Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
سليمان السيرافي
كان تاجراً إيرانياً من أهالي ميناء السيراف المطل على الخليج الفارسي فسافر إلى الصين ودوّن ذكريات رحلته هذه في كتاب ألفه باللغة العربية وقد تلقفها عنه ورواها وهذّبها أبو زيد حسن بن يزيد السيرافي ونحن لا نعرف شيئاً عن حياته أو عن تاريخ ولادته ووفاته، سوى أنه كان يعيش في النصف الأول من القرن الرابع. قضى أبو زيد فترة الطفولة والمراهقة في مسقط رأسه سيراف، ثم هاجر عام ٣٣٠ هـ إلى البصرة وأقام فيها. وهو لم يكن في الحقيقة رحالة ولا عالماً بل كان على ما يظهر من المغرمين بأمثال هذه القصص التي كان من السهل جمع روايات كثيرة منها سواء في مسقط رأسه سيراف أو في البصرة.
وكان خير مثال للتجار العرب والفرس الذين توجهوا إلى الصين، وقد محّص ما ورد عنه وتابع خطواته على ضوء الخرائط الحديثة المستشرق الفرنسي فيرن فوجدها من حيث الدقة والأمانة العلمية بمكانة سامية.
стр. 2
المقدمه
فيما يتعلق بالتجارة عن طريق البحر وقصص الأسفار للبحارة العرب والفرس مع بلاد الهند وارخبيل الملايو والصين، فإن أولئك التجار العرب قد ساروا على التقاليد القديمه لمنطقة جنوبي العراق وسواحل الخليج العربي منذ العصر الساساني.
ويقال انه عند ما استولى العرب على ميناء (الأبله) قرب البصرة في خلافة عمر بن الخطاب وجد بها المسلمون سفنا صينية، وقد كان الفرس حتى عصر السيادة العربية هم أكثر الناس جسارة على ركوب البحر، وكان من الواضح منذ عهد طويل ان المستعمرة العربية الفارسية بمينا كانتون بالصّين، كانت قد بلغت حدا من القوة أصبحت معها في سنة ٧٥٨ م تضع يدها على المدينة وتتحكم فيها ثم تنهبها وتغادر البلاد عن طريق البحر.
وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حالف الحظ بعض المستشرقين بأن عثر على شواهد قبور تثبت زيارة بعض العرب للصين في ذلك العهد القديم وذلك في مقبرة تثبت زيارة بعض العرب للصين في ذلك العهد القديم وذلك في مقبرة تثبت وجود جماعة من أهل عمان والخليج العربي. وعزز هذا الإثبات مصدر تاريخي آخر هو كتاب لأبي سفيان محبوب العبدي المتوفي في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي حيث جاء فيه أن أحد شيوخ الإباضية وهو أبو عبيدة عبد الله بن القاسم من أهل عمان، وكان
стр. 3
عالما كبيرا في عصره وتاجرا معروفا اشتغل بتجارة المر، وكان قد سافر بتجارة من الصبر والمر الى الصين، يقول المستشرق كراتشكوفسكى: ولكن تاريخ تلك الرحلة غير معروف لنا ولو انه لإعتبارات عديدة يمكن القول بأنها حدثت دون شك قبل نهب كانتون السابق الذكر عام ٧٥٨ م.
أما التاجر العماني الآخر فهو النّضر بن ميمون الذي عاش بالبصرة على ما يظهر في حدود القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ومن هناك سافر الى الصين، ولكن لا نملك تفاصيل دقيقة عن رحلته تلك.
وعلى كل حال فإنه يمكن اعتبار أولئك التجار العمانيين بما فيهم أهل الإمارات بمثابة ممهدين لتجار آخرين كبار، أمثال صاحب رحلتنا هذه التي بين يديك، وهو التاجر سليمان ورفيقه ابن وهب اللذان تلقى رحلتهما مؤرخ جغرافي هو أبو زيد السيرافي، ونقلها عنهما ومحّص روايتهما وهي هذه التي ننشرها الآن ضمن مطبوعات المجمع الثقافي. تحمل اسم المذكور.
ونعود الى ما كنا بصدده فنرى أن الرحالة العرب قد كونوا عن بلدان الشرق الأقصى وغيرها مادة مقتضبة منذ عهود مبكرة تعود الى القرن التاسع الميلادي معتمدين في ذلك على ما يتناقله الرحالة المغامرون، وهم شخصيات في الغالب عربية بحته ساهمت في بعض الأسفار التجارية، ويذكر لنا ابن رسته في كتابه «الاعلاق النفيسة» حقائق عن الهند هامة يرويها عن شخص غير معروف عند المؤرخين، هو أبو عبد الله محمد بن اسحاق، وهو غير ابن اسحاق صاحب السيرة والمغازي المعروف، وكان هذا
стр. 4
الرجل قد أمضى قرابة عامين في جزيرة قمارى (أي خمير، وهو الاسم القديم لكمبوديا) وكان ذلك على أغلب الظن في أوائل القرن التاسع.
ويرى أكثر الباحثين الأوربيين من المستشرقين في الجغرافيا أن هذا الرجل يكاد يكون هو المصدر الوحيد لكل من ابن رسته وابن خرداذبة، وهو الذي ينقل عنه ياقوت فقرات معينة في بعض مواد كتابه.
هذا فيما يتعلق بالطريق البحري من قبل الرحالة العرب من التجار، أما اذا رجعنا الى رحلاتهم البرية في العهود المبكرة فسنجدها تتمثل في روايات استقاها الجغرافيون العرب من أفواه رحالة عرب آخرين مرّوا بالطريق البري الذي يخترق آسيا الوسطى الى الصين، وذلك نجده في الوصف الذي يقدمه تميم بن بحر المطوعي. وكما يظهر من لقبه فالرجل لم يكن من فئة التجار المعروفين، وأغلب الظن انه عاش حياة الجهاد والمرابطه في الثغور الإسلامية، التي تمتد مساحتها على سائر تخوم الخلافة الإسلامية، وكان المذكور قد توجه الى خاقان الترك (التغزغز) بمهمة دبلوماسية كما يظهر، ويرى بارتولد انها تعود الى الفترة ما بين ٧٦٠ م- ٨٠٠ م وأورد ياقوت في كتابه (معجم البلدان) أهم قطعة من هذه الرحلة عرفنا بواسطتها الاستدلال على شخصية صاحب الرحلة.
وبهذا فإن تميم بن بحر المطوعي، يكون أول جغرافي عربي يذكر لنا وصف الطريق البري الى الصين، ويمكن أن نجد أثر تميم المذكور في النصوص التي أوردها عنه جغرافيون كبار ورحالة
стр. 5
معروفون، أمثال أبي دلف، وقدامه، وأيضا عند الإدريسي صاحب أشهر كتاب في الجغرافيا، وهو كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) بل وعند ابن خرداذبه، وياقوت كما أسلفنا، وتميم هو أول عربي يعطينا معلومات هامة عن التغزغز تعتمد في الأساس على معلومات شخصية مباشرة شاهدها بنفسه، فهو يصف لنا عاصمة التغزغز (قامجو) قرب (طرفان) ويذكر معلومات عن حجر المطر عند الترك الى غير ذلك.
سليمان التاجر
نرجع الى صاحب رحلتنا هذه التاجر سليمان التي تلقفها عنه ورواها وهذّبها أبو زيد السيرافي، فالمذكور هو من قدامى الرحالة الذين عرفوا برحلاتهم الغريبه ورواياتهم الطريفة عن البلدان التي زاروها، ونحن لا نعرف شيئا عن حياته، سوى ما وصل إلينا من الرواية التي ذكرها عن رحلته، وهي ترجع في الغالب الى حوالي سنة ٢٣٧ هـ، وقد سافر مرارا بغرض التجارة الى الهند والصين، وقد محّص ما ورد عنه وتابع خطواته على ضوء الخرائط الحديثة المستشرق الفرنسي فيرن فوجدها من حيث الدقة والأمانة العلمية بمكانة تذكر له، يقول: وهو خير مثال للتجار العرب والفرس الذين توجهوا الى الصين. وقد أبحر من (سيراف) الى (مسقط) على الخليج العربي، ومن هناك الى (كلم) على ساحل مليبار، ثم مر بمضيق (بالك) شمالي جزيرة (سيلان) ثم عبر خليج البنغال فوصل جزيرة (لنجبالوس) (احدى جزر نيكوبار) ثم تقدم الى (كله بره) على ساحل الملايو الغربي، ومر هناك الى جزيرة (تيومن) الواقعة الى الجنوب الغربي من (ملقا) ومنها الى راس
стр. 6
القديس يعقوب قرب (سايجون) ومن هناك الى جزيرة (هاينان) فعبر المضيق الذي يفصلها عن أرض الصين ليصل الى مينا (خانفو) أو (كانتون) الحديثة بالصين.
وكانت الرحلة البحرية من (مسقط) الى الصين تستغرق أكثر من أربعة أشهر ولم يقتصر سليمان في وصفه على ذكر المراحل وتقدير المسافات بالأيام وأحيانا بالفراسخ، بل ترك أيضا وصفا حيّا للسواحل والجزر والمواني المختلفة والمدن وسكانها والمحاصيل والمنتجات وسلع التجارة. كما ثبت أن المعلومات التي أوردها عن (كانتون) تتميز بالتفصيل والدقة.
يقول كراتشكو في الحديث عن نسبة تلك الرحلات الى سليمان التاجر: ونظر العدم وجود معلومات عن سليمان نفسه فإن بعض كبار علماء (الصينيات) مثل (يول) و (بليو) قد تشككوا في نسبة القصص إليه. كما ظهر رأي آخر يرى أن هذه القصص لعربي زار الهند. غير أن (فيرن) لفت الأنظار الى أن ابن الفقيه ينسب القصص صراحة الى سليمان، ولهذا فإن مسألة تأليفه لها لا يحوم حولها أدنى شك.
وقد أضاف الى القصص المنسوبة الى سليمان وذلك بعد عشرين عاما من رحلة المذكور، رحالة آخر هو ابن وهب الذي يرجع نسبه الى قريش، وكان من الأعيان الأثرياء وقد غادر بلده البصرة عند ما سقطت على أيدي ثوار الزنج سنة ٢٥٧ هـ، واستقر رأيه على القيام برحلة طويلة من سيراف الى الصين، وحالفه التوفيق فوصل الى عاصمة الصين، وكانت في ذلك (خمدان) ولوصفه أهمية خاصة إذ بعد ذلك عام ٢٦٤ هـ يتم القضاء على
стр. 7
المستعمرة العربية في (كانتون) نتيجة للحروب الداخلية فانقطعت بذلك الصّلات المباشرة بين العرب والصين. وأصبح آخر ميناء تصله السفن العربية (ميناكله) وكله بره بشبه جزيرة الملايو، ولم بتجدد الاتصال بالصين إلّا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي.
وقصص سليمان وابن وهب قد دونها في بداية القرن العاشر الميلادي أبو زيد الحسن السيرافي من أهل البصرة، وهو الذي اعطاها الشكل المعروف لنا الأن، والسيرافي المذكور لم يكن في الحقيقة رحالة ولا عالما بل كان على ما يظهر من المغرمين بأمثال هذه القصص التي كان من السهل جمع روايات كثيرة منها سواء في مسقط رأسه (سيراف) أو في (البصرة) ، وقد التقى به المسعودي عام ٣٠٣ هـ، وقد استفاد منه رواية ابن وهب الواردة في رحلتنا هذه.
ومخطوطة رحلة ابي زيد السيرافي التي وصلتنا في نسخة فريدة وحيدة هي الموجودة بمكتبة باريس الأهلية، وقد أضاف إليها النّساخ مقدمة لا علاقة لها البته بمحتويات الكتاب، وزاد المشكلة تعقيدا أن المخطوطة تحمل عنوانا غير مناسب على الإطلاق، ولا يتفق مع موضوع الكتاب، هو عنوان (سلسلة التواريخ) وقد صدرت طبعة رينو سنة ١٨١١ م تحمل هذا العنوان.
ولأهمية رحلة التّاجر سليمان فقد استوقف هذا الأثر أنظار كبار المستشرقين في القرن الثامن عشر فظهرت له منذ عام ١٧١٨ م ترجمة فرنسية، وكانت هذه الترجمة مدعاة الى اختلاسها وإضافة أشياء من قبل بعض المغامرين ونسبتها الى
стр. 8
أنفسهم. ويعود الفضل في دراسة هذه الرحلة وتحقيق نصوصها الى المستشرق الفرنسي رينو، ثم جاء بعده المستشرق الفرنسي أيضا فيرن وأعاد تحقيقها وترجمها بمنهجيّة تذكر له.
وقد استفدنا نحن من كلا الطبعتين، وحاولنا ان نظهرها في هذا القالب مع إضافة بعض التعليقات اللازمة التي تتوافق مع هذه الرحلة ومن حيث الصبغة التراثية وكما سيراها القارئ، وبالله التوفيق.
стр. 9
[الكتاب الاول]
هذا كتاب فيه سلسلة التواريخ والبلاد والبحور وأنواع الأسماك وفيه علم الفلك وعجايب الدنيا وقياس البلدان والمعمور منها، والوحش وعجائب غير ذلك، وهو كتاب نفيس.
стр. 10
باب في البحر الذي بين بلاد الهند والسند
стр. 11
وغوز وماغوز «١» ، وجبل قاف، وبلاد سرنديب، وفتح أبو حبيش، وهو الرجل الذي عاش من العمر مائتين وخمسين سنة وكان في بعض السنين نزل في الماغوز فرأى أبو حبيش الحكيم السواح فأتي به الى البحر وروّاه «٢» سمكة مثل الشراع «٣» ، وربما رفع رأسه [عن الماء] «٤» فتراه كالشيء العظيم، وربما نفخ الماء من فيه فيكون كالمنارة العظيمة، فاذا سكن البحر اجتمع السمك فحواه بذنبه، ثم يفتح فمه فيرى السمك في جوفه يغيض كأنه يغيض «٥» في بئر، والمراكب التي تكون في البحر تخافه فهم يضربون بالليل بنواقيس مثل نواقيس النصارى مخافة أن تتكئ على المركب فتغرقه.
وفي هذا البحر [سمكة اصطدناها] «٦» يكون طولها عشرين ذراعا فشققنا بطنها فأخرجنا منها أيضا سمكة من جنسها، ثم شققنا بطن الثانية فإذا في بطنها مثلها، وكل هذا حيّ يضطرب يشبه بعضه بعضا في الصورة.
стр. 12
ولهذا السمك الكبير الذي يدعي الوال «١» مع عظم خلقه سمكة تدعى اللشك «٢» طولها قدر ذراع فاذا طغت هذه السمكة وبغت وآذت السمك في البحر، سلّطت عليها هذه السمكة الصغيرة، فصارت في أصل أذنها «٣» ولا تفارقها حتى تقتلها.
وتلتزق «٤» بالمركب فلا تقرب المركب هذه السمكة الكبيرة فرقا من الصغيرة.
وفي هذا البحر أيضا سمكة يحكى وجهها وجه الانسان تطير فوق الماء، واسم هذا السمك الميج «٥» وسمك آخر من تحت الماء
стр. 13
يرصده حتى إذا سقط ابتلعه ويسمى هذا السمك العنقتوس «١» والسمك كله يأكل بعضه بعضا.
[بحر هركند]
والبحر الثالث بحر هركند «٢» وبينه وبين بحر دلاروى «٣» جزائر كثيرة يقال أنها ألف وتسعمائة جزيرة، وهى فرق ما بين هذين البحرين دلاروى وهركند.
وهذه الجزائر تملكها امرأة ويقع في هذه الجزائر عنبر عظيم القدر، فتقع القطعة مثل البيت «٤» ونحوه، وهذا العنبر ينبت في قعر البحر نباتا، فإذا اشتد هيجان البحر قذفه من قعره مثل الفطر والكمأة.
وهذه الجزائر التي تملكها المرأة، عامرة بنخل النارجيل «٥» وبعد
стр. 14
ما بين الجزيرة والجزيرة فرسخان «١» وثلاثة وأربعة، وكلها عامرة بالناس والنارجيل، وما لهم الودع «٢» وهذه الملكة تذخّر الودع في خزائنها، ويقال أن أهل هذه الجزيرة «٣» لا يكون أصنع منهم، حتى انهم يعملون القميص مفروغا منه نسجا بالكمين والدخريصين «٤» والجيب، ويبنون السفن والبيوت، ويعملون سائر الأعمال على هذا النسق من الصنعة، والودع يأتيهم على وجه الماء، وفيه روح فتوخذ سعفه من سعف النارجيل فتطرح على وجه الماء فيتعلق فيها الودع وهم يدعونه الكبتح «٥» .
стр. 15
وآخر هذه الجزائر سرنديب»
في بحر هركند، وهى رأس هذه الجزائر كلها، وهم يدعونها الدبيجات «٢» وبسرنديب «٣» منها مغاص اللؤلؤ بحرها كله حولها.
وفي أرضها جبل يدعى الرهون «٤» وعليه هبط آدم ﵇، وقدمه في صفا «٥» رأس هذا الجبل منغمسة في الحجر: في رأس هذا الجبل قدم واحدة.
ويقال انه ﵇ خطا خطوة أخرى في البحر، ويقال: إن هذه القدم التى على رأس الجبل نحو من سبعين ذراعا وحول هذا الجبل معدن جوهر الياقوت الأحمر والأصفر والاسمانجوني «٦» .
وفي هذه الجزيرة ملكان، وهى جزيرة عظيمة عريضة فيها العود، والذهب، والجوهر، وفي بحرها اللؤلؤ، والشنك وهو هنا
стр. 16
(البوق) الذي ينفخ فيه ممّا يدخرونه.
وفي هذا البحر اذا ركب الى سرنديب جزائر ليست بالكثيرة، غير انها واسعة لا تضبط، منها: جزيرة يقال لها الرامني «١» فيها عدة ملوك، وسعتها يقال ثمانمائة أو تسعمائة فرسخا، وفيها معادن الذهب، وفيها معادن تدعى فنصور «٢» يكون الكافور الجيّد منها.
ولهذه الجزائر جزائر تليها منها:
جزيرة يقال لها النيان «٣» لهم ذهب كثير واكلهم النارجيل، وبه يتأدمون ويدهنون، واذا أراد أحد منهم أن يتزوج لم يزوج إلّا بقحف رأس رجل من أعدائهم، فإذا قتل اثنين زوج اثنتين، وكذلك ان قتل خمسين زوج خمسين امراة بخمسين قحفا، وسبب ذلك أن أعدائهم كثير، فمن أقدم على القتل أكثر كان رغبتهم فيه أوفر.
وفي هذه الجزائر أعنى الرامنى فيلة كثيرة، وفيها البقم «٤»
стр. 17
والخيزران «١» .
وفيها: قوم يأكلون الناس، وهى تشرع على بحرين هركند وشلاهط «٢» .
وبعد هذا جزائر تدعى لنجبالوس «٣» ، وفيها خلق كثير عراة الرجال منهم والنساء، غير أن على عورة المرأة ورقا من ورق الشجر، فاذا مرّت بهم المراكب جاءوا إليها بالقوارب الصّغار والكبار وبايعوا أهلها العنبر والنارجيل بالحديد وما يحتاجون إليه من كسوة لأنه لا حرّ عندهم ولا برد.
ومن وراء هؤلاء جزيرتان بينهما بحر يقال لهما «٤» اندامان «٥» وأهلهما يأكلون الناس أحياء، وهم سود مفلفلوا الشعور مناكير الوجوه والأعين، طوال الأرجل، فرج «٦» أحدهم مثل الذراع [يعني
стр. 18
ذكره] عراة ليست لهم قوارب، ولو كانت لهم لأكلوا كل من مرّ بهم، وربما أبطأت المراكب في البحر وتأخر بهم المسير بسبب الريح فينفذ ما في المراكب من الماء فيقربون إلى هؤلاء فيستقون الماء، وربما أصابوا منهم ويفلتون أكثر.
وبعد هذه الجزيرة جبال ليست على الطريق، يقال: ان فيها معادن فضة وليست بمسكونة، وليس كل مركب يريدها يصيبها، وإنما دلّ عليها جبل منها يقال له الخشناميّ «١» ، مرّ به مركب فرأوا الجبل فقصدوا له فلما اصبحوا انحدروا إليه في قارب ليحتطبوا وأوقدوا نارا فانسبكت الفضة فعلموا انه معدن فاحتملوا ما أرادوا منه، فلما ركبوا اشتدّ عليهم البحر فرموا بجميع ما أخذوا منه، ثم تجهّز الناس بعد ذلك الى هذا الجبل فلم يعرفوه.
ومثل هذا في البحر كثير لا يحصى من جزائر ممنوعة لا يعرفها البحريون، فمنها ما لا يقدرون عليه.
وربما رؤي في هذا البحر سحاب أبيض يظل المراكب فيشرع منه لسان طويل رقيق حتى يلصق ذلك اللسان بماء البحر، فيغلى له ماء البحر مثل الزوبعة فإذا أدركت الزوبعة المركب ابتلعته، ثم يرتفع ذلك السحاب فيمطر مطرا فيه قذى البحر، فلا أدري أيستقى السحاب من البحر أم كيف هذا.
وكلّ بحر من هذه البحار تهيج فيه ريح تثيره وتهيجه حتى يغلى كغليان القدور، فيقذف ما فيه الى الجزائر التي فيه ويكسر
стр. 19
المراكب، ويقذف السمك الميّت الكبار العظام، وربما قذف الصّخور والجبال كما يقذف القوس السهم.
وأما بحر هركند فله ريح غير هذه ما بين المغرب الى بنات نعش فيغلي لها البحر كغليان القدور ويقذف العنبر الكثير، وكلما كان البحر أغزر وأبعد قعرا كان العنبر أجود، وهذا البحر- أعني هركند- اذا عظمت أمواجه تراه مثل النّار يتّقد.
وفي هذا البحر سمك يدعى اللخم «١» وهو سبع يبتلع الناس «٢» في [أيديهم كل هذه] «٣» فيقل المتاع، ومن أسباب قلة المتاع حريق ربّما وقع ب (خانفوا) «٤» وهو مرفأ السفن، ومجتمع تجارات
стр. 20
العرب، وأهل الصين، فيأتي الحريق على المتاع، وذلك أنّ بيوتهم هناك من خشب ومن قنا «١» مشقق، ومن أسباب ذلك أن تنكسر المراكب الصّادرة والواردة أو ينهبوا أو يضطرّوا إلى المقام الطويل فيبيعوا المتاع في غير بلاد العرب، وربما رمت بهم الرّيح إلى اليمن أو غيرها فيبيعون المتاع هناك، وربما أطالوا الإقامة لاصلاح مراكبهم وغير ذلك من العلل.
وذكر سليمان التاجر أن في (خانفو) وهو مجتمع التجار رجلا مسلما يولّيه صاحب الصّين الحكم بين المسلمين الذين يقصدون الى تلك الناحية، يتوخى ملك الصين ذلك، واذا كان في العيد صلّى بالمسلمين وخطب ودعا لسلطان المسلمين، وان التجار العراقيين لا ينكرون من ولايته شيئا في أحكامه وعلمه بالحق وبما في كتاب الله وأحكام الاسلام.
فأما المواضع التي يردونها ويرقون اليها فذكروا أن أكثر السّفن الصينية تحمل من سيراف «٢» وأن المتاع يحمل من البصرة وعمان وغيرها الى سيراف فيعبّا في السفن الصينيّة بسيراف وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر، وقلة الماء في مواضع منه.
والمسافة بين البصرة وسيراف في الماء مائة وعشرون فرسخا فاذا عبّى المتاع بسيراف استعذبوا منها الماء، وخطفوا- وهذه لفظة
стр. 21
يستعملها أهل البحر يعني يقلعون- الى موضع يقال له مسقط «١» وهو آخر عمل عمان، والمسافة من سيراف إليه نحو مائتي فرسخ.
وفي شرقي هذا البحر فيما بين سيراف ومسقط من البلاد سيف بني الصفاق «٢» وجزيرة ابن كاوان «٣» ، وفي غربي هذا البحر جبال عمان وفيها الموضع الذي يسمى الدردور «٤» وهو مضيق بين جبلين «٥» تسلكه السفن الصغار ولا تسلكه السفن الصينية، وفيها الجبلان اللذان يقال لهما كسير وعوير «٦» وليس يظهر منهما فوق الماء الا اليسير، فاذا جاوزنا «٧» الجبال صرنا إلى موضع يقال له
стр. 22
صحار «١» عمان فيستعذب الماء من مسقط من بئر بها، وهناك [جبل] «٢» فيه غنم من بلاد عمان، فتخطف المراكب منها إلى بلاد الهند وتقصد الى كولم ملى «٣» ، والمسافة من مسقط الى كولم ملي شهر على اعتدال الريح، وفي كولم ملي مسلحة «٤» لبلاد كولم ملي تجيء السفن الصينية، وبها ماء عذب من آبار فيؤخذ من [السفن] الصينية ألف درهم، ومن غيرها من السفن ما بين عشرة دنانير الى [عشرين] «٥» دينارا.
وبين مسقط وبين كولم ملي وبين هركند نحو من شهر، وبكولم ملي يستعذبون الماء، ثم تخطف المراكب- اي تقلع- الى بحر هركند، فاذا جاوزوه صاروا الى موضع يقال له لنجبالوس «٦» لا يفهمون لغة العرب ولا ما يعرفه التجار من اللغات، وهم قوم لا
стр. 23
يلبسون الثياب، بيضا كواسج «١» ، وذكروا أنهم لم يروا منهم النساء «٢» ، وذلك أن رجالهم يخرجون اليهم من الجزيرة في زواريق منقورة من خشبة واحدة، ومعهم النارجيل، وقصب السكر والموز، وشراب النارجيل: وهو شراب أبيض، فاذا شرب ساعة يؤخذ من النارجيل، فهو حلو مثل العسل، فاذا ترك ساعة صار شرابا «٣» وإن بقى أياما صار خلا، فيبيعون ذلك بالحديد، وربما وقع اليهم العنبر اليسير فيبيعونه بقطع الحديد، وانما يتبايعون بالإشارة يدا بيد إذ كانوا لا يفهمون اللغة، وهم حذّاق بالسّباحة فربما استلبوا من التجار الحديد ولا يعطونهم شيئا.
ثم تخطف المراكب إلى موضع يقال له كلاة بار «٤» المملكة والساحل كل يقال له كلاه بار وهى مملكة الزّابج «٥» متيامنه عن
стр. 24
بلاد الهند يجمعهم ملك، ولباسهم الفوط «١» يلبس السرىّ «٢» والدني منهم الفوطة الواحدة، ويستعذبون هناك الماء من آبار عذبة، وهم يؤثرون ماء الآبار على مياه العيون والمطر.
ومسافة ما بين كولم وهي قريبة من هركند الى كله بار شهر، ثم تسير المراكب الى موضع يقال له بتومة «٣» وبها ماء عذب لمن أراده، والمسافة إليها عشرة أيام.
ثم تخطف المراكب الى موضع يقال له كدرنج «٤» عشرة أيام، وفيها ماء عذب، لمن أراده، وكذلك جزائر الهند اذا احتفرت فيها الآبار وجد فيها الماء العذب، وبها جبل مشرف وربما كان فيه الهراب «٥» من العبيد واللصوص.
стр. 25
ثم تسير «١» المراكب إلى موضع يقال له صنف «٢» مسيرة عشرة أيام، وبها ماء عذب، ومنه يؤتي بالعود الصنفي، وبها ملك، وهم قوم سمر يلبس كل واحد منهم فوطتين، فإذا استعذبوا منها خطفوا الى موضع يقال له صندر فولات «٣» وهي جزيرة في البحر، والمسافة اليها عشرة أيام، وفيها ماء عذب، ثم تخطف المراكب الى بحر يقال له صنجى «٤» ثم إلى أبواب «٥» الصين، وهى جبال في البحر بين كل جبلين فرجة تمرّ فيها المراكب [ثم إلى الصين] .
فإذا سلّم الله من صندر فولات «٦» خطف المراكب الى الصين في شهر إلّا ان الجبال التي تمرّ بها المراكب مسيرة سبعة أيام.
стр. 26
فإذا جاوزت السفينة الأبواب ودخلت الخور «١» صارت إلى ماء عذب إلى الموضع التي ترسى إليه من بلاد الصين، وهو يسمى خانفو: مدينة، وسائر الصين فيها الماء العذب من أنهار عذبة وأودية ومسالح واسواق في كل ناحية.
وفيها مد وجزر مرتين في اليوم والليلة، الّا انّ المدّ يكون فيما يلي البصرة إلى جزيرة بنى كاوان «٢» اذا توسط القمر السماء [واذا قابل وسط السماء] «٣» ، ويكون الجزر عند طلوع القمر وعند مغيبه، والمدّ يكون بناحية الصين إلى قريب من جزيرة بني كاوان «٤» اذا طلع القمر، فاذا توسّط السماء جزر الماء، فاذا غاب كان المدّ، فاذا كان في مقابلة وسط السماء جزر.
[جزيرة ملجان]
وذكروا: أن في جزيرة يقال له ملجان «٥» فيما بين سرنديب وكله وذلك من بلاد الهند في شرقي البحر قوم من السودان عراة
стр. 27
اذا وجدوا الانسان من غير بلادهم علقوه منكسا وقطّعوه وأكلوه نيّا، وعدد هؤلاء كثير، وهم في جزيرة واحدة، وليس لهم ملك، وغذاؤهم السمك والموز والنارجيل «١» وقصب السكر، ولهم [مواضع يأوون إليها] «٢» شبيه بالغياض والآجام.
[جراد الماء]
وذكروا ان في ناحية البحر سمكا صغيرا طيارا يطير على وجه الماء يسمى جراد الماء
وذكروا ان بناحية البحر سمكا يخرج حتى يصعد على النارجيل فيشرب ما في النارجيل من الماء ثم يعود إلى البحر «٣» .
[حيوان الكحل]
وذكروا: أن في البحر حيوانا يشبه السرطان فاذا خرج من البحر صار حجرا، قال: يتخذ منه كحل لبعض علل العين.
[جبل النار]
وذكروا ان بقرب الزايج «٤» جبلا يسمى جبل النار لا يقدر على الدنوّ منه، يظهر منه بالنهار دخان، وبالليل لهب نار، ويخرج من أسفله عين باردة عذبة، وعين حارة عذبة «٥» .
ولباس «٦» أهل الصين الصغار والكبار الحرير، وفي الشتاء
стр. 28
والصيف، فأما الملوك فالجيّد من الحرير، ومن دونهم فعلى قدرهم، واذا كان الشتاء لبس «١» الرجل السراويلين «٢» ، والثلاثة، والأربعة، والخمسة، وأكثر من ذلك على قدر ما يمكنهم، وانما قصدهم أن يدفوا أسافلهم لكثرة الندى وخوفهم منه، فأمّا الصيف فيلبسون القميص الواحد من الحرير ونحو ذلك ولا يلبسون العمائم وطعامهم الأرز، وربما طبخوا معه الكوشان «٣» فصبّوه على الأرز فأكلوه، فأما الملوك منهم فيأكلون خبز الحنطة، واللحم من سائر الحيوان ومن الخنازير وغيرها.
ولهم من الفاكهة التفاح، والخوخ، والأترج، والرمان، والسفرجل، والكمثرى، والموز، وقصب السكر، والبطيخ، والتين، والعنب، والقثاء، والخيار، والنبق، والجوز، واللوز، والجلوز «٤» ، والفستق، والاجاص، والمشمش، والغبيراء «٥» ، والنارجيل، وليس لهم فيها كثير نخل إلّا النخلة في دار أحدهم.
وشرابهم النبيذ المعمول من الأرز، وليس في بلادهم خمر، ولا تحمل اليهم ولا يعرفونها ولا يشربونها ويعمل من الأرز الخلّ
стр. 29
والنبيذ والناطف «١» وما أشبه ذلك، وليس لهم نظافة ولا يستنجون بالماء اذا أحدثوا بل يمسحون ذلك بالقراطيس الصينية ويأكلون الميتة وما أشبهها مما يصنعه المجوس فان دينهم يشبه دين المجوس، ونساءهم يكشفن رؤوسهن ويجعلن فيها الأمشاط فربما كان في رأس المرأة «٢» عشرون مشطا من العاج وغير ذلك، والرجال يغطون رؤوسهم بشيء يشبه القلانس، وسنتهم في اللصوص أن يقتل اللصّ اذا أصيب «٣» .
أخبار بلاد الهند والصّين أيضا وملوكها
أهل الهند والصّين مجمعون على أن ملوك الدنيا المعدودين أربعة.
فأول من يعدون من الأربعة: ملك العرب، وهو عندهم اجماع لا اختلاف بينهم فيه انه ملك أعظم الملوك وأكثرهم مالا وأبهاهم جمالا وانه ملك الدين الكبير الذي ليس فوقه شيء.
ثم يعدّ ملك الصين نفسه بعد [الملك بلهرا] ملك العرب.
ثم ملك الروم ثم بلهرا «٤» ملك المخرّمى الآذان
стр. 30
فأما بلهرا هذا فانه أشرف الهند، وهم له مقرّون بالشرف
وكل ملك من ملوك الهند متفرد بملكه غير أنهم مقرون لهذا، فاذا وردت رسله على سائر الملوك صلّوا لرسله تعظيما له، وهو ملك يعطي العطاء كما تفعل العرب، وله الخيل والفيلة الكثيرة والمال الكثير، وماله دراهم تدعى الطاطريّة «١» ، وزن كل درهم درهم ونصف بسكة الملك، وتاريخة في سنة من مملكة «٢» من كان قبله، ليس كسنة العرب من عصر النبي ﵇ بل تاريخهم بالملوك، وملوكهم يعمّرون ربما ملك احدهم خمسين سنة، ويزعم أهل مملكة بلهرا: انما يطول مدة ملكهم وأعمارهم في الملك لمحبّتهم للعرب، وليس في الملوك أشد حبّا للعرب منه، وكذلك أهل مملكته.
وبلهرا اسم لكل ملك منهم ككسرى ونحوه، وليس باسم لازم وملك بلهرا وأرضه أولها ساحل البحر وهي بلاد تدعى الكمكم «٣» متصلة على الأرض الى الصين وحوله ملوك كثيرة يقاتلونه، غير انه يظهر عليهم.
[ملك الجرز]
فمنهم ملك يدعى ملك الجرز «٤» وهو كثير الجيش ليس لأحد من الهند مثل خيله، وهو عدّو العرب غير انه مقرّ أن ملك العرب أعظم
стр. 31
الملوك وليس أحد من الهند أعدى للإسلام منه، وهو على لسان من الأرض وأموالهم كثيرة وإبلهم ومواشيهم كثيرة، ويتبايعون بالفضة التبر، ويقال ان لهم معادن وليس في بلاد الهند آمن من السرقة «١» منها.
[ملك الطافق]
والى جانبه ملك الطافق وهو قليل المملكة ونساؤهم بيض أجمل نساء الهند، وهو ملك موادع لمن حوله لقلّة جيشه، وهو يحب العرب كحب بلهرا.
[الملك رهمي]
ويلي هؤلاء ملك يقال له درهرم «٢» يقاتله ملك الجرز، وليس له شرف في الملك وهو أيضا يقاتل بلهرا كما يقاتل ملك الجرز، ورهمى هذا أكثر جيشا من ملك بلهرا ومن ملك الجرز ومن الطاقي «٣» ، ويقال: انه اذا خرج الى القتال يخرج في نحو من خمسين ألف فيل «٤» ، ولا يخرج الّا في الشتاء لأن الفيلة لا تصبر على العطش، فليس يسعه الّا الخروج في الشتاء، ويقال: ان قصارى عسكره نحو من عشرة ألف إلى خمس عشر الفا.
وفي بلاده الثياب التي ليس لأحد مثلها، يدخل الثوب منها في حلقه خاتم دقة وحسنا، وهو من قطن، وقد رأينا بعضها، والذي ينفق في بلاده الودع وهو عين البلاد يعني مالها.
стр. 32
وفي بلاده الذهب والفضة والعود والثياب الصمر «١» الذي يتخذ منه المذاب «٢»
[حيوان الكركدن]
وفى بلاده البشان المعلم وهو الكركدن له في مقدم جبهته قرن واحد، وفى قرنه علامة «٣» ، صورة خلقه كصورة الانسان في حكايته، القرن كلّه اسود والصورة بيضاء في وسطه، وهذا الكركدن دون الفيل في الخلقه الى السّواد ما هو، ويشبه الجاموس، قوى ليس كقوّته شى من الحيوان، وليس له مفصل في ركبته ولا في يده، وهو من لدن رجله الى ابطه قطعة واحدة، والفيل يهرب منه، وهو يجتر كما تجتر البقر والابل، ولحمه حلال قد أكلناه، وهو في هذه المملكة كثير في غياضهم وهو في سائر بلاد الهند، غير أن قرون هذا أجود، فربما كان في القرن صورة رجل [وصورة طاؤوس] وصورة سمكة وسائر الصور، وأهل الصين يتخذون منها المناطق وتبلغ المنطقة «٤» ببلاد الصين ألفى دينار وثلاثة ألف وأكثر على قدر حسن الصورة، وهذا كله يشترى من بلاد دهرم بالودع وهو عين البلاد.
стр. 33
[ملك الكاشبين]
وبعده ملك داخل ليس له بحر يقال له ملك الكاشبين «١» وهم قوم بيض مخرّموا الآذان، ولهم جمال، وهم أصحاب بدو وجبال.
[ملك القيرنج]
وبعده بحر عليه ملك يقال له القيرنج «٢» وهو ملك فقير فخور، يقع اليه العنبر الكثير، وله أنياب فيلة وعنده فلفل يوكل رطبا لقلّته.
[ملوك آخرون]
وبعد هذا ملوك كثيرة لا يعلم عددهم إلّا الله ﵎، منهم الموجه «٣» وهم قوم بيض يشبهون الصين في اللباس، ولهم مسك كثير، وفي بلادهم جبال بيض ليس شيء أطول منها، وهم يقاتلون ملوكا كثيرة حولهم، والمسك الذي يكون في بلادهم جيد بالغ.
[ملوك المابد]
ومن ورائهم ملوك المابد مدائنهم كثيرة، وهم إلى حيث الموجه وأكثر من الموجة غير ان المابد «٤» أشبه بالصّين منهم، ولهم خدم خصيان مثل الصين عمّال عليهم، وبلادهم تتّصل ببلاد الصين وهم مصالحون لصاحب الصين، غير أنّهم لا يسمعون له.
وللمابد في كل سنة رسل الى ملك الصين وهدايا، وكذلك ملك
стр. 34
الصين يهدي إليه وبلادهم واسعة وإذا دخلت رسل المابد بلاد الصين حفظوا مخافة أن يغلبوا على بلادهم لكثرتهم، وليس بينهم وبين بلاد الصين إلّا جبال وعقاب.
ويقال أن لملك الصين من أمهات المدائن أكثر من مائتي مدينة، ولكل مدينة ملك وخصى «١» وتحت كل مدينة مدائن
فمن مدائنهم خانفو وهى مرسى السفن تحتها عشرون مدينة، وانّما تسمى مدينة اذا كان لها الجادم .
[الجادم]
والجادم «٢» مثل البوق ينفخ فيه وهو طويل وغلظة ما يجمع الكفين جميعا، وهو مطلي بدواء الصينيات «٣» وطوله ثلاث أو أربع أذرع، ورأسه دقيق بقدر ما يلتقمه الرجل، ويذهب صوته نحوا من ميل، ولكل مدينة أربعة، فعلى كل باب منها من الجادم خمسة تنفخ في أوقات من الليل والنهار، وعلى كل [باب] «٤» مدينة عشرة طبول تضرب معه، وانما يفعل ذلك لتعلم طاعتهم للملك، وبه يعرفون أوقات الليل والنهار، ولهم علامات ووزن للساعات.
[معاملات أهل الصين]
ومعاملاتهم بالفلوس، وخزائنهم كخزائن الملوك، وليس لأحد من الملوك فلوس سواهم، وهى عين البلاد، ولهم الذهب والفضة
стр. 35
واللؤلؤ والديباج والحرير، كل ذلك كثير عندهم، غير أن ذلك متاع، والفلوس عين، وتحمل اليهم العاج واللبان وسبائك النحاس، والذبل «١» من البحر وهي جلود ظهور السلاحف، وهذا البشان الذي وصفنا «٢» ، هو الكركدن يتخذون من قرونه مناطق، ودوابهم كثيرة، وليس لهم خيل عربية بل غيرها، ولهم حمير وإبل كثيرة لها سنامان، ولهم الغضار الجيد، ويعمل منه أقداح في رقة القوارير يرى ضوء الماء فيه، وهو من غضار «٣» .
[معاملة أهل الصين للتجار]
وإذا دخل البحريون من البحر قبض الصّينيون متاعهم، وصيّروه في البيوت وضمنوا الدرك إلى ستة أشهر إلى أن يدخل آخر البحريين، ثم يؤخذ من كل عشرة ثلاثة ويسلم الباقي إلى التجار، وما احتاج إليه السلطان أخذه بأغلى الثمن وعجّله، ولم يظلم فيه، ومما يأخذون الكافور المنا «٤» ، بخمسين فكوّجا والفكوج ألف فلس، وهذا الكافور إذا لم يأخذه السلطان يساوي نصف الثمن خارجا.
[عادة أهل الصين في الموت]
وإذا مات الرجل من أهل الصين لم يدفن إلّا في اليوم الذي مات
стр. 36
في مثله من قابل، يجعلونه في تابوت، ويخلّونه في منازلهم ويجعلون عليه النّورة «١» ، فتمصّ ماءه ويبقى، والملوك يجعلون في الصبر والكافور، ويبكون على موتاهم ثلاث سنين، ومن لم يبك ضرب بالخشب، كذلك النساء والرّجال، ويقولون: انه لم يحزنك ميّتك، ويدفنون في ضريح كضريح العرب، ولا يقطعون عنه الطّعام، ويزعمون انه يأكل ويشرب، وذلك انّهم يضعون عنده الطعام بالليل فيصبحون ولا يجدون منه شيئا، فيقولون قد أكل، ولا يزالون في البكاء والاطعام ما بقى الميت في منزلهم، فيفتقرون على موتاهم، فلا يبقى لهم نقد ولا ضيعة إلا أنفقوه عليه، وقد كانوا قبل هذا يدفنون الملك وما ملك من آلة بيته من ثياب ومناطق، ومناطقهم تبلغ مالا كثيرا، وقد تركوا ذلك الآن، وذلك انه نبش بعض موتاهم وأخذ ما كان معه.
[عناية أهل الصين بتعلم الخط والكتابة]
والفقير والغني من أهل الصين والصغير والكبير يتعلّم الخط والكتابة.
[أسماء ملوكهم وعادتهم في الملك]
واسم ملوكهم على قدر الجاه وكبر المدائن، فما كان من مدينة صغيرة يسمّى ملكها طوسنج «٢» ، ومعنى طوسنج أقام المدينة، وما
стр. 37
كان من مدينة مثل خانفو قاسم ملكها ديفو، والخصىّ يدعى الطوقام وخصيانهم منهم مسلولون، وقاضي القضاة يقال له لقشى مامكون «١» ونحو هذا من الأسماء مما لا نضبطه.
وليس يملك أحد منهم لأقلّ من أربعين سنة، يقولون: قد حنّكته التجارب.
والملوك الصغار إذا قعد أحدهم يقعد في مدينته على كرسيّ في بهو عظيم، وبين يديه كرسيّ وترفع إليه الكتب التي فيها أحكام الناس، ومن وراء الملك رجل قائم يدعى لينجون «٢» اذا زلّ الملك في شى ممّا يأمر به وأخطأ ردّه، وليس يعبئون بالكلام ممّن يرفع اليهم دون أن يكتبه في كتاب، وقبل أن يدخل صاحب القصّة على الملك ينظر في كتابه رجل قائم بباب الدار ينظر في كتب الناس، فإن كان فيها خطأ ردّه، فليس يكتب إلى الملك الّا كاتب يعرف الحكم ويكتب الكاتب في الكتاب: كتبه فلان بن فلان، فان كان فيه خطأ رجع إلى الكاتب اللّوم فيضرب بالخشب، وليس يقعد الملك للحكم حتى يأكل ويشرب لئلا يغلط، وأرزاق كل ملك من بيت مال مدينته.
فأمّا الملك الأكبر فلا يرى إلّا في كل عشرة أشهر، يقول إذا رآني النّاس استخفوا بيّ، والرّئاسات لا تقوم الّا بالتجبّر، وذلك أن العامة لا تعرف العدل فينبغي أن يستعمل معهم التجبّر لنعظم عندها.
стр. 38
وليس على أرضهم خراج ولكن عليهم جزية على الجماجم الذكور حسبما يرون من الأحوال، وان كان بها أحد من العرب أو غيرهم أخذ منه جزية ماله ليحرز ماله.
وإذا غلا السعر «١» أخرج السلطان من خزائنه الطعام فباعه بأرخص من سعر السوق، فلا يبقى عندهم غلا، والذي يدخل بيت المال إنما هو من الجزية التي على رؤوسهم، وأظن أن الذي يدخل بيت مال خانفو في كل يوم خمسون ألف دينار على أنّها ليست بأعظم مدائنهم.
ويختصّ الملك من المعادن بالملح، وحشيش، يشربونه بالماء الحارّ، ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم، ويقال له الساخ «٢» وهو أكثر ورقا من الرطبة «٣» وأطيب قليلا وفيه مرارة فيغلى الماء ويذرّ عليه، فهو ينفعهم من كل شيء.
وجميع ما يدخل بيت المال الجزية والملح وهذا الحشيش.
وفي كل مدينة شى يدعى الدّرا وهو جرس على رأس ملك تلك المدينة مربوط بخيط ماد على ظهر الطريق للعامة كافة، وبين الملك وبينه نحو من فرسخ، فاذا حرّك الخيط الممدود أدنى حركة تحرّك
стр. 39
الجرس، فمن كانت له ظلامة حرّك هذا الخيط فيتحرك الجرس منه على رأس الملك فيؤذن له بالدخول حتى ينهي حاله بنفسه ويشرح ظلامته، وجميع البلاد فيها مثل ذلك.
ومن أراد سفرا من بعضها الى بعض أخذ كتابين من الملك ومن الخصّى «١» ، أما كتاب الملك فللطريق باسم الرجل واسم من معه وكم عمره وعمر من معه، ومن أي قبيلة هو، وجميع من ببلاد الصين من أهلها ومن العرب وغيرهم لابد لهم أن ينتموا الى شيء يعرفون به، وأما كتاب الخصّى فبالمال وما معه من المتاع، وذلك لأنّ في طريقهم مسالح «٢» ينظرون في الكتابين، فإذا ورد عليهم الوارد كتبوا: ورد علينا فلان بن فلان الفلاني في يوم كذا، وشهر كذا وسنة كذا ومعه كذا، لئلا يذهب من مال الرجل ولا من متاعه شئ ضياعا، فمتى ما ذهب منه شئ أو مات، علم كيف ذهب، وردّ عليه أو على ورثته من بعده.
[إنصاف أهل الصين في المعاملات]
وأهل الصين ينصفون في المعاملات والديوان، فإذا كان لرجل على رجل دين كتب عليه كتابا، وكتب الذي عليه الدّين أيضا كتابا، وعلّمه بعلامة بين أصبعيه الوسطى والسبابة، ثم جمع الكتابان فطويا جميعا، ثم كتب على فصلهما، ثم فرق فأعطى الذي عليه الدين كتابه باقراره، فمتى جحد احدهما غريمه، قيل له: أحضر كتابك، فإن زعم الذي عليه الدّين انه لا شيء له ودفع كتابه بخطه
стр. 40
وعلامته وذهب كتاب صاحب الحق، قيل للجاحد الذي عليه الحق:
أحضر كتابا بأنّ هذا الحق ليس عليك، فمتى ما بيّن عليك صاحب الحق الذي جحدته فعليك عشرون خشبة على الظهر، وعشرون ألف فكّوج فلوسا، والفكوج ألف فلس يكون ذلك قريبا من ألفى دينار، والعشرون الخشبه فيها موته، فليس يكاد أحد ببلاد الصين يعطى هذا من نفسه مخافة تلف النفس والمال، ولم نر أحدا أجاب إلى ذلك.
وهم يتناصفون بينهم وليس يذهب لأحد حق ولا يتعاملون بشاهد ولا يمين.
وإذا أفلس رجل بمال قوم فحبسه الغرماء بأموالهم عند السلطان، أخذ إقراره، فإن لبث في السجن شهرا أخرجه السلطان فنادى عليه: انّ هذا فلان بن فلان أفلس بمال فلان بن فلان فإن يكن له عند أحد وديعة أو كان له عقار أو رقيق أو ما يحيط بدينه أخرج في كل شهر فضرب خشبات على استه، لأنه أقام في الحبس يأكل ويشرب وله مال، فهو يضرب أقرّ له أحد بمال أو لم يقرّ له فهو يضرب على كل حال، يقال: ليس لك عمل الّا اخذ حقوق الناس والذهاب بها، ويقال له: احتل حقوق هؤلاء القوم فإن لم يكن له حيلة وصحّ عند السلطان أنه لا شيء له دعى الغرماء فأعطوا من بيت مال البغبون «١» وهو الملك الأعظم وانما سمى البغبون ومعناه ابن السماء، ونحن نسميه المغبون، ثم ينادى: من بايع هذا فعليه القتل، فليس يكاد يذهب لأحد مال، وأن علم أنّ له
следующие страницы →