الناس، فما كان عليه أهل القوة والمال والترف والجاه اعتبروه هو الحق، وما كان عليه الضعفاء والفقراء يعتبرونه باطلاً. هذه حالة أهل الجاهلية. وهذا الضابط باطل، فإن الله أخبر عن الأمم

стр. 67

السابقة الكافرة أنها كانت على قوة، وأنها كانت على ثروة، في آيات كثيرة، وأنهم أهل جاه، وعندهم ذكاء وأفهام، لكن ما نفعهم ذلك، بل كانوا على الباطل، وقد ذكر الله هذا في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم:٧٣] ، فقال تعالى رداً عليهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾ [مريم:٧٤] ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ [قّ:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦] . فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن العبرة ليست بالقوة والمال، إذا كان أهل ذلك على ضلال، فإن هذه القوة، وهذا المال وهذا الثراء لا ينفعهم. وبين سبحانه أنه يعطي الكفار من أجل استدراجهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ

стр. 68

﴿شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥،٤٤] ، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤،٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . فالله يعطيهم هذه الثروة ويمكنهم في الأرض ويعطيهم الملك والسلطة، ويمكنهم من المخترعات والصناعات، كما عليه الكفار في هذا الوقت، وهذا لا يدل أن ما هم عليه حق، ولا يدل على أن الله راضٍ عنهم في إعطائه لهم، وإنما هذا من باب الاستدراج لهم والإملاء؛ ليزدادوا إثماً. إنما يستدل بهذا الدليل أهل الجاهلية. أما أهل البصيرة فإنهم ينظرون إلى ما عليه الأمم، فإن كان حقاً قبلوه وإن كانوا فقراء. وإن كان باطلاً ردُّوه وإن كانوا أغنياء. والآيات في هذا كثيرة، منها ما ذكره الشيخ هنا، وهو قول الله تعالى لما ذكر هلاك قوم عاد: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ ... ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٦-٨]

стр. 69

رأي: قبيلة إرم، أو البلد الذي كانت تسكنه، تسمى إرماً ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٧-٩] ينحتون الجبال وينقشونها، ويجعلونها مساكن لهم، وهي موجودة إلى الآن، على طريق القوافل إلى الشام ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] ، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] . فهؤلاء أعطاهم الله من القوة الشيء العظيم، وهم كفار، ولما جاءهم أنبياؤهم اغتروا بما عندهم من القوة، ومن الثروة، ومن الأبهة، فتكبروا على الرسل، وبقوا على شركهم، ولم يقبلوا الحق؛ غروراً بما هم عليه من القوة، حتى إن الله ذكر عن عاد أنهم اغتروا بقوتهم ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . وأما الاستدلال بالفهم، فبنو إسرائيل، اليهود، أعطاهم الله فهماً وعلماً، وكانوا يعرفون من صفات النبي ﷺ الذي سيبعث في آخر الزمان، بما عندهم في التوراة والإنجيل، وأنه سيبعث نبي هو خاتم الأنبياء، وأن صفاته كذا وكذا، وكان بينهم وبين العرب في المدينة – من الأوس والخزرج – حروب، ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]

стр. 70

يقولون: سيبعث النبي الذي في آخر الزمان، ونتبعه، ونقتلكم معه، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] أي: لما بعث محمد ﷺ ؛ وكان من بني إسماعيل، حسدوه؛ لأنهم يريدون أن تكون النبوة في بني إسرائيل، ويحتجزونها لأنفسهم، فلما كانت في بني إسماعيل، حسدوا رسول الله ﷺ ، وهم يعرفون أنه رسول الله؛ ما نفعهم فهمهم ومعرفتهم. فما كل من عرف الحق يعمل به، فقد يصرفه صارف: إما الحسد، وإما الكبر، وإما الطمع في الدنيا، أو الطمع في الرياسة، هناك صوارف تصرف الإنسان عن الحق وهو يعرفه. فالهداية والتوفيق من الله ، ليست عن المعرفة وعن العلم والفهم، فالأمر راجع إلى الله ؛ ولهذا كان الرسول ﷺ يكثر من قول: "يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك" ١، فمجرد المعرفة والعلم والفهم والفقه، كلها أسباب جيدة، لكن لا تكفي. فهذا مما يعطي المؤمن الحذر، وعدم الاغترار بعلمه، عدم الاغترار بفهمه، وأن يسأل ربه الثبات على الحق والهداية

стр. 71

للصواب دائماً وأبداً، كما أنه لا يغتر بالقوة، ويقال: هذه دولة قوية، ما يمكن أن يتغلب عليها أحد؛ لأنها دولة قوية محصنة بالأسلحة والذخيرة الفتاكة والقنابل الذرية، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . فهذه مسألة عظيمة، يغفل عنها كثير من الناس، ويحتج بالقوة والثروة والجاه والأبهة، ويقولون: هذه أمة راقية، مما يدل أنها على حق، وما توصلت إلى هذا المستوى إلا وهي على حق؛ لأن عندهم حضارة وعندهم ثقافة وفهم. وهكذا يقول بعض المغرورين، دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر.

стр. 72

المسألة الثامنة: الاستدلال بأن ما عليه الضعفاء ليس حقاً ... الاستدلال بأن ما عليه الضعفاء ليس حقاً المسألة الثامنة [الاسْتِدْلاَلُ عَلَى بُطْلاَنِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَبِّعْهُ إِلاَّ الضُّعَفَاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وَقَوْلُهُ: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] ، فَرَدَّ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] . الشرح هذه المسألة عكس التي قبلها- وهي الاستدلال بالقوة على أن أصحابها على الحق- وفي هذه المسألة يستدلون بالضعف على أن الضعفاء ليسوا على الحق، لو كانوا على حق ما صاروا ضعفاء. هذا ميزان أهل الجاهلية، في معرفة الحق من الباطل، ولا يعلمون أن القوة والضعف بيد الله ، وأن الضعيف قد يكون على الحق وهو ضعيف، وأن القوي قد يكون على الباطل، وهذا منطق قوم نوح لما دعاهم إلى الله ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني الضعفاء منا، فلو كنت على حق لاتبعك الأقوياء. وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي

стр. 73

الرَّأْيِ﴾ أي: الذين ليس عندهم رأي، هم الذين اتبعوك، من غير روية ومن غير تفكير. وكذلك المشركون في عهد رسول الله ﷺ ، كانوا يسخرون من ضعفاء المؤمنين، من بلال وسلمان وعمار بن ياسر وأبيه وأمه، ويسخرون من ضعفاء الصحابة، حتى إنهم قالوا: ما نجلس معك وهؤلاء عندك، اجعل لنا مجلساً غير مجلسهم –أراد أن يجعل لهم مجلساً خاصاً، فعاتبه الله بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٢، ٥٣] . وقوله: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هؤلاء: يعنون ضعفاء الصحابة، لا يمكن أن يسبقونا إلى الخير ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ، ومثلهم الآن الذين يصفون العلماء بأنهم ما عندهم رأي ولا تفكير، وأن نظرهم قريب، وعندهم تحجر، وعندهم شدة، إلى آخر ما يقولون. والشيخ ما كتب هذه المسائل للتاريخ، وإنما كتبها للتحذير، بأن يُحذر هذه الأمور؛ لأنها من أمور الجاهلية.

стр. 74

اقتداؤهم بفسقة العلماء وجهّال العباد المسألة التاسعة [اقْتِدَاؤُهُمْ بِفَسَقَةِ العُلَمَاءِ وَجُهَّالِ العُبَّادِ ، فَأَتَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] . الشرح من مسائل الجاهلية: الاستدلال بفسقة العلماء، والفاسق هو: الخارج عن طاعة الله في علمه عمله، وفسقة العلماء هم: الذين لا يعملون بعلمهم، أو يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون، من أجل الوصول إلى رغباتهم واتباع الأهواء، تحت مظلة أنهم علماء، والناس يثقون فيهم، وفسقة العباد هم الذين يعملون بغير علم، والناس يثقون

стр. 75

فيهم، يقولون: هؤلاء صالحون. فلا يغتر بالعالم ولا بالعابد حتى يكون كل منهما مستقيماً على دين الله ، قال الله في اليهود والنصارى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ٣١] ذلك بأن حلّلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرّموا علهم الحلال فأطاعوهم، فصاروا بذلك أرباباً من دون الله، والعياذ بالله؛ لأن التحليل والتحريم حق لله جل وعلا، ليس لأحد أن يحرّم أو يحلّل حسب هواه وحسب أغراضه، ويرضي الناس ويساير الناس، والآن هناك ناس يتحايلون على الشرع، يحلّون المحرمات لأجل مسايرة الناس وإرضاء الناس –بزعمهم- يلتمسون الحيل، ويلتمسون الرُّخَص، أو الكذب على الله، بأن الله أحل هذا، أو حرم هذا؛ من أجل مصلحة فلان. هؤلاء هم فسقة العلماء، والفاسق هو: الخارج عن طاعة الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ﴾ [التوبة: ٣٤] وهذا نداء للمؤمنين للتحذير، والأحبار هم العلماء، وغالباً يطلق على علماء اليهود، والرهبان هم
следующие страницы →