Полный текст (88 стр.). Показаны 71–88 · переход к 76.
стр. 71
التماس ليلة القدر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة القدر، الآيات (١- ٥) ] .
هذه سورة من سور القرآن الكريم، نزلت خاصة في ليلة القدر، وبيّنت خصالها العظيمة، وصفاتها الكريمة، التي ذكرها الله تعالى في هذه الآيات، وهي:
أولا: أنها ليلة نزول القرآن الكريم، ونزول القرآن في هذا الشهر، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [سورة البقرة، الآية (١٨٥) ] .
ثانيا: أن هذه الليلة خير من ألف شهر، أي أن العبادة في هذه الليلة، خير من العبادة من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ويحصل ذلك. بمضاعفة أجر الأعمال الصالحات، واستجابة الدعوات، وتنامي الثواب والصدقات، وسائر المنافع الدينية والدنيوية.
ثالثا: أن الملائكة والروح ينزلون فيها إلى الأرض، فجبريل ﵇، سيّد الملائكة، وأمين الوحي، ينزل في مواكب الملائكة فوجا إثر فوج حتى تضيق الأرض عنهم، وهذا يدل على شرف هذه الليلة، لأن العباد والمتضرعين والمصلين في جماعة، كلما كانت جموعهم أكثر كان نزول الرحمة أوفر وأكبر.
رابعا: أن هذه الليلة سلامٌ، فكل ما فيها خير كله، لا شر فيها، سالمة لا يقدر الشيطان أن يسيء فيها، فهي خير كلها.
стр. 72
خامسا: أنها تبقى حتى يطلع الفجر، فتبقى أبواب الرحمة مفتوحة طوال هذه الليلة، معمورة بنزول الملائكة، محفوفة بالخير والسلامة، حتى يطلع الفجر.
إن هذه الليلة العظيمة التي هي من خصائص هذه العشر، ينبغي على المسلم أن يحرص على التماسها، وأن يجتهد ليالي العشر كلها، عسى أن يوافقها، فإن الله تعالى أخفاها حتى يضاعف المؤمنون عبادتهم في هذه الليالي المباركة، وقد قال كثير من أهل العلم: إنها ليست في ليلة معينة في كل سنة، بل تنتقل في العشر الأواخر من عام إلى آخر.
وأرجى ليلة فيها ليلة سبع وعشرين، وإلى ذلك ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لما ورد عن أبي بن كعب ﵁ قال: "والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان، والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ ، بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين" رواه مسلم.
وقال ﵊: "ليلة القدر، من كان متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين" رواه أحمد.
إن ليلة القدر ليلة شريفة عظيمة، من وافقها فقد غنم فضلا كبيرا، فلنحرص على التماسها، لنكثر من العبادة، ونضاعف الطاعة، عسى أن يغفر الله لنا ما قدمنا من الذنوب، ونفوز بالرضا والجنة، وذلك هو أعظم مطلوب.
стр. 73
التوبة
المسلم في هذه الحياة معرض للوقوع في المخالفات، وارتكاب الذنوب والسيئات وكثرة الهفوات وهذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد، ولذلك شرع الاستغفار والتوبة من الذنوب، قال ﵊: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" رواه مسلم
لكن المسلم إذا ذكّر تذكّر، وإذا وعظ اتعظ، ولم يصر على ذنوبه ومعاصيه، لاسيما وهو يسمع آيات الله تتلى عليه في صلواته، وتكثر قراءة القرآن في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هذه الآيات التي فيها الوعد والوعيد، فيرق فؤاده، ويعود إلى صوابه، وهو يسمع ما أعده الله تعالى للعصاة والمجرمين، والطغاة والمتكبرين من عظيم العذاب، وأليم العقاب، ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [سورة الحج، الآيات (١٩-٢٢) ] .
فيرغم نفسه على الإقلاع عن الذنوب، ويعزم على التوبة، ويندم على ما بدر منه من خلل وتقصير، ويتردد على مسامعه النداء الإلهي له، ويسمعه من الإمام وهو يقرأ الآية في صلاة التراويح، فيزداد عزما وتصميما، على التوبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ
стр. 74
سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة التحريم، الآية (٨) ] .
روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" رواه مسلم.
وقال ﵊: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس مغربها"، رواه مسلم.
فالله تعالى لطيف بعباده، عفو غفور، إذا رأى إقبال عبده عليه، قبل منه وتجاوز عنه، قال ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" رواه مسلم.
فتب إلى الله تعالى أيها المقصر والمفرط في جنب الله، فأنت في شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، عسى أن تفوز برضا الرحمن، وتسعد سعادة أبدية في نعيم الجنان.
стр. 75
الاستغفار
في شهر رمضان يجد المؤمن نفسه قريبة من أعمال الخير، تنقاد معه إلى الأعمال الصالحة، فيغتنم هذه الفرصة، لأن النفس أمارة بالسوء، وإذا لم يشغلها صاحبها بالطاعة، شغلته بالمعاصي، إذا هو يروضها في هذا الشهر إذ هي قابلة لذلك، ويأمل أن تستمر وتبقى وهي تألف الخير وتحبه.
فعليه أن يعودها على ذكر خالقها، وأن يكثر من الاستغفار ويلازمه، فإن النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى يرضى عن عبده إذا استغفر، وأكد ﵊ على الاستكثار من الاستغفار في شهر رمضان، شهر المغفرة والرضوان، والعتق من النيران، ففي حديث سلمان ﵁ أنه ﷺ قال: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم"، وذكرهما وهما: "شهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار" رواه أبو خزيمة. فالاستغفار من أعظم أسباب المغفرة والعتق من النار؛ لأنه دعاء، ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره.
وقد حمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة محمد الآية (١٩) ] . ونفى الله تعالى عذابه عن عباده المستغفرين، فقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية (٣٣) ] وأثنى على المستغفرين بالأسحار. وقال ﵊: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". رواه أحمد وأبو داود.
стр. 76
وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لو تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" رواه مسلم.
وكان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها، كما يستغفر المذنب من ذنبه، فلازم أيها المسلم الاستغفار في شهر الصيام وسائر الأيام، وضاعفه في هذه الأيام المباركة، أيام شهر العتق من النار، فإن رمضان فرصة عظيمة، فاغتنمها، وبالأخص عند تمام أعمالك، فإن الاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها، إذ به يختم الحج وتختم الصلاة، وقيام الليل، وهو ختام المجالس، فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لهوا كان كفارة لها، روي عنه ﵊: "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد"، رواه أبو داود، وتعلق رجل بأستار الكعبة وهو يقول: "اللهم إن استغفاري مع إصراري لؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز، فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني، وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا من إذا وعد وفى، وإذا توعد تجاوز وعفا، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين.
يا رب عبدك قد أتـ ... ـاك، وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه ... من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنـ ... ـوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفـ ... ـوك من عقابك ملحفا
رب اعف عنه وعافه ... فلأنت أولى من عفا
стр. 77
وداع رمضان
نعم، إن عجلة الأيام تدور بسرعة مذهلة، وتسير بخطى حثيثة، لا تكل ولا تمل، ولا تتوقف لحظة واحدة، إنها دليل على سرعة فنان العمر وذهابه، فالأيام والليالي تتوالى، والشهور والأعوام تتعاقب وتتوارى، وتمضي سريعة سريعة.
إنها شاهد على الإنسان فيما يقدمه فيها من الأعمال، والعاقل من استغل أوقاته في الطاعة، في التلاوة، في صلة الرحم، في الصدقة، في إعانة الملهوف، في نصرة المظلوم، في الكلمة الطيبة، لأن مغادرته لهذه الحياة أمر حثمي لا شك فيه، وستحين تلك اللحظة عاجلا أم آجلا.
سيصير المرء يوما ... جسدا ما فيه روح
بين عيني كل حي ... علم الموت يلوح
كلُّنا في غفلة ... والموت يغدو ويروح
نح على نفسك يامسـ ... ـكين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عمِّر ... ت ما عمّر نوح
هاهو شهر رمضان الذي كنا قد استقبلناه قبل أيام، وفرحنا بمقدمه، يوشك أن يودعنا، شاهدا لنا أو علينا، فمن قدَّم فيه صالحا، ووفَّق لعمل الخير فليحمد الله تعالى وليشكره على ذلك، وليسأله المزيد والثبات، والتوفيق للأعمال
стр. 78
الصالحات، والختام بالخاتمة الحسنة، والموت، على ما يرضي الله تعالى.
ومن فرط في أيامه ولياليه، وسوَّف وأجّل، ووسوس له الشيطان، وملأ قلبه بالغفلة واللهو، فليعد إلى خالقه، وليتب إلى، مولاه وسيده، وليستغفر الله تعالى، فإن الله تعالى غفور رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويقبلها إذا كانت بنية صادقة، وعزم على الاستمرار على الطاعة، وندم على التفريط والإضاعة، وليغتنم ما بقي من أيام هذا الشهر، عسى أن يكون فيه ن العتقاء من النار، فقد قال ﷺ : "ويغفر لهم في آخر ليلة، قالوا: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يُوفى أجره إذا قضى عمله". رواه أحمد.
شهر الصيام مضى واجتاز وانصرما ... واختص بالفوز بالجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا ... مثلي، فيا ويحه يا عُظْمَ ما حرما
من فاته الزرع في وقت البذار فما ... تراه يحصد إلا الحزن والندما
стр. 79
صدقة الفطر
روى ابن عباس ﵄، قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرث، وطعمة للمساكين، فمن أذاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أذاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" رواه أبو داود
زكاة الفطر هي التي شرعها رسول الله صلى الله علي وسلم، وفرضها على أعيان المسلمين كلهم، فهي واجبة علة أفرادهم ذكورا وإناثا، كبارا وصغارا، عبيدا وأحرارا، وهي مقدار يخرجه المسلم قبل صلاة عيد الفطر، شكرا لله تعالى على أن أنعم عليه فأتم شهر الصيام والقيام.
وقد جاء في الحديث السابق الحكمة من فرضيتها، من أنها زكاة لنفس المؤمن، وتطهير لها، لما قد يكون علق بها من آثار اللغو والرفث خلال أيام صيام الشهر، وفي الوقت نفسه تتجلى فيها مظاهر الترابط بين أفراد المجتمع المسلم، إذ يعطف الأغنياء على الفقراء، فيوزعون فطرهم على المساكين والمحتاجين، وتراهم يسألون ويبحثون عن المستقين لها، مما يضفي نوعا من التآلف داخل المجتمع الإسلامي، ثم هي تمنح هؤلاء المحتاجين فرصة لمشاركة بقية إخوانهم المسلمين، أفراح عيد الفطر وبهجته، فيتبادلون مع بني جنسهم من جيرانهم وأصدقائهم وأقربائهم التهنئة بهذا العيد السعيد.
وتُخرج زكاة الفطر من الطعام الذي يأكله غالب أهل البلد، تمرا أو برا أو أرزا أو شعيرا أو غير ذلك، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا
стр. 80
نخرج زكاة الفطر صاعا من بر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من ثمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب"، متفق عليه،. ولا يجوز العدول عن الطعام إلى القيمة؟ لأنها لم يرد ذكرها عن النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃ ولا التابعين لهم بإحسان ﵏، وقد كانت الدراهم والدنانير متداولة بينهم، فلو كان إخراجها جائزا لنقل إلينا، ولظهر بيانه للناس.
وأفضل وقت لإخراج زكاة الفطر ما بين صلاة فجر يوم العيد إلى قبيل صلاة عيد الفطر، ويجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين؟ لورود ذلك من فعل ابن عمر ﵄.
ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد، فإن فعل ذلك فهي صدقة، إلا أن يكون تأخيره لها لعذر شرعي، كأن يكون في مكان ناء ولم يصله خبر العيد إلا متأخرا، أو نام ولم يستيقظ إلا بعد صلاة العيد، أو نحو ذلك.
وتدفع زكاة الفطر إلى فقراء المكان الذي يوافيه العيد وهو فيه، ومقدار زكاة الفطر كيلوان وربع الكيلو جرام، ومن العلماء من قال ثلاثة كيلو جرامات وهو الأحوط.
لقد أناط الله تعالى بزكاة الفطر وبالتكبير وبصلاة العيد الفوز والفلاح والسعادة، فقال جل شأنه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [سورة الأعلى الآيتان (١٤-١٥) ]
وقد فرضت زكاة الفطر في اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، من السنة الثانية لهجرة المصطفى ﷺ .
стр. 81
ختام الشهر
ها هي أيام رمضان قد انقضت، ولياليه تصرمت، مضت أوقاته كأنها طرفة عين، أو ومضة برق، كان المسلمون في جميع البلدان يترقبون دخوله، يستعدون له، يهنئ بعضهم بعضآ بمقدمه، وحل هذا الموسم الكريم، ونزل بساحتهم، بخيراته وبركاته، بفضائله وحسناته، ببره ونفحاته.
من عباد الله الفطن الذكي، الذي عرف أن الفرصة باغتنامها، وها هي أمامه فرصة عظيمة، فشمر عن ساعد الجد، ووطف جوارحه في طاعة الله، بادر بقلبه وقالبه في أطراف النهار، وفي أواخر اليالي، وفي أوقات الأسحار، وفي الهواجر، يذكر ربه، يتلو آياته، يردد التسبيح والتحميد، هو بين يدي خالقه، يركع ويسجد، يقوم ويطيل القيام، يلهج بالدعاء، وطلب المغفرة والرحمة، لأنه أيقن أن مثل هذا الموسم الثمين، قد لا يعود عليه مرة أخرى، فلا بد أن يغتنم أوقاته فيما يفيده وينفعه ويبقى له في آخرته:
إن لله عبادا فُطنا ... طلَّقوا الدنيا وخافوا المحنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي سكنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سُفنا
ومن الناس من ركبه الشيطان، وأضله الهوى وألف العصيان، فدخول رمضان لم يغير شيئا في مجرى حياته، ولم يعدل مسار برنامجه اليومي إلا بالسهر واللعب، والغفلة واللهو، يمتنع عن الطعام والشراب، ويصوم نهاره ولكنه بعيد عن مجالسة الصالحين، بعيد عن بيوت الله، وإن جاء إلى الصلاة أتاها كسولا
стр. 82
وربما صلى في بيته بعد ذهاب الوقت، فهو أسير هواه، في جميع أيام الشهر الكريم، وهو في هذه اللحظات، يتأسف ويتحسر، ويرسل عبارات الندم على أن ضيع أوقاته سدى.
من أحسن في هذا الشهر، وواظب على الطاعة، فليشكر الله تعالى الذي وفقه لصالح الأعمال وإقامة العبادة، وليسأله القبول، والثبات على العمل الخيِّر، وليطلب المزيد المزيد من التوفيق. ومن أساء وقصّر في رمضان فليغتنم أوقات عمره، وأيام حياته، وليتب توبة نصوحا إلى خالقه، وليندم على تفريطه، وليسأل الله التوفيق لصالح الأعمال، فإن ربنا غفور رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويقبل توبته إذا علم منه حسن النبية، وصدق اللهجة، وسلامة القصد.
وليختم شهره بالاستغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة، عسى الله أن يقيله ويقبل منه: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية (٧٤) ] ، سبحان من يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء الآية (١١٠) ] راجع حساباتك مع الله، ثم تأمل، أليس من الخزي والخسارة، أن يعفو ربك عن الملايين من إخوانك المسلمين، وتبقى أنت مثقلا بذنوبك وأوزارك التي أثقلت كاهلك. بمعاصيك ومخالفاتك، وأنت تعلم أن ربك لا يظلم مثقال ذرة؟
سلام من الرحمن كلَّ أوان ... على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه ... أمان من الرحمن كل أمان
لئن ذهبت أيامك الغرُّ بغتة ... فما الحزن من قلبي عليك بفان
стр. 83
عيد الفطر
عن أنس ﵁ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "مما هذان اليومان"؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نلعب فيهما بالجاهلية، فقال صلى الله عليه وسام: "قد أبدلكم الله خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"" رواه أبو داود.
في كل عام يحتفل المسلمون في مشارق والأرض ومغاربها بعيد الفطر، وهو يوم يفرحون فيه، يشكرون الله تعالى أن منَّ عليهم بأداء فريضية من أعظم فرائض الإسلام، هي صيام شهر رمضان، وسهّل عليهم إتمامه وقيامه، يظهر المسلمون فيه البهجة والسرور، والفرح والحبور، ويهنئ بعضم بعضا، ويتبادلون الزيارات بين الأهل والإخوان والأصدقاء.
وإذا أتم المسلمون صيام شهر رمضان ثلاثين يوما، أو رئي هلال شوال، استحب للمسلم أن يبتدئ التكبير من غروب شمس ليلة العيد، قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة البقرة الآية (١٨٥) ] فيردد: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. ويستمر في التكبير إلى أن يصلي العيد، وقد كان السلف يحرصون عليه ويظهرونه في المساجد والطرقات ويرفعون به أصواتهم.
وتتأكد صلاة العيد على كل مسلم ومسلمة، فإن النبي ﷺ ، أمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، ووجه الحيض أن يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعاء المسلمين.
стр. 84
ويستحب الغسل قبل الذهاب إلى المصلى وأن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب، ويأكل قبل خروجه تمرات وترا، واحدة أو ثلاثا أو خمسا، فقد كان رسول الله ﷺ لا يذهب إلى صلاة عيد الفطر حتى يأكل تمرات. ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويرجو الله تعالى أن يغفر ذنوبه، ويعيده إلى منزله وقد تخلص من كل ذنب، فقد ورد أنه إذا حان يوم عيد الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق ينادون: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم، قال الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن توفيه أجره، فيقول: أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي، انصرفوا مغفورا لكم. أورده البيهقي.
قال مورق العجلي: "فينصرف أقوام من مصلى العيد وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم".
إن العيد محطة تذكر، يحاسب العبد فيها نفسه، ويدقق في أعماله، ويصطلح مع خالقه، كما أنه فرصة سانحة لتصفية القلوب، وتقوية العلاقات، والصفح عن الهفوات والزلات، واستلال الشحناء والسخيمة من النفوس، وبدء صفحة جديدة بيضاء في العلاقات الأخوية، والروابط الأسرية، وإظهار التواد والتآلف والتراحم بين جميع أفراد المجتمع المسلم.
стр. 85
حال المسلم بعد رمضان
ها هي الأمة الإسلامية، ودّعت قبل أيام، ضيفا كريما نزل بساحتها، وموسما عظيما حل وافدا عليها، شهر عظيم جاء بخيراته وبركاته، يزيد المؤمن فيه حسناته، ويعمل جاهدا على رفعة درجاته.
ما أحمل أيام شهر الصيام ولياليها، حين ترى الناس مقبلين على فعل الخير، والمساجد مزدحمة بالمصلين، والتراحم تتضاعف صوره في مجتمع الباذلين المنفقين، والتعاطف في أرقى درجاته بين عباد الله الصائمين.
لقد عشنا فيه أوقاتا جميلة، حافلة. بمسارعة الناس إلى الخيرات، ومضاعفة الأعمال الصالحات، والتسابق إلى المساجد لأداء الصلوات، والتزاحم في عمل النوافل وبذل الصدقات، فالنفوس قد أُترعت بروحانية، الشهر، والقلوب مملوءة بالمحبة والعطف.
جاء رمضان، ومن الناس من عرف عظمة هذا الموسم، وقدر أوقات الشهر الكريم، فاغتنمها وزاد من عمله الصالح، وتضرع فيه بين يدي مولاه، وسأله المغفرة والعفو، ومحو الذنوب والسيئات، والعتق من النار فقدم فيه خيرا، فليحمد الله على ذلك، وليسأله الثبات على الطاعة، والمزيد من التوفيق للأعمال الصالحة.
ومن الناس من دخل عليه الشهر، ولم يأبه بدخوله، ولم يقدر قيمة لحظاته، ونفاسة أوقاته، فلم يغير شيئا من نمط حياته، ولم يعدل طريقته في قضاء أوقاته، فأهدر هذا الموسم، وفرط في اغتنامه، فرحل شهر الصيام وهو غارق في غفلاته، فيحتاج هذا إلى محاسبة نفسه والتوبة إلى ربه، وفتح صفحة جديدة، وحياة يستغلها بالطاعة، ويوظف أوقاته في طلب مغفرة ربه ومرضاته.
стр. 86
إن عباد الله الصالحين، وأولياءه المخبتين،، لا يزيدهم مرور المواسم الفاضلة، إلا قربا من ربهم، ومضاعفة لأعمالهم، لأنهم منداومون على عمل الصالحات، في جميع الأزمنة والأوقات، وفي سائر الليالي والأيام، وهم متعلقون بخالقهم، لا يجدون اللذة إلا في مناجاته، ولا الراحة إلا بدعائه والتعرض لنفحاته، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [سورة الفتح (٢٩) ] .
قد غرس الله في قلوبهم حب الطاعة، فهم يؤمنون بأن العمل لا ينقضي إلا بانتهاء الأجل، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر الآية (٩٩) ] فالموت هو الذي يقطع عليهم الاستمرار في فعل الخيرات ولذة المناجاة.
فسبحان من خالف بين قلوب العباد، وفرق بين الهمم، يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق، ويصرف من أراد عنها.
هاهم رهبان الليل، الذين ألفت قلوبهم الطاعة، وأحبت نفوسهم العبادة، يواصلون السير في طريقهم، ويداومون على العبادة في ليلهم ويومهم، قد واصلوا استغلالهم قطار الطاعة ليواصل بهم رحلته في طلب المغفرة والرضا، والفوز بالجنة وبلوغ دار السعداء، إنهم يصومون في هذه الأيام، لأن نبيهم ﷺ ، حثهم على ذلك بقوله: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدر" رواه مسلم.
وذلك فضل عظيم من الله تعالى، الذي يعطي على الحسنة عشر أمثالها، ذلك أن شهر رمضان بعشرة أشهر، فهذه الأيام الستة، كل يوم منها بعشرة أيام، مجموعها ستون يوما، فكان صيام رمضان والأيام الستة باثني عشر شهرا، وذلك عام كامل، فسبحان من لا تنقص خزائنه.
إنها فرصة سانحة فاغتنمها، ولا تفرط في صيامها، واعزم على فعل هذه الطاعة قبل فوات وقتها، عسى أن تحظى بالقبول من خالقك ومولاك.
стр. 87
ثم اشكر الله تعالى، على نعمة التوفيق للصيام، حيث أعانك على إتمام شهر رمضان وقيامه، فإن من جملة شكر العبد لربه أن يصوم له شكرا بعد رمضان، وقد كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي، أصبح نهارها صائما، ويجعل هذا الصيام شكر الله تعالى، فلله تعالى الهمة العالية، والنفوس العظيمة، إنها تردد دائما:
إذا أنت لم تزدد على كل نعمة ... لموليكها شكرا فلست بشاكر
يقول العلامة ابن رجب ﵀: "على كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا، يحتاج إلى شكر عليها، ثم إن التوفيق للشكر نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى تحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا، فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالعجز عنه، كما قيل:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إن مقابلة نعمة التوفيق لصيام رمضان، بفعل المعاصي، وارتكاب المخالفات والمساوي، واقتراف الذنوب بعد تلك الأيام الفاضلة والليالي، انتكاس بعد توفيق ونكوص عن الحق، وغواية وضلال، وهوفعل من بدل نعمة الله كفرا، واختار طريق الضلالة والتعاسة، بعد أن سلك سبيل الهداية والسعادة، فإن كان قد بيَّت النية في صيامه لرمضان، وعزم على معاودة المعاصي بعد انقضاء شهر الصيام والقيام، فصيامه عليه مردود، قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد لم رمضان يعص الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه مردود".
إن أعمال المؤمن الصالحة ليست معلقة بانقضاء رمضان، بل إن رمضان يزيد من حيوية النفس المؤمنة، ويبعث فيها القوة والنشاط، فإذا انتهى الشهر، كان أنشط في العبادة، فيستمر على الطاعة ما دام حيا، ولذلك ورد أن الصائم بعد رمضان كالكارّ
стр. 88
بعد الفارّ، أي كالذي يفر من القتال في سبيل الله، ثم يعود إليه، وذلك لأن بعض الناس ذوي النفوس الضعيفة والهمم الدنيئة، يفرح بانقضاء شهر الصيام، إذ هو يشعر بثقل شهر رمضان عليه، ويمل من أيامه ولياليه، ويرى أنه طويل عليه، قد حال دون تنفيذ شهواته ورغباته، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود النبي الصيام سريعا، وبعضهم يجتهد في شهر رمضان، فإذا انقضى عاد إلا التسويف والمماطلة، وارتكاب المخالفات، وقد سئل أحد الصالحين: عن قوم يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فإذا انقضى تركوا العبادة، فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان.
إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. وقد نجد ذلك التسويف عند بعض الشباب، لأن الشاب يؤمل معاودة التوبة في آخر عمره، وهذا خطر؛ لأن الموت قد يفتك به وهو في رونق شبابه، وأقبح منه الشيخ المسن، فإنه إذا عاود المعصية بعد رمضان، كان ذلك أشنع وأفظع.
اللهم يا جابر المنكسرين، ويا راحم ذل المساكين، نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، اللهم وفقنا لصالح الأعمال، وثبتنا على الطاعة والعبادة، واهدنا سبيل الفلاح والاستقامة، واجعل خير أعمارنا خواتمها، وأفضل أعمالنا أواخرها، برحمتك يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، قائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم الكتاب وربنا محمود ... وله المكارم والعلا والجود
وعلى النبي محمد صلواته ... ما ناح قمري وأورق عود