← Акыда

Акыда · id 11265

شرح مسائل الجاهلية

صالح الفوزان

Полный текст (301 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للصواب دائماً وأبداً، كما أنه لا يغتر بالقوة، ويقال: هذه دولة قوية، ما يمكن أن يتغلب عليها أحد؛ لأنها دولة قوية محصنة بالأسلحة والذخيرة الفتاكة والقنابل الذرية، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . فهذه مسألة عظيمة، يغفل عنها كثير من الناس، ويحتج بالقوة والثروة والجاه والأبهة، ويقولون: هذه أمة راقية، مما يدل أنها على حق، وما توصلت إلى هذا المستوى إلا وهي على حق؛ لأن عندهم حضارة وعندهم ثقافة وفهم. وهكذا يقول بعض المغرورين، دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر.

стр. 72

المسألة الثامنة: الاستدلال بأن ما عليه الضعفاء ليس حقاً ... الاستدلال بأن ما عليه الضعفاء ليس حقاً المسألة الثامنة [الاسْتِدْلاَلُ عَلَى بُطْلاَنِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَبِّعْهُ إِلاَّ الضُّعَفَاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وَقَوْلُهُ: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] ، فَرَدَّ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] . الشرح هذه المسألة عكس التي قبلها- وهي الاستدلال بالقوة على أن أصحابها على الحق- وفي هذه المسألة يستدلون بالضعف على أن الضعفاء ليسوا على الحق، لو كانوا على حق ما صاروا ضعفاء. هذا ميزان أهل الجاهلية، في معرفة الحق من الباطل، ولا يعلمون أن القوة والضعف بيد الله ، وأن الضعيف قد يكون على الحق وهو ضعيف، وأن القوي قد يكون على الباطل، وهذا منطق قوم نوح لما دعاهم إلى الله ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني الضعفاء منا، فلو كنت على حق لاتبعك الأقوياء. وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي

стр. 73

الرَّأْيِ﴾ أي: الذين ليس عندهم رأي، هم الذين اتبعوك، من غير روية ومن غير تفكير. وكذلك المشركون في عهد رسول الله ﷺ ، كانوا يسخرون من ضعفاء المؤمنين، من بلال وسلمان وعمار بن ياسر وأبيه وأمه، ويسخرون من ضعفاء الصحابة، حتى إنهم قالوا: ما نجلس معك وهؤلاء عندك، اجعل لنا مجلساً غير مجلسهم –أراد أن يجعل لهم مجلساً خاصاً، فعاتبه الله بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٢، ٥٣] . وقوله: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هؤلاء: يعنون ضعفاء الصحابة، لا يمكن أن يسبقونا إلى الخير ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ، ومثلهم الآن الذين يصفون العلماء بأنهم ما عندهم رأي ولا تفكير، وأن نظرهم قريب، وعندهم تحجر، وعندهم شدة، إلى آخر ما يقولون. والشيخ ما كتب هذه المسائل للتاريخ، وإنما كتبها للتحذير، بأن يُحذر هذه الأمور؛ لأنها من أمور الجاهلية.

стр. 74

اقتداؤهم بفسقة العلماء وجهّال العباد المسألة التاسعة [اقْتِدَاؤُهُمْ بِفَسَقَةِ العُلَمَاءِ وَجُهَّالِ العُبَّادِ ، فَأَتَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] . الشرح من مسائل الجاهلية: الاستدلال بفسقة العلماء، والفاسق هو: الخارج عن طاعة الله في علمه عمله، وفسقة العلماء هم: الذين لا يعملون بعلمهم، أو يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون، من أجل الوصول إلى رغباتهم واتباع الأهواء، تحت مظلة أنهم علماء، والناس يثقون فيهم، وفسقة العباد هم الذين يعملون بغير علم، والناس يثقون

стр. 75

فيهم، يقولون: هؤلاء صالحون. فلا يغتر بالعالم ولا بالعابد حتى يكون كل منهما مستقيماً على دين الله ، قال الله في اليهود والنصارى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ٣١] ذلك بأن حلّلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرّموا علهم الحلال فأطاعوهم، فصاروا بذلك أرباباً من دون الله، والعياذ بالله؛ لأن التحليل والتحريم حق لله جل وعلا، ليس لأحد أن يحرّم أو يحلّل حسب هواه وحسب أغراضه، ويرضي الناس ويساير الناس، والآن هناك ناس يتحايلون على الشرع، يحلّون المحرمات لأجل مسايرة الناس وإرضاء الناس –بزعمهم- يلتمسون الحيل، ويلتمسون الرُّخَص، أو الكذب على الله، بأن الله أحل هذا، أو حرم هذا؛ من أجل مصلحة فلان. هؤلاء هم فسقة العلماء، والفاسق هو: الخارج عن طاعة الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ﴾ [التوبة: ٣٤] وهذا نداء للمؤمنين للتحذير، والأحبار هم العلماء، وغالباً يطلق على علماء اليهود، والرهبان هم

стр. 76

العُبّاد، وهذا في الغالب يطلق على عُبّاد النصارى، فالرهبنة في النصارى، والعلم في اليهود، لكن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. والله جل وعلا أمرنا في كل ركعة في الصلاة أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦، ٧] وهم أهل العلم والعمل ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ، وهم أهل العلم بدون العمل، وهم فسقة العلماء ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ الرهبان من النصارى وغيرهم، الذين يعبدون الله على غير دليل، على غير برهان، وإنما يعبدون الله بالبدع والمحدثات والخرافات. والله نهانا عن العلماء الفسقة، والعباد الضالين، وأمرنا أن نأخذ الحق بدليله، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والآن إذا صار للواحد رغبة في شيء، قال: هذا أفتى به فلان. دون نظر إلى مستنده من الكتاب والسنة، تقول له: هذه الفتوى خطأ. يقول: ما علي، ما دام قد أفتى به فلان. وإذا صارت الفتوى لا توافق هواه، قال: هذه الفتوى ليست صحيحة أو متشددة. وصاروا يجمعون ترهات وأخطاء العلماء ويجعلونها في كتاب، يظهرونه للناس، من باب التوسعة على الناس –بزعمهم- ويقولون: دين الإسلام سمح،

стр. 77

لا تضيّقوا على الناس، وإذا قيل لهم: اعرضوها على الكتاب والسنة، قالوا: هذا كلام العلماء. وهل العالم أكبر من الكتاب والسنة، فلا يعرض قوله على الكتاب والسنة؟! هذا إنما يفعله أهل الأهواء، والعياذ بالله، الذين ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وإذا نُهوا عن البدعة التي حَذَّّرَ منها الرسول ﷺ ، قالوا: هذه يعمل بها فلان، وهو عالم، أو صالح، ويعمل بها أهل البلد الفلاني، وهم عندهم صلاح وتقوى. ونقول: الصلاح والتقوى لا يكفيان، لا بد من موافقة الكتاب والسنة. فأخذ أقوال العلماء والعباد قضيةً مسلمةً دون عرض على الكتاب والسنة، هي طريقة أهل الجاهلية، الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

стр. 78

المسألة العاشرة: رميهم أهل الدين بقلة فهمهم وعدم حفظهم ... رميهم أهل الدين بقلة فهمهم وعدم حفظهم المسألة العاشرة [الاسْتِدْلاَلُ عَلَى بُطْلاَنِ الدِّينِ بِقِلَّةِ أَفْهَامِ أَهْلِهِ وَعَدَمِ حِفْظِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] . الشرح مما ذكره الله عن قوم نوح قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: الضعفاء ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: الذين ليس عندهم فهم. فيعيِّرون أتباع الرسل بأن ما عندهم فهم ولا حذق للأمور، ولا عندهم بعد نظر. وهذا ما يتبجح به كثير من فسقة وأعداء الله اليوم، يتندّرون من المسلمين ومن علماء المسلمين، بأنهم ما عندهم فهم ولا بُعد نظر، ويتنقصونهم بهذه الفرية، مع أن علماء المسلمين هم أهل البصيرة، وهم أهل المعرفة؛ لأنهم ينظرون بنور الله ، ويأمرون بأمر الله، وينهون عما نهى الله عنه.

стр. 79

ولا شك أن العلماء العاملين هم أفضل الناس بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فلا يتنقّص العلماء ويتهمونهم بقصر النظر وعدم الفهم إلا من هو شبيه بأهل الجاهلية، وبقوم نوح الذين يصفون أتباع الرسل بهذا الوصف؛ لينفروا الناس عنهم. وهذا يأتي على ألسنة بعض الناس اليوم، يقولون: هؤلاء العلماء علماء حيض ونفاس، وعلماء أحكام الاستجمار، وعلماء جزئيات، ولا يعرفون فقه الواقع، وفقه الواقع عندهم أمور السياسة والثورة على الولاة.

стр. 80

المسألتان الحادية عشرة والثانية عشرة: اعتمادهم على القياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح ... اعتمادهم على القياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح المسألتان الحادية عشرة والثانية عشرة [الاسْتِدْلاَلُ بِالقِيَاسِ الْفَاسِدِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] . إِنْكَارُ القِيَاسِ الصَّحِيحِ: وَالجَامِعُ لَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ: عَدَمُ فَهْمِ الجَامِعِ وَالفَارِقِ] . الشرح المسألة الحادية عشرة والثانية عشرة: اعتمادهم على القياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح. ولا قياس عند الأصوليين نوعان: قياس علة وهو: إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع بينهما. فإن اختل شرط من شروطه فهو قياس فاسد، لا يعتمد عليه في إثبات حكم من الأحكام. وهذه مسألة خطيرة، يقول ابن القيم: أكثر ضلال الناس إنما هو بسبب القياس الفاسد. وأول من مارس القياس الفاسد إبليس، لما أمره الله بالسجود لآدم ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي

стр. 81

مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] يزعم أن النار خير من الطين، فيكون هو خيراً من آدم. وهذا قياس فاسد؛ لأن النار ليست خيراً من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن النار محرقة متلفة للأشياء، أما الطين فهو ينبت الأشياء والبذور، وفيه خير للناس. فلو ذهبنا إلى القياس لقلنا: الطين خير من النار، مع أن الاعتماد ليس هو على القياس، بل الاعتماد على اختيار الله وتفضيله، وهو يفعل ما يشاء ويختار، لا اعتراض عليه، وله الحكمة البالغة، . كذلك المشركون قاسوا هذا القياس لما كذبوا الرسل، قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] استدلوا ببشريتهم على عدم صحة رسالتهم؛ لأن الرسالة لا تصح في البشر بزعمهم. وهذا قياس رسالتهم؛ لأن الرسالة لا تصح في البشر بزعمهم. وهذا قياس باطل، لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الرسل فضلهم الله على غيرهم، واصطفاهم واختارهم، وهو أعلم – –بحالهم وصلاحهم للرسالة ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الحج: ٧٥،٧٦] ، ولهذا لما قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا

стр. 82

بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] . تقول الرسل: الله فضّلنا بأنه منّ علينا واختارنا للرسالة، فقياسكم قياس مع الفارق؛ لأن البشر لا يستوون، وليسوا على حد سواء، منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الرسل والعلماء والصالحون، ومنهم الجهال والكفار والفساق، فالبشر يتفاوتون، فهناك فارق، والقياس مع الفارق يكون باطلاً؛ لأن هذا من قوادح القياس عند الأصوليين. بل الحكمة تقتضي أن يكون الرسول إلى البشر بشراً مثلهم؛ من أجل أن يبين لهم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٥) ] ، فالرسول يكون من جنس المرسل إليهم؛ من أجل تبليغ الرسالة، والحكمة تقتضي أن يكون رسول البشر من البشر، ولو كان الذين يعيشون على وجه الأرض ملائكة، لأرسل إليهم من جنسهم ملكاً. ومن عجائب انتكاس هؤلاء: أنهم يستبعدون الرسالة في البشر، ولا يستبعدون أن تكون العبودية للحجر! فلا يستبعدون أن تكون الربوبية والإلهية للأحجار والأشجار، ومع هذا يستبعدون ويستنكرون أن تكون الرسالة في البشر، وهذا

стр. 83

القياس الباطل عليه سائر أئمة الكفرة من قوم نوح وغيرهم، ينكرون رسالة الرسل لأنهم بشر، فقوم نوح وغيرهم، ينكرون رسالة لأنهم بشر، فقوم نوح قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٤،٢٥] ، كذلك غيرهم، فقريش قالوا في حق محمد ﷺ : ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] ، فهذه قاعدة مطردة عند الكفار، وهي القياس الفاسد. والنوع الثاني من القياس: قياس الشبه وهو أن يتردد الفرع بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها –والله جل وعلا لا يقاس بخلقه لا قياس على ولا قياس شبه يستوي أفراده، وإنما يستعمل في حقه سبحانه قياس الأولى وهو أن يقال: كل كمال ثبت للمخلوق لا يستلزم نقصاً فالخالق أولى به. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] . وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] . والمسألة التي بعدها، وهي: وأنكروا القياس الصحيح. وهو: أن يكون الرسل إلى البشر بشراً مثلهم، وأن يكون الرسل إلى الملائكة من الملائكة، هذا هو القياس الصحيح، الذي تقتضيه الحكمة

стр. 84

والفطر السليمة؛ أن المرسل يكون من جنس المرسل إليهم، لا من جنس آخر. والذي حملهم على هاتين المسألتين هو الجهل بالجامع والفارق، الجامع الذي يبنى عليه القياس، والفارق الذي لا يصح معه القياس.

стр. 85

المسألة الثالثة عشرة: الغلو بأهل العلم والصلاح ... الغلو بأهل العلم والصلاح المسألة الثالثة عشرة [الغُلُوُّ فِي العُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] . الشرح وهذه مسألة خطيرة، والغلو معناه في اللغة: الزيادة عن الحد، يقال: غلا القدر، إذا ارتفع فيه الماء بسبب الغليان، ويقال: غلا السعر، إذا ارتفع عن الحد المعروف. فالغلو هو: الزيادة والارتفاع عن الحد المعروف. والغلو في الشرع هو: الزيادة في رفع شخص فوق منزلته اللائقة به، كالزيادة في حق الأنبياء أو الصالحين، ورفعهم عن قدرهم إلى الربوبية أو الألوهية. فأهل الجاهلية غلوا في الأشخاص حتى رفعوهم عن قدرهم، إلى أن جعلوهم أرباباً مع الله، كما غلا اليهود في عزير وقالوا: هو ابن الله. وكما غلت النصارى ورفعوا عيسى

стр. 86

ابن مريم- ﵊ من البشرية والرسالة إلى الألوهية، وقالوا: هو ابن الله. وكذلك قوم نوح لما غلوا في الصالحين، وصوروا صورهم وتماثيلهم، ثم عبدوهم من دون الله، فرفعوهم إلى مرتبة الألوهية ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] جعلوهم آلهة. وكذلك غيرهم من طوائف المشركين إلى اليوم، يغلون في الصالحين، ويطوفون بقبورهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستغيثون بالموتى ويستنجدون بهم، يطلبون منهم قضاء الحوائج. فالغلو يجرُّ أصحابه إلى الشرك، ولهذا قال ﷺ : "لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى ابن مريم" والإطراء هو: الغلو في المدح "إنما أنالا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" ١. والغلو في الأشخاص من الأنبياء والصالحين، هو الذي أوقع المشركين –من الكتابيين والأميين- في الشرك الأكبر. والواجب أن يُعرف للأشخاص قدرهم اللائق بهم، فيعرف للرسل رسالتهم، ويعرف للصالحين صلاحهم، ويعرف للعلماء علمهم، وأنهم أفضل من غيرهم، ففضل العالم على

стр. 87

العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، ويُنزلون منازلهم، ولا يرفعون فوق منازلهم، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] ، والنبي ﷺ يقول: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١. فلا يجوز الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله فيها؛ لأن هذا يجر إلى السرك بالله ، وكذلك الغلو في العلماء والعباد، قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] غلوا في علمائهم وعبادهم، حتى اعتقدوا لهم الصلاحية في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتغيير الشرع المطهر.

стр. 88

المسألة الرابعة عشرة: نفيهم الحق وإثباتهم الباطل ... نفيهم الحق وإثباتهم الباطل المسألة الرابعة عشرة [إِنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ: النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ؛ فَيَتَّبِعُونَ الهَوَى وَالظَّنَّ، ويُعْرِضُونَ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ] . الشرح كل ما تقدم من المسائل التي ذكرها الشيخ عن أهل الجاهلية إنما مبنية على النفي والإثبات، فهم يثبتون ما نفاه الله، وينفون ما أثبته الله، ولذلك وقعوا في الضلال. فالله جل وعلا نفى الشرك وأثبت التوحيد، وأمر التوحيد. وهم عكسوا؛ فأثبتوا الشرك، ونفوا التوحيد، فعكسوا معنى (لا إله إلا الله) تماماً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] الإيمان بالباطل هو المنفي، وهم آمنوا به وأثبتوه، بدلاً من أن يكفروا به، والإيمان بالله هو الإثبات، وهم كفروا بالله، فنفوا المثبت حيث آمنوا بالباطل، فأثبتوا المنفي ونفوا المثبت، حيث كفروا بالله.

стр. 89

وهذه قاعدة الجاهلية التي يسيرون عليها، ويتخبطون في ضلالهم. فلو تتبعت أحوالهم لوجدتها لا تخرج عن هذه القاعدة، فمن أشرك بالله فقد نفى ما أثبته الله، وأثبت ما نفاه الله. ومن أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً، فهو من هذا القبيل، فمن نفى ما أحلّه الله، وأثبت ما حرّمه الله، فهو من هذه القاعدة، التي لا يخرج عنها شيء من أفعال الجاهلية. ومن عادى أهل التوحيد، ووالى أهل الشرك، فقد نفى ما أثبته الله، وأثبت ما نفاه الله؛ لأن الله أمر بموالاة المؤمنين، ونهى عن موالاة المشركين.

стр. 90

المسألة الخامسة عشرة: اعتذارهم عن قبول الحق بعذر باطل ... اعتذارهم عن قبول الحق بعذر باطل المسألة الخامسة عشرة [اعتذارهم عن اتباع ما آتاهم الله بعدم الفهم، كقوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] ، ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] ، فأكذبهم الله، وبين أن ذلك بسبب الطبع على قلوبهم، وأن الطبع بسبب كفرهم] . الشرح أي: اعتذروا عن قبول الحق بأنهم لا يفهمونه، كما ذكر الله عن اليهود، لمّا دعاهم رسول الله ﷺ للإسلام، قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] ، ﴿غُلْفٌ﴾ يعني: عليها غلاف، لا يصل إليها كلام الرسول، ولا تطمئن قلوبهم إلى كلامه، فاتخذوا هذا حجة في تكذيب الرسول ﷺ . هذا هو المعنى المشهور للآية. والمعنى الثاني: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعني: أنها مملوءة من العلم، فلسنا بحجة إلى كلام أحد، فليسوا – بزعمهم -

стр. 91

بحاجة إلى الرسول ﷺ . فالله جل وعلا يبين أن العلة ليست ما يقولون، بل العلة أن الله لعنهم بسبب كفرهم، يعني: طردهم وأبعدهم عن رحمته، فصاروا لا يقبلون الحق بسبب كفرهم، فالباء سببية، فصاروا لا يفقهون قول الرسول ﷺ ؛ لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعبأون به؛ لأن الله صرفهم عقوبة لهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] ، فمن لم يقبل الحق ابتلاه الله بالباطل، وصار بعد ذلك لا يقبل الحق، لأنه يفسد قلبه، والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] ، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١] ، هذا في اليهود، وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هذا ليس صحيحاً، وإنما الله صرفها؛ عقوبة لهم، وإلا أصل القلب أنه على الفطرة، يقبل الحق بفطرته، لكن إذا فسدت الفطرة صار لا يقبل الحق، مثل الأرض إذا فسدت وصارت سبخة، فإنها لا تنبت؛ لأنها فسدت، كذلك القلب إذا فسد صار لا يقبل الحق. وكذلك قوم شعيب ﵊، مع أنه أفصح الأنبياء وأبينهم خطاباً، حتى لقب بخطيب الأنبياء؛ لقوة

стр. 92

فصاحته وتأثيره، وبلاغة كلامه ﵊، ومع هذا ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ، فهم لا يفقهون كلام شعيب؛ لأن الله طمس على قلوبهم، مثل ما حصل لبني إسرائيل، وهذه سنة الله جل وعلا، أن من تكبر عن الحق ولم يقبله إذا بلغه، فإنه يبتلى بفساد القلب؛ عقوبة له. وكذلك كفار قريش، ماذا قالوا للرسول ﷺ ؟ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] . فالكفار طريقتهم واحدة، يقابلون دعوات الرسل بأنهم لا يفهمون كلامهم، هل هذا لقصور في بلاغ الرسل؟ لا، لكن لقصور في استعدادهم بسبب كفرهم وإعراضهم وعدم التفاتهم وعدم رغبتهم في الخير.

стр. 93

المسألة السادسة عشرة: اعتياض اليهود عن الثورة بكتب السحر ... اعتياض اليهود عن التوراة بكتب السحر المسألة السادسة عشرة [اعْتِيَاضُهُمْ عَمَّا آتَاهُمُ اللهُ بِكُتُبِ السِّحْرِ، كَمَا ذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ] . الشرح اليهود لما كفروا بالتوراة التي فيها صفات محمد ﷺ ، وأمرهم باتباعه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] كما بشر به عيسى في الإنجيل حيث قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ

стр. 94

يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . فهذا الرسول ﷺ موجود ذكره في التوراة والإنجيل، اسمه ورسالته وصفاته ﵊، حتى إنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما كفروا بكتاب الله التوراة ولم يعلموا به، ابتلاهم الله جل وعلا بأن أخذوا بكتب السحر التي هي من عمل الشياطين، واستبدلوا عمل الشياطين بوحي رب العالمين، وهذه عقوبة لهم، فكل من أعرض عن الحق فإنه يبتلى بالباطل. وكذلك كل من ترك الحق، فإنه يٌبتلى بالباطل، فالذي يترك منهم دعوة الرسل من الدعوة إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وبيان ذلك، يبتلى بأنه يروج للشرك والخرافات، ويستدل لها، ويروجها عند الناس على أنها حق، وهذا واقع كثير من علماء الخرافيين وعلماء القبوريين، بدلاً من أن يدعوا إلى توحيد الله، وإلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، يدعون إلى الباطل، ويدعون إلى الله وإلى عبادة القبور، والتعلق بالأموات، ويلتمسون لذلك الشبهات التي يروجونها على الناس، فيشتغلون وقتهم في هذا الباطل، والعياذ بالله.

стр. 95

المسألة السابعة عشرة: نسبتهم الباطل إلى الأنبياء ... ن سبتهم الباطل إلى الأنبياء المسألة السابعة عشرة [نِسْبَةُ بَاطِلِهِمْ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وَقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ [آل عمران: ٦٧] . الشرح من مناهج الجاهلية: أنهم ينسبون ما هم عليه من الكفر والضلال إلى الأنبياء، كما نسبت اليهود السحر إلى سليمان، فقالوا: السحر من عمل سليمان، وهو الذي كان يسيطر به على الجن والشياطين، وما علموا أن الشياطين من خلق الله، يسخرهم سبحانه كيف يشاء، وقد سخرهم لنبيه سليمان ﵊، فهؤلاء اليهود نسبوا السحر إلى سليمان؛ من أحل أن يروجوه عند الناس، ويقولوا: هذا من عمل الأنبياء. وكذلك اليهود والنصارى ينسبون كفرهم إلى إبراهيم ﵊، إمام الحنفاء، ينسبون إليه ما هم عليه من الكفر، ويقولون: هذا دين إبراهيم، ولهذا رد

стр. 96

الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] هذا دين إبراهيم ﵊، أنه على دين التوحيد، والبراءة من الشرك والمشركين، عكس ما عليه اليهود والنصارى. وأيضاً ما حدثت اليهودية والنصرانية إلا من بعد إبراهيم بقرون، فكيف تنسب إليه اليهودية والنصرانية؟! هذا من أقبح الكذب، فالتاريخ يكذبهم؛ لأن بينهم وبين إبراهيم قروناً طويلة، والتوراة ما نزلت على موسى –﵇ والإنجيل ما أنزل على عيسى –﵇-إلا بعد إبراهيم ﵊. كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:٦٥] . [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] . وكذلك كان في هذه الأمة من ينسب ما هو عليه من الباطل إلى النبي محمد ﷺ فيضع الأحاديث المكذوبة لنصرة باطله. وكذلك من هذه الأمة من ينتسبون إلى الأئمة وهم يخالفونهم في العقيدة، فينتسبون إلى أبي حنيفة وإلى مالك وإلى الشافعي وإلى أحمد، وهم على عقيدة المعتزلة

стр. 97

والأشاعرة، وينسبون هذا الاعتقاد الباطل إلى أئمة السلف، وما كان هؤلاء الأئمة- ﵏ معتزلة، بل كانوا يحاربون المعتزلة وعلماء الكلام.

стр. 98

المسألة الثامنة عشرة: انتسابهم إلى الأنبياء مع مخالفتهم ... انتسابهم إلى الأنبياء مع مخالفتهم المسألة الثامنة عشرة [تَنَاقُضُهمْ فِي الانْتِسَابِ؛ يَنْتَسِبُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِظْهَارِهِمْ تَرْكِ اتِّبَاعِهِ] . الشرح التناقض في الانتساب هو: أن ينتسب إلى شيء وهو محالف له، وهذا انتساب باطل وكذب. والانتساب الصحيح هو أن ينتسب إلى الشيء ويكون موافقاً له، فالذي إلى إبراهيم يوافق ما جاء به من توحيد الله ، وإخلاص العبادة له، والبراءة من المشركين، ولا يخالفه في شيء من ذلك. ومن ذلك انتساب اليهود إلى إبراهيم مع امتناعهم من الحج واستنكارهم لاستقبال الكعبة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ.فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ

стр. 99

إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦،٩٧] . وكذلك من ينتسب إلى الأئمة الأربعة، يجب أن يوافقهم في اعتقاد غيرهم من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.

стр. 100

المسألة التاسعة عشرة: عيب الصالحين بفعل بعض المنسبين غليهم ... عيب الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم المسألة التاسعة عشرة [قَدْحُهُمْ فِي بَعْضِ الصَّالِحِينَ بِفِعْلِ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِمْ؛ كَقَدْحِ اليَهُودِ فِي عِسى، وَقَدْحِ اليَهُودِ فِي عِيسى، وَقَدْحِ اليَهُودِ وِالنَّصَارَى فِي مُحَمَّدٍ ﷺ ] . الشرح قدحهم في الصالحين بما يفعله بعض المنتسبين إليهم من الأفعال السيئة، فينتسبون أفعال الأتباع إلى المتبوعين، وهم منها برآء، كقدح اليهود في عيسى بانحراف أتباعه من الصليبيين، والمعتقدين أن الله ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو الله، أو ابن الله. وكذلك من يقدح في محمد صل الله عليه وسلم بما يفعله بعض المنتسبين إلى دينه من القبورية، ومن الجهمية والمعتزلة والخوارج. فنقول لمن يقدح في هؤلاء الأنبياء: ليس هذا هو دين

стр. 101

موسى ﵇، وليس هذا دين عيسى ﵇، وليس هذا دين محمد ﷺ . وإذا كان عند الأتباع انحراف فإنه لا ينسب هذا الأصل، وإنما ينسب إلى من يصدر منه هذا الشيء، فلا تعاب رسالة موسى ﵇ بأن اليهود حرّفوا وبدّلوا وغيّروا، ولا ينسب ما عند النصارى من الشرك والصليبية والكفر القبيح إلى دين عيسى ﵇، ولا ينسب إلى محمد ﷺ ما عند القبوريين الذين يدّعون الإسلام، أو الملاحدة من الرافضة والباطنية، وإن تسمّوا بالإسلام، هذا لا ينسب إلى دين محمد ﷺ ، إنما ينسب إلى النبي من اتبعه وآمن به، وينسب إلى الصالحين من اقتدى بهم واتبعهم، كما قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃ ورضو عنه.....﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] . وكذلك لا ينسب إلى الأئمة الأربعة ما عند المنتسبين إليهم من انحراف في العقيدة ومخالفة للدليل.

стр. 102

المسألة العشرون: اعتقادهم أن أفعال السحرة والكهان من كرامات الأولياء ... اعتقادهم أن أفعال السحرة والكهان من كرامات الأولياء المسألة العشرون [اعْتِقَادُهُمْ فِي مَخَارِيقَ السَّحَرَةِ وَأَمْثَالِهِمْ أَنَّهَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى الأنْبِيَاءِ، كَمَا نَسَبُوهُ لِسُلَيْمَانَ ﵇] . الشرح المخاريق هي: الأمور الخارقة للعادة، ولا يقدر عليها إلا الله، وإذا جرت على يدي نبي فهي معجزة، مثل قلب العصا حية لموسى ٠عليه السلام، ومثل ما عند عيسى ﵇ من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى فإذن الله، وما أعطاه الله لمحمد ﷺ من المعجزات التي أعظمها هذا القرآن العظيم، الذي أعجز البشرية كلها، وأعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله. أمّا إذا جرى خارق العادة على يد عبد صالح تقي مؤمن، فهذا يسمى: كرامة من الله ، إما لحجة في الدين، وإما لحاجة المسلمين، كما حصل على يده، إما لحجة في الدين، وإما لحاجة المسلمين، كما حصل لمريم

стр. 103

عليها السلام في أن زكريا إذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، وهي متفرغة للعبادة بهذا المحراب، وهو مكان العبادة، كذلك ما حصل لأصحاب الكهف من النوم الطويل، وبقائهم على حالتهم لم تأكل الأرض أجسامهم، ولم يحصل في حياتهم خلل. هذا من كرامات الأولياء. أمّا ما يجري مما يشبه خوارق العادات على أيدي الكفرة، فهذه تعتبر من أفعال الشياطين فهذه تعتبر من أفعال الشياطين فهذه تعتر من الشعوذات والحيل والسحر التخييلي أو من أعمال الشياطين واستخدامهم لإفساد عقائد الإنس والإضرار بهم وليست من الكرامات، كالذي يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، وهو فاجر، فهذا من فعل الشياطين؛ لأنهم لما تقربوا إليهم بالكفر والشرك؛ خدموهم. فحملوهم في الهواء ومشوا بهم على الماء. فما يجري على أيدي هؤلاء الفجرة من الشعوذات والشرك هو من أعمال الشياطين أو من حيلهم ودجلهم على الناس وهي أمور يتعلمونها فيما بينهم شيء منها ولهذا لما نسب اليهود السحر إلى نبي الله سليمان ﵇، رَدَّ الله عليهم بأن السحر كفر ولا ينسب الكفر إلى الأنبياء، وسليمان ﵇ منهم، ولا يليق به السحر.

стр. 104

المسألة الحادية والعشرون: تعبدهم الله بالصفير والتصفيق ... تعبدهم الله بالصفير والتصفيق المسألة الحادية والعشرون [تَعَبُدُّهُمْ بِالمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ] . الشرح من مسائل الجاهلية التي خالفهم فيها رسول الله ﷺ : تعبدهم-أي تقربهم- إلى الله بالمكاء والتصدية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: ما كان تَقَرُّب المشركين إلى الله عند الكعبة المشرفة إلا مكاء وتصدية، والمكاء هو: الصفير، والتصدية هي: التصفيق بالأيدي والأكف. يعملون هذا عند البيت، ويسمونه صلاة، يتقربون بها إلى الله . وذلك مما زينه لهم شياطين الإنس والجن؛ لأن العبادة لا تكون إلا بما شرعه الله ، وهي توقيفية، فالإنسان لا يُحدث شيئاً من عند نفسه، أو يتلقاه من غيره مما لم يشرعه الله يتعبد به إلى الله وهو ليس له أصل في الشرع. ومن هنا يؤخذ تحريم هاتين الخصلتين: الصفير

стр. 105

والتصفيق، وإن لم يقصد الإنسان بهما العبادة؛ لأن في ذلك تشبعاً بالمشركين. والتصفيق إنما أباحه النبي ﷺ للنساء خاصة ١عند الحاجة، كتنبيه الإمام إذا سها في الصلاة؛ لما في صورتها- إذا كانت بحضرة الرجال –من الفتنة، ولا يجوز للرجل أن يتشبه بالكفار ولا بالمرأة في التصفيق.

стр. 106

المسألة الثانية والعشرون: اتخاذهم الدين لهواً ولعباً ... اتخاذهم الدين لهواً ولعباً المسألة الثانية والعشرون [إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِباً] . الشرح اللهو هو: كل باطل يُلهي عن الحق، واللعب هو ضد الجد، وهو ما لا فائدة فيه. فاتخاذ اللهو واللعب ديناً يتقرب به إلى الله هو من دين الجاهلية، وهذا موجود عند الصوفية، فيتخذون ضرب الدفوف، ويتخذون الأغاني عبادة لله ، يتقربون إلى الله بالأغاني، ويتقربون إلى الله بضرب الدفوف. والأغاني وآلاتها لهو ولعب، وهي محرمة في حد ذاتها، فكيف إذا اتُخذت عبادة لله ؟ ويشبههم الآن الذين يتخذون الأناشيد التي يسمونها الإسلامية، ويجعلونها من وسائل الدعوة إلى الله، كما يقولون. والدعوة إلى الله من الدين، ولا يدخل فيها شيء من الأغاني ومن الأنغام والتنغيمات التي تلهي النفوس،

стр. 107

وتشغل الناس عن ذكر الله وعن قراءة القرآن، وهي من شعارات المناهج الحزبية، وليست من وسائل الدعوة؛ لأن الدعوة توقيفية، والنبي ﷺ كان يدعو الناس بالكتاب والسنة، والوعظ والإرشاد، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولم يتخذ الأناشيد الجماعية وسيلة للدعوة. وإنشاد الشعر الجيد النزيه؛ للرد على المشركين والدفاع عن الإسلام، كشعر حسان ﵁، أو للتنشيط على العمل والسير في السفر، ليس ذلك شبيهاً بالأناشيد الجماعية المستعملة الآن، فلا تُقاس عليه؛ لما بينهما من الفارق الواضح.

стр. 108

الاغترار بالدنيا المسألة الثالثة والعشرون [إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا غَرَّتْهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ عَطَاءَ اللهِ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاه، كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] . الشرح أهل الجاهلية يعتبرون إعطاءهم الأولاد والأموال من كرمهم على الله ، وأن الله لا يعذبهم ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٥،٣٧] إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] فليست كثرة الأموال والأولاد والثورة دليلاً على محبة الله للعبد، بل إنه قد يعطي الكافر من أجل أن يستدرجه، وفي الحديث: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الدين فلا يعطيه إلا

стр. 109

من يحب" ١، وفي الحديث الآخر: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء" ٢. وهذا رسول الله ﷺ ، أكرم الخلق على الله، وكذلك صحابته، يصيبهم الفقر والفاقة، وهم أكرم الخلق على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم من باب الاستدراج لهم. فلا يستدّل بزهرة الدنيا على كرامة أهلها عند الله ، وإنما يستدل بكرامة العبد على الله إذا كان على عمل صالح، سواء كان غنيًّا أو فقيراً، فهذا هو الكريم على الله ، ومعايير الناس أن أهل الدنيا وأهل الغناء والثروة هم أكرم عند الله ، وأن أهل الفقر وأهل الفاقة إنما كانوا كذلك لهوانهم على الله.

стр. 110

المسالةالرابعة والعشرون: زهدهم في الحق إذا كان عليه الضعفاء ... زهدهم في الحق إذا كان عليه الضعفاء المسالة الرابعة والعشرون [ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء؛ تكبروا وأنفة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... ﴾ [الأنعام: ٥٢] . الشرح أهل الجاهلية يرفضون الحق إذا كان عليه الضعفاء من الناس، ولهذا قالوا: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] يعني: ليسوا أولى بالجنة منا، نحن أقدم منهم، وأشرف منهم، هؤلاء ضعفاء ما لهم قيمة ولا مقدار في المجتمع. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] فالله جل وعلا لا يعطي هذا الدين إلا لمن أحب، أما الدنيا فيعطيها لمن يشاء من أحبابه ومن أعدائه.
следующие страницы →