Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أيضا: "من سأل الناس وهو غنٌّي عن المسألة، يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه" رواه أحمد، ومعناه: أن وجة المتسوِّل، يظهر يوم القيامة فيه جروح وخطوط تشوِّهه، وتذهب رونقه ونضارته، ذلك أن المتسوَّل أذهب بهاء وجهه بذلِّه للناس، وإظهار الدناءة لهم، وافتقاره وضعفه أمامهم.
كم نرى مظاهر التسوّل في هذا الشهر الكريم، وكيف يعمد المتسولون إلى تنويع الطرق، التي يستدرّون بها قلوب الناس، وينشدون عطفهم، ويظهرون الضعف والحاجة إليهم، وكيف أنهم يبتكرون طرقا متعددة في تسولهم، فهم يظهرون في المساجد والأسواق، والساحات المكتظة بالناس، وفي كل مرة يعرضون حالاتهم بصورة كاذبة، ينمِّقون عباراتهم، وينوعون مقالاتهم، بكلمات معسولة، وجمل مرتبة، ثم لا يقبلون إلا النقود فقط، فلو أعطوا طعاما أو لباسا أو أيّ أعيان أخرى، امتنع غالبهم من أخذها، مما يدل على عدم حاجتهم.
إن علينا محاربة التسول بهذه الصور التي نراها، فلا نعين هؤلاء المتسولين على الاستمرار في هذه العادة السيئة الممقوتة.
إن امتهان التسول، وجعله وسيلة للتكسب دليل على دناءة المتسول، وضعف إيمانه بالله، ورغبته عنه، وتوجُّهه بالسؤال إلى المخلوق، بدل أن يسأل خالقه، فهو يعرض حاجته على البشر، ويترك الله الرازق المعطي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق، الآيتان (٢-٣) ] .
стр. 37
فوائد الصيام الصحية
...
فوئد الصيام الصحية
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٣) ] .
هذا نداء إلهي إلى عباد الله المؤمنين بشرعية الصيام عليهم، وبيّنت الآية الغاية من الصيام وهي التقوى، وهذه إحدى القيم التربوية التي تتضمنها مدرسة الصيام، العامرة بالحكم الجليلة، والمليئة بالقيم النبيلة، والدروس النافعة المفيدة.
ولو توقفنا عند واحدة من فوائد الصيام، وهي ما يعود على الصائم من الناحية الصحية، لوجدنا أن الحديث عن هذا الجانب واسع ومتشعب، فالمسلم حين يصوم يمتثل أمر ربه أولا، ويؤمن بفرضية الصيام عليه، ثم هو لا يستغني عن كل مردود إيجابي يعود عليه بالنفع والفائدة من صيامه، فالصيام ينظم الانضباط في كثير من الأمور، ومنها عملية الهضم، فإن أجهزة الجسم، وخاصة المعدة، تأخذ قسطا كبيرا من الراحة، فالشخص الذي قد اعتاد على الفوضى قي تناول غذائه طيلة أيام السنة، فيأكل في كل وقت دون مراعاة للضرر الذي قد يلحقه من عدم التنظيم، وتحديد مواعيد أكله، يتغير حاله في الصيام إذ يجد نفسه ملزما بمواعيد محددة، وأوقات معينة، يتوقف فيها عن تناول الطعام والشراب، ولا يعود إلى أكله إلا في زمن محدد أيضا، فيمسك عن المفطرات مدة تزيد على اثنتي عشرة ساعة في كل يوم، وهذا ما يعطي الجهاز الهضمي فرصة يصلح فيها من اضطراباته التي واجهها خلال الأشهر السابقة.
стр. 38
كما أن الصيام يفيد من ابتلوا بالسمنة، فهو يخلص الجسم من الدهون والشحوم المتراكمة، التي تشكل عبئا ثقيلا عليه، والتي هي سبب لكثير من المتاعب والأمراض الأخرى، فالتوقف عن الأكل هو أنجح الوسائل المفيدة والطرق المجدية في معالجة السمنة، وإذابة الشحوم.
ويرى الأطباء أن الصيام طريقة منظمة لفترات تناول الطعام، ويشمل ذلك إعداد الجهاز الهضمي، لتقبل الغذاء في فترتين محدودتين من اليوم، وفي هذا تنظيم له، ولو اتبع المسلم في رمضان تحديد موعد السحور والإفطار بشكل دقيق، ولم يحمل المعدة فوق طاقتها، لجنى الصائم فوائد صحية جيدة، وتحققت عنده النتائج الصحية التي تعود على الجسم بالنفع، لكن المشاهد أن كثيرا من الناس في رمضان، يمضون فترة المساء في تناول أنواع الأطعمة، وأصناف المأكولات، ويملؤون معدتهم بألوان الطعام، بل إن بعضهم يأكل في شهر الصيام أضعاف ما يأكله في غيره، وأمثال هؤلاء لا تتحقق لهم الفائدة المرجوة، ولنتذكر دائما أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء.
قال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة، ونتن في الممات".
وقال محمد بن واسع ﵀: من قل طعامه فهم وأفهم، وصفا ورقّ.
وقال أحد حكماء العرب وهو الحارث بن كلّدة: "الذي قتل البرية وأهلك السباع في البريّة، إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام".
стр. 39
أهمية الوقت في رمضان
وقت الإنسان عمره، وهو مادة حياته الأبديّة في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، ومن عجائبه أنه يمر سريعا سريعا، دون أن نشعر به، فمن قطعه في طاعة الله تعالى، وأمضاه في عبادته فهنيئا له، ومن أمضاه في اللهو والغفلة، والأماني الباطلة، فموته خير من حياته، وسيندم حين لا ينفع الندم.
أوصى أحد الصالحين أخاه فقال: "يا أخي اعلم أن الليل والنهار، مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في ليلك ونهارك زادا لما بين يديك فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والارتحال وشيك، فتزود لرحلتك إلى الدار الآخرة، واقض ما أنت قاض من أمرك قبل أن يفاجئك الموت.
إن أوقات رمضان أغلى الأوقات وأنفسها، فلذلك يجب استغلالها بالطاعة أحسن استغلال، واغتنامها قبل ذهابها، والمبادرة إلى عمارتها بالعبادة، والتقرب من الخالق جل في علاه، فلا تضيعها فيما لا يفيد، ولا تصرفها إلا فيما ينجيك يوم الوعيد، تُرى كم من الساعات تهدر في رمضان، في الليل سهر وجلسات، ولعب وتنقلات، وفي النهار نوم وغفلة عن الطاعات، وتخلف عن الصلوات.
ما أعظم خسارة من لم يقدر قيمة وقته، وعمل على قضائه في اللهو والغفلة، إن هذا قد جنى على نفسه، وعرضها للعقوبة، لأنه سيسأل يوم القيامة عنه، أين قضاه وفيم وظفه، قال ﵊: "لا تزول قدما عبد يقوم القيامة، حتى يسأل عن أربع وذكر منها: وعن عمره فيم افناه، وعن شبابه
стр. 40
فيم أبلاه" رواه الترمذي.
وما أجمل حياة الإنسان حين يقضيها في طاعة الله، تراه في رمضان ينتقل من عبادة إلى أخرى، في نهاره صائما، وتاليا للقرآن، يأمل أن يشفعا له يوم القيامة، وفي ليله قائما بين يدي ربه، يسأله من خيري الدنيا والآخرة.
إن علينا أن نستثمر أوقات رمضان الفاضلة، ونوظفها في طاعة الله تعالى، فالأعمار مهما طالت فهي قصيرة، وقبيح بالرجل وقد تقدّمت به السن، ولا يزال يسوّف في الطاعة، ويؤخر العمل الصالح، ويعرض عن الإكثار من العبادة.
نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تُطوى وهنّ مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... إذا ما تخطّته الأمانيُّ باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل
تَرَحَّل من الدنيا بزاد من التُّقى ... فعمرك أيام وهن قلا
بادر أيها المسلم، لاغتنام شهر رمضان، واعمُر أوقاته بصالح الأعمال، واسأل ربك المغفرة والرحمة والعتق من النيران، عسى أن تفوز بعظيم الجنان، ورضا الخالق الرحمن.
стр. 41
الزكاة المفروضة
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في آيات كثيرة، في كتاب الله تعالى وقد توعَّد الله تعالى منكريها ومانعيها، والباخلين بها، الممتنعين عن إخراجها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة، الآيتان (٣٤- ٣٥) ] .
كما أغلظ الله تعالى عقوبة من بخل بأداء الزكاة، فقال جل شأنه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران، آية (١٨٠) ] .
وقد بين ﵊، صفة هذه العقوبة وكيفيتها، بقوله: "من آتاه الله مالا فلم يؤدِّ زكاته، فمثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه، ويقول: أنا مالك، أنا كنزك" متفق عاجه.
إن العقوبة لا تتوقف عند هذه الصور فحسب، بل إن أهل الزكاة، المستحقين لها من الفقراء وغيرهم، والذين تتعلق حقوقهم التي فرضها الله لهم في أموال الأغنياء، يُطالبون يوم القيامة أن ينصفهم الله من الأثرياء، الذين منعوهم حقوقهم، وهناك يكون الوفاء بالحسنات والسيئات، لأن زمن التعامل بالنقد قد انتهى، وكان في الحياة الدنيا، فقد روي عنه ﵊ أنه قال: "ويل
стр. 42
للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون. ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله : وعزتي وجلالي، لأدنينكم، ولأباعدنهم، ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ " سورة المعارج، الآيتان (٢٤- ٢٥) ، رواه الطبراني.
إن النصوص الواردة في الحث على، الزكاة، والمحذرة من منعها، والمبينة عقوبة من تهاون بإخراجها، كثيرة جدا، لايسع المؤمن الذي يخشى الله تعالى ويخافه، إلا أن يبادر لأداء الزكاة، وتسليها حقوق المستحقين لهم، طيبة بها نفسه، فريضة واجبة، لا تكرما وتفضلا منه، لا سيما أن القدر الواجب إخراجه قليل بالنسبة لكامل المال، والله تعالى يبارك في المال المزكَّى ويزيده وينميه، ويحفظه، قال ﵊: "ما نقصت صدقة من مال" رواه مسلم، وقال أيضا: "ما منع قوم زكاة أموالهم إلا حبس الله عنهم القطر" رواه الحاكم والبيهقي، فضرر منع الزكاة ليس قاصرا على المحتاجين من بني البشر، بل إنه يتعداه ليشمل البهائم والطيور والحيوانات، والنباتات والأشجار، التي يتوقف المطر عنها بسبب حبس الأغنياء زكاة أموالهم وبخلهم بها.
إن المال محبوب لكل الناس، ودليل، قوة الإيمان، وصدق اليقين، والتسليم لأوامر الله، أن يجود المالك. بمحبوبه، طلبا لرضا خالقه الذي أنعم به عليه، ومكَّنه منه، كما أن إخراجها سبيل لتطهير النفس من الشح والبخل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر، آية (٩) ] .
стр. 43
صدقة التطوع
قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد، آية (٧) ] .
إن كل ما يحصل عليه الإنسان من مال، وما يجمعه من مكتسبات، هو هبة من الله تعالى، لا قدرة للإنسان فيه، ولا سبيل له إلى تحصيله بفطنته، بل إن الله تعالى هيأ له السبل حتى جمعه واكتسبه، لأن المال في الحقيقة مال الله، فهو المالك الحقيقي له، وليس للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المستخلف، وهو بمثابة الوكيل عليه.
لذلك فإنه ينبغي للمسلم أن يواسي إخوانه المحتاجين بشيء من هذا المال، وينفق في وجوه الخير والبر، ويبذل للمستحقين، حتى ينال الأجر والثواب، من الله تعالى، وقد قال ﵊: "إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يُزبي أحدكم مُهْرَه أو فصيلَه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد" رواه البخاري ومسلم وابن خزيمة، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة آية (١٠٤) ] أي: يقبلها. والصدقة في رمضان لها مزية على الصدقة في غيره، فينبغي للمسلم الاستكثار من صدقة التطوع في هذا الشهر الكريم، فقد روى أنس رضي الله تعالى عنه، قال: "سئل النبي ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان"". رواه الترمذي.
ولو تأملنا حال النبي ﷺ في رمضان، لوجدنا أن جوده
стр. 44
كان يزداد في هذا الشهر عن غيره، فقد وصفه أصحابه ﵃: بأنه كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، وذلك لما علم ﵊ من عظم أجر الصدقة فيه.
لذلك فإنه ينبغي أن يتفقّد الغنيُّ أفراد مجتمعه المحتاجين، وينظر في أحوال الأرامل والمساكين، فيصلهم بشيء مما تفضل الله تعالى به عليه، فإن في الناس من لا يظهر المسألة ولا يدلف إلى أبواب الأغنياء ينتظر منهم العطاء، بل كما وصفهم الله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [سورة البقرة، آية (٢٧٣) ] ، ولذلك، فإن البحث والسؤال عنهم ومعرفة حاجتهم، مما ينبغي أن يهتم به أصحاب الأموال، حتى يجبروا كسر إخوانهم المحتاجين، ويسدوا حاجتهم وعوزهم، ولا تحقرن أيها المسلم شيئا وأنت تنوي به الصدقة، فإن فضل الله أعظم وأوسع، وقد قال ﵊: "اتقوا النار ولو بشق ثمره" متفق عليه، وقال أيضا: "سبق درهم مائة ألف درهم"، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ فقال ﵊: "رجل له مال كثير، أخذ من عرضه مائة ألف في درهم، وتصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به" رواه ابن خزيمة وابن حبان.
وإذا تصدق المرء في شهره هذا، فإنه يكون قد جمع بين عدد من الخصال الكريمة، التي لا تجتمع إلا في رمضان، من الصيام والصدقة والقيام وطيب الكلام وشرف الزمان وقد قال ﵊: "إن في الجنة غرفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى، لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام". رواه أحمد.
стр. 45
قراءة القرآن
يدرك المسلم الواعي قيمة هذا الشهر الكريم، وعظمة أيامه ولياليه، فيعمرها بالطاعة، ويقضيها في التقرب والعبادة، ويكثر من الأعمال الصالحة، التي تزيده رفعة وقربا من الله تعالى.
ومن الأعمال الصالحة، والعبادات المهمة التي تتأكد في شهر رمضان، تلاوة القرآن الكريم، فإن له خاصية في هذا الشهر، كيف وهو قد أنزل في رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٥) ] ولا أدل من التأكيد على الاهتمام به في هذا الشهر من قول ابن عباس ﵄: "وكان جبريل يلقاه، أي النبي ﷺ ، كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن".
فهذا يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في هذه الأيام والليالي المباركة، حتى ينال القارئ الأجر الذي أعده الله تعالى للتالين كلامه، والمتعلقين بكتابه، قال ﷺ : "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الترمذي.
بل إن القارئ لكتاب الله يحظى بمرافقة الملائكة يوم القيامة، قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران" متفق عليه. وأوصى ﵊ أبا ذر ﵁ بالإكثار
стр. 46
من قراءة القرآن، فقال له: "عليك بتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض، ودخر لك في السماء" رواه ابن حبان. وقال ﷺ : "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" رواه مسلم.
والمتأمل حال السلف الصالح، يظهر له كيف كان اهتمامهم بهذا الكتاب، وشدة تعلقهم به، فكانوا يقرؤونه ليلا ونهارا، وكان بعض السلف يختم القرآن في ثلاث ليال، وكان الأسود ﵀ يقرأ القرآن في كل ليلتين من رمضان، وكان قتادة ﵀ يختمه في كل سبع ليالي، ونقل عن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يختمه في رمضان في كل يوم مرتين، وورد أن الإمام مالك بن أنس ﵀ إذا دخل رمضان، ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
قال ابن رجب ﵀: "إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال، لمن داوم على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة، كشهر رمضان، وخاصة الليالي التي ئرجى فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة والمدينة، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب له الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان".
إن أثمن لحظة في عمر المؤمن، تلك التي يقضيها مع كتاب الله تعالى، يحمله في يديه، ويبصره بناظريه، يقرأ آياته، ويتدبر تراكيبه ومفرداته، ويتأمل ما فيه من الآيات والدلائل القويمة، وما يحتويه من الألفاظ والمباني المعجزة العظيمة، ويأخذ العبرة مما فيه، من قصص الأولين والآخرين، وما أعد الله للمؤمنين المتقين من الفضل والثواب، وما ينتظر المخالفين والمجرمين من أليم العقاب.
стр. 47
البكاء عند قراءة القرآن
في شهر رمضان يحرص المسلمون على حضور صلاة التراويح، وأدائها مع جماعة المسلمين في المساجد، ابتغاء للأجر، وطلبا للمثوبة والفضل من الله تعالى، ويجاهد المسلم نفسه على المواظبة عليها عسى أن يحظى بالمغفرة من الخالق جل وعلا.
وقد ورد في الحديث الصحيح عنه ﵊، أنه قال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" رواه الترمذي.
فبقاؤه مع الإمام، وصلاته معه حتى ينتهي ويفرغ من صلاته، ينال بها عظيم الأجر والثواب، فهو يؤمِّن خلف إمامه حين يدعو في قنوته، ويكون حاضر القلب، متأملا متدبرا آيات الله تعالى التي تتلى، آخذا العظة والعبرة من تلك القصص والمشاهد التي يرد ذكرها في سور القرآن الكريم.
وينبغي للمسلم حين صلاته أن يكون حاضر القلب، متأملا تلك الآيات، متفاعلا معها بقلبه، يخشع عند سماعها، إذ هي كلام الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، آية (٢٣) ] ، وقال جل شأنه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ﴾ [سورة الحشر، آية (٢١) ] .
والبكاء عند قراءة القرآن، أو عند سماعه، بشرى خير، تدل على تأثر القارئ والمستمع والمصلي بما سمعه من كلام الباري جل وعلا، وتدل على امتلاء قلبه
стр. 48
وزيادة إيمانه، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [سورة الأنفال، آية (٢) ] ، وكان رسول الله صلى الله عليه واسلم يبكي عند القراءة، قال عبد الله بن الشخير ﵁: "دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي، فسمعت في صدره أزيزا كأزيز المرجل من البكاء"، رواه أحمد والنسائي. وكذلك كانت أحوال الصحابة ﵃ والسلف الصالح ﵏.
لكن المشاهد من حال البعض، أن بكاءهم في صلاة التراويح يكون في أثناء القنوت، ويرفعون أصواتهم بالبكاء، بحيث، يشوّشون على إخوانهم المصلين، فهؤلاء مثابون على قدر نياتهم، ولكن ينبغي أن نتأمَّل أحوال السلف في ذلك، وإمامنا، وقدوتنا رسول الله ﷺ ، فقد كان تأثره من قراءته في صدره، بحيث يكون بكاؤه في صدره دون، صوت، وكذلك أصحابه ﵃ عند سماعهم القرآن كانت تفيض دموعهم، وتقشعر جلودهم دون أن يحدثوا صراخا، أو رفعا لأصواتهم، وهم أدرى الأمة وأعرفها، وأقرب الناس لهدي المصطفى ﵊.
منع القُرانُ، بوعده ووعيده ... مُقَلَ العيون بليلِها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه ... فهما تذل له الرقاب وتخضع
стр. 49
التعاون على البر في رمضان
ما أجمل شهر رمضان، وهو يقوّي صلة المؤمن بربّه، ويرقق قلوب المسلمين، ويؤلف بينها، ويزيد أواصر المودة والمحبة، ويقوّي روابط الأخوة بين المؤمنين، فترى تعاطفهم وتراحمهم فيما بينهم، بصور عديدة، وأشكال فريدة.
ومن ذلك التناصح والتذكير الذي يقوم به المسلمون فيما بينهم، ويذكر بعضهم بعضا، ويعين كل واحد منهم أخاه على نفسه، فتراه يوجهه حين يراه على مخافة ما، ويدعوه بأسلوب سهل، وطريقة متقبلة، أخذا من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل آية (١٢٥) ] .
كما يحث إخواته على فعل الخيرات، وعمل الصالحات، والاستزادة منها في هذا الشهر الكريم، ابتغاءً للأجر والثواب، فهو يعرف أن فعله هذا ينال به مثل ثواب أخيه الذي دعاه وذكره لقوله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" رواه مسلم. ويدخل في ذلك كله دعوة أخيك إلى حضور صلاة الجماعة، والمواظبة على صلاة التراويح، والتصدق على المساكين المحتاجين، وأعمال المعروف والبر، ودعوته إلى قراءة القرآن، والإكثار من ذكر الله تعالى، وسائر خصال الخير التي تتأكد في مثل هذا الشهر الكريم.
كذلك فإن الصائم قد يعرض له في نهاره ما ينسيه أنه متلبس بعبادة الصيام، فيأكل أو يشرب نسيانا، ففي مثل هذه الحالة يجب عليك أيها المسلم أن
стр. 50
تذكر أخاك بأنه صائم، فإن المؤمن مرآة أخيه، وتبيّن له ما ورد عنه ﷺ أنه قال: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإما أطعمه الله وسقاه" متفق عليه.
قال العلماء ﵏: "من رأى مسلما يشرب في نهار رمضان، أو يأكل أو يتعاطى شيئا من المفطرات الأخرى وجب إنكاره عليه؛ لأن إظهار ذلك في نهار الصوم منكر، ولو كان صاحبه معذورا في نفس الأمر، حتى لا يجترئَ الناس على إظهار محارم الله من المفطرات في نهار الصيام بدعوى النسيان، وكذا المسافر ليس له أن يظهر تعاطى المفطرات بين المقيمين الذين لا يعرفون حاله، وهكذا فإن المؤمن في رمضان ينبغي أن يكون داعية يوجه إخوانه، ويذكرهم ويرغبهم في أعمال الخير والبر، ويقوي صلتهم بخالقهم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة، آية (٢) ] .
стр. 51
كفارة الجماع
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٧) ] .
هذه آية من آيات الصيام، بيّن الله تعالى فيها أحكاما عديدة، وفيها تحليل شيء كان محرما عليهم قبل نزول هذه الآية: ألا وهو إتيان النساء في أوقات معينة، وحالات خاصة، ويوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى الآية".
قال الحافظ ﵀: "ظاهر هذا الحديث يدل على أن الجماع كان ممنوعا في جميع الليل والنهار، بخلاف الأكل والشرب فكان مأذونا فيه ليلا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا المعنى تدل على عدم الفرق، فيحمل قوله: "كانوا لا يقربون النساء" على الغالب جمعا بين الأخبار. انتهى كلامه ﵀.
فاستقر الحكم أخيرا على إباحة إتيان الزوجة ليلا في رمضان، أي فترة الإفطار المباحة وهي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، أي ما بين أذان المغرب إلى أذان الفجر الثاني.
стр. 52
أما خلال نهار رمضان فإن إتيان الزوج لزوجته من المحرمات، بل هو انتهاك عظيم لحرمة الشهر، ولذلك كانت عقوبته عظيمة، وهي الكفارة التي حكم بها رسول الله ﷺ على من جامع امرأته نهار رمضان.
وذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فقال ﵊: هل تجد رقبة تعتقها، قال: لا، قال: فهل تستطيع أن ثصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: اجلس، فجلست، فأُتِيَ النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيه ثمر، أي مكتل ضخم فقال للرجل: تصدق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك"، رواه البخاري ومسلم.
فتبيّن من هذا أن من وقع على امرأته في نهار رمضان وهو صحيح مقيم، وجبت عليه الكفارة السابق ذكر خصالها في الحديث، وكذلك تجب الكفارة على الزوجة إن كانت طائعة مختارة غير مكرهة لاشتراكها مع الزوج في انتهاك حرمة الشهر، أما إن كانت مكرهة أو معذورة فلا كفارة عليها لعدم القصد منها كما أفتى بذلك جمهور العلماء.
стр. 53
السفر والمرض
الصيام فريضة، وركن من أركان الإسلام، وذلك أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهو واجب على كل مسلم بالغ عاقل، خال من الموانع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٣) ] وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٥) ]
ولا يعذر أحد بترك الصيام، أو الإفطار أثناء الشهر، إلا إذا كان معذورا، كأن يكون مريضا، أو مسافرا أو امرأة حائضا أو نفساء، أو حاملا أو مرضعا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة آية (١٨٥) ] فالمريض، الذي يشق عليه الصيام، ويصعب عليه الامتناع عن المفطرات، ويتضرر منه، يجوز له أن يفطر في رمضان ثم يقضي فيما بعد عدد الأيام التي أفطرها، هذا إذا كان مرضه عارضا، أما إن كان مريضا مرضا مستمرا لا يرجى شفاؤه فهذا لا يجب الصيام عليه، ويطعم عن كل يوم مسكينا، ولا يقضي، وكذلك كبير السن الهرم الذي لا يستطيع الصيام، يفطر ويطعم ولا قضاء عليه.
والسفر من الأعذار المبيحة للصائم الإفطارر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٥) ] ، وهذا إذا لم يقصد بالسفر التحيل على الفطر، والمسافر أعلم بحال نفسه، فإن كان الصيام أسهل عليه صام، وإن كان يشق عليه أفطر، وقضى بعد ذلك، وقد قال أنس ﵁: "كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" متفق عليه.
стр. 54
وورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن". رواه مسلم.
وأما الحائض والنفساء، فإن الصيام يحرم عليهما، ولا يصح منهما، ويجب على كل منهما القضاء بعدد ما فاتهما من أيام رمضان.
وكذلك المرأة الحامل أو المرضع إذا خافت على نفسها، أو على ولدها جاز لها الفطر، ثم تقضي بعد ذلك كل الأيام التي أفطرتها، ففي سنن أبي داود، من حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن المرضع والحبلى الصوم" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
من ذلك كله تظهر لنا سماحة الإسلام ويسره، فإنه لم يقصد في شيء من تشريعاته الإثقال على أفراده، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة. الحج آية (٧٨) ] ، ومتى وجد المكلف صعوبة ومشقة في أداء العبادة، فإن الشرع أباح له أن يأتِيَ منها ما يطيقه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية (١٦) ] ، ولا تجد بابا من أبواب الشريعة، ولا مجالا من مجالاتها إلا وقد تجلت فيه السماحة بأبرز معانيها، وهذا اليسر هو الذي جعل الدين الإسلامي ينتشر بسرعة هائلة في جميع أقطار المعمورة، وتتقبله النفوس السليمة، والفطر المستقيمة.
стр. 55
سؤال الله الجنة
كم هي الأحاديث النبوية الشريفة، التي رغب فيها المصطفى ﷺ أمته، وحثهم فيها على طلب الجنة والسعي إليها، وأن صيام رمضان من أسباب دخولها، ومن أعظم الطرق الموصلة إليها، فمنها قوله ﵊: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، فلم يُغلق منها باب"، رواه الترمذي وابن خزيمة، وحين حدد ﵊ الخصال التي خص الله تعالى بها هذه الأمة، وأعطاها إياها في شهر رمضان، قال ﷺ : "ويزين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك". رواه أحمد.
فالله تعالى قد أعد الجنة وزينها لعباده الصائمين، وخصص لهم بابا يدخلون منه، هو باب الريان، لا يدخل منه أحد سواهم.
وكلنا همَّه رضا الله، ودخول جنته، لكنها لن، تنال بالأماني، والغفلة والتسويف، وإنما بالعمل الصالح، والقرب من مجالس الخير، وأعمال البر.
وحين يسمع المؤمن ويعرف أوصاف الجنة، ويقرؤها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فإنه يشتأق إليها، ويسعى لدخولها، وما أعظمها وأعظم صفاتها: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية (٢٥) ] ويقول تعالى عنها: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً
стр. 56
وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [سورة الإنسان، الآيات (١٤- ٢٠) ] .
ويزيد ﵊ ويوضح وصفها، ويقول: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد، يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تَحْيَوْا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " [سورة الأعراف، آية (٤٣) ] . رواه مسلم.
وحين تسمع النداء إلى الجنة وأوصافها وما أعدّه الله تعالى فيها من النعيم المقيم، والأنس والسرور، لا يسعك إلا أن تجد في طلبها، وتسعى للوصول إليها، لاسيما وأنت في شهر الخيرات، شهر مضاعفة الحسنات، ومحو السيئات، ورفعة الدرجاب، فالبدار البدار قبل الذهاب والفوات.
стр. 57
شهر الانتصارات
بعد أن هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووجد مكانا آمنا ينشر فيه دعوته بدأت المواجهات العسكرية بينه وبين المشركين، وأعظم حدث فاصل بين المسلمين والكفار، كان في موقعة بدر الكبرى الشهيرة، التي كانت في رمضان وحقق المسلمون فيهم أهم وأقوى انتصار على جحافل المشركين، وفرق الله فيها بين الحق والباطل، ولم تكن بدر هي الموقعة الوحيدة التي انتصر فيها المسلمون في رمضان.
بل إن هذا الشهر العظيم حقق المسلمون فيه انتصارات باهرة منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، وكتب الله تعالى الظهور لهذا الدين في معارك عديدة، وفتوحات كثيرة وكانت الجيوش الإسلامية تثبت وجودها في تلك المواجهات اللعسكرية، فكان الصوم أعظم عبادة تعين المسلمين على الثبات أمام أعدائهم، فالصائم حين يمسك عن المفطرت نهار رمضان، يبدأ. بمحاربة نفسه عن الوقوع فيها، ويكبح جماع شهواتها، فينتصر عليها، وعلى الشيطان، فيحقق نصرا معنويا يقوي عزمه، ويزيد من يقينه وإيمانه.
ومن هنا ارتبط الصيام بالجهاد، فكلاهما حرب ومقاومة للنفس والعدو، فالصوم تدريب على الجهاد، ولذلك نجد أن المسلمين في شهر رمضان، كانت لهم أقوى المواقف الحاسمة في تاريخ المواجهة بينهم وبين أعدائم، وكان الفوز والغلبة حليفهم في مثل هذه الأيام المباركة، ففيه كان الفتح الأعظم لمكة المكرمة، وإزالة معاقل الشرك والوثنية، وتطهير الكعبة من دنسها، وإعلان كلمة التوحيد
стр. 58
في أرجاء البلد الحرام، لتبطل كل دعوة لعبادة غير الله تعالى.
ولا ننسى فتح الأندلس وبطله طارق بن زياد، ولا معركة بلاط الشهداء الشهيرة، وقائدها الفذ، الذي استشهد في ميدانها، عبد الرحمن الغافقي، ثم نداء المرأة في عمورية واستغاثتها بالمعتصم، وتلبيته لها، وتصوير قصة هذا الفتح في قصيدة أبي تمام الشهيرة.
وكيف كان الانتصار الساحق للقائد المسلم، المظفر قطز، الذي هزم المغول في موقعة عين جالوت سنة ثمان وخمسين وستمائة للهجرة، كما كان فتح الظاهر بيبرس بجيشه الإسلامي لمدينة أنطاكية في منتصف القرن السابع الهجري تقريبا.
كما سجَّل التاريخ أخبار الانتصارات الحاسمة على الصليبيين في الحروب التي قادها بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في مواجهاته معهم.
وهكذا فإن شهر رمضان كان زمنا سجل فيه المسلمون انتصارات حاسمة، وقد كتب الله لهم ذلك النصر حين نصروا دينه، وقصدوا إعلاء كلمته، وكان همهم الأكبر أن ينتصر هذا الدين في جميع أقطار الأرض، ولو أخذ المسلمون الآن بأسباب النصر وحققوها، لنصرهم الله على أعدائهم، كما نصر أسلافهم وعد الله لا يخلف الله وعده: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الجج، آية (" ٤) ] .
стр. 59
معركة بدر الكبرى
في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، كان انتصار المسلمين العظيم، في أول مواجهة كبرى لهم مع المشركين، وذلك في معركة بدر الكبرى.
لقد أخرج المشركون المسلمين من ديارهم، وهاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حيث المكان الآمن الذي من خلاله يستطيع أن يبلغ رسالة الله تعالى، وينشر دعوته، وهو حين استقر في المدينة في حال حرب مع مشركي قريش، وليس بينه وبينهم عهد.
سمع رسول الله ﷺ بأن قافلة تجارية لقريش، كانت متجهة من الشام إلى مكة، يقودها أبو سفيان، فأراد ﵊ أن يقطع الطريق عليها ويغنها، ليأخذ أموال قريش ويفجعها في أموالها، كما فجعت قريش المسلمين من قبل في أموالهم.
وخرج المصطفى ﵊ من المدينة المنورة، ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ومعهم فرسان وسبعون بعيرا، واستخلف ابن أم مكتوم ﵁ على المدينة.
حين تناهى إلى أسماع أبي سفيان خبر خروج النبي ﷺ ، وعزمه الاستيلاء على القافلة، أرسل إلى قريش في مكة يعلمهم بذلك، فخرجت لحماية أموالها، وعددهم ألف رجل، معهم مائة فرس، وجمال كثيرة،
стр. 60
وبلغ رسول الله ﷺ خبر خروجهم، فاستشار أصحابه ﵃، فوافقوا على مواجهة قريش، فبشرهم بقوله: "سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله كأني أنظر إلى مصارع القوم"، والتقى الجيشان على ماء بدر، ودعا رسول الله ﷺ ربه، بقوله: "اللهم هذه قريشا قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني".
ثم خرج ثلاتة شبان من قريش، وثلاثة من المسلمين، وجرت المبارزة بينهم، ثم دارت رحى المعركة بين الفريقين، وقاتل المسلمون والإيمان يملأ قلوبهم، يتسابقون إلى الاستشهاد في سبيل، الله، وأمدَّهم الله بالملائكة، وأكرم الله عباده المؤمنين كرامات في هذا اليوم المشهود، فتساقطت رؤوس الطغاة على أرض بدر، أبو جهل والعاص بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم، واستشهد عدد من الصحابة ﵃، فقتل من المشركين سبعون رجلا وأسر مثلهم، وكتب الله النصر المؤزّر للإسلام وأهله، وقمع الله الكفر وأعوانه، في أول مواجهة كبرى عسكرية بين المسلمين والكفار، وقد كتب الله النصر للمؤمنين في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة النبوية.
стр. 61
فتح مكة المكرمة
في التاسع عشر من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، دخل رسول الله ﷺ مكة المكرمة، فاتحا ومطهرا لها من أدران الوثنية والشرك.
وسبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسل أعقد صلحا بينه وبين قريش في الحديبية، لكن قريشا نقضت الصلح ولم تلتزم ببنوده، فتجهز ﵊ لقتال قريش، واستعد للتوجه إلى مكة في جيش بلغ تعداده عشرة آلاف مقاتل، وانطلق من المدينة، وقبل دخول مكة، أتى إليه بعض زعماء قريش، فأعلنوا إسلامهم، منهم ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، ولما اقترب من مكة أمر أصحابه أن يوقدوا نيرانا بعدد أفرادهم، لتظهر لقريش قوة الجيش الإسلامي، وليلقي الرعب في قلوب المشركين.
ثم تقدم الجيش نحو مكة، وأمر رسول الله، ﷺ أن تركز رايته بالحجون، وأمر خالدا أن يدخل مكة من أسفلها، ودخل هو ﵊ من أعلاها، فاتحا مؤزرا منصورا، راكبا على راحلته، منحنيا على رحله تواضعا لله تعالى وشكرا له على هذه النعمة، حتى إن جبهته تكاد أن تمس رحله، وأسامة رديفه، ثم سار وبجانبه أبو بكر ﵁، يحادثه، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [سورة الفتح، آية (١) ] ، وقال ﷺ : "من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل، دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق عليه بابه فهو آمن" رواه مسلم ثم مضى حتى دخل المسجد
стр. 62
الحرام، وقصد الحجر واستلمه بعصاه، ثم طاف حول الكعبة، وكان حولها ثلاثمائة وستون صنما، فأخذ يشير إليها بقضيب في يده، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [سورة الإسراء، آية (٨١) ] ، ثم أمر بتحطيمها وتطهير البيت الحرام منها.
ونادى: "يا معشر قريش، ويا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وهكذا حطمت الأوثان، وطهرت الكعبة من المعبودات الباطلة، ونصر الله دينه، وأعلى كلمته، وسقطت معاقل الشرك والوثنية، وأعزَّ الله الإسلام وأهله، بدخوله ﷺ مكة فاتحا منتصرا، في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة.
стр. 63
العشر الأواخر
العشر الأواخر هي أفضل أيام هذا الشهر الكريم، وصفها رسول الله ﷺ بأنها عتق من النار، ولذلك كان ﵊ يضاعف عبادته فيها، ويتقرب إلى ربه بأنواع الطاعات، لا يفتأ يصلي أو يقرأ أو يذكر الله في كل حين ووقت، قالت عائشة ﵂ في وصف عبادة النبي ﷺ في هذه العشر: "كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدَّ مئزره". متفق عليه.
لقد كان ﵊، يخص هذه العشر بأعمال جليلة، ويكثر فيها من العبادة، ويعمل أعمالا لا يعملها في بقية الشهر، فكان يحيي الليل قائما بين يدي ربه، خاضعا متذللا يسأله من فضله العظيم، وكان ينقطع عن كل شواغل الدنيا، حتى إنه يعتزل نساءه في هذه العشر المباركة، وكان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا، ويغتسل كل ليلة من لياليها بين المغرب والعشاء، ويحث أهله على الاجتهاد والإكثار فى العباة فيها، فقد ورد أنه كان يطرق فاطمة وعليا ﵄ ليلا، ويقول لهما: "ألا تقومان فتصليان"، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر.
ومن هذا يؤخذ استحباب إيقاظ أحد الزوجين للآخر، والحرص على ذلك، ويتأكد في مثل هذه الأيام المباركة، فإن فيه إعانة على الطاعة، ورد أن عمر ﵁ كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل، أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية
стр. 64
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه الآية (١٣٢) ] وكانت امرأة أحد الصالحين تقول لزوجها: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق طويل، وزاد قليل، وقوافل الصالحين سارت أمامنا، ونحن قد بقينا.
يا رجال الليل جدوا ... رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلاّ ... من له عزم وجد
إن هذه الليالي الفاضلة، ينبغي أن يستثمر المسلم كل لحظاتها، ولا يضيع شيئا من أوقاتها، بل يستغل كل لحظة فيها، بكل عمل صالح يقربه من خالقه، ينتقل من عبادة إلى أخرى، ومن طاعة إلى مثلها، فهو إما يتلو آيات ربه، يرددها على لسانه، يتأفل في معانيها، ويتفكر في إعجاز ألفاظها ومبانيها، وإما أن يشغل نفسه بالركوع والسجود، والقيام بين يدي الحي المعبود، وإما يخفف عن المساكين والمحتاجين ما يجدونه من الضيق وقلة ذات اليد، فيعينهم ويصلهم بشيء يرجو ثوابه من الله تعالى، فالنفس أيها الأخ المسلم، إذا لم تشغلها بالطاعة، شغلتك بالمعصية، واقتادك هواها إلى ما يغضب خالقك، فاحذر أن يراك حيث نهاك، وأن يفتقدك حيث أمرك.
стр. 65
الاعتكاف
في الصحيحين، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى". وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: "كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان، عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما" رواه البخاري.
الاعتكاف سنة مؤكدة، ويتأكد في رمضان، وفي العشر الأواخر خاصة، وهو عبادة يخلو فيها العبد لطاعة ربه، فيقطع علاقته بالدنيا ومشاغلها، التي ألهته عن الإكثار من عبادة ربه في سالف الأيام، والاعتكاف ليس خاصا بهذه الأمة، بل كان معروفا من قبل، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة، الآية (١٢٥) ] .
وقد حرص الصحابة ﵃، على التأسي بالحبيب المصطفى ﵊، في أقواله وأفعاله، ومن ذلك اقتداؤهم به في هذه العبادة العظيمة، فقد اعتكفوا معه في حياته، وواظبوا اعلى سنته بعد وفاته، وكذلك أزواجه أمهات المؤمنين ﵃ اعتكفن بعده.
إنما كان يعتكف ﵊، في العشر الأواخر طلبا لليلة القدر، ورجاء لموافقتها، وسؤال الله تعالى من فضله ورحمته، فيناجي ربه بذكره قائما وقاعدا، ويصلي ما شاء الله من النوافل،، ويتلو كتاب ربه، وهكذا فإن المعتكف ينبغي له أن يشغل أوقات اعتكافه كلها بسائر أنواع العبادات، من
стр. 66
صلاة وذكر، وقراءة قرآن، وتمجيد وتحميد، وثناء على الله تعالى، لأن الاعتكاف انقطاع الإنسان عن المشاغل والتفرغ لعبادة الله تعالى، ولذلك فإن عليه أن يتجنب كل حديث دنيوي يشغله عن الطاعة، ويلهيه عن العبادة، فهو قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع كل شيء يلهيه عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه.
ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد من المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة، وفي المسجد الجامع أفضل، وأفضل ذلك كله الاعتكاف في أحد الحرمين الشريفين، ويفسد الاعتكاف بالجماع، أو الخروج من المسجد لغير حاجة، فإن كان خروجه لأمر لابد منه، كقضاء حاجته، أو طهارته ووضوئه، أو لأكل أو شرب، فلا بأس بذلك، ولا يبطل اعتكافه، أما الخروج لفعل طاعة من الطاعات، كزيارة المرضى، وتشييع الجنائز ونحو ذلك فهذا لا يجوز إلا إذا اشترط الخروج لذلك عند ابتداء اعتكافه. ونية الدخول في هذه العبادة ركن، إذ يا يصح الاعتكاف بدون نية، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، ولا يلزم أن يعتكف المسلم العشر كلها، بل لو اعتكف بعضها صح اعتكافه، فإن أقله يوم وليلة، على الصحيح من أقوال العلماء.
ومما يلاحظ أن هذه السنة قد رغب كثير من الناس في هذا الزمن عنها، وقل عمل الناس بها، وما ذاك إلا لقصور الهمم، والانشغال. بملذات هذه الحياة وزخارفها، فإلى الله المشتكى وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 67
فضل قيام الليل
...
فضل قيام رمضان
ما أعظم أيام هذا الشهر الكريم، وما أنفس أوقاته، صيام بالنهار، وتهجد وقيام بالليل، ذكر واستغفار، صلاة وقرآن، جود وإحسان، بر وصلة، عطف وحنان.
يقطع المسلم نهاره ممسكا عن الشهوات، ويقضي ليله قائما متذللا بين يدي خالقه، يجأر إليه، ويخضع لعظمته، يردد كلامه في صلاته، ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [سورة المزمل، الآية (٦) ] ، إنه يحتسب الأجر والثواب من الله تعالى، يطمع أن يمحو الله كل ما سلف من سيئ أعماله، وأن يتجاوز عن غفلته وتفريطه وإهماله، فهو يؤمن بقوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم فى ذنبه" متفق عليه.
إئه يتأسى بحبيبه ﷺ ، الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فتقول له عائشة: ما هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول. "أفلا أحب أن أكون عبدا مشكورا". متفق عليه.
إن اجتهاد المسلم يكون بالإكثار من صلاة النوافل، وقيام الليل في هذا الشهر، رجاء أن يوافق نفحة من نفحات الباري جل وعلا، فينال السعادة في الدنيا والآخرة.
وفي الوقت نفسه، ينأى بنفسه أن يكون ممن استحوذ عليهم الهوى، يقول ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام، ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة، عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ
стр. 68
فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" رواه البخاري ومسلم.
إنه يرغب أن يكون من أصحاب تلك الغرف في الجنة، الذين قال عنهم ﷺ ، وهو يصف غرفهم وأفعالهم: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام". رواه أحمد.
نعم، إنه يبيت ليله يعبد ربه، يتهجد، يرفع يديه لمولاه، يتضرع بين يديه، والناس مستغرقون في نومهم، يتلذذون به، وهو يناجي ربه.
إنه يطمع أن يوافق ساعة الإجابة التي قال عنها ﷺ : "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" رواه مسلم.
ويأمل أن يكون من رهبان الليل الذين وصفهم ﷺ بقوله: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربّكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" رواه الترمذى وابن خزيمة.
ما أجمل تلكم الصورة التي يبيّنها النبي ﷺ عن الزوجين، وهو يدعو لهما بالرحمة، ويقول: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" رواه أبو داود.
стр. 69
المسارعة إلى فعل الخيرات
خلق الله الإنسان في هذه الحياة، لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية (٥٦) ] ولم يوجده ليعمرها بجمع حطامها، وتتبع زخارفها وملذاتها، ومجاراة الآخرين في زينتها ومتاعها، وعمره في هذه الحياة محدود، ومدة بقائه بها قصيرة، ولن يتمكن من إضافة دقيقة واحدة على ما كُتب له فيها، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [سورة المنافقون، الآية (١١) ] ولن يقدر على النقص أيضا، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية (٣٤) ] .
فإذا كنت أيها المسلم العاقل، تدرك ماهيتك في هذه الحياة، وأنك مسافر ولست مقيما، وأن عمرك سينتهي، وأنت مقبل على لحظة تلفظ فيها أنفاسك وتغادر، مهما طال عمرك، ولو جاوزت المائة، فلماذا اللهو والغفلة، ولماذا التسويف والتأخير، والمماطلة والتأجيل؟ في كل يوم ترمي بك نفسك الأمارة بالسوء إلى تأجيل العمل، غدا أعمل، غدا أعمل، وهكذا حتى تصرَّمت سنّي عمرك وأنت في لهوك وغفلتك، أما ترى الموت ينقض دون هوادة على من هم في سنك، ومن هم أصغر وأكبر منك، لماذا لم يكن لك في ذلك عظة وعبرة؟
يا نفس ويحك توبي واعملي حسنا ... عسى تجازين بعد الموت بالحسن
يا نفس كُفِّي عن العصيان واغتنمي ... فعلا حميدا لعل الله يرحمني
انهض أيها الحبيب، واستدرك ما مضى وفات، فربك يغفر الزلات، ويقيل
стр. 70
العثرات، ويعفو عن السيئات، أنت في موسم العبادة، ووقت الطاعة، أنت في أفضل الشهور، في شهر رمضان، الذي يعتق الله فيه عباده من النيران، تب إلى الله، واستغفره عن ما مضى فإن ربك غفور رحيم، يفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه مقرا معترفا بذنوبه، ردد: أستغفرك وأتوب إليك، أستغفرك وأتوب إليك.
هذا هو موسم تخليص الرقاب من النيران، والفوز بنعيم الجنان.
جاء في الحديث أنه ﷺ قال حين ذكر ما أعطيت هذه الأمة من خصال: "ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله". رواه أحمد. وورد أيضا أن الله تعالى يعتق في كل ليلة من شهر رمضان ألف ألف عتيق، أي مليون، فإذا كان آخر الشهر، أعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فحرر نفسك من أسر الشيطان، عسى أن تكون أحد أولئك العتقاء من النيران.
وادع ربك أن لا تكون ممن دعا عليه جبريل ﵇، حين قال للنبي ﷺ : "يا محمد من أدرك رمضان من أمتك فلم يغفر له فزجّه الله في النار، قل آمين، فقال ﵊: آمين" رواه ابن حبان.
اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر الكريم، وامنن علينا برحمتك وغفرانك يا عظيم يا رحيم.
стр. 71
التماس ليلة القدر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة القدر، الآيات (١- ٥) ] .
هذه سورة من سور القرآن الكريم، نزلت خاصة في ليلة القدر، وبيّنت خصالها العظيمة، وصفاتها الكريمة، التي ذكرها الله تعالى في هذه الآيات، وهي:
أولا: أنها ليلة نزول القرآن الكريم، ونزول القرآن في هذا الشهر، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [سورة البقرة، الآية (١٨٥) ] .
ثانيا: أن هذه الليلة خير من ألف شهر، أي أن العبادة في هذه الليلة، خير من العبادة من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ويحصل ذلك. بمضاعفة أجر الأعمال الصالحات، واستجابة الدعوات، وتنامي الثواب والصدقات، وسائر المنافع الدينية والدنيوية.
ثالثا: أن الملائكة والروح ينزلون فيها إلى الأرض، فجبريل ﵇، سيّد الملائكة، وأمين الوحي، ينزل في مواكب الملائكة فوجا إثر فوج حتى تضيق الأرض عنهم، وهذا يدل على شرف هذه الليلة، لأن العباد والمتضرعين والمصلين في جماعة، كلما كانت جموعهم أكثر كان نزول الرحمة أوفر وأكبر.
رابعا: أن هذه الليلة سلامٌ، فكل ما فيها خير كله، لا شر فيها، سالمة لا يقدر الشيطان أن يسيء فيها، فهي خير كلها.
стр. 72
خامسا: أنها تبقى حتى يطلع الفجر، فتبقى أبواب الرحمة مفتوحة طوال هذه الليلة، معمورة بنزول الملائكة، محفوفة بالخير والسلامة، حتى يطلع الفجر.
إن هذه الليلة العظيمة التي هي من خصائص هذه العشر، ينبغي على المسلم أن يحرص على التماسها، وأن يجتهد ليالي العشر كلها، عسى أن يوافقها، فإن الله تعالى أخفاها حتى يضاعف المؤمنون عبادتهم في هذه الليالي المباركة، وقد قال كثير من أهل العلم: إنها ليست في ليلة معينة في كل سنة، بل تنتقل في العشر الأواخر من عام إلى آخر.
وأرجى ليلة فيها ليلة سبع وعشرين، وإلى ذلك ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لما ورد عن أبي بن كعب ﵁ قال: "والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان، والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ ، بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين" رواه مسلم.
وقال ﵊: "ليلة القدر، من كان متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين" رواه أحمد.
إن ليلة القدر ليلة شريفة عظيمة، من وافقها فقد غنم فضلا كبيرا، فلنحرص على التماسها، لنكثر من العبادة، ونضاعف الطاعة، عسى أن يغفر الله لنا ما قدمنا من الذنوب، ونفوز بالرضا والجنة، وذلك هو أعظم مطلوب.
стр. 73
التوبة
المسلم في هذه الحياة معرض للوقوع في المخالفات، وارتكاب الذنوب والسيئات وكثرة الهفوات وهذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد، ولذلك شرع الاستغفار والتوبة من الذنوب، قال ﵊: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" رواه مسلم
لكن المسلم إذا ذكّر تذكّر، وإذا وعظ اتعظ، ولم يصر على ذنوبه ومعاصيه، لاسيما وهو يسمع آيات الله تتلى عليه في صلواته، وتكثر قراءة القرآن في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هذه الآيات التي فيها الوعد والوعيد، فيرق فؤاده، ويعود إلى صوابه، وهو يسمع ما أعده الله تعالى للعصاة والمجرمين، والطغاة والمتكبرين من عظيم العذاب، وأليم العقاب، ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [سورة الحج، الآيات (١٩-٢٢) ] .
فيرغم نفسه على الإقلاع عن الذنوب، ويعزم على التوبة، ويندم على ما بدر منه من خلل وتقصير، ويتردد على مسامعه النداء الإلهي له، ويسمعه من الإمام وهو يقرأ الآية في صلاة التراويح، فيزداد عزما وتصميما، على التوبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ
стр. 74
سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة التحريم، الآية (٨) ] .
روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" رواه مسلم.
وقال ﵊: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس مغربها"، رواه مسلم.
فالله تعالى لطيف بعباده، عفو غفور، إذا رأى إقبال عبده عليه، قبل منه وتجاوز عنه، قال ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" رواه مسلم.
فتب إلى الله تعالى أيها المقصر والمفرط في جنب الله، فأنت في شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، عسى أن تفوز برضا الرحمن، وتسعد سعادة أبدية في نعيم الجنان.
стр. 75
الاستغفار
في شهر رمضان يجد المؤمن نفسه قريبة من أعمال الخير، تنقاد معه إلى الأعمال الصالحة، فيغتنم هذه الفرصة، لأن النفس أمارة بالسوء، وإذا لم يشغلها صاحبها بالطاعة، شغلته بالمعاصي، إذا هو يروضها في هذا الشهر إذ هي قابلة لذلك، ويأمل أن تستمر وتبقى وهي تألف الخير وتحبه.
فعليه أن يعودها على ذكر خالقها، وأن يكثر من الاستغفار ويلازمه، فإن النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى يرضى عن عبده إذا استغفر، وأكد ﵊ على الاستكثار من الاستغفار في شهر رمضان، شهر المغفرة والرضوان، والعتق من النيران، ففي حديث سلمان ﵁ أنه ﷺ قال: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم"، وذكرهما وهما: "شهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار" رواه أبو خزيمة. فالاستغفار من أعظم أسباب المغفرة والعتق من النار؛ لأنه دعاء، ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره.
وقد حمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة محمد الآية (١٩) ] . ونفى الله تعالى عذابه عن عباده المستغفرين، فقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية (٣٣) ] وأثنى على المستغفرين بالأسحار. وقال ﵊: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". رواه أحمد وأبو داود.
следующие страницы →