← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11269

رحلة السيرافى

أبو زيد السيرافي

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في مثله من قابل، يجعلونه في تابوت، ويخلّونه في منازلهم ويجعلون عليه النّورة «١» ، فتمصّ ماءه ويبقى، والملوك يجعلون في الصبر والكافور، ويبكون على موتاهم ثلاث سنين، ومن لم يبك ضرب بالخشب، كذلك النساء والرّجال، ويقولون: انه لم يحزنك ميّتك، ويدفنون في ضريح كضريح العرب، ولا يقطعون عنه الطّعام، ويزعمون انه يأكل ويشرب، وذلك انّهم يضعون عنده الطعام بالليل فيصبحون ولا يجدون منه شيئا، فيقولون قد أكل، ولا يزالون في البكاء والاطعام ما بقى الميت في منزلهم، فيفتقرون على موتاهم، فلا يبقى لهم نقد ولا ضيعة إلا أنفقوه عليه، وقد كانوا قبل هذا يدفنون الملك وما ملك من آلة بيته من ثياب ومناطق، ومناطقهم تبلغ مالا كثيرا، وقد تركوا ذلك الآن، وذلك انه نبش بعض موتاهم وأخذ ما كان معه. [عناية أهل الصين بتعلم الخط والكتابة] والفقير والغني من أهل الصين والصغير والكبير يتعلّم الخط والكتابة. [أسماء ملوكهم وعادتهم في الملك] واسم ملوكهم على قدر الجاه وكبر المدائن، فما كان من مدينة صغيرة يسمّى ملكها طوسنج «٢» ، ومعنى طوسنج أقام المدينة، وما

стр. 37

كان من مدينة مثل خانفو قاسم ملكها ديفو، والخصىّ يدعى الطوقام وخصيانهم منهم مسلولون، وقاضي القضاة يقال له لقشى مامكون «١» ونحو هذا من الأسماء مما لا نضبطه. وليس يملك أحد منهم لأقلّ من أربعين سنة، يقولون: قد حنّكته التجارب. والملوك الصغار إذا قعد أحدهم يقعد في مدينته على كرسيّ في بهو عظيم، وبين يديه كرسيّ وترفع إليه الكتب التي فيها أحكام الناس، ومن وراء الملك رجل قائم يدعى لينجون «٢» اذا زلّ الملك في شى ممّا يأمر به وأخطأ ردّه، وليس يعبئون بالكلام ممّن يرفع اليهم دون أن يكتبه في كتاب، وقبل أن يدخل صاحب القصّة على الملك ينظر في كتابه رجل قائم بباب الدار ينظر في كتب الناس، فإن كان فيها خطأ ردّه، فليس يكتب إلى الملك الّا كاتب يعرف الحكم ويكتب الكاتب في الكتاب: كتبه فلان بن فلان، فان كان فيه خطأ رجع إلى الكاتب اللّوم فيضرب بالخشب، وليس يقعد الملك للحكم حتى يأكل ويشرب لئلا يغلط، وأرزاق كل ملك من بيت مال مدينته. فأمّا الملك الأكبر فلا يرى إلّا في كل عشرة أشهر، يقول إذا رآني النّاس استخفوا بيّ، والرّئاسات لا تقوم الّا بالتجبّر، وذلك أن العامة لا تعرف العدل فينبغي أن يستعمل معهم التجبّر لنعظم عندها.

стр. 38

وليس على أرضهم خراج ولكن عليهم جزية على الجماجم الذكور حسبما يرون من الأحوال، وان كان بها أحد من العرب أو غيرهم أخذ منه جزية ماله ليحرز ماله. وإذا غلا السعر «١» أخرج السلطان من خزائنه الطعام فباعه بأرخص من سعر السوق، فلا يبقى عندهم غلا، والذي يدخل بيت المال إنما هو من الجزية التي على رؤوسهم، وأظن أن الذي يدخل بيت مال خانفو في كل يوم خمسون ألف دينار على أنّها ليست بأعظم مدائنهم. ويختصّ الملك من المعادن بالملح، وحشيش، يشربونه بالماء الحارّ، ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم، ويقال له الساخ «٢» وهو أكثر ورقا من الرطبة «٣» وأطيب قليلا وفيه مرارة فيغلى الماء ويذرّ عليه، فهو ينفعهم من كل شيء. وجميع ما يدخل بيت المال الجزية والملح وهذا الحشيش. وفي كل مدينة شى يدعى الدّرا وهو جرس على رأس ملك تلك المدينة مربوط بخيط ماد على ظهر الطريق للعامة كافة، وبين الملك وبينه نحو من فرسخ، فاذا حرّك الخيط الممدود أدنى حركة تحرّك

стр. 39

الجرس، فمن كانت له ظلامة حرّك هذا الخيط فيتحرك الجرس منه على رأس الملك فيؤذن له بالدخول حتى ينهي حاله بنفسه ويشرح ظلامته، وجميع البلاد فيها مثل ذلك. ومن أراد سفرا من بعضها الى بعض أخذ كتابين من الملك ومن الخصّى «١» ، أما كتاب الملك فللطريق باسم الرجل واسم من معه وكم عمره وعمر من معه، ومن أي قبيلة هو، وجميع من ببلاد الصين من أهلها ومن العرب وغيرهم لابد لهم أن ينتموا الى شيء يعرفون به، وأما كتاب الخصّى فبالمال وما معه من المتاع، وذلك لأنّ في طريقهم مسالح «٢» ينظرون في الكتابين، فإذا ورد عليهم الوارد كتبوا: ورد علينا فلان بن فلان الفلاني في يوم كذا، وشهر كذا وسنة كذا ومعه كذا، لئلا يذهب من مال الرجل ولا من متاعه شئ ضياعا، فمتى ما ذهب منه شئ أو مات، علم كيف ذهب، وردّ عليه أو على ورثته من بعده. [إنصاف أهل الصين في المعاملات] وأهل الصين ينصفون في المعاملات والديوان، فإذا كان لرجل على رجل دين كتب عليه كتابا، وكتب الذي عليه الدّين أيضا كتابا، وعلّمه بعلامة بين أصبعيه الوسطى والسبابة، ثم جمع الكتابان فطويا جميعا، ثم كتب على فصلهما، ثم فرق فأعطى الذي عليه الدين كتابه باقراره، فمتى جحد احدهما غريمه، قيل له: أحضر كتابك، فإن زعم الذي عليه الدّين انه لا شيء له ودفع كتابه بخطه

стр. 40

وعلامته وذهب كتاب صاحب الحق، قيل للجاحد الذي عليه الحق: أحضر كتابا بأنّ هذا الحق ليس عليك، فمتى ما بيّن عليك صاحب الحق الذي جحدته فعليك عشرون خشبة على الظهر، وعشرون ألف فكّوج فلوسا، والفكوج ألف فلس يكون ذلك قريبا من ألفى دينار، والعشرون الخشبه فيها موته، فليس يكاد أحد ببلاد الصين يعطى هذا من نفسه مخافة تلف النفس والمال، ولم نر أحدا أجاب إلى ذلك. وهم يتناصفون بينهم وليس يذهب لأحد حق ولا يتعاملون بشاهد ولا يمين. وإذا أفلس رجل بمال قوم فحبسه الغرماء بأموالهم عند السلطان، أخذ إقراره، فإن لبث في السجن شهرا أخرجه السلطان فنادى عليه: انّ هذا فلان بن فلان أفلس بمال فلان بن فلان فإن يكن له عند أحد وديعة أو كان له عقار أو رقيق أو ما يحيط بدينه أخرج في كل شهر فضرب خشبات على استه، لأنه أقام في الحبس يأكل ويشرب وله مال، فهو يضرب أقرّ له أحد بمال أو لم يقرّ له فهو يضرب على كل حال، يقال: ليس لك عمل الّا اخذ حقوق الناس والذهاب بها، ويقال له: احتل حقوق هؤلاء القوم فإن لم يكن له حيلة وصحّ عند السلطان أنه لا شيء له دعى الغرماء فأعطوا من بيت مال البغبون «١» وهو الملك الأعظم وانما سمى البغبون ومعناه ابن السماء، ونحن نسميه المغبون، ثم ينادى: من بايع هذا فعليه القتل، فليس يكاد يذهب لأحد مال، وأن علم أنّ له

стр. 41

عند أحد مالا ولم يقرّ المودع بالمال قتل بالخشب، ولم يقل لصاحب المال شيء فيؤخذ المال ويقسم على الغرماء ولا يبايع بعد ذلك. [الحجر الذي فيه ذكر الأدوية] ولهم حجر منصوب طوله عشرة أذرع مكتوب فيه نقرا في الحجر ذكر الأدوية والادواء، داء كذا دواؤه كذا، فان كان الرجل فقيرا أعطى ثمن الدواء من بيت المال. وليس عليهم خراج في ضياعهم وإنما يؤخذ من الرءوس على قدر أموالهم وضياعهم، وإذا ولد لأحد ذكر كتب اسمه عند السلطان فإذا بلغ ثماني عشرة سنة أخذت منه الجزية، فإذا بلغ ثمانين سنة لم يؤخذ منه جزية وأجرى عليه من بيت المال، ويقولون: أخذنا منه شابا ونجرى «١» عليه شيخا. وفي كل مدينة كتّاب ومعلّم يعلم الفقراء، وأولادهم من بيت المال يأكلون، ونساؤهم مكشفات الشعور والرجال يغطون رؤوسهم. وبها قرية يقال لها تايوا في الجبل فهم قصر، وكلّ قصير ببلاد الصين ينسب إليها. وأهل الصين أهل جمال وطول وبياض نقي مشرّب حمرة، وهم أشدّ الناس سواد شعور، ونساؤهم يجزّون شعورهنّ. [ذكر بلاد الهند] وأمّا بلاد الهند فانّه اذا ادعى رجل على آخر دعوى يجب فيها القتل، قيل للمدّعي: أتحامله النار، فيقول: نعم، فتحمى حديدة

стр. 42

إحماء شديدا حتى يظهر النار فيها، ثم يقال له: إبسط يدك فتوضع على يده سبع ورقات من ورق شجر لهم، ثم توضع على يده الحديدة فوق الورق ثم يمشي بها مقبلا ومدبرا حتى يلقيها عن يده فيؤتى بكيس من جلود فيدخل يده فيه، ثم يختم بختم السلطان، فإذا كان بعد ثلاث أتي بأرز غير مقشّر فيقال له افركه، فان لم يكن في يده أثر فقد فلح ولا قتل عليه، ويغرّم الذي ادعى عليه منا من ذهب يقبضه السلطان لنفسه، وربّما اغلوا الماء في قدر حديد أو نحاس حتى لا يقدر أحد يدنوا منه ثم يطرح فيه خاتم حديد ويقال ادخل يدك فتناول الخاتم، وقد رأيت من ادخل يده وأخرجها صحيحة، ويغرم المدّعي أيضا منا من ذهب. [عادة أهل سرنديب في موت ملوكهم] وإذا مات الملك ببلاد سرنديب صيّر على عجله قريبا من الأرض وعلّق في مؤخرها مستلقيا على قفاه يجر شعر رأسه التراب عن الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه، وتنادي: أيها الناس هذا ملككم، بالأمس قد ملككم وكان أمره نافذا فيكم، وقد صار الى ما ترون من ترك الدنيا، وأخذ روحه ملك الموت، فلا تغترّوا بالحياة بعده، وكلام نحو هذا ثلاثة أيام، ثم يهيّأ له الصندل «١» والكافور والزعفران فيحرق به، ثم يرمي برماده في الريح «٢» ، والهند كلّهم يحرقون موتاهم بالنار.

стр. 43

[عادات أهل الهند في إحراق موتاهم وعباداتهم] وسرنديب «١» أخر الجزائر وهى من بلاد الهند، وربما أحرق الملك فتدخل نساؤه النار فيحترقن معه، وان شئن لم يفعلن. وببلاد الهند من ينسب إلى السياحة في الغياض والجبال وقلّ ما يعاشر الناس ويأكل أحيانا الحشيش وثمر الغياض، ويجعل في احليله حلقه حديد لئلا يأتي النساء، ومنهم العريان، ومنهم من ينصب نفسه للشمس مستقبلها عريانا، إلا أن عليه شيئا من جلود النّمور، فقد رأيت رجلا منهم كما وصفت، ثم انصرفت وعدت بعد ست عشرة سنة، فرأيته على تلك الحال، فتعجّبت كيف لم تسل عينه من حر الشمس. [توارثهم الملك والصناعات] وأهل بيت المملكة في كلّ مملكة أهل بيت واحد لا يخرج عنهم الملك ولهم ولاة عهود، وكذلك أهل الكتابة والطبّ أهل بيوتات لا تكون تلك الصناعة الّا فيهم. وليس تنقاد ملوك الهند لملك واحد بل كل واحد ملك بلاده، وبلهرا ملك الملوك بالهند، فأمّا الصين فليس لهم ولاة عهود. [امتناع ملوك الهند عن اللهو والشراب] وأهل الصين أهل ملاه، وأهل الهند يعيبون الملاهي، ولا يتخذونها، ولا يشربون الشّراب ولا يأكلون الخلّ لأنّه من الشراب، وليس ذلك دين ولكن أنفه، ويقولون: أيّ ملك شرب الشراب فليس بملك، وذلك أنّ حولهم ملوكا يقاتلونهم، فيقولون:

стр. 44

كيف يدبّر أمر ملكه من هو سكران «١» ، وربما اقتتلوا على الملك وذلك قليل، لم أر أحدا غلب أحدا على مملكته إلّا قوم تلو بلاد الفلفل، وإذا غلب ملك على مملكة ولّى عليها رجلا من أهل بيت الملك المغلوب، ويكون من تحت يده لا يرضى أهل تلك المملكة الّا بذلك. [أكل أهل الصين لحم ملوكهم] فأما بلاد الصين فربما جار الملك الذي من تحت يد الملك الأكبر فيذبحونه ويأكلونه، وكل من قتل بالسيف أكل الصينيون لحمه. وأهل الهند والصين اذا أرادوا التزويج تهانئوا بينهم، ثم تهادوا، ثم يشهرون التزويج بالصّنوج والطبول، وهدّيتهم من المال على قدر الامكان. واذا احضر الرجل منهم امراة فبغت، فعليها وعلى الباغي بها القتل في جميع بلاد الهند، وإن زنى رجل بامرأة اغتصبها نفسها قتل الرجل وحده فان فجر بامرأة على رضى منها قتلا جميعا. [حكمهم في حد السرقة] والسرقة «٢» في جميع بلاد الصين والهند في القليل منه والكثير القتل، فأما الهند اذا سرق السارق فلسا فما فوقه أخذت خشبة طويلة فيحدّد طرفها ثم يعقد عليها على أسته حتى تخرج من حلقه.

стр. 45

وأهل الصين يلوطون بغلمان قد أقيموا لذلك بمنزلة زواني البددة «١» . [بناء أهل الصين والهند] وحيطان أهل الصين الخشب، وبناء أهل الهند حجارة وجصّ وآجرّ وطين، وكذلك ربّما كان بالصين أيضا، وليس الصين ولا الهند بأصحاب فرش. ويتزوج الرجل من الصين والهند ما شاء من النساء. وطعام الهند الأرز وطعام الصين الحنطة والأرز، وأهل الهند لا يأكلون الحنطة ولا يختتن الهند ولا الصين. [ديانة أهل الصين والهند] وأهل الصين يعبدون الاصنام ويصلّون لها ويتضرّعون اليها ولهم كتب دين. [عجائب متفرقة] والهند يطولون لحاهم ربّما أربت لحية أحدهم ثلاث أذرع، ولا يأخذون شواربهم، وأكثر أهل الصين لا لحالهم خلقة لأكثرهم. وأهل الهند اذا مات لأحدهم ميت حلق رأسه ولحيته. والهند اذا حبسوا رجلا أو لازموه منعوه الطّعام والشراب سبعة أيام وهم يتلازمون. ولأهل الصّين قضاة يحكمون بينهم دون العمّال وكذلك أهل الهند.

стр. 46

والنمور والذئاب ببلاد الصين جميعا، فأما الأسد فليست بكلى الولايتين. ويقتل قاطع الطريق، وأهل الصين، والهند يزعمون أن البددة تكلمهم وانما يكلمهم عبّادهم. والصّين والهند يقتلون ما يريدون أكله ولا يذبحونه فيضربون هامته حتى يموت. ولا يغتسل الهند ولا الصين من جنابة، وأهل الصين لا يستنجون الا بالقراطيس، والهند يغتلسون كل يوم قبل الغدا ثم يأكلون. والهند لا يأتون النساء في الحيض ويخرجونهنّ عن منازلهم تقزّرا منهنّ. والصّين يأتونهنّ في الحيض ولا يخرجونهنّ. وأهل الهند يستاكون ولا يأكل احدهم حتى يستاك ويغتسل وليس يفعل ذلك أهل الصّين وبلاد الهند أوسع من بلاد الصين وهى أضعافها وعدد ملوكهم أكثر، وبلاد الصين أعمر، وليس للصين ولا للهند نخل ولهم سائر الشجر، وثمر ليس عندنا، والهند لا عنب لهم، وهو بالصين قليل، وسائر الفواكه عندهم كثيرة والرّمان بالهند أكثر. وليس لأهل الصّين علم وانما أصل ديانتهم من الهند، وهم يزعمون أنّ الهند وضعوا لهم البددة، وانهم هم أهل الدين، وكلا البلدين يرجعون إلى التناسخ ويختلفون في فروع دينهم «١» . والطبّ بالهند والفلاسفة ولأهل الصين أيضا طبّ، وأكثر طبّهم

стр. 47

الكىّ ولهم علم بالنجوم وذاك بالهند أكثر، ولا أعلم أحدا من الفريقين مسلما ولا يتكلم بالعربيّة. وللهند خيل قليل، وهى للصين أكثر، وليس للصين فيلة ولا يتركونها في بلادهم تشاؤما بها. وجنود ملك الهند كثيرة ولا يرزقون وإنما يدعوهم الملك الى الجهاد فيخرجون ينفقون من أموالهم ليس على الملك من ذلك شيء، فأمّا الصين فعطاؤهم كعطاء العرب. وبلاد الصّين أنزه وأحسن، وأكثر الهند لا مدائن لها، وأهل الصّين في كل موضع لهم مدينة محصّنة عظيمة، وبلاد الصين أصح وأقلّ أمراضا وأطيب هواء لا يكاد يرى بها أعمى ولا أعور ولا من به عاهة، وهكذا كثير ببلاد الهند. وأنهار البلدين جميعا عظام فيها ما هو أعظم من أنهارنا، والأمطار بالبلدين جميعا كثيرة. وفي بلاد الهند مفاوز كثيرة والصين كلها عمارة، وأهل الصّين أجمل من أهل الهند، وأشبه بالعرب في اللباس والدّواب، وهم في هيئتهم في مواكبهم شبيه بالعرب يلبسون الأقبية «١» والمناطق وأهل الهند يلبسون فوطتين، ويتحلّون باسورة الذهب والجوهر الرجال والنساء. ووراء بلاد الصين من الأرض التغزغز «٢» وهم من الترك،

стр. 48

وخاقان «١» تبّت «٢» هذا ممّا يلي بلاد الترك فأما ما يلي البحر فجزائر السيلا وهم بيض يهادون صاحب الصّين، ويزعمون انهم إن لم يهادوه لم تمطرهم السماء، ولم يبلغها أحد من اصحابنا فيحكى عنهم، ولهم بزاة بيض. تمّ الكتاب الأول نظر في هذا الكتاب الفقير محمد في سنة احدى عشر بعد ألف أحسن الله عاقبتها وما بعدها آمين اللهم اغفر لكاتبه ووالديه والمسلمين.

стр. 49

الكتاب الثاني من أخبار الصين والهند قال أبو زيد الحسن السيرافي: انّني نظرت في هذا الكتاب يعنى الكتاب الأول الذي أمرت بتأمله وإثبات ما وقفت عليه من أمر البحر وملوكه وأحوالهم وما عرفته من أحاديثهم ممّا لم يدخل فيه، فوجدت تاريخ الكتاب في سنة سبع وثلاثين ومائتين وأمور البحر في ذلك الوقت مستقيمة لكثرة اختلاف التجار اليها من العراق. [تكذيب المؤلف لخرافة أكل الموتى الطعام] ووجدت جميع ما حكى في الكتاب على سبيل حق وصدق، إلّا ما ذكر فيه من الطّعام الذي يقدّمه أهل الصين إلى الموتى منهم وانه إذا وضع بالليل عند الميت أصبحوا فلم يوجد وادعوا انه يأكله، فقد كان بلغنا هذا حتى ورد علينا من ناحيتهم من وثقنا بخبره فسألناه عن ذلك فأنكره، وقال: هى دعوى لا أصل لها كدعوى أهل الأوثان انّها تكلمهم. وقد تغيّر بعد هذا التاريخ أمر الصين خاصّة، وحدثت فيه حوادث انقطع لها الجهاز «١» اليهم وخرب البلد وزالت رسومه وتفرق أمره وأنا أشرح ما وقفت عليه من السّبب في ذلك إن شاء الله: السبب في تغيّر أمر الصين عما كان عليه من الاحكام والعدل

стр. 50

وانقطاع الجهاز اليه من سيراف: انّ نابغا نبغ فيهم من غير بيت الملك يعرف ببابشو «١» وكان مبتدا أمره الشطارة «٢» والفتوّة وحمل السلاح والعيث واجتماع السفهاء إليه حتى اشتدت شوكته وكثر عدده واستحكم طمعه، فقصد خانفو من بين مدن الصين، وهى المدينة التي يقصدها تجّار العرب، وبينها وبين البحر مسيرة أيام يسيرة، وهى على واد عظيم وماء عذب، فامتنع أهلها عليه فحاصرهم مدّة طويلة، وذلك في سنة اربع وستين ومائتين إلى أن ظفر بها، فوضع السيف في أهلها، فذكر أهل الخبرة بأمورهم: انّه قتل من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس سوى من قتل من أهل الصين مائة وعشرون ألف رجل كانوا تبؤوا بهذه المدينة فصاروا بها تجارا، وانما عرف مقدار عدد هذه الملل الأربع لتحصيل أهل الصّين بعددهم، وقطع ما كان فيه من شجر التّوت وسائر الأشجار، وذكرنا شجر التّوت خصوصا لاعداد أهل الصين ورقه لدود القزّ حتى يلف الدود، فصار سببا لانقطاع الحرير خاصّة عن بلاد العرب. ثم قصد بعد تخريب خانفو إلى بلد بلد فأخربه، وعجز ملك الصين عنه إلى أن قارب مدينة الملك وتعرف بخمدان «٣» فهرب الملك

стр. 51

منه إلى مدينة بمذو متاخمة لبلاد التبت فأقام بها، ودامت أيام هذا النابغ وعظم شأنه، وكان قصده ووكده خراب المدن وقتل أهلها إذ لم يكن من بيت ملك ومن يطمع في اتّساق الأمر له، فبلغ من ذلك مبلغا فسد به أمر الصّين إلى وقتنا هذا، ولم تزل تلك حال هذا النابغ الى أن كتب ملك الصين الى ملك التغزغز من بلاد الترك وبينهم مجاورة ومصاهرة ووجّه إليه رسلا يسأله كشف هذا الرجل عنه فأنفد ملك التغزغز ابنا له إلى هذا النابغ «١» في عدد كثير وجموع وافرة فأزاله بعد حروب متصلة ووقائع عظيمة، فزعم قوم انه قتل، وزعم آخرون انّه مات، وعاد ملك الصّين إلى بلده المعروف بخمدان وقد أخربه عليه وعلى سبيل ضعف في نفسه ونقص في أمواله وهلاك قوّاده وصناديد رجاله وكفاته، وغلب مع ذلك على كل ناحية متغلب منع من أموالها وتمسّك بما في يده منها، فدعت ملك الصّين الضرورة لقصور يده إلى قبول العفو منهم بإظهار الطاعة والدعاء له دون السمع والطاعة في الأموال، وما كان من الملوك ينفذ فيه، فصارت بلاد الصّين على سبيل ما جرت عليه أحوال الأكاسرة عند قتل الاسكندر لدارا «٢» الكبير وقسّمته أرض فارس على ملوك الطوائف، وصار بعضهم يعضد بعضا للمغالبة بغير أذن الملك ولا أمره، فاذا أناخ القوىّ منهم على الضعيف تغلّب على بلاده واجتاح ما فيه وأكل ناسه كلهم، وذلك مباح لهم في شريعتهم لأنهم يتبايعون لحوم الناس في اسواقهم، وامتدت أيديهم مع ذلك الى ظلم من قصدهم من التجار.

стр. 52

ولما حدث هذا فيهم التأم اليه ظهور الظلم والتعدى في نواخذة «١» العرب وأرباب المراكب فألزموا التجار ما لا يجب عليهم وغلبوهم على أموالهم واستجازوا ما لم يجر الرسم به قديما في شيء من أفعالهم، فنزع الله جلّ ذكره البركات منهم جميعا ومنع البحر جانبه ووقع الفناء بالمقدار الجاري من المدبّر تبارك اسمه في الربابنة «٢» والادلاء» بسيراف وعمان. [بعض من أحكام أهل الصين في الجنايات] وذكر في الكتاب طرف من سنن أهل الصّين ولم يذكره غيره وهو سبيل المحصن والمحصنة عندهم اذا زنيا القتل، وكذلك اللص والقاتل، وسبيلهم في القتل، أن تشدّ يدا من يريدون قتله شدا وثيقا، ثم تطرح يداه في رأسه حتى يصيرا على عنقه، ثم تدخل رجله اليمنى فيما ينفذ من يده اليمنى، ورجله اليسرى فيما ينفذ من يده اليسرى، فتصير قدماه جميعا من ورائه ويتقبض ويبقى كالكرة لا حيلة له في نفسه ويستغني عن ممسك يمسكه، وعند ذلك تزول عنقه عن مركبها وتتزايل خرزات ظهره عن بطنها وتختلف وركاه ويتداخل بعضه في بعض ويضيق نفسه ويصير في حال لو ترك على ما هو به بعض ساعة لتلف، فإذا بلغ منه ضرب بخشبة لهم معروفة على مقاتله ضربات معروفة لا

стр. 53

تتجاوز فليس دون نفسه شيء، ثم يدفع إلى من يأكله. [ديوان الزواني] وفيهم نساء لا يردن الإحصان ويرغبن في الزنا، وسبيل هذه أن تحضر مجلس صاحب الشرط فتذكر زهدها في الاحصان ورغبتها في الدخول في جملة الزواني، وتسأل حملها على الرسم في مثلها، ومن رسمهم فيمن أراد ذلك من النساء أن تكتب نسبها وحليتها وموضع منزلها وتثبت في ديوان الزواني، وتجعل في عنقها خيط فيه خاتم من نحاس مطبوع بخاتم الملك ويدفع اليها منشور يذكر فيه دخولها في جملة الزواني وأن عليها لبيت المال في كل سنة كذا وكذا فلسا، وإنّ من تزوّجها فعليه القتل، فتؤدي في كلّ سنة ما عليها ويزول الانكار عنها. فهذه الطبقة من النساء يرحن بالعشيات عليهنّ ألوان الثياب من غير استتار فيصرن إلى من طرا إلى تلك البلاد من الغرباء من أهل الفسق والفساد وأهل الصّين، فيقمن عندهم وينصرفن بالغدوات، ونحن نحمد الله على ما طهّرنا به من هذه الفتن. [معاملات أهل الصين بالفلوس والتجارة] وأما تعاملهم بالفلوس، فالسبب فيه انكارهم على المتعاملين بالدنانير والدراهم: أنّ لصّا لو دخل منزل رجل من العرب المتعاملين بالدنانير والدراهم لتهيأ له حمل عشرة آلاف دينار ومثلها من الورق على عنقه، فيكون فيها عطب صاحب المال، وأنّ لصّا لو دخل إلى رجل منهم لم يحمل أكثر من عشرة آلاف فلس، وإنما ذلك عشرة مثاقيل ذهب.

стр. 54

[فلوس أهل الصين] وهذه الفلوس معمولة من نحاس وأخلاط من غيره معجونه به، والفلس منها في قدر الدرهم البغلي «١» ، وفي وسطه ثقب واسع ليفرد الخيط فيه، وقيمة كل ألف فلس منها مثقال من ذهب، وينظم الخيط منها ألف فلس على رأس كلّ مائة عقدة، فإذا ابتاع المبتاع ضياعا أو متاعا أو بقلا فما فوقه دفع من هذه الفلوس على قدر الثمن، وهى موجوده بسيراف وعليها نقش بكتابتهم. [طريقة أهل الصين في بناء بيوتهم] وأمّا الحريق ببلاد الصّين والبناء وما ذكر فيه فالبلد مبنّى على ما قيل من خشب ومن قنا مشبّك على مثال الشقاق القصب، عندنا ويليّط بالطين وبعلاج لهم يتخذونه من حب الشهدانج (١٢٨) «٢» فيصير في بياض اللبن، وتدهن به الجدر فيشرق اشراقا عجيبا، وليس لبيوتهم عتب (١٢٩) «٣» لأن أملاكهم وذخائرهم وما تحويه أيديهم في صناديق مركبة على عجل تدور بها، فإذا وقع الحريق دفعت تلك الصناديق بما فيها فلم يمنعها العتب من سرعة النفوذ. [خدم ملوك الصين وخصيانهم] وأما أمر الخدم فذكر مجملا وانما هم ولاة الخراج وأبواب المال، فمنهم من قد سبى من الأطراف فخصى، ومنهم من يخصيه

стр. 55

والده من أهل الصّين ويهديه إلى الملك تقرّبا به إليه، فأمور الملك في خاصّته وخزائنه ومن يتوجه إلى مدينة خانفو التي يقصد اليها تجار العرب هم الخدم، ومن سننهم في ركوب هؤلاء الخدم وملوك سائر المدن إذا ركبوا: أن يتقدمهم رجال بخشب تشبه النواقيس يضربون بها، فيسمع من بعد فلا يقف أحد من الرعية في شيء من ذلك الطريق الذي يريد الخادم أو الملك أن يمرّ فيه، ومن كان على باب دار دخلها وأغلق الباب دونه، حتّى يكون اجتياز الخادم أو الملك المملك على تلك المدينة، وليس في طريقه أحد من العامّة ترهيبا وتجبرا، ولئلا يكثر نظر العامة إليهم ولا يمتدّ لسان آحد إلى الكلام معهم. «١» [حذق أهل الصين في صناعة الحريري وغيرها] ولباس خدمهم ووجوه قوّادهم فاخر الحرير الذي لا يحمل مثله إلى بلاد العرب عندهم ومبالغتهم في أثمانه. وذكر رجل من وجوه التجار ومن لا يشكّ في خبره: أنّه صار إلى خصىّ كان الملك أنفذه إلى مدينة خانفو لتخيّر ما يحتاج إليه من الأمتعة الواردة من بلاد العرب، فرأى على صدره خالا يشفّ من تحت ثياب حرير كانت عليه، فقدّر أنّه قد ضاعف بين ثوبين منها فلما ألحّ في النّظر، قال له الخصى: أراك تديم النظر إلي صدري فلم ذلك، فقال له الرجل: عجبت من خال يشفّ من تحت هذه الثياب، فضحك الخصىّ ثم طرح كمّ قميصه إلى الرجل، وقال له: أعدد ما علىّ منها، فوجدها خمسة أقبية بعضها فوق بعض والخال يشفّ من تحتها. والذي هذه صفته من الحرير خام غير مقصور، والذي يلبسه

стр. 56

[حذق أهل الصين في دقيق الصناعات] «١» وأهل الصين من احذق خلق الله كفّا بنقش وصناعة وكلّ عمل لا يقدمهم فيه أحد من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يقدّر أنّ غيره يعجز عنه، فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فان لم يخرج أحد فيه عيبا جازاه وأدخله في جملة صنّاعه، وان أخرج فيه عيب اطّرحه ولم يجازه. وأن رجلا منهم صوّر سنبلة عليها عصفور في ثوب حرير لا يشكّ الناظر إليها أنها سنبلة وأن عصفورا عليها، فبقيت مدّة وانّه اجتاز بها رجل أحدب فعابها، فأدخل إلى ملك ذلك البلد وحضر صانعها فسأل الأحدب عن العيب، فقال: المتعارف عند النّاس جميعا انّه لا يقع عصفور على سنبلة إلّا أمالها، وأن هذا المصوّر صوّر السنبلة قائمة لا ميل لها، وأثبت العصفور فوقها منتصبا فأخطأ فصدّق ولم يثبت الملك صانعها بشيء، وقصدهم في هذا وشبهه رياضة من يعمل هذه الأشياء ليضطرهم ذلك إلى شدّة الاحتراز وإعمال الفكر فيما يصنع كل منهم بيده. [قصة ابن وهب القرشي وما وقع له مع ملك الصين] «٢» وقد كان بالبصرة رجل من قريش يعرف بابن وهب من ولد هبّار «٣» بن الاسود، خرج منها عند خرابها فوقع إلى سيراف، وكان فيها مركب يريد بلاد الصّين فنزعت به همّته بالمقدار الجاري على

стр. 57

أن ركب في ذلك المركب إلى بلاد الصّين ثم نزعت به همّته إلى قصد ملكها الكبير، فسار إلى خمدان في مقدار شهرين من المدينة المعروفة بخانفو، وأقام بباب الملك مدّة طويلة يرفع الرقاع ويذكر انّه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدّة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة علّته فيما يحتاج إليه، وكتب الملك إلى الوالي المستخلف المقيم بخانفو يأمره بالبحث ومسألة التجار عمّا يدّعيه الرجل من قرابة نبي العرب ﷺ ، فكتب صاحب خانفو بصحة نسبه فأذن له ووصله بمال واسع عاد به إلى العراق، وكان شيخا فهما، فأخبرنا: أنّه لمّا وصل إليه وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فقال له بالله جل ذكره وبما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسّجود للشمس وللقمر من دون الله، فقال له: لقد غلبت العرب على أجل الممالك وأوسعها ريفا وأكثرها أموالا وأعقلها رجالا وأبعدها صوتا، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم فقال ما لي بهم علم، فقال للترجمان: قل له إنا نعدّ الملوك خمسة فأوسعهم ملكا الذي يملك العراق لأنّه في وسط الدنيا، والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا ملك الملوك وبعده ملكنا هذا ونجده عندنا ملك الناس لأنه لا أحد من الملوك أسوس منّا ولا أضبط لملكة من ضبطنا لملكنا، ولا رعيّة من الرعايا أطوع لملوكها من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعدنا ملك السّباع وهو ملك التّرك الذي يلينا، وبعدهم ملك الفيلة وهو ملك الهند، ونجد عندنا ملك الحكمة لأن أصلها منهم، وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرّجال، لأنّه ليس في الأرض أتمّ خلقا من رجاله ولا احسن وجوها، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم.

стр. 58

ثم قال للترجمان قل له أتعرف صاحبك أن رأيته يعني رسول الله ﷺ ، فقلت وكيف لى برؤيته وهو عند الله جلّ وعزّ، فقال: لم أرد هذا انما أردت صورته، فقال أجل فأمر بسفط فأخرج فوضع بين يديه فتناول منه درجا، وقال للترجمان: أره صاحبه فرأيت في الدرج صور الأنبياء فحركت شفتي بالصلاة عليهم، ولم يكن عنده أني أعرفهم، فقال للترجمان: سله عن تحريك شفته، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء فقال من أين عرفتهم، فقلت مما صوّر من أمرهم، هذا نوح في السفينة ينجوا بمن معه لمّا أمر الله جل ذكره الماء فغمر الأرض كلها ممن فيها وسلّمه ومن معه، فضحك وقال: أمّا نوح فقد صدقت في تسميته، وأمّا غرق الأرض كلها فلا نعرفه وانّما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا ولا أرض الهند، قال ابن وهب: فتهيّبت الرّد عليه وإقامة الحجة لعلمى بدفعه ذلك، ثم قلت: هذا موسى وعصاه وبنو إسرائيل، فقال: نعم على قلّة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، فقلت: وهذا عيسى على حمار والحواريون معه، فقال: لقد كان قصير المدّة انّما كان أمره يزيد على ثلاثين شهرا شيئا يسيرا وعدّد من أمر سائر الأنبياء ما اقتصرنا على ذكر بعضه، وزعم انه رأى فوق كلّ صورة لنبيّ كتابة طويلة قدّر انّ فيها ذكر أسماءهم ومواقع بلدانهم وأسباب نبؤاتهم، ثمّ قال: رأيت صورة النبي ﷺ على جمل وأصحابه محدقون به على إبلهم في أرجلهم نعال عربيّة وفي أوساطهم مساويك مشدودة، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه فقلت هذا نبيّنا وسيّدنا وابن عمّي ﵇، فقال:

стр. 59

صدقت لقد ملك هو وقومه أجل الممالك الّا انّه لم يعاين ما ملك وانّما عاينه من بعده، ورأيت صور أنبياء ذوى عدد كثير، منهم من قد أشار بيده اليمنى وجمع بين الابهام والسبابة كأنّه يومئ في اشارته إلى الحق، ومنهم قائم على رجله مشير بأصابعه إلى السماء، وغير ذلك، زعم الترجمان انّهم من أنبيائهم وأنبياء الهند، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرائع ووجوهها على قدر ما اعلم منها، ثمّ قال: كم عمر الدّنيا عندكم، فقلت قد اختلف فيه فبعض يقول: ستّة آلاف سنة وبعض يقول دونها، وبعض يقول أكثر منها إلّا بيسير، فضحك ضحكا كثيرا ووزيره أيضا واقف دلّ على انكاره ذلك، وقال: ما أحسب نبيكم قال هذا، فزللت وقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الانكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميّز كلامك فانّ الملوك لا تكلّم الّا عن تحصيل، أمّا ما زعمت أنّكم تختلفون في ذلك فانّكم انّما اختلفتم في قول نبيّكم، وما قالته الأنبياء لا يجب ان يختلف فيه بل هو مسلّم فاحذر هذا وشبهه أن تحكيه، وذكر أشياء كثيرة قد ذهبت عنّي لطول العهد، ثمّ قال لي: لم عدلت عن ملك وهو أقرب اليك منّا دارا ونسبا، فقلت: بما حدث على البصرة ووقوعي إلى سيراف ونظري إلى مركب ينفذ إلى الصّين وما بلغني من جلال ملك الصّين وكثرة الخير به فأحببت الوقوع إلى تلك الناحية ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي وملك ابن عمّي ومخبر بما شاهدت من جلال هذا الملك وسعة هذه البلاد، وسأقول بكلّ حسن واثنى بكلّ جميل، فسرّه ذلك وأمر لى بالجائزة السنية، وبحملى على بغال البريد الى مدينة خانفو، وكتب الى ملكها باكرامي وتقديمي على جميع من

стр. 60

في ناحيته من سائر الملوك، وإقامة النزل لى الى وقت خروجي، فكنت في أخصب عيش وأنعمه، الى أن خرجت من بلاد الصّين. [مدينة خمدان ومقر الملك] فسألناه عن مدينة خمدان التي بها الملك وصفتها، فذكر سعة البلد وكثرة أهله وأنّه مقسوم على قسمين يفصل بينهما شارع طويل عريض، فالملك ووزيره وجنوده وقاضي القضاة وخصيان الملك وجميع أسبابه في الشقّ الأيمن منه وما يلي المشرق لا يخالطهم أحد من العامّة ولا فيه شيء من الأسواق بأنهار في سككهم مطرّدة، وأشجار عليها منتظمة ومنازل فسيحة. وفي الشقّ الأيسر مما يلي المغرب: الرعيّة والتجار والميرة والأسواق، واذا وضح النهار رأيت قهارمة «١» الملك وأسبابه وغلمان داره، وغلمان القواد ووكلائهم من بين راكب وراجل قد دخلوا الى الشقّ الذي فيه الأسواق والتجار فأخذوا وظائفهم وحوائجهم، ثمّ انصرفوا فلم يعد أحد منهم الى هذا الشقّ الّا في اليوم الثاني «٢» . وأن بهذا البلد من كلّ نزهة وغيضة حسنة وأنهار مطرّدة الا النخل فانّه معدوم. [اتصال بحر الصّين والهند ببحر الشام «٣» ] وممّا حدث في زماننا هذا ولم يعرفه من تقدّمنا انه لم يكن أحد

стр. 61

يقدّر أنّ البحر الذي عليه بحر الصين والهند يتّصل ببحر الشّام ولا يقوم في أنفسهم حتى كان في عصرنا هذا، فانّه بلغنا انّه وجد في بحر الرّوم خشب مراكب العرب المخروزة التي قد تكسّرت بأهلها فقطّعها الموج وساقتها الرّياح بأمواج البحر فقذفته إلى بحر الخزر، ثمّ جرى في خليج الرّوم ونفذ منه إلى بحر الرّوم والشّام، فدلّ هذا على أن البحر يدور على بلاد الصّين والسّيلا «١» وظهر بلاد الترك والخزر، ثمّ يصب في الخليج ويفضى إلى بلاد الشّام، وذلك إنّ الخشب «٢» المخروز لا يكون الّا لمراكب سيراف خاصّة، ومراكب الشّام، والرّوم مسمورة غير مخروزة. وبلغنا أيضا أنّه وجد في بحر الشّام عنبر وهذا من المستنكر وما لم يعرف في قدم الدهور، ولا يجوز إن كان ما قيل حقّا أن يكون العنبر وقع الى بحر الشّام إلّا من بحر عدن والقلزم، وهو البحر الذي يتّصل بالبحار التى يكون فيها العنبر لأن الله جلّ ذكره قد جعل بين البحرين حاجزا، بل هو إن كان صحيحا ممّا يقذفه بحر الهند إلى سائر البحار واحدا بعد واحد حتى يفضى به إلى بحر الشّام.

стр. 62

[ذكر مدينة الزّابج] ثم نبتدى بذكر مدينة الزابج «١» اذ كانت تحاذى بلاد الصّين وبينهما مسيرة شهر في البحر وأقلّ من ذلك اذا ساعدت الرّياح، وملكها يعرف بالمهراج «٢» ، ويقال: أنّ تكسيرها «٣» تسعمائة فرسخ، وهذا الملك مملك على جزائر كثيرة يكون مقدار مسافة ملكه ألف فرسخ وأكثر، وفي مملكته جزيرة تعرف بسريرة «٤» تكسيرها على ما يذكرون أربعمائة فرسخ، وجزيرة أيضا تعرف بالرامى «٥» تكسيرها ثمانمائة فرسخ، فيها منابت البقّم والكافور وغيره، وفي مملكته جزيرة كله وهى المنصّف بين أراضى الصّين وأرض العرب وتكسيرها على ما يذكرون ثمانون فرسخا، وبكله مجمع الأمتعة من الأعواد والكافور والصّندل والعاج والرّصاص القلعي والأبنوس والبقّم والأفاويه كلها، وغير ذلك ممّا يتسع ويطول شرحه، والجهاز من عمان في هذا الوقت اليها، ومنها الى عمان واقع، وأمر المهراج نافذ في هذه الجزائر، وجزيرته التي هو بها في

стр. 63

غاية الخصب وعمارتها منتظمة. وذكر من يوثق بقوله: أنّ الدّيكة اذا غرّدت في الاسحار للأوقات كتغريدها عندنا تجاوبت الى مائة فرسخ وما فوقها يجاوب بعضها بعضا لاتّصال القرى وانتظامها، وانّه لا مفاوز فيها، ولا خراب، وانّ المتنقّل في بلادهم اذا سافر وركب الظّهر سار إذا شاء، فإذا ملّ وكلّ الظهر نزل حيث شاء. [قاعدة المهراج في خزن الذهب وتفريقه] ومن عجيب ما بلغنا من أحاديث هذه الجزيرة المعروفة بالزابج أنّ ملكا من ملوكهم في قديم الأيام، وهو المهراج وقصره على ثلاج يأخذ من البحر، ومعنى الثلاج واد كدجلة مدينة السلام «١» ، والبصرة، يغلب عليه ماء البحر بالمد وينضب عنه الماء العذب بالجزر، ومنه غدير صغير يلاصق قصر الملك، فإذا كان في صبيحة «٢» كلّ يوم دخل قهرمان الملك ومعه لبنة قد سبكها من ذهب فيها أمنا «٣» ، قد خفى عنّي مبلغها، فيطرحها بين يدي الملك في ذلك الغدير، فإذا كان المدّ علاها وما كان مجتمعا معها من أمثالها غمرها، فإذا كان الجزر نضب عنها فأظهرها فلاحت في الشّمس، والملك مطلع عليها عند جلوسه في المجلس المطلّ عليها، فلا تزال تلك حالة يطرح في كل يوم في ذلك الغدير لبنة من ذهب ما عاش

стр. 64

ذلك الملك من الزمان لا يمسّ شيء، منه فاذا مات الملك أخرجها القائم من بعده كلّها فلم يدع منها شيئا، وأحصيت ثمّ أذيبت وفرّقت على أهل بيت المملكة رجالهم ونسائهم وأولادهم وقوّادهم وخدمهم على قدر منازلهم ورسوم لهم في كلّ صنف منهم، فما فضل بعد ذلك فضّ على أهل المسكنة والضعف، ثمّ دون عدد اللّبن الذهب ووزنه، وقيل انّ فلانا ملك من الزمان كذا وكذا سنة، وخلّف من لبن الذهب في غدير الملوك كذا وكذا لبنة، وانها فرقت بعد وفاته في أهل مملكته، فالفخر عندهم لمن امتدت أيام ملكه وزاد عدد اللبن الذهب في تركته. [ملك القمار] ومن أخبارهم في القديم أن ملكا من ملوك القمار «١» وهى الأرض التي يجلب منها العود «٢» القمارى، وليست بجزيرة بل هى على ما يلي أرض العرب وليس في شيء من الممالك أكثر عددا من أهل القمار، وهم رحّالة، كلهم يحرّمون الزّنا والأنبذة كلّها، فلا يكون في بلادهم ومملكتهم شيء منه، وهى مسامته لمملكة المهراج والجزيرة المعروفة بالزايج، وبينهما مسافة عشرة أيام إلى عشرين يوما عرضا في البحر إذا كانت الرّيح متوسّطة

стр. 65

[حديث ملك القمار وزيره وقصته مع ملك الزايج] فقيل انّ هذا الملك تقلّد الملك على القمار في قديم الأيام، وهو حدث متسرع، وانّه جلس يوما في قصره وهو مشرف على واد يجري بالماء العذب ك (دجلة) العراق، وبين قصره والبحر مسيرة يوم، ووزيره بين يديه، إذ قال لوزيره- وقد جرى ذكر مملكة المهراج وجلالتها وكثرة عمارتها وما تحت يده من الجزائر- في نفسي شهوة كنت أحبّ بلوغها، فقال له الوزير- وكان ناصحا وقد علم منه السرعة- ما هي أيّها الملك، قال: كنت أحبّ أن أرى رأس المهراج ملك الزايج في طست بين يديّ، فعلم الوزير أنّ الحسد أثار هذا الفكر في نفسه، فقال: أيّها الملك ما كنت أحبّ أن يحدّث الملك نفسه بمثل هذا إذ لم يجر بيننا وبين هؤلاء القوم لا في فعل ولا في حديث ترة «١» ، ولا رأينا منهم شرّا، وهم في جزيرة نائية غير مجاورة لنا في أرضنا، ولا طامعين في ملكنا، وليس ينبغي أن يقف على هذا الكلام أحد ولا يعيد الملك فيه قولا، فغضب ولم يسمع من الناصح، وأذاع ذلك لقوّاده ومن كان يحضره من وجوه أصحابه، فتناقلته الألسن حتّى شاع واتّصل بالمهراج وكان جزلا «٢» متحرّكا محنّكا، قد بلغ في السنّ مبلغا متوسّطا، فدعا بوزيره، وأخبره مما اتّصل به، وقال له: ليس يجبّ مما شاع من أمر هذا الجاهل وتمنّيه ما تمناه بحداثة سنّه وغرّته وانتشار ذلك من قوله أن نمسك عنه، فانّ ذلك مما يفتّ في عضد الملك وينقصه ويضع منه وأمره بستر ما جرى بينهما، وأن يعدّ له ألف مركب

стр. 66

من أوساط المراكب بآلاتها، ويندب لكلّ مركب منها من جملة السّلاح وشجعان الرّجال من يستقلّ به، وأظهر انّه يريد التنزّه في الجزائر التي في مملكته، وكتب إلى الملوك الذين في هذه الجزائر وهم في طاعته، وجملته بما عزم عليه من زيارتهم والتنزه بجزائرهم حتى شاع ذلك، وتأهب ملك كل جزيرة لما يصلح للمهراج، فلمّا استتب أمره وانتظم دخل في المراكب وعبر بها وبالجيش الى مملكة القمار وهو وأصحابه أهل سواك دائم، يفعل الرجل منهم ذلك في اليوم مرّات، وسواك كلّ واحد منهم معه لا يفارقه أو مع غلامه، فلم يشعر به ملك القمار حتّى هجم على الوادي المفضى إلى دار ملك القمار، وطرح رجاله فأحدقوا به على سبيل غرّة فأخذه واحتوى على داره، وطار أهل المملكة من بين يديه، فأمر بالنداء بالأمان، وقعد على السّرير الذي كان يجلس عليه ملك القمار، وقد أخذه أسيرا فأحضره وأحضر وزيره، فقال لملك القمار: ما حملك على تمنّي ما ليس في وسعك ولا لك فيه حظ لو نلته، ولا أوجبه سبب يسهّل السبيل إليه، فلم يحر جوابا، ثمّ قال له المهراج: أمّا انّك لو تمنّيت مما تمنّيته من النظر إلى رأسي في طست بين يديك إباحة أرضي وملكها أو الفساد في شيء منها لاستعملت ذلك كلّه فيك، لكنّك تمنّيت شيئا بعينه، فأنا فاعله بك وراجع إلى بلدي من غير أن أمدّ يدا إلى شيء من بلادك ممّا جلّ ودقّ لتكون عظة لمن بعدك ولا يتجاوز كلّ قدره وما قسم له، وأن يستغنم العافية من لبسته، ثمّ ضرب عنقه. ثمّ أقبل على وزيره، فقال له: جزيت خيرا من وزير، فقد صح عندي انّك أشرت على صاحبك بالرأى لو قبل منك، فانظر من

стр. 67

يصلح للملك من بعد هذا الجاهل فأقمه مقامه. وانصرف من ساعته راجعا إلى بلاده من غير أن يمدّ هو ولا أحد من أصحابه يده إلى شيء من بلاد القمار. فلمّا رجع إلي مملكته قعد على سريره وأشرف على غديره ووضع الطست بين يديه وفيها رأس ملك القمار، وأحضر وجوه مملكته وحدّثهم بخبره والسّبب الذي حمله على ما أقدم عليه، فدعا له أهل مملكته وجزوه خيرا، ثم أمر بالرأس فغسل وطيّب وجعله في ظرف وردّه إلى الملك الذي قام بالأمر ببلاد القمار من بعد الملك المقتول. وكتب إليه: أن الذي حملني على ما فعلناه بصاحبك بغيه علينا وتأديبنا لأمثاله، وقد بلغنا منه ما أراده بنا، ورأينا ردّ الرأس إليك اذ لا درك لنا في حبسه ولا فخر بما ظفرنا به منه. واتّصل الخبر بملوك الهند والصّين فعظم المهراج في أعينهم وصارت ملوك القمار من بعد ذلك كلّما أصبحت قامت وحوّلت وجوهها نحو بلاد الزايج فسجدت وكفّرت للمهراج تعظيما. وسائر ملوك الهند والصّين يقولون بالتناسخ ويدينون به، وذكر بعض من يوثق بخبره انّ ملكا من ملوكهم جدّر «١» فلمّا خرج من الجدري نظر في المرآة فاستقبح وجهه فأبصر ابنا لأخيه، فقال له: ليس مثلي أقام في هذا الجسم علي تغيره وانّما هو ظرف للرّوح متى زال عنه عاد في غيره فقم بالملك فانّي مزيل بين جسمي وروحي إلى أن انحدر في جسم غيره، ثم دعا بخنجر له

стр. 68

مشحوذ قاطع فأمر به فحزّ رأسه ثمّ أحرق. رجع الى اخبار الصّين وذكر بعض أمورهم كان أهل الصّين من شدّة التفقّد لأمرهم في قديم أيامهم وقبل تغيّره في هذا الوقت على حالة لم يسمع بمثلها. [خبر التاجر الخراساني مع خصي الملك] وقد كان رجل من أهل خراسان «١» ورد العراق فابتاع متاعا كثيرا وخرج إلى بلاد الصّين، وكان فيه بخل وشح شديد، فجرى بينه وبين خصيّ للملك كان أنفده إلى خانفو وهى المدينة التي تقصدها تجار العرب لأخذ ما يحتاج إليه ممّا يرد في المراكب- وكان هذا الخصيّ من أجل خدم الملك وإليه خزائنه وأمواله- مشاجرة في أمتعة العاج وغيره، امتنع عن بيعها حتّى شرق الأمر بينهما، وحمل الخصيّ نفسه على انتزاع خيار الأمتعة التي كانت معه واستهان بأمره، فشخص مستخفيا حتّى ورد خمدان، وهو بلد الملك الكبير في مقدار شهرين من الزّمان وأكثر، فخرج إلى السلسلة التّي وصفت في الكتاب، وسبيل من حرّكها على الملك الكبير أن يباعد إلى مسيرة عشرة أيام على سبيل النفى، ويؤمر بحبسه هناك شهرين، ثم يخرجه ملك تلك الناحية، ويقول: انك تعرّضت لما «٢» فيه بوارك وسفك دمك إن كنت كاذبا، وإذ كان الملك قد قرّب لك ولأمثالك من وزرائه وملوكه من لا يعوزك الانتصاف

стр. 69

بهم، واعلم أنك متى وصلت إلى الملك فلم يكن ما تظلمت منه ممّا يجب في مثله الوصول إليه، فليس دون دمك شيء لئلّا يقدم على ما أقدمت كلّ من يهمّ بمثله، فاستقل نقلك وامض لشأنك، فإن استقال ضربه خمسين خشبة ونفى إلى البلاد التي منها قصد، وان أقام على تظلّمه وصل ففعل ذلك بالخراسانيّ، فأقام على ظلامته والتمس الوصول، فبعث به ووصل إلى الملك، فسأله الترجمان عن أمره، فأخبره بما جرى عليه من الخادم وانتزاعه من يده ما انتزع وكان الأمر فيه قد شاع بخانفو وذاع فأمر الملك بحبس الخراساني وإزاحة علّته في مطعمه ومشربه، وتقدّم إلى وزيره في الكتاب إلى العمال بخانفو بالفحص عمّا ادّعاه الخراساني وكشفه والصّدق عنه، وأمر صاحب الميمنة والميسرة وصاحب القلب بمثله، وهؤلاء الثلاثة عليهم يدور بعد الوزير أمر جيوشه ويثق بهم على نفسه، واذا ركب بهم بحرب أو غيره كان كل واحد منهم في مرتبته، فكتب كلّ واحد منهم وقد كشف عن الأمر بما وقف به على صحة الدعوى من الخراساني، فتتابعت به الأخبار عند الملك من كلّ جهة، فأشخص الخصيّ، فلمّا ورد قبض أمواله ونزع خزائنه من يده، وقال له كان حقك القتل إذا عرّضتني لرجل قد سلك من خراسان، وهى على حدّ مملكتي، وصار إلى بلاد العرب، ومنها الى ممالك الهند، ثمّ إلى بلدي طلبا للفضل، فأردت أن يعود مجتازا بهذه الممالك ومن فيها فيقول: انّي ظلمت ببلاد الصّين وغصب مالي، لكنّي أتجافى عن دمك لقديم حرمتك وأولّيك تدبير الموتى إذ عجزت عن تدبير الأحياء، وأمر به فجعله في مقابر

стр. 70

الملوك يحرسها ويقوم بها. [ذكر من يتولى القضاء واختبارهم لأمره] ومن عجيب تدبيرهم في قديم الأيام دون هذا الوقت أمر الاحكام وجلالها في صدورهم، واختيارهم لها من لا يخالج قلوبهم الشّك في علمه بشرائعهم وصدق لهجته وقيامه بالحقّ في كلّ أحواله وتجنّبه الإغماض عمّن جلّ مقداره حتّى يقع الحقّ موقعه، ويكون عفيفا عن أموال أهل الضّعف وما يجري على يده، فإذا عزموا على تقليد قاضي القضاة أنفذوه قبل تقليده إلى جميع البلدان التي هي أعمدة بلادهم، حتى يقيم في كل بلد شهرا أو شهرين فيبحث عن أمر أهله وأخبارهم ورسومهم، ويعلم من يجب قبول قوله منهم معرفة يستغني بها عن المسألة، فإذا سلك به هذه الامصار، ولم يبق في المملكة بلد جليل الّا وطيه، رحل إلى دار المملكة وولى قضاء القضاة وجعل إليه اختيارهم، فيليهم، وعلمه بجميع المملكة ومن يجب أن يقلّد في كلّ بلد من أهله أو غيرهم علم من يستغني بعلمه عن الرجوع إلى من لعله ان يميل فيه أو يقول بغير الحقّ فيما يسأل عنه، ولا يتهيأ لأحد من قضاته أن يكاتبه بشيء قد علم خلافه أو يزيله عن جهته، ولقاضي القضاة مناد في كلّ يوم ينادي «١» على بابه يقول: هل من متظلّم على الملك المستور عن عيون رعيّته، أم من أحد من أسبابه وقواده وسائر رعيته فانّي أنوب في ذلك كلّه عنه لما بسط به يدي وقلّدني، يقول ذلك ثلثا، لأن الملك في عقدهم ان الملك لا يزول عن موضعه حتّى تنفذ الكتب من

стр. 71

دواوين الملوك بالجور المصرّح، وأن يهمل أمر الحكم والحكام، وانّه متى تحفّظ من هذين الأمرين، فلم تنفذ الكتب من الدواوين الّا بالعدل، ولم يل الحكم الّا من يقوم بالحقّ فالملك منتظم. فأمّا خراسان ومتاخمتها لبلاد الصّين فالذي بينها وبين الصغد مسيرة شهرين الّا انّه في مفازة ممتنعة ورمال منتظمة لا ماء فيها ولا أودية لها ولا عمارة بقربها، فهو السّبب المانع من هجوم أهل خراسان على بلدهم وأمّا ما كان من الصّين يلي مغرب الشّمس، وهو الموضع المعروف بمذو فهو على حدود التبّت والحروب بينهم متّصلة. وقد رأينا ممّن دخل الصّين ذكر: أنّه رأى رجلا حمل على ظهره مسكا في زقّ وورد من سمرقند راجلا يقطع بلدا بلدا من مدن الصّين حتّى صار الى خانفو وهو مجتمع التّجار القاصدين من سيراف. [ذكر استخراج المسك] وذلك أن الأرض التي بها ظباء المسك الصّينيّ والتبّت أرض واحدة لا فرق بينهما، فأهل الصّين يجتذبون ما قرب منهم من الظباء وأهل التبّت ما قرب منهم وانّما فضل المسك التبتيّ على الصّينيّ بحالتين: إحداهما أنّ ظبي المسك يكون في حدّ التبّت رعية من سنبل الطيب، وما يلي أرض الصّين منها رعيه سائر الحشائش.

стр. 72

والحالة الأخرى: ترك أهل التبّت النوافج في حالها وغشّ أهل الصّين لما وقع إليهم منها، وسلوكهم أيضا في البحر وما يلحقهم من الإيذاء فإذا ترك أهل الصّين المسك في نوافجه وأودعت البراني، واستوثق منها وورد أرض العرب كالتبتّي في جودته، وأجود المسك كلّه ما حكّه الظبي على أحجار الجبال إذ كان مادة تصير في سرّته ويجتمع دما عبيطا كاجتماع الدم فيما يعرض من الدمامل، فإذا أدرك حكّه واضجره فيفرع إلى الحجارة حتّى يخرقه فيسيل ما فيه، فإذا خرج عنه جفّ واندمل وعادت المادّة تجتمع فيه من ذي قبل. وللتبّت رجال يخرجون في طلب هذا، ولهم به معرفة فإذا وجدوه التقطوه وجمعوه وأودعوه النوافج وحمل الى ملوكهم، وهو نهاية المسك إذ كان قد أدرك في نوافجه على حيوانه، وصار له فضل على غيره من المسك كفضل ما يدرك من الثمار في شجرة على سائر ما ينزع منه قبل ادراكه، وغير هذا من المسك فانّما يصاد بالشرك المنصوب أو السّهام، وربما قطعت النوافج عن الظبي قبل ادراك المسك فيها، وعلى أنّه اذا قطع عن ظبائه كان كريه الرائحة مدّة من المدد حتّى «١» يجفّ على الأيام الطويلة، وكلّما جف استحال حتى يصير مسكا، وظبي المسك كسائر الظباء عندنا في القدّ واللّون، ودقة القوائم، وافتراق الأظلاف، وانتصاب القرون، وانعطافها، ولها نابان دقيقان أبيضان في الفكّين قائمان في وجه الظبي، طول كلّ واحد منهما مقدار فتر، ودونه على هيئة ناب

стр. 73

الفيل، فهو الفرق بينها وبين سائر الظباء. ومكاتبات ملوك الصّين لملوك أمصارهم وخصيانهم على بغال البريد مجهّزة الاذناب على سبيل بغال البريد عندنا على سكك معروفة. وأهل الصّين مهما وصفناهم من أمرهم يبولون من قيام، وكذلك سائر رعيتهم من أهل بلادهم، فأمّا الملوك والقوّاد والوجوه فلهم أنابيب من خشب مدهونة طول كل خشبة منها ذراع، وفي الطرفين ثقبتان تتّسع العليا للحشفة فيقف على رجله اذا اراد البول ويباعدها عن نفسه ويبول فيها، ويزعمون انّ ذلك أصحّ لأجسامهم، وأنّ سائر ما يعتري من وجع المثانة والبول من الاستحجار «١» فيها، انّما هو من الجلوس للبول، وأنّ المثانة لا تصفوا بما فيها إلّا مع القيام لذلك. والسبب في تركهم الشعور على رؤوسهم أعني الرجال امتناعهم من تدوير رأس المولود وتقويه كما يستعمل العرب، وقولهم ان ذاك ممّا يزيل الدّماغ عن حالة التي خلق عليها، وانّه يفسد الحاسة المعروفة، فرؤوسهم مضطربة يسترها الشعر ويعفّى عليها. فأمّا المناكح ببلاد الصّين وهم شعوب وقبائل كشعوب بني اسرائيل «٢» والعرب وبطونها يتعارفون ذاك بينهم، ولا يزوّج احد منهم قريبا ولا ذا نسب ويتجاوزون ذلك حتّى لا تتزوّج القبيلة في قبيلتها، مثال ذلك ان بنى تميم لا تتزوّج في تميم، وربيعة لا

стр. 74

تتزوّج في ربيعة وإنما تتزوّج ربيعة في مضر، ومضر في ربيعة، ويدعون أنّ ذلك أنجب للولد. بعض أخبار الهند في مملكة بلهرا وغيره من ملوك الهند من يحرق نفسه بالنار، وذلك لقولهم بالتناسخ وتمكّنه في قلوبهم، وزوال الشكّ فيه عنهم. [ذكر إحراق اهل الهند لأنفسهم] وفي ملوكهم من اذا قعد للملك طبخ له أرز ثمّ وضع بين يديه على ورق الموز، وينتدب من أصحابه الثلاثمائة والأربعمائة باختيارهم لأنفسهم لا بإكراه من الملك لهم، فيعطيهم الملك من ذلك الأرز بعد أن يأكل منه، ويتقرّب رجل رجل منهم فيأخذ منه شيئا يسيرا فيأكله، فيلزم كلّ من أكل من هذا الأرز اذا مات الملك أو قتل أن يحرقوا أنفسهم بالنّار عن آخرهم في اليوم الذي مات فيه لا يتأخّرون عنه حتّى لا يبقى منهم عين ولا أثر. وإذا عزم الرّجل على إحراق نفسه صار إلى باب الملك فاستأذن، ثمّ دار في الأسواق وقد أجّجت له النّار في حطب جزل كثير عليها رجال يقومون بإيقادها حتّى تصير كالعقيق حرارة والتهابا، ثمّ يعدوا، وبين يديه الصنوج دائرا في الأسواق، وقد احتوشه أهله وقرابته، وبعضهم يضع على رأسه إكليلا من الريحان يملؤه جمرا، ويصبّ عليه السندروس «١» ، وهو مع النّار

стр. 75

كالنفط، ويمشي وهامته تحترق وروائح لحم رأسه تفوح، وهو لا يتغتّر في مشيته، ولا يظهر منه جزع، حتّى يأتي النّار فيثبت فيها فيصير رمادا. فذكر بعض من حضر رجلا منهم يريد دخول النّار، انّه لما اشرف عليها أخذ الخنجر فوضعه على رأس فؤاده فشقّه بيده إلى عانته، ثمّ أدخل يده اليسرى فقبض على كبده، فجذب منها ما تهيأ له، وهو يتكلّم ثمّ قطع بالخنجر منها قطعة فدفعها إلى اخيه استهانة بالموت وصبرا على الألم، ثم زجّ بنفسه في النّار إلى لعنة الله. «١» وزعم هذا الرجل الحاكي: أنّ في جبال هذه الناحية قوما من الهند سبيلهم سبيل الكنيفية «٢» والجليدية «٣» عندنا في طلب الباطل والجهل وبينهم وبين أهل الساحل عصبية، وانه لا يزال رجل من أهل الساحل يدخل الجبل فيستدعي من يصابره على التمثيل «٤» بنفسه، وكذلك أهل الجبل لأهل الساحل، وأنّ رجلا من أهل الجبال صار إلى أهل الساحل لمثل ذلك، فاجتمع إليه النّاس بين ناظر ومتعصب، فطالب أهل العصبية بأن يصنعوا مثل ما يصنع فإن عجزوا عنه اعترفوا بالغلبة، وانه جلس عند رأس منابت القنا وأمرهم باجتذاب قناة من تلك القنا وسبيله سبيل القصب في
следующие страницы →