← Фикх общий

Фикх общий · id 11267

صفحات رمضانية

عبد الكريم بن صنيتان العمري

Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صفحات رمضانية تأليف: د/عبد الكريم بن صنيتان العمري ال مقدمة الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وجعل الصيام سببا في تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الغفور الشكور، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ونبينا محمد إمام الصائمين، وقائد الغر المحجلين، الذي كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان، ويحثهم على الاستعداد لعمل الصالحات وطلب العفو والرضوان، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله تعالى رحيم بعباده، رؤوف بخلقه، شرع لهم مواسم للطاعة، ليمن عليهم بفضله وإحسانه، ومغفرته ورضوانه. ومن تلك المواسم الفاضلة شهر رمضان، الذي يتكرر كل سنة، ويستقبله المسلمون بالفرح والسرور، والاستبشار والحبور، إذ يبعث في نفوسهم حب الطاعة، ويحفزها على كثرة العمل والعبادة، وينبه قلوبهم من إعراضها وغفلتها ويوقظها من سباتها ورقدتها. فهم يترقبون قدومه، وتتهلل وجوههم فرحا بحلوله، إذ هو شهر الصيام والقيام، فيه تضاعف الحسنات، وترفع الدرجات، وتقال العثرات، وتمحى الذنوب والسيئات، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم والنيران ويصفد كل مارد شيطان، قال ﵊: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

стр. 2

إن شهر رمضان موسم عظيم يغتنمه عباد الله المخبتون، يزداد فيه إيمانهم، وتعظم خشيتهم لمولاهم، ويقوى إخلاصهم لخالقهم، ولا يفرطون بشيء من أوقاته، ولا يرضون بتضييع لحظة من لحظاته، فهم في عبادة مستمرة، وطاعة دائمة يرجون مغفرة الخالق ورحمته، ومنه عليهم بدخول جنته. ياذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان لقد أظلَّك شهر الصوم بعدهما ... فلا تصيره أيضا شهر عصيان ولتذكير نفسي أولا، ثم إخواني المسلمين بما ينبغي أن نكون عليه، خلال أيام شهر رمضان ولياليه، أعددت هذه الصفحات، وكتبت عليها عددا من النصائح والتوجييات، وأشرث فيها إلى بعض ما يقع من المخالفات، استنبطتها من آيات القرآن العظيم، وحديث سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وكلام أصحابه والتابعين، ومن جاء بعدهم من علماء السلف الكرام الطيبين. سائلا الله تعالى أن يحسن النية والقصد، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه قريب سميع مجيب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه أفقر العباد إلى الملك الجواد: أبو وائل، عبد الكريم بن صنيتان العمري، المدينة النبوية- ص ب ٨٩ غرة ربيع الأول ١٤٢١هـ

стр. 3

نعمة بلوغ رمضان ها هو شهر رمضان، أفضل الشهور، قد حط رحاله، وحل بخيراته وبركاته على هذه الأمة كي تغتنم أوقاته بالعبادة والطاعة، وتؤدي ركنا من أركان الإسلام، وتنال بذلك زيادة الحسنات، ورفعة الدرجات، يأنس المسلمون فيه وتسري في نفوسهم محبته، يذكر فيه بعضهم بعضا، فتشيع الرحمة والمودة في قلوبهم، ويظهر أثرها داخل مجتمعاتهم، ويشتد رباط العطف والتآزر بين جميع فئاتهم. إن شهر رمضان يمثل للمؤمنين موسما من أعظم المواسم التي تقوى صلتهم بخالقهم، وتجدد الإيمان في أفئدتهم، ولذلك يفرحون بمقدمه، فهم يرون فيه زمنا يريح عنهم ثقل أوزار اقترفوها في أشهر مرَّت، قد زينت لهم أنفسهم الأمارة بالسوء التكاسل عن الطاعة، والتسويف بالإكثار من العبادة، فما شعروا إلا وهذا الموسم العظيم يوقظهم من سباتهم، ويذكي في قلوبهم الإسراع إلى أماكن، العبادة، والمبادرة إلى سبل الخير وسلوك طريق السعادة. أولئك هم المؤمنون حقا، الذين يفرحون، بمقدم شهر رمضان، فهم يرجون أن يكونوا ممن قال فيهم المصطفى ﵊: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه، وهم يشكرون الله تعالى الذي من عليهم ببلوغ هذا الشهر الكريم، وكتب لهم أن يكونوا في عداد الصائمين، فهو شهر يجددون فيه التوبة، ويقطعون العهد بمواصلة الطاعة، ويصطلحون فيه مع سيدهم ومولاهم، رجاء أن يعتقهم من النيران، ويمن عليهم بالمغفرة ودخول الجنان.

стр. 4

وأما أولئك المفرطون، الذين تشبعت نفوسهم بالمعاصي، وابتعدت عن أعمال الطاعات، وزينت لهم الشياطين أفعالهم، وجالت بهم في ميادين اللهو والغفلة، فهم يرون في شهر الصيام حرمانا من ممارسة تقاليدهم اليومية، ومنعا لهم من ملء بطونهم من الشراب والغذاء، فهم لا يحسون بروحانية الشهر، ولا قيمة هذا الموسم الغالي عند ذوي الهمم العالية، والنفوس الرفيعة، فأولئك اللاهون العابثون لا تتحمل معدة أحدهم جوع النهار، ولا ظمأ الهواجر، وتحدثهم نفوسهم بانتهاك حرمة الشهر، بتناول المفطرات، لكن ليتذكر أولئك، حديث سيد البشر عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه" رواه الترمذي، ورأى رسول الله ﷺ في منامه هيأة أولئك الذين يفطرون في رمضان بلا عذر، وأطلعه الله على صفة عذابهم، فأخبر أنه سمع أصواتا شديدة، وأقواما معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، وهي تسيل دما، فسأل عنهم، فأخبر بأنهم الذين يفطرون قبل تحلة صومهم". رواه ابن خزيمة وابن حبان. فالله الله، أيها الأخ المسلم، أفتح في بداية هذا الشهر الكريم صفحة جديدة مع خالقك، واشكره أن أنعم عليك فأدركت أول أيام هذا الشهر العظيم، ومنحك فرصة من العمر، وزمنا يمكنك أن تكثر فيه من الطاعات، التي تمحو بها تقصيرك الذي مضى، وأعمالك السيئة التي دعاك إليها الشيطان والهوى، واسأله أن يعينك على فعل الخيرات، وأداء العبادات، ويثبتك بالقول الثابت في الآخرة وفي هذه الحياة، ويرزقك الاستمرار على الأعمال الصالحة حتى الممات.

стр. 5

ابتداء صيام رمضان في اليوم الأول من شهر رمضان، من السنة الثانية للهجرة، ابتدأ صيام المسلمين لشهر رمضان، حيث أوجبه الله عليهم، وفرضه وألزمهم به، وأصبح صيامه الركن الرابع من أركان الإسلام. وقد كانت فرضيته في يوم الإتنين الثاني مت شهر شعبان من هذه السنة، أي الثانية للهجرة، وقد ورد أن النبي ﷺ ، بعد أن فُرض الصيام، خرج إلى المسجد، يبشر أصحابه. مما نزل عليه من خير عميم، حيث فُرض عليهم صيام شهر رمضان، وبيَّن لهم فضائل الصيام، وما أعده الله تعالى للصائمين من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ووصف شهر رمضان بقوله: "أتاكم شهر رمضان، شهر خير وبركة، يغشاكم الله فيه، فينزل فيه الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء". رواه الطبرانى. وفرض صيام رمضان كان قد شرع بادئ الأمر على التخيير، وكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٤) ] ، وبعد أن توطنت نفوسهم عليه، وتعودوا على الصيام، واطمأنوا إليه، انتفى عنهم التخيير، وألزموا بصيامه ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٥) ] ، ولم يرتفع الوجوب إلا من عذر، من مرض أو سفر أو نحوهما، على أن يصوم بدل ذلك قضاء فيما بعد. ولما كان الصيام في بداية التشريع يبتدئ بالإمساك عن المفطرات من بعد

стр. 6

صلاة العشاء، ويستمر زمن الإمساك طيلة الليل ونهار الغد، حتى تغرب الشمس، وهذه مدة زمنية طويلة، كانت تشق عليهم، وحدث أن أحد الصحابة ﵃، كان يعمل في مزرعته نهاره كله، فجاء إلى بيته بعد غروب الشمس، وذهبت زوجته لتأتيه بالإفطار، فغلبته عيناه فنام، فلم يستطع الأكل، وواصل صيامه إلى الغد، ثم أغمي عليه وقت الظهر، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فحزن لحاله، وكان يحرم عليهم طيلة رمضان مباشرة النساء، فوقع أحد الصحابة على امرأته، وأخبر النبي ﷺ بذلك، فاشتد الأمر، فجاءت الرخصة والتخفيف، حيث حدد زمن الصيام من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وأبيح للرجال مباشرة نسائهم في ليالي رمضان من وقت الإفطار حتى زمن الإمساك عند طلوع الفجر، وهكذا كان صيام رمضان تفضلا من الله تعالى على هذه الأمة، التي صامته أول مرة في اليوم الأول من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية.

стр. 7

البشرى بقدوم رمضان كم هي فرحة المسلم حين يتفضل الله تعالى عليه، ويمن عليه بإدراك شهر الصيام والقيام، لأنه كان ينتظر قدومه بلهف وشوق، إنه يعرف ما أعد الله فيه من الخيرات والبركات، وزيادة الأجور ورفعة الدرجات، ويدرك كرم خالقه جل وعلا وهو يكتب لكثير من عباده العتق من النيران، في شهر رمضان. إن المسلم صدق رسوله الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، حين كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان، ويكشف لم عما أعد الله فيه من الثواب لعباده المخبتين الطائعين، "لو يعلم العباد ما في رمضان، لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها". رواه ابن خزيمة. وورد عنه ﵊، حديث عدَّه بعض العلماء أصلا في تهنئة الناس بعضهم بعضا ببلوغ شهر رمضان، حين قال ﷺ : "قد جاءكم شهر رمضان، شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدَّى فريضة فيما سواه، ومن أدَّى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه". رواه ابن خزيمة وصححه. إنهم يؤمنون بترحيبه ﵊، بشهر الخير والإنعام، حين قال: "أتاكم رمضان، سيد الشهور، فمرحبا به وأهلا، جاء شهر الصيام بالبركات، فأكرم به من زائر هو آت". رواه النسائي.

стр. 8

وهم أيضا يقرؤون سيرة أسلافهم الصالحين، حين نُقل عنهم أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، تم يدعونه ستة أشهر أن يتقبَّله منهم، وكان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلا. إن بلوغ شهر رمضان، نعمة عظيمة، وفضل من الله الكريم، يمن به على من يشاء من عباده، لتزداد حسناتهم، وتمحى سيئاتهم، وترفع درجاتهم، وتقوى صلتهم. بمولاهم، ليكتب لهم الأجر العظيم، والثواب الجزيل، وينالوا رضاه، وتمتلئَ قلوبهم بخشيته وتقواه، ومما يدل على ذلك ويؤكده، ما ورد في حديت الثلاثة، الذين استشهد منهم اثنان، ثم مات الثالت بعدهما على فراشه، فَرُئِيَ في النوم سابقا لهما، فسئل ﵊ عن ذلك، فقال: "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، فوالذي نفسي بيده، إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" رواه أحمد. الله أكبر، كم هي غالية أوقات رمضان، كم هي نفيسة ساعات شهر الصيام، أرأيتم قيمتها ومنزلتها عند الملك العلام، ترى كم أهدرنا من أيام رمضان وساعاته، كم أضعنا في هذا الشهر العظيم من اللحظات، التي لو اغتنمناها لفزنا بنعيم الجنان، تكرما وتفضلا من رب الأرض والسماوات، فبادر أيها المسلم إلى ملئ أوقات شهرك بالعبادة والطاعات. إذا رمضان أتى مقبلا ... فأقبل فبالخير يُستقبل لعلك تخطئه قابلا ... وتأتي بعذر فلا يُقبل

стр. 9

معنى رمضان والصيام في السنة الهجرية القمرية، اثنا عشر شهرا، تبتدئ بالمحرَّم، وتنتهي بشهر ذي الحجة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سورة التوبة، آية (٣٦) ] وشهر رمضان، هو الشهر التاسع في ترتيب هذه الأشهر، وهو مشتق من الرمض، والرمضاء، وهي شدة الحر، والرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، وقد ذكرت أسباب عديدة لتسمية هذا الشهر برمضان: منها: أن العرب لما نقلت أسماء الشهور من اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي هي فيها، فوافق تسمية شهر رمضان بهذا الاسم أيام رمض الحر وشدة فسمِّيَ به. وقيل: إن زمن فرضه وتشريعه وافق شدة الحر فسمي به أيضا، وقال بعضهم: إنه اسم وضع لغير معنى. وعلل بعضهم هذه التسمية بخاصية رمضان، فإنه يرمض الذنوب ويحرقها، فلا يُبقي منها شيئا، وروي هذا عن ابن عمر ﵄ وغيره، وجاء حديث بهذا المعنى ولا يصح. ويجمع على: رماضانات، ورماضين، وأرمضاء، وأرمضة، وأرمض. وقد تعددت أسماء شهر رمضان عند المسلمين، لما له من مكانة خاصة، وقُدْسِيَّة عظيمة في نفوسهم، لما يرجون فيه من الأجر والثواب، من المتفضل الوهاب، فهو شهر الصيام، وشهر الصبر، وشهر العتق من النيران، وشهر القيام، وشهر الإحسان، وشهر إجابة الدعاء، وشهر الخيرات، وشهر الجود، وشهر الرحمة، وشهر المغفرة، وشهر المواساة.

стр. 10

ودخول شهر رمضان، يوجب على المسلم البالغ العاقل المقيم الخالي من الموانع أن يمسك في نهاره من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس عن المفطرات كلها، وهذا يسمى بالصيام، فالصيام في اللغة، الإمساك عن الشيء وتركه، ومنه قول النابغة الذبيانيّ: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما والمراد بالصائمة: الممسكة عن الصهيل. ومن هذا، اشتق معنى الإمساك عن الكلام، قال تعالى:- حكاية عن مريم ﵍ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [سورة مريم، آية (٢٦) ] أي نذرت صمتا وإمساكا عن الكلام فلن أنطق بأي كلام، ويؤيده قراءة أبَيٍّ ﵁: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً صَمتاً﴾ بالجمع بين اللفظين، وكان ابن مسعود ﵁ يقرأ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ. صَمتاً﴾ والمسلم في صيامه مأمور بالإمساك عن المفطرات الحسية، وكذلك منهي عن النطق والكلام والتفوه بكل ما يخدش صومه، أو من شأنه أن يقلل أجر صيامه أو ينقصه، من سائر أنواع الكلام المحرم والمنهي عنه، كالكذب، والسباب والشتم، والغيبة والنميمة، والفحش في القول، والمراء والجدال الذي يا يترتب عليه إلا الحطُّ من حسناته، وزيادة سيئاته، لذلك فإن الصوم عن الكلام الرديء، من الأمور الأساسية التي أمر بها الصائم، حتى لا يؤدِّي كلامه هذا إلى النفور، الموصل إلى الفسق والفجور، فصوم الأتقياء، الذين ينشدون الكمال في صيامهم، وتشرئب أعناقهم إلى الوصول إلى الدرجات العليا للصائمين، هو أن لا يكون صمتهم إلا فكرا، ولا كلامهم ونطقهم إلا قرأءة وذكرا، واعتافا بفضل الخالق وشكرا.

стр. 11

من فضائل الصيام شهر رمضان، موسم عظيم فاضل للطاعة، ووقته محدود، فجدير بالمسلم أن لا يفوّتَ شيئا من لحظاته، إلا وهو في قربة لخالقه تزيد في حسناته، وما أجمل الطاعة في كل وقت، ولكنها في رمضان تفضل على الطاعات في الأوقات الأخرى، كيف لا، ونحن جميعا نعرف الخصائص التي ميّز الله بها هذا الشهر عن غيره من شهور العام، وها هو المصطفى ﵊، يوضح لأمته أنها سَمَت على غيرها من الأمم، فوهبت خصائص هذا الشهر الكريم، فاقت بها غيرها من الأمم السابقة، روى أبو هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطيت أمتي خمس خصال في رمضان، لم تعطهن أمة قبلهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا، ويُزَيَّن الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عباديَ الصالحون، أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتُصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل يا رسول الله: أهي ليلة القدرا؟، قال: لا، ولكن العامل إنما يوفَّى أجره إذا قضىعمله". رواه أحمد والنبيهقي. ما أعظم هذه الخصائص، وما أكثر ما فضل الله به هذه الأمة على غيرها؟ عباد الله المخلصون تقوى عزائمهم، وتنشط قواهم، وتتحفز هممهم للطاعة، فهم يتسابقون إلى ميادين الطاعات، فالمؤمنون يزداد إيمانهم، والمنافقون تتضاعف حسراتهم، روى ابن خزيمة في صحيحه أنه ﵊، قال: "أَظَلََّكُم

стр. 12

شهركم هذا بمحلوف رسول الله ﷺ ، ما مرَّ بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا مرّ بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يُعِدُّ فيه القوت من النفقة للعبادة، ويُعِدُّ فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين، واتباع عوراتهم، فهو غُنم يغنمه المؤمن". وهكذا فإن المؤمنين يتلذذون فيه بطاعة ربهم، ورد عن بعض السلف قال: "بلغنا أنه يوضع للصوام مائدة يأكلون عليها، والناس في الحساب، فيقولون: يا رب، نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم". وقال مكحول: "يفوح من أهل الجنة رائحة، فيقولون: ربنا، ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنة، أطيب من هذه الريح، فيقال: هذه رائحة أفواه الصوَّام. حريٌّ بكل واحد منا أن يضاعف طاعته لله، ويكثر من كل ما يقربه لمولاه، فقد كان الأخيار السالفون، يداومون على صيام النافلة، ولا يخصون الصيام بشهر رمضان فقط، ورد أن قوما من السلف باعوا جارية لهم، فلما قرُب شهر رمضان، رأتهم يستعدون له بأنواع الأطعمة، فسألتهم عن ذلك، فقالوا: نستعد لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لاتصومون إلا رمضان، لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، رُدُّوني عليهم.

стр. 13

صلاة التراويح شهر رمضان، شهر يضاعف فيه المسلمون أعمالهم الصالحة، ويغتنمون أوقاته الثمينة، ليفوزوا بالدرجات العالية، ويَحْظَوْا برضوان الله تعالى. ومن الأعمال التي يحرص المسلم عليها في هذا الشهر الكريم، صلاة التراويح، التي سنها رسول الله ﷺ ، ورغب فيها، وهي من قيام الليل، الذي بين رسول الله ﷺ عظيم فضله، وجزيل توابه بقوله: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه البخاري ومسلم. وفي بداية الأمر صلى ﵊ بأصحابه- ﵃ في بعض الليالي، ثم ترك ذلك، وأوضح أنه خشي أن تفرض على الأمة فلا تقدر عليها، روت عائشة ﵂، قالت: "صلى رسول الله ﷺ في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس واجتمعوا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "أما إنه لم يخف علي صنيعكم البارحة، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي ذز ﵁، قال: "صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت

стр. 14

الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال ﵊: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة". رواه أبو داود. ثم اختلف العلماء بعد ذلك في عدد ركعاتها، لكن ينبغي للمسلم أن يواظب على صلاتها مع الإمام، وأن يحرص على عدم التخلف عن جماعة المسلمين، فإنه إذا تذكر ثوابها وفضلها وما أعده الله تعالى لمن يقوم الليل، جاهد نفسه على أدائها طلبا للمثوبة والأجر. وليخلص لله في صلاته، وليكن قصده وجه الله تعالى، فإن الإخلاص أحد شرطي العمل الصالح: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة النبينة، آية (٥) ]- وأن يطهر قلبه من السمعة والرياء، وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: "من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". واه مسلم. فصلاته للتراويح، إنما هو إيمان بما أعده الله تعالى من الأجر، واحتساب للدرجات الرفيعة التي يأمل أن يكون من أهلها، وما أجمل أن يجاهد المرء نفسه، ويرغمها على مخالطة الصالحين، ويبعد عنها الكسل والخمول ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت، آية (٦٩) ] .

стр. 15

تدريب الأطفال على الصيام من شروط وجوب الصيام البلوغ، لأن الصغير غير مكلَّف، فهو ممن سقط عنه التكليف، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق". رواه أحمد. ويكون بالغا إذا أتم خمسة عشر عاما، أو احتلم، أو أنبت الشعر، وتزيد الأنثى بالحيض، وإذا كان الصيام لا يحب على الصغير حتى يبلغ فإنه ينبغي للوالدين الحرص على تدريبهم عليه، وتعويدهم على الإمساك عن الطعام والشراب في نهار رمضان، وليكن ذلك بشكل تدريجي، فمثلا في أول يوم يُبْدَأُ فيه بتعويده على الصيام، يؤخر إفطاره إلى وقت الضحى، وفي اليوم الثاني إلى الظهر، وفي الثالث لا يعطى من الطعام شيئا حتى يؤذن العصر، وهكذا حتى يتمرن على الصيام شيئا فشيئا، ولا يبدأ. بمنعه عن تناول المفطرات من أول مرة مدة يوم كامل، فإن ذلك يكون شاقا عليه، وقد لا تحصل الفائدة المرجوة التي يهدف الوالدان إلى تحقيقها. وليس ما ذكر من هذه الطريقة صياما شرعيا، لكنه تعويد عليه حتى يحبَّه، ويألف هذه العبادة، فإذا ما وصل سن البلوغ لم يجد صعوبة في الصيام، لأنه عُوِّدَ عليه منذ صغره. وهكذا كان الصحابة ﵃ يفعلون مع أبنائهم، فقد كانوا يعلمونهم الصيام ويدربونهم عليه من صغرهم، ففي صحيح البخاري، عن الرُّبيع

стр. 16

بنت معوذ ﵂ أنها قالت: "كنا نُصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، أي الصوف، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يأتي موعد الإفطار". ومما يدل على أنهم كانوا يصومون أبناءهم، ما ورد "أن عمر ﵁ أتي برجل شرب الخمر في رمضان، فوبخه، وقال له: كيف تفطر وصبياننا صيام، ثم أمر به وجلده ثمانين سوطا". إن تعويد الأطفال على الصيام، ربط، لهم بالشعائر الدينية منذ الصغر، حتى إذا وجبت عليهم ألفوها ولم يستنكروها، وتكون قلوبهم قريبة من أجواء العبادة، على مسمع منها، يحسون بروحانيتها، فالأطفال قد ولدوا على الفطرة، وآباؤهم هم الذين يغرسون في أفئدتهم الغَضَّة حب الخير، وحب الطاعة والعبادة، من خلال تصرفاتهم أمامهم، وتوجيهاتهم لهم، فإن الطفل كالجهاز اللاقط، يقلد كل ما يفعل أمامه، ويثبت في فكره وخياله، فهو يحاكي أباه في أفعاله فتراه يتوضأ مثل أبيه، ويصلي مثله، ويعمل كعمله، وإن كان لا يدرك الهدف من ذلك، والعكس تماما فهو إذا لم يتعود على رؤية شيء من العبادات أمامه فإنه ينشأ خاليَ الوفاض، فالوالدان ينبغي أن يكونا قدوة للأبناء في السلوك والتعامل، وقبل ذلك في العبادة، فينبغي ربطهم بكتاب الله تعالى، وبالشعائر الدينية، والأخلاق الفاضلة، وتوجيههم إلى كل ما يؤدي إلى ربطهم وبالدين والتعلق بمعالي الأمور، وحميد الأخلاق، وعظيم الفضائل، والبعد عن سفاسف الأمور، وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ماكان عوَّده أبوه

стр. 17

فوائد الإفطار على الرطب ... فوائد الإفطار في رمضان من السنن التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم في رمضان، إفطاره على الرطب أو التمر، فإن ذلك كان فعل النبي ﷺ ، قال أنس ﵁: "كان رسول الله صلى الله عليه أسلم يفطر قبل أن يُصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء". رواه أبو داود. وقال ﵊: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء، فإنه طهور". رواه الترمذي. لقد ارتبط شهر رمضان بالرطب والتمر على مر العصور، فنجد أن الناس يستعدُّون مبكرين عند موسم جذاذ النخيل، فيحتاطون بكميَّات من التمور يحتفظون بها لشهر الصيام، وقلما تجد أحدا من الناس لا يتوفر عنده التمر، والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: "بيت لا تمر فيه أهله جياع" رواه مسلم. يوضح الأطباء بعضا من أسرار الهدي النبوي في الحث على الإفطار على الرطب أو التمر، إذ يذكرون أن الأمعاء تمتص المواد السكرية الذاتية، في أقل من خمس دقائق، فيرتوي الجسم، وتزول أعراض نقص السكر والماء فيه، لأن سكر الدم ينخفض أثناء الصوم، فيؤدِّي إلى الشعور بالجوع وإلى بعض التوترات، أحيانا، وهذا سرعان ما يزول بتناول المواد السكرية، ويحتوي التمر على نسبة تصل إلى سبعين في المائة من المواد السكرية، ومعظمها من نوع السكر سهل،

стр. 18

الهضم والاحتراق، الذي تتولد عنه طاقة. عالية، دون أن يتكلف الجسم عناء شديدا في تحويلها أو هضمها، كما يحتوي التمر على معادن أخرى هامَّة لها قيمتها الغذائية التي لا يستغني عنها جسم الإنسان. كما يذكر الأطباء أن الرطب والتمور تحتوي على نسبة من الدهون النباتية، تكفي لمعظم مطالب الجسم، وفي الوقت نفسه تسهم في خفض الوزن، إذ تعين الصائم على سحب الدهون المتراكمة من تحت الجلد وإحراقها لتوليد الطاقة. وللرطب والتمر فوائد أخرى عديدة، ولا ننسى قصة ولادة مريم لعيسى ﵉: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [سورة مريم، الآيتان (٢٥- ٢٦) ] ولا يزال التمر أهم غذاء الإنسان، وقد كان المصطفى ﵊ يكثر من أكله، بل إنه كان غالب طعامه، حين سئلت عائشة عن ذلك، فأخبرت أن أكثر ما في بيته الأسودان، التمر والماء. فللرطب والتمور فوائد عديدة، ومنافع كثيرة، لا تجتمع في الأطعمة الأخرى، لذلك فإنه يوفر للصائم ما يحتاجه جسمه من حيوية ونشاط وقت إفطاره، فينبغي لكل صائم أن يحرص على ابتداء إفطاره على الرطب، فإن لم يجد فعلى التمر، ليطبق سنة رسوله ﷺ ، ويتبع هديه الشامل لكل شيء، ومن ذلك ترغيبه بالإفطار على الرطب أو التمر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب، آية (٢١) ] .

стр. 19

السواك للصائم السواك سنة من سنن المصطفى عليه الصلاة والمسلام، التي حث عليها، وأكد على فعلها، وداوم على ملازمتها في كل وقت وحين، ورغب فيها بقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" رواه أحمد. فهو بالإضافة إلى أنه أداة لتنظيف الفم وتطهير الأسنان، مما يكون قد علِق بها من الأطعمة، فإنه موجب لمرضاة الباري جل وعلا، لأن النظافة مطلب ضروري دعا إليه الإسلام، وحث أفراده على التنظيف في جميع أحوالهم. وقد دلَّت السنة على تأكيد الاستياك في عدة مواضع، منها عند إرادة الوضوء، فهو من سننه، لقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". رواه البخاري، وكذلك عند الصلاة، وعند القيام من الليل، لما روى حذيفة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". متفق عليه، وكذا عند قراءة القرآن، وعند تغيَّر رائحة الفم، فهو يعين على إزالة. البقايا التي تتراكم على الأسنان، والتي يؤدِّي بقاؤها إلى انبعاث الروائح الكريهة من الفم، فيتضايق منها الآخرون، وتتأذى منها الملائكة، فيعين السواك على إزالتها وذهابها. وقد كان ﵊ يتسوك ويحافظ على ذلك حتى في نهار صيامه، وسواء كان ذلك أول النهار أو آخره. فعن عامر بن ربيعة رضي الله عمه قال: "رأيت النبي- ﷺ ما لا أحصي يتسوَّك وهو صائم". رواه الترمذي وحسنه، وقال: والعمل

стр. 20

على هذا عند أكثر أهل العلم، لم يروْا بأسا بالسواك للصائم، أول النهار وآخره. فدل عمل النبي ﷺ على مشروعية السواك للصائم في كل وقت. أما تفريش الأسنان، واستعمال المعجون للصائم، فقد ذكر العلماء له حالتين: الأولى: أن يكون المعجون قويا بحيث يصل إلى المعدة ولا يتمكن الإنسان من التحرز منه، ولا يأمن وصوله إلى جوفه، فهذا محذور عليه ولا يجوز استعماله، لأنه يؤدِّي إلى إفساد الصيام، وما أدَّى إلى المحرم فهو محرم، وقد قال ﵊: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"، رواه أبو داود وابن حبان، فاستثنى كون الإنسان صائما. أما الحالة الثانية: إن كان يستطيع التحرز من المعجون، ويأمن من نفاذه ووصوله إلى جوفه فلا حرج عليه في استعماله، ولكن الأولى عدم تفريش الأسنان أثناء الصيام، وأن يكتفي باستعمال السواك، إذ لا حرج في استياكه في أي وقت شاء من صيامه.

стр. 21

بركة السحور عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السحور كله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" رواه أحمد. إن طعام السحور بالإضافة إلى أنه سنة من سنن المصطفى ﵊، فهو يعين الصائم على صومه، فيقطع نهاره مرتاحا، ويؤدي عمله بنشاط وحيوية، ولذلك روي عنه ﷺ أنه قال: "استعينوا على صيام النهار بطعام السحر" رواه البيهقي وابن خزيمة. ووقت السحور من نصف الليل، لكن السنة في ذلك، والتوجيه النبوي، يرشد الأمة إلى تأخير السحور، حتى يكون قريبا من أذان الفجر الثاني، بحيث إذا انتهى المتسحر من تناول الطعام لم ينتظر طويلا حتى يؤذن لصلاة الفجر، وقد نقل الصحابة ﵃، أن ذلك كان فعل النبي ﷺ ، قال زيد بن ثابت ﵁: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، وكان بين سحوره وأذانه قدر خمسين آية" متفق عليه. ولأن السحور إذا كان قريبا من الأذان، كان عونا ومساعدا على النهوض لأداء صلاة الصبح في المسجد مع جماعة المسلمين؛ كما أن تأخير السحور إلى قرب الأذان يجعل الفترة الزمنية للصيام قصيرة بخلاف ما لو تسحر مبكرا ثم نام

стр. 22

ثم إن التبكير في السحور، وتناوله قبل الفجر بساعة أو أكثر لا يأمن معه أن ينام ويستمر في نومه فلا يستيقظ حتى يخرج وقت صلاة الفجر، ويفوته بذلك خير عظيم. إن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس تناول السحور في وقت مبكر، تم يعمدون إلى النوم ويواصلون نومهم، ولا ينهضون إلا إذا حان وقت العمل، ويصلون عند ذلك، وهذا خطأ جسيم ترتب عليه التفريط في أشياء كثيرة منها تفويت واجب أداء الصلاة مع جماعة المسلمين في وقتها. ومما يجدر ذكره هنا، أنه ينبغي للمسلم أن لا يدع السحور مطلقا، بل لا بد أن يتناول شيئا تأسيا بالنبي ﷺ ، حين قال: "ولو أن يرع أحاكم جرعة ماء" رواه أحد، وامتدح ﵊ التمر، وحثَّ على أكله في السحر، فقال: "نعم سَحور المؤمن التمر" رواه أبو داود وابن حبان. ويوصي الأطباء المتسحر أن تكون وجبته خفيفة ما أمكن، فلا يأكل طعاما. ثقيلا من شأنه أن يسبب له متاعب في معدته، كما يؤكدون على عدم النوم مباشرة بعد تناول السحور، لأن الجهاز الهضمي يكسل أثناء النوم، فلذلك يجب إعطاؤه فرصة للعمل. ما أجمل عمل المسلم حين يكون منبعثا من اقتدائه بهدي نبيه ﷺ ، واقتفاء أثره، وتطبيق سنته في جميع أحواله، وفي سائر تصرفاته وأفعاله.

стр. 23

الإفراط في الشبع روى الترمذي بإسناده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم، لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه". في هذا الحديث يقدم المصطفى ﵊ وصفة لأمته، تنظم طريقة الأكل، وتوضح المنهج المثالي الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان في تناوله لغذائه، ذلك أن معظم الأمراض تنشأ من المعدة، نتيجة عدم التقيد بنظام أكل معين. فهنا إرشاد منه ﷺ ، بأن لا يبالغ الإنسان في تناول الطعام، ويأكل كل ما أمامه حتى يحشو معدته بالأكل، بل يأكل ولا يملأ بطنه، فإنه إن خالف ذلك وقع فيما لا يُحمد، وقد ورد: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع". فالإنسان مأمور بأن يأكل ويشرب، ليتقوى على العبادة، لكن لا يتناول مقدارا كبيرا يضره، ولا يحتاج إليه، وإلا كان مسرفا في ذلك، وقد ورد عنه ﵊ ما يدل على أن الشره في الأكل، والزيادة فيه على الحد العادي، والحرص على الملذات، وعدم الاكتفاء باليسير من الطعام، أن ذلك ليس من صفات المسلم، فعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ أضاف ضيفا كافرا، فأمر ﵊ بشاة فحلبت، فشرب الرجل حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها، حتى شرب حلاب سبع شياة، ثم إن الرجل

стр. 24

الكافر أصبح فأسلم، فأمر رسول الله ﷺ بشاه فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يكمل شرب حلابها، فقال ﵊: "المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء"، وفي رواية: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد". رواه البخاري ومسلم. وعند الافطار في هذا الشهر الكريم نلاحظ كيف تنقض بعض الناس على الأطعمة المقدمة على مائدة الإفطار، فيتناول الصائم وقت إفطاره ما أمامه بشرهٍ، ودون تروٍّ أو تريث في الأكل، فما يشعر إلا وقد امتلأت معدته بالطعام، ثم لا يستطيع النهوض ولا القيام، وهذا فيه مخالفة للتوجيه النبوي، إضافة إلى أن فيه إيذاء للآخرين، فإن هذا بعد أن يملأ معدته بالطعام والشراب، ثم يتجه إلى المسجد ليصلي، فإن عملية الهضم في معدته لتلك الأطعمة تبدأ، وتأخذ المعدة بدفع أصوات تخرج من فم الإنسان، وهو ما يعرف بالحشاء، فإذا وقف هذا الذي ملأ معدته في الصف بجوار إخوانه المصلين، بدأت تتدافع من فمه بين الحين والآخر، أصوات تؤذي من بجانبه، وتقزز عند سماعها، وهي حالة يشمئز منها كل إنسان، وصاحبها ممقوت بين الناس، نرى الجميع يتحاشى الوقوف إلى جانبه في الصف، وقد عاتب النبي ﷺ أحد أصحابه حين سمع منه ذلك، قال ابن عمر ﵄: تجشَّأ رجل عند النبي ﷺ ، فقال له: "كف عنا جشاءك، كان أكثرهم شبعا في الدنيا، أطولهم جوعا يوم القيامة". رواه الترمذي. إن الاعتدال في الأكل عند الإفطار، أدب من آداب الصيام، كما أن الإكثار والمبالغة في ذلك يضعف المشاعر التي ينبغي أن تصاحب الصائم في هذا الشهر الكريم.

стр. 25

رمضان والمدخنون في شهر رمضان تبرز كثير من المعاني الجليلة للصيام، وتظهر في نفس الصائم معان سامية، تعطي دلالة واضحة، على قوة إيمانه، وصدقه مع خالقه، وإخلاصه في عبادته، فهو يعصم نفسه عن الوقوع في الممنوعات، ويكبح جماح هواها أن تتخطى الحواجر التي أمر بالوقوف عندها، وعدم الاقتراب منها، فإذأ ما دعته إلى تناول شيء من المفطرات، وامتدت يده إلى ما أمامه من الطعام والشراب، هو خالي بنفسه، ليس معه في المكان أحد، ولا تراه عين بشرية، تذكر في لحظته تلك، أن هناك من يراقبه ويراه، في كل سكناته وحركاته، ويطلع على خفاياه وسرائره، وسره وعلانيته، فكف يده عن تناول ما تشتهيه نفسه تنفيذا لأمر الله، وطاعة له، وامتثالا لإيجابه الصيام عليه، فتبرز في هذه اللحظات، قمة الإخلاص في العبادة، لأنه لا يطلع على عمله الا الله، ولذلك كان جزاؤه عظيما، وثوابه عند الله كبيرا، قال تعالى في الحديث القدسي: "إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه وشرابه من، أجلي" متفق عليه، فإذا كان الإيمان الصادق، والإرادة القوية، تمنع النفس من ممارسة شهواتها، وتحول دون وقوعها في المحظورات. فلماذا يصرُّ بعض الصائمين، على الاستمرار في ممارسة عادة التدخين التي ابتلوا بها، فالصائم يمتنع عن الطعام والشراب طيلة نهاره، بعزم قوي، وإرادة نافذة، لكنه ما إن يتناول إفطاره عند غروب الشمس، حتى يعود إلى تعاطي

стр. 26

التدخين مرة أخرى، بعد أن صبر عنه فترة تزيد على اثني عشرة ساعة، فكان من الأجدر به أن يواصل امتناعه عن التدخين، حتى يتخلص من ملازمته له طوال عمره. يقول الدكتور نجيب الكيلاني: "قرأت بحثا لأحد العلماء يحرم فيه التدخين، وما إن مرت سنوات، وتأكّدت أخطار التدخين، وبين الأطباء أضراره السيئة، التي تصل إلى حد الإصابة بسرطان الرئة وغيره، عندها رأيت كيف التقى عالم الدين بنصوصه وهديه النبوي، مع عالم الدنيا ببحوثه المختبرية، وإحصاءاته وتجاربه، عندئذ تأكد لي، أن الأمر لا يحتاج إلى دليل أقوى من ذلك، إلا بكون ترك التدخين طوال ساعات النهار في رمضان طريقا للقضاء على هذه العادة بعد ما ثبت أن إرادة الإنسان، تلعب دورا أساسيا في ذلك. ويضيف قائلا: إن التدخين يؤدِّي إلى التهاب الشعب الهوائية، والنزلات الشعبية، وضيق التنفس، والسعال المزمن، وتمدد الرئتين، مما يؤثر على القلب، ويصيبه بالتضخم والإجهاد. أيليق بعاقل يدرك هذه الأخطار المحدقة بصحته أن يُصرَّ على ممارسة التدخين؟ إنه نداء إلى أولئك المدخنين الذين أسرفوا على أنفسهم، فأوقعوها أسرى في شراك التدخين، أن يتخذوا قرارا حاسما، يكون هذا الشهر بداية تطبيقه، فيقلعوا عنه، ويحفظوا دينهم وأموالهم وصحَّتهم.

стр. 27

الإسراف في رمضان يقول الله نعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف، آية (٣١) ] وقال جل شأنه في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [سورة الفرقان، آية (٦٧) ] أي إنهم في مأكلهم ومشربهم، وملبسهم ومسكنهم، حالهم وسط في ذلك كله، لا يسرفون ولا يقترون، ولا يضيقون على أنفسهم، وإنما كانوا كذلك لعلمهم أن خالقهم وسيدهم نهاهم عن الإسراف، وحذرهم وبيّن لهم أن التبذير صفة لا تليق بهم، لأن المبذرين إخوان الشياطين، فكانت صفة الاعتدال ملازمة لهم في جميع أحوالهم المعيشية. ولأن نبيهم ﷺ حذرهم من الإسراف في قوله: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة" رواه أحمد. وإن المتأمل لحال الناس في رمضان، يجد أن كثيرا منهم يخالفون هذا التوجيه الإلهي، والإرشاد النبوي، فترى أن الإسراف يظهر في صور متنوعة، وحالات متعددة، حين تقدم على موائد الإفطار عشرات الأصناف من الأشربة والأطعمة والحلوى والفاكهة، حتى أصبح الإكثار من هذا عادة عند كثير من الناس، بل إن هناك أطعمة لا تعمل إلا في رمضان، حيث أصبحت لها عند الناس خصوصية في هذا الشهر المبارك، تعرف بمأكولات أو أشرية رمضان. وأغلب هذه الأصناف حين تقدم، لا يستهلك منها إلا الشيء اليسير، ويكون مصير الباقي إلى الإتلاف والرمي في صناديق النفايات

стр. 28

فبالإضافة إلى أن هذا الاسراف مذموم ومنهي عنه، فإن له جوانب سلبية أخرى عديدة، منها أن هذه الأصناف التي قدمت على مائدة الإفطار، كلفت الكثير من المال، وأثقلت كاهل صاحب المنزل عند شرائها، فكانت سببا في زيادة مصاريفه النقدية في شهر رمضان عنها في بقية الشهور الأخرى، حتى إنها تصل عند بعض الأسر إلى أضعاف المصروف العادي. يضاف إلى ذلك، الأوقات التي أُهدرت في إعداد الأطعمة والأشربة، وتهيئتها، فكم من الساعات مكثت النساء والفتيات في المطابخ وهن يعملن في تجهيز طعام الإفطار، كم من أوقات ثمينة ضاعت عليهن، وكان الأجدر والأولى أن تستغل في الطاعة والعبادة، لأن أوقات رمضان أزمنة ذهبية، لاينبغي أن تفوَّت بسهولة، بل يجب الحرص على اغتنامها واستغلالها بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، ومطالعة كتب يستفيد منه القارئ. إن أوقات رمضان ينبغي أن تشغل في العبادة، وأن تظهر في حياة المسلم اليومية خصوصية هذا الشهر، فلا يكون حاله في شهر الصيام، كحاله في باقي الأيام، لا يميز بين مواسم العبادة، ولا يحس بالأوقات الفاضلة، بل يستشعر روحانية هذا الشهر بأسمى معانيها، وأعظم مدلولاتها، قال جابر ﵁: "ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء".

стр. 29

العمرة في رمضان رمضان شهر مبارك، وموسم عظيم يتنافس فيه المؤمنون، يتقربون فيه بالأعمال الصالحات، يرجون ثواب الله ومغفرته، ويبتهلون إلى الله تعالى أن يفيض عليهم رضوانه ورحمته. وتتنوع فيه الأعمال الصالحة من نافلة وصدقة وصلة، وذكر وتلاوة لكتاب الله تعالى. ومنها الاعتمار في هذا الشهر الكريم، فالعمرة من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعال، فإن المسلم إذا أداها بنية صادقة وقصد خالص لله تعالى، وأتم أركانها وواجباتها وشروطها، كانت سببا في مغفرة صغائر ذنوبه، وحط سيئاته، ففي الحديث عنه ﷺ ، قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" متفق عليه، وحث ﵊ أمته على الإكثار منها، فقال "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة". رواه ابن خزيمة في صحيحه. والعمرة في شهر رمضان لها مزية خاصة، فإن ثوابها وأجرها أعظم من الثواب والأجر في غيره، فقد روت أم معقل ﵂، قالت: "لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، ورجع منها، قال لي: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي معنا؟ قأخبرتة بعذرها، فقال ﵊: "فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي" ". رواه مسلم.

стр. 30

فبين ﵊، أن أجر العمرة في رمضان، يتضاعف ويزداد وكأن من أتى بها في هذا الشهر الكريم، رافق المصطفى ﵊ في حجته، وذلك من حيث الأجر والثواب. أما وقد يسَّر الله السفر إلى مكة، والذهاب إليها، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتقاعس عن هذا العمل الجليل، بل عليه أن يحرص على اغتنام أجر العمر؟ وثوابها، لكن ينبغي لمن أراد الذهاب إليها أن لا يكون ذلك على حساب أمر واجب عليه مكلف به، فإنا نشاهد بعض الناس يغيب عن عمله، ويهمل ويفرط فيه، أو يترك أولاده وأهله ومن استرعاه الله عليهم، فيضيعون لعدم وجود القيم عليهم، والراعي لشؤونهم، فقد يترك الأولاد شعائر دينهم الواجبة عليهم من الصيام والصلاة ونحوهما، لغياب والدهم أو وليَّهم الذي يحثهم عليها، ويراقبهم في أدائها، فلا بد من مراعاة ذلك عند الرغبة في الذهاب إلى العمرة. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا، أن بعض النساء قد يسافرن لأداء العمرة، دون أن يكون معهن أحد من محارمهن! وهذه مخالفة شرعية، وعمل حرمه الإسلام، إذ يجب على المرأة أن يرافقها في أسفارها كلها محرم يحميها ويصونها ويحفظ كرامتها، قال ﵊: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقال رجل: يا رسول الله، إن امرأتي انطلقت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال ﵊: "انطلق فحج مع امرأتك"". متفق عليه.

стр. 31

فضائل الدعاء دعاء الله تعالى عبادة ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، فقد أمره الله بها، ووعده بالإجابة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة الفرقان آية (٦٠) ] وجاء الترغيب فيه خلال آيات الصيام، وفي سياقها القرآني، في قوله جلَّ شأنه،: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٦) ] ، مما يدل على أن الدعاء في رمضان له مزيّة خاصة، والنبي ﷺ ، حين أورد مواطن إجابة الدعاء، ذكر منها دعاء الصائم وقت إفطاره، فقال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم". رواه الترمذي. وقال ﵊: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد". رواه ابن ماجه، فحريٌّ بالمسلم الصائم، أن يحرص على اغتنام وقت إفطاره، بسؤال ربه ودعائه، عسى أن يوافق نفحة من نفحات الباري جل وعلا، لتحصل له السعادة في الدنيا والآخرة. وإن المشاهد لأحوال الناس، يرى أن بعضهم يغفل عن مثل هذا، وبالأخص أولئك الذين يجتمعون على إفطارهم في المنازل، فإن هذا الوقت الثمين، أعني وقت ساعة الإجابة، حين يفطر الصائم، يُهدِرُه أمثال هؤلاء،. مما لا فائدة فيه، إذ يُشغلون أنفسهم بالتهيئة لتناول الإفطار، ويضيع وقتهم في اللغو والحديث، وتبادل الكلام، فما يشعرون إلا وقد فاتهم الوقت النفيس، الذي حثهم المصطفى صلى الله عليه

стр. 32

وسلم على اغتنامه، وشغله في الدعاء والإلحاح فيه. لذلك فإن الصائم حين يفطر في مسجد من المساجد، يكون أقرب إلي الإكثار من الدعاء، وشغل نفسه به، وحين يفطر مع أهله وأولاده يذكرهم ويحثهم على اغتنام وقت الإفطار، بالانطراح بين يدي الخالق، وإظهار الخضوع له، وسؤاله من خيري الدنيا والآخرة، أما الإفطار الجماعي الذي يحصل من البعض، فإنه في الغالب يفوِّت على أولئك هذه الفرص الذهبيَّة التي هي أرجى لإجابة الدعاء. وليحرص المسلم الذي يأمل إجابة خالقه لدعائه، أن يكون مأكله ومشربه حلالا، فلا يتناول شيئا اكتسبه بطريق غير مشروع، وليكن غذاؤه حلالا خالصا لا شبهة فيه، فإن النبي ﷺ بيّن: "أن الرجل يمد يده إلى ربه، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك" رواه مسلم، وقال أيضا: "إن العبد ليقذف باللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبَل منه عمل أربعين يوما" رواه الطبراني. فالمال الحرام، والمكاسب المشبوهة، من أعظم الموانع التي تحول دون قبول الدعاء، لذلك فإن المسلم ينبغي أن ينتقيَ غذاءه، ليكون كله حلالا لا مدخل للحرام فيه، ولا يجمع شيئا من كسبه من طرق ملتوية محرمة، فإن المال المشبوه والمحرم مهما كثر، ومهما أنفق المرء منه أو تصدق، فلن يقبل منه شيء، فالنفقة الحلال وإن كانت يسيرة يبارك الله تعالى فيها، لأنها جاءت من طريق مشروعة.

стр. 33

حفظ اللسان روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن رسول الله ﷺ ، قال: قال الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم". وقال ﵊: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاري. في هذين الحديثين حث للصائم على حفظ صيامه من كل ما يخدشه، وأن يمسك عن الكلام الباطل، والمحرم، ويعوِّد لسانه على طيب الكلام، وجميل القول، حتى لو تعرض له أحد بسوء، أو بادره بالسباب، فليكن صابرا محتسبا، مقدِّرا حرمة هذا الشهر، مستشعرا عظمته، ولا يسارع بالانتصار لنفسه، والانتقام من خصمه، بل يترك الرد عليه، كما ترك الطعام، الشراب فلم يتناولهما، فكذلك هنا يتنازل عن حق نفسه بالمعاقبة اللفظية لمن واجهه بلغو الكلام، والشتم، وليقل له "إني صائم"، أي لا أفعل مثلك فأعتدي على صيامي. مما يجرحه، فأنا ممسك عن قبيح القول ورديئه، فإنه إذا فعل ذلك حفظ نفسه من مجاراة من اعتدى عليه. كذلك في مجالسه، واجتماعاته، وأحاديثه مع غيره، لا يتعرض لأحد بلمز ولا غمز، ولا غيبة ولا نميمة، ولا افتراء أو بهتان، بل يقول خيرا أو يصمت. إن من أعظم ما يوقع الصائم في المحرم، ويجرح صومه، وقوعه في الكذب، أو الغيبة أو نحوهما، فقد روي عنه ﷺ انه قال: "الصيام جنة

стр. 34

ما لم يخرقها، قيل: وبم يخرقها؟ قال: بكذب أو غيبة" رواه النسائي والطبراني. والكذب والغيبة والنميمة، وإن كانت لا تفسد الصوم، لكنها تنقص أجره وثوابه، وتمنع كماله، والاسترسال في هذه المحرمات، قد يذهب أجر الصائم كله، فقد قال ﵊: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر". رواه ابن خزيمة. "وروي أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ ، وأخبر أنهما كادتا أن تموتا من العطش، فأمر بهما، وجيء بقدج، فقال لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحا وصديدا ولحما، حتى ملأت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره، حتى ملأت القدح، تم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس". رواه أحمد. فاحفظ أيها المسلم صيامك، بحفظ لسانك عن المحرمات، فلا تنطق إلا بخير، ولا تتكلم إلا. بمعروف، عود لسانك على ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، وترديد آياته، واجعل ذلك ديدنك في رمضان وغيره، وكن عفيفا في نطقك، نبيلا في تعاملك، حسنا في خلقك وسلوكك، تنل أعظم الدرجات، قال ﵊: "إن العبد ليدك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" رواه أبو داود وابن حبان

стр. 35

ذم التوسل ... ذم التسوُّل أمر الدين الإسلامي أفراده بالترفع عن مواضع الابتذال والإهانة، وحرص على حفظ كرامتهم من كل ما يخدشها، وفي شهر رمضان، تبرز على الساحة ظاهرة ممقوتة، وعادة مذمومة تتجلى في هذا الشهر أكثر من غيره، إنها ظاهرة التسول التي يعتبرها بعض من يمارسها حرفة ومهنة مربحة، تدر عليه دخلا كبيرا، لا سيما وأنه شهر يوقّت فيه أكثر أصحاب الأموال، ويعقدون إلى إخراج زكاة أموالهم فيه، رجاء مضاعفة الأجر والثواب. إن التسوُّل ظاهرة غير حضارية، لها آثار سلبية، ونتائج عكسية على المجتمع، حيث تُظهر المجتمع وكأنه مجتمع عجزة ومتسوِّلين، تظهر فيه البطالة ويخيم عليه الكسل. لقد حث الدين الإسلامي أفراده على العمل والكد والتعب، لتحصيل العيش والكسب وبين أن كسب اليد خير ما يكتسب، وقد تربى الصحابة ﵃ على ذلك، لأنهم عرفوا الآثار السيئة للمسألة، والتكفف، وإهانة الإنسان نفسه أمام الآخرين يستجديهم ويطلبهم، ويريق ماء وجهه أمامهم، فقد قال ﵊: "لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" متفق عليه، ثم هو ﵊ يحذر كل مسلم، أن يجعل التسول وسيلة لتكثير ماله، ويطلب الناس دون حاجة، فيقول: "من سأل الناس تكثرا فإنما سأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر" رواه مسلم، وقال

стр. 36

أيضا: "من سأل الناس وهو غنٌّي عن المسألة، يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه" رواه أحمد، ومعناه: أن وجة المتسوِّل، يظهر يوم القيامة فيه جروح وخطوط تشوِّهه، وتذهب رونقه ونضارته، ذلك أن المتسوَّل أذهب بهاء وجهه بذلِّه للناس، وإظهار الدناءة لهم، وافتقاره وضعفه أمامهم. كم نرى مظاهر التسوّل في هذا الشهر الكريم، وكيف يعمد المتسولون إلى تنويع الطرق، التي يستدرّون بها قلوب الناس، وينشدون عطفهم، ويظهرون الضعف والحاجة إليهم، وكيف أنهم يبتكرون طرقا متعددة في تسولهم، فهم يظهرون في المساجد والأسواق، والساحات المكتظة بالناس، وفي كل مرة يعرضون حالاتهم بصورة كاذبة، ينمِّقون عباراتهم، وينوعون مقالاتهم، بكلمات معسولة، وجمل مرتبة، ثم لا يقبلون إلا النقود فقط، فلو أعطوا طعاما أو لباسا أو أيّ أعيان أخرى، امتنع غالبهم من أخذها، مما يدل على عدم حاجتهم. إن علينا محاربة التسول بهذه الصور التي نراها، فلا نعين هؤلاء المتسولين على الاستمرار في هذه العادة السيئة الممقوتة. إن امتهان التسول، وجعله وسيلة للتكسب دليل على دناءة المتسول، وضعف إيمانه بالله، ورغبته عنه، وتوجُّهه بالسؤال إلى المخلوق، بدل أن يسأل خالقه، فهو يعرض حاجته على البشر، ويترك الله الرازق المعطي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق، الآيتان (٢-٣) ] .

стр. 37

فوائد الصيام الصحية ... فوئد الصيام الصحية يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٣) ] . هذا نداء إلهي إلى عباد الله المؤمنين بشرعية الصيام عليهم، وبيّنت الآية الغاية من الصيام وهي التقوى، وهذه إحدى القيم التربوية التي تتضمنها مدرسة الصيام، العامرة بالحكم الجليلة، والمليئة بالقيم النبيلة، والدروس النافعة المفيدة. ولو توقفنا عند واحدة من فوائد الصيام، وهي ما يعود على الصائم من الناحية الصحية، لوجدنا أن الحديث عن هذا الجانب واسع ومتشعب، فالمسلم حين يصوم يمتثل أمر ربه أولا، ويؤمن بفرضية الصيام عليه، ثم هو لا يستغني عن كل مردود إيجابي يعود عليه بالنفع والفائدة من صيامه، فالصيام ينظم الانضباط في كثير من الأمور، ومنها عملية الهضم، فإن أجهزة الجسم، وخاصة المعدة، تأخذ قسطا كبيرا من الراحة، فالشخص الذي قد اعتاد على الفوضى قي تناول غذائه طيلة أيام السنة، فيأكل في كل وقت دون مراعاة للضرر الذي قد يلحقه من عدم التنظيم، وتحديد مواعيد أكله، يتغير حاله في الصيام إذ يجد نفسه ملزما بمواعيد محددة، وأوقات معينة، يتوقف فيها عن تناول الطعام والشراب، ولا يعود إلى أكله إلا في زمن محدد أيضا، فيمسك عن المفطرات مدة تزيد على اثنتي عشرة ساعة في كل يوم، وهذا ما يعطي الجهاز الهضمي فرصة يصلح فيها من اضطراباته التي واجهها خلال الأشهر السابقة.

стр. 38

كما أن الصيام يفيد من ابتلوا بالسمنة، فهو يخلص الجسم من الدهون والشحوم المتراكمة، التي تشكل عبئا ثقيلا عليه، والتي هي سبب لكثير من المتاعب والأمراض الأخرى، فالتوقف عن الأكل هو أنجح الوسائل المفيدة والطرق المجدية في معالجة السمنة، وإذابة الشحوم. ويرى الأطباء أن الصيام طريقة منظمة لفترات تناول الطعام، ويشمل ذلك إعداد الجهاز الهضمي، لتقبل الغذاء في فترتين محدودتين من اليوم، وفي هذا تنظيم له، ولو اتبع المسلم في رمضان تحديد موعد السحور والإفطار بشكل دقيق، ولم يحمل المعدة فوق طاقتها، لجنى الصائم فوائد صحية جيدة، وتحققت عنده النتائج الصحية التي تعود على الجسم بالنفع، لكن المشاهد أن كثيرا من الناس في رمضان، يمضون فترة المساء في تناول أنواع الأطعمة، وأصناف المأكولات، ويملؤون معدتهم بألوان الطعام، بل إن بعضهم يأكل في شهر الصيام أضعاف ما يأكله في غيره، وأمثال هؤلاء لا تتحقق لهم الفائدة المرجوة، ولنتذكر دائما أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء. قال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة، ونتن في الممات". وقال محمد بن واسع ﵀: من قل طعامه فهم وأفهم، وصفا ورقّ. وقال أحد حكماء العرب وهو الحارث بن كلّدة: "الذي قتل البرية وأهلك السباع في البريّة، إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام".

стр. 39

أهمية الوقت في رمضان وقت الإنسان عمره، وهو مادة حياته الأبديّة في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، ومن عجائبه أنه يمر سريعا سريعا، دون أن نشعر به، فمن قطعه في طاعة الله تعالى، وأمضاه في عبادته فهنيئا له، ومن أمضاه في اللهو والغفلة، والأماني الباطلة، فموته خير من حياته، وسيندم حين لا ينفع الندم. أوصى أحد الصالحين أخاه فقال: "يا أخي اعلم أن الليل والنهار، مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في ليلك ونهارك زادا لما بين يديك فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والارتحال وشيك، فتزود لرحلتك إلى الدار الآخرة، واقض ما أنت قاض من أمرك قبل أن يفاجئك الموت. إن أوقات رمضان أغلى الأوقات وأنفسها، فلذلك يجب استغلالها بالطاعة أحسن استغلال، واغتنامها قبل ذهابها، والمبادرة إلى عمارتها بالعبادة، والتقرب من الخالق جل في علاه، فلا تضيعها فيما لا يفيد، ولا تصرفها إلا فيما ينجيك يوم الوعيد، تُرى كم من الساعات تهدر في رمضان، في الليل سهر وجلسات، ولعب وتنقلات، وفي النهار نوم وغفلة عن الطاعات، وتخلف عن الصلوات. ما أعظم خسارة من لم يقدر قيمة وقته، وعمل على قضائه في اللهو والغفلة، إن هذا قد جنى على نفسه، وعرضها للعقوبة، لأنه سيسأل يوم القيامة عنه، أين قضاه وفيم وظفه، قال ﵊: "لا تزول قدما عبد يقوم القيامة، حتى يسأل عن أربع وذكر منها: وعن عمره فيم افناه، وعن شبابه

стр. 40

فيم أبلاه" رواه الترمذي. وما أجمل حياة الإنسان حين يقضيها في طاعة الله، تراه في رمضان ينتقل من عبادة إلى أخرى، في نهاره صائما، وتاليا للقرآن، يأمل أن يشفعا له يوم القيامة، وفي ليله قائما بين يدي ربه، يسأله من خيري الدنيا والآخرة. إن علينا أن نستثمر أوقات رمضان الفاضلة، ونوظفها في طاعة الله تعالى، فالأعمار مهما طالت فهي قصيرة، وقبيح بالرجل وقد تقدّمت به السن، ولا يزال يسوّف في الطاعة، ويؤخر العمل الصالح، ويعرض عن الإكثار من العبادة. نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تُطوى وهنّ مراحل ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... إذا ما تخطّته الأمانيُّ باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل تَرَحَّل من الدنيا بزاد من التُّقى ... فعمرك أيام وهن قلا بادر أيها المسلم، لاغتنام شهر رمضان، واعمُر أوقاته بصالح الأعمال، واسأل ربك المغفرة والرحمة والعتق من النيران، عسى أن تفوز بعظيم الجنان، ورضا الخالق الرحمن.
следующие страницы →