Полный текст (216 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أيضًا عن غير هؤلاء ثم ارتحل إلى الروم ورجع منها إلى حلب سنة ١١٤٤ فأخذ جملة من المنطق والأصلين عن الشيخ صالح البصري والشيخ محمد بن الزمار والشيخ قاسم البكرجي وقد ذكر سائر مشايخه في ثبته وعظم أمره واشتهر ذكره وله شعر لطيف جمعه في ديوان فمنه قوله مقتبسًا:
أعبد الله وأجاهد … فإذا فرغت فانصب
والزم التقوى خلوصًا … وإلى ربك فارغب
وله غير ذلك وكانت وفاته بحلب سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى (يقول المختصر) اطلعت عندنا على شرح لصاحب الترجمة على كتاب أخصر المختصرات للشمس محمد البلباني في مجلد تاريخ تأليفه سنة ١١٣٨ وعلى ظهر الشرح المذكور هذان البيتان منسوبين إلى المؤلف وهما:
عدة كتب ذا الكتاب عشره … مع ثمان كلها مشتهرة
أبوابه سبع فصول مائة … وستة وهي به منتشره
* الشيخ محمد اللبدي
محمد بن مصطفى بن عبد الحق اللبدي الأصل والشهرة الدمشقي المولد والوفاة مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد شيخنا الشهاب البعلي الشيخ العالم الفاضل الكامل المتفوق الفرضي الحيسوب الفقيه النحرير الصالح الناسك الهمام الأوحد مصلح الدين أحد أشياخنا الأئمة الأعلام كان مولده بدمشق سنة أربعين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده المقدم ذكره وتلا القرآن العظيم على شيخنا محمد بن عبد الرحمن المكتبي وشرع في طلب العلم فأخذ الفقه عن شيخنا البعلي المقدم ذكره وأخذ بقية العلوم عن شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني وقرأ الأربعين النووية مع شرحها لابن حجر المكي وأول البخاري على الإمام عبد الرحمن بن جعفر الأزرملي نزيل دمشق وأجاز له وأخذ النحو عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي ودرس في الجامع الأموي وانتفعت به الطلبة وخصوصًا الحنابلة ولم يزل على طريقة مثلى حتى توفي
стр. 142
وكانت وفاته قبيل فجر يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائة وألف وصلي عليه عقب صلاة الظهر بالجامع الشريف الأموي ودفن بمرج الدحداح قريبًا من قبر شيخ شيوخه العلامة عبد القادر بن عمر التغلبي تجاه باب الجبانة الكبرى وأعقب ثلاثة أولاد ذكور رحمه الله تعالى.
* القاضي عبد الرحيم البرادعي
عبد الرحيم بن علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي الشيخ الفاضل الهمام الأوحد الكاتب الماهر قاضي الحنابلة بدمشق كان مولده بصالحية دمشق سنة سبع عشرة ومائة وألف ونشأ في كنف والده المقدمة ترجمته وقرأ القرآن العظيم على السيد ذيب بن أصلان البعلي المكتبي وشرع في طلب العلم فأخذ الفقه عن والده وعن الفقيه محمد بن عبد الجليل المواهبي وحضر دروس العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ عن غيرهم ونبل قدره وعظم مجده وفخره وولي قضاء الحنابلة بدمشق مدة تزيد على ثلاثين سنة ولم يزل على طريقته المثلى إلى أن توفي وكانت وفاته يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وألف وصلى عليه بجامع السلطان سليم خان العثماني بصالحية دمشق ودفن بالروضة من السفح القاسيوني بجانب والده ﵀.
* السيد إسماعيل الجراعي مفتي الحنابلة بدمشق
إسماعيل بن عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الشهير بالجراعي الدمشقي الشريف لأمه النابلسي الأصل مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشيخ الفاضل الأديب الفقيه الفرضي المحصل البارع المتفوق ولد بدمشق في خامس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده المقدمة ترجمته وتلا القرآن العظيم على الشيخ إسماعيل بن محمد اللبدي وأخذ علم القراءات عن الشيخ إبراهيم بن عباس الحافظ شيخ الأقراء بدمشق وعن الشيخ عبد الرحمن القاهري
стр. 143
مقري الديار المصرية حين قدم دمشق وأخذ عقائد تقي الدين بن تيمية الحراني وموفق الدين بن قدامة الصالحي والشمس محمد البلباني عن والده وأخذ عنه أيضًا الفقه والفرائض والحساب وأخذ النحو والمنطق والأصلين عن الشيخ أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي والجد شيخ الإسلام (أو مفتي الشافعية بدمشق) الشمس محمد الغزي العامري والشهاب أحمد المنيني والجمال عبد الله البصروي والشرف موسى المحاسني والعماد إسماعيل العجلوني والعلامة علي الطاغستاني وأخذ الفقه أيضًا عن الشيخ عواد الكوري والشيخ مصطفى اللبدي والشيخ إسماعيل اللبدي المذكور وأخذ علم الحديث عن الشيخ صالح الجينيني وعن العجلوني المقدم ذكره وحضره في مجالس الحديث تحت القبة بالجامع الأموي ونبل قدره وغزر فضله وارتحل إلى قسطنطينية المحمية مرارًا وحظي ببعض الوظائف السلطانية من العثامنة والتداريس بدمشق واجتمع بأفاضل الروم وصدورها وفي سنة ١١٩٥ وجهت له فتوى الحنابلة بدمشق وعزل عنها الشيخ محمد بن أحمد البعلي الدمشقي ثم عزل عنها ووجهت للبعلي المرقوم ولم يزل كل منهما يعزل صاحبه حتى استقر أمرها لصاحب الترجمة وبقيت عليه إلى وفاته ودرس في الجامع الشريف الأموي بعد وفاة الشيخ محمد اللبدي وأقبلت عليه الطلبة من الحنابلة وغيرهم وتولى وظيفة التكلم على أوقاف الجامع المظفري بصالحية دمشق وكان كثير المخالطة لأمور الناس وألف مؤلفات نافعة فمنها شرح دليل الطالب في مجلدين قرظه له العلماء من أهل المذهب وغيره وشرح غاية المنتهى لم يكمله وشرح قصيدة ابن أبي عوانة الشاعر الجاهلي التي مطلعها:
أفاطم لو شهدت ببطن خبت … وقد لاقى الهز بر أخاك بشرا
وله عدة مقامات أنشأها في وقائع مخصوصة أوقفني على بعضها فرأيته في غاية النفاسة وكان بيني وبينه من المحبة والمودة ما لا مزيد عليه (هذا عجيب من المؤلف الغزي إذ صاحب الترجمة أكبر من والده فهو من طبقة شيوخه لا محالة وليت شعري ماذا يريد بهذا وأمثاله مما وجدته في الأصل بخطه سامحه الله) وكان طويل القامة بشوشًا متواضعًا لطيف المحاضرة حلو المذاكرة بديع النكتة والنادرة ذا همة عالية في قضاء حوائج الناس مبادرًا إلى رد الحقوق إلى أهلها وله شعر
стр. 144
لطيف وكانت وفاته يوم الاثنين حادي عشر جمادي الأولى سنة اثنين ومائتين وألف بداره بزقاق الشالق بمحلة سويقة صاروجا وصلي عليه بجامع التوبة بعيد العصر ودفن بتربة مرج الدحداح قرب قبورنا رحمه الله تعالى.
* الشيخ حامد اللبدي النابلسي
حامد بن مصطفى اللبدي الأصل النابلسي الشهرة الدمشقي المولد والوفاة الخلوتي شيخ السجادة الطباخية بدمشق بعد شيخنا البدر حسن المرجاني الشهير بالطباخ الشيخ الصالح البركة الدين الورع السالك الأوحد تقدمت ترجمة أبيه وأخيه وكان مولد هذا بدمشق سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف كما أخبرني بذلك من لفظه ونشأ بها وتلا القرآن العظيم عَلَى الشيخ الصالح سعيد بن محمد الجعفري وأخذ الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد البعلي وبه انتفع وعانى صنعة التجليد فكان يأكل من كسب يده ثم تزوج بابنة شيخنا المرجاني المقدم ذكره ولازمه وخدم الطريق الخلوتي مدة ثم لما كان يوم الجمعة في جمادي الثانية سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف دعا البدر المرجاني المذكور جماعة من علماء دمشق إلى حجرته الغربية في الخانقاه السميساطية فعمل حلقة الذكر بعد صلاة الجمعة على عادتهم وأقام صاحب الترجمة خليفة عنه وأشهد من حضر عَلَى ذلك وبالجملة فكان المترجم رجلًا صالحًا ذا شيبة منورة ووجه وضيء بشوشا له تودد للناس ملازمًا لخويصة نفسه ولم يزل على طريقته المثلى وحالته الحسنة حتى توفاه الله تعالى وكانت وفاته يوم الأحد رابع عشري جمادي الثانية سنة خمس ومائتين وألف وصلي عليه وقت صلاة العصر في الجامع الأموي ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى.
* الشيخ إبراهيم النجدي
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن أبي يوسف النجدي الأصل والشهرة الأشيقري نسبة إلى بلدة من بلاد نجد نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي المحصل اللبيب الناسك المتقشف بقية السلف الصالح برهان
стр. 145
الدين ولد في منتصف جمادي الآخرة سنة ست وأربعين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم على محمد بن أحمد بن سيف وأحمد بن سليمان النجديين وأخذ بعد ذلك في طلب العلم فقرأ في مبادئ الفقه على خاله الشيخ عثمان بن عبد الله وحج من بلادهم ثلاث مرات وفي المرة الأخيرة قدم دمشق صحبة الركب الشامي فدخلها في صفر سنة ١١٨١ واستقام بها لطلب العلم فأخذ الفقه وأصوله عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والشيخ محمد بن مصطفى اللبدي وأخذ العربية عن شيخنا القطب عمر بن عبد الجليل البغدادي وحضر في الصحيحين على شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله العطار في الجامع الأموي بين العشائين وأخذ الفرائض عن الشيخ إبراهيم الكردي وحضر دروس شيخنا المحقق علي أفندي الطاغستاني ونبل قدره وعلا ذكره ودرس في الجامع المعمور الأموي بعد وفاة شيوخنا وأقبلت عليه الحنابلة وانتفعوا به وصار مرجعا في مسائل المذهب ودقائقه وكان فقيرًا صابرًا عليه سيما العلم والعمل والتقوى وكان متقللا من الدنيا معرضا عن زخارفها لا يتردد إلى أحد من أبنائها مثابرًا على صلاة الجماعة في الجامع الأموي مصون اللسان عن اللغو وبالجملة فهو آخر الفقهاء الحنابلة موتا بدمشق ولم يزل على هذه الحالة حتى توفي مطعونا شهيدًا طعن ليلة الأربعاء سادس عشر شوال سنة خمس أو ست ومائتين وألف توفي بعيد عصر اليوم المذكور وهو في غاية من اليقظة وصلي عليه في مسجد الشيخ عبد الله المنكلاني بمحلة القيمرية ودفن قبيل الغروب في الجبانة الرسلانية تجاه السور الدمشقي وكثر الأسف عليه رحمه الله تعالى.
стр. 146
* الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١)
شيخ الإِسلام ومصباح الظلام ومفيد الأنام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن
_________
(١) هذه الترجمة منقولة من كتاب "علماء نجد، خلال ستة قرون" لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسّام، ١/ ٢٥ - ٢٦.
стр. 147
قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وإلى هنا يقف ثقات الرواة، وإلا فبعض أهل النسب بلغ بهذا النسب آدم ﵇ بمائة وثمانين جدًا ولكنه لم يثبت.
وهذا النسب: إلى عقبة منقول بالتواتر ومن خطوط علماء الوهبة المعتبرين المجمع على علمهم وثقتهم واطلاعهم من أمثال الشيخ سليمان بن علي والشيخ أحمد بن محمد بن بسام والشيخ أحمد بن محمد البجادي والشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير والشيخ عبد المحسن بن شارخ المشرفي والشيخ محمد بن أحمد القاضي. ومن عقبة إلى إلياس منقول عن ثقة النسابين والمؤرخين ومن أمثال العالم النسابة ابن الكلبي صاحب الجمهرة في الأنساب وياقوت الحموي الكاتب ومن إلياس يلتقي هذا النسب بالنسب النبوي الشريف.
ونود شرح هذا النسب وتوضيح أصوله وفروعه ولكنه يخرج بنا عن الموضوع فالشيخ ينسب فيقال المشرفي فنسبته إلى جده - مشرف - فأسرته آل مشرف، ويقال - الوهيبى - نسبة إلى جد أعلى هو - وهيب - جد الوهبة الذين هم بطن كبير من بني حنظلة في بني تميم وينسب فيقال - التميمي - نسبته إلى أبي القبيلة الشهيرة عامة وهو - تميم - أما والدة الشيخ محمد ﵀ فهي بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي فهي من عشيرته الأدنين.
أسرة الشيخ:
هو من بيت علم كبير قد توارثوه أبًا عن جد وباطلاعك على هذا الكتاب ستجد طائفة كبيرة كلهم من علماء - آل مشرف - مع أننا لم ننسب بعضهم إلى مشرف وإن كان منهم لاعتبار جد أقرب منه وإليك أسماء القريبين منه:
١ - والده الشيخ عبد الوهاب عالم كبير تولى قضاء العينيه وحريملاء.
٢ - جده الشيخ سليمان بن علي هو رئيس علماء نجد وأوسعهم علمًا وأنبههم ذكرًا فهو مرجع علماء نجد عامة ولى قضاء العيينة.
стр. 148
٣ - الشيخ إبراهيم بن سليمان بن علي عالم كاتب مشهور وهو عم الشيخ محمد.
٤ - الشيخ أحمد بن سليمان بن علي بن أهل العلم وهذا عمه الثاني.
٥ - الشيخ سليمان بن عبد الوهاب وهو أخو الشيخ.
٦ - أبناء الشيخ محمد خمسة كلهم من العلماء الكبار.
٧ - خال الشيخ محمد هو الفقيه الشيخ سيف بن محمد بن عزعز.
٨ - أبناء أخيه سليمان وأحفاده كلهم علماء.
وستمر بك ترجمهم مفصلة في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
بلد الشيخ وتنقله:
تقدم أن الشيخ من - الوهبة - وهذا البطن من تميم مقرهم في بلدة أشيقر - إحدى بلدان الوشم - فكانت أسرته آل مشرف مقيمين فيها مع جماعتهم حتى ولد جده العلامة الشيخ سليمان بن علي ونشأ فيها وأخذ العلم عن علمائها، وأخذ عنه بعضهم وكان صاحب عقارات في - أشيقر - ومن عقاراته بستان ونخل يسمى - الدخينية - وآخر يسمى - المسورية - تركها واستولى عليها بعده أناس في أشيقر يقال لهم - آل خريف - فلما ظهر أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب جاء أحد المستولين عليها وهو - عبد العزيز ابن خريف فقال للشيخ ﵀ يا شيخ بأيدينا - سبل لكم وأبيك تمضيها لي - فقال له الشيخ محمد ﵀ (ما أستر خصتنا أول ولا نحن بجايينك فيها تالى). فقال عبد العزيز بن خريف المذكور لحفيده خلف بن خريف (أعلم أن الدخنينية والمسورية لسليمان بن على فأنت كلها ما دام جاك لها أحد).
والقصد أن الشيخ سليمان كان مقيمًا في أشيقر حيث ولد ونشأ وتعلم حتى طلبه أهل - روضة سدير - قاضيًا لهم فانتقل إليهم. فصار بينه وبين أعيانها خلاف فغضب الشيخ وانتقل إلى العيينة وصار قاضيًا فيها واستوطنها وقدم عليه فيها جدنا الشيخ أحمد بن محمد بن بسام، فتزوج الشيخ سليمان بنته - فاطمة - فولدت له عبد الوهاب والد الشيخ محمد وابنه الثاني إبراهيم ابن سليمان. وتوفي الشيخ سليمان في العيينة. وولد فيها ونشأ وتعلم ابنه عبد الوهاب ثم صار قاضيًا فيها وتزوج فيها الشيخ عبد الوهاب وزوجته بنت محمد بن عزاز المشرفي فولدت له
стр. 149
الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - عام ١١١٥ هـ في العيينة ونشأ فيها وشرع في طلب العلم على والده حتى أدرك قسطًا وافرًا من العلم. ثم استأذن والده في الحج فسافر إلى مكة وأدى فريضة الحج وقصد المدينة وأقام فيها نحو شهرين ثم عاد إلى العيينة فتزوج واستمر في طلب العلم على والده وعلى غيره من علماء العيينة.
حالة نجد الاعتقادية في ذلك الزمن:
نحب أن نمضي في سيرة الشيخ حتى النهاية ولكن هنا يحسن توضيح أحوال نجد العلمية والاعتقادية فإن هذه الفترة من حياة الشيخ هي نقطة التحول من حال إلى حال أخرى، فنقول: يوجد في بلدان نجد فقهاء وعلماء في ذلك - الزمن وقبله بقرون متطاولة إلا أن جل اهتمامهم بالفقه والمسائل الفرعية فهم مقتصرون على بحث مسائل الفقه وتحريرها وتحقيقها وحفظ متونها واستيعاب شروحها وحواشيها. أما العلوم الشرعية الأخرى فنصيبهم فيها قليل، فليس هناك عناية بالتوحيد وتحقيقه ولا بالتفسير ولا بالحديث وشروحه بل حتى المعلوم العربية لا يهتمون بها إلا بما يقيم اللسان. وهم لذلك لا ينكرون على العامة ما هم واقعون فيه من تعظيم القبور والغلو في الصالحين والنذر لغير الله والحلف بغير الله والاعتقاد في بعض المسميات. ويرى هؤلاء العلماء جواز التوسل بذوات الصالحين كما يجيزون شد الرحال إلى القبور، فعند علماء نجد وعند عامتهم ما عند علماء الأمصار وما عند عامتهم من هذه الأمور البدعية الشركية.
سفر الشيخ:
سافر الشيخ محمد من نجد - وهي في هذه الحال وأهلها على هذا الاعتقاد - سافر إلى مكة المكرمة للحج وللتزود من العلم، فلما أكمل حجة شرع في طلب العلم في مكة المكرمة، فأخذ يتردد على علمائها ويباحثهم حتى استفاد منهم وفي هذه الفترة وجد في مكة المكرمة العلامة الكبير والمحدث الشهير الشيخ عبد الله بن سالم البصري صاحب كتاب - الإمداد في علو الإسناد - وليس لدى ما يثبت قراءة الشيخ محمد عليه. وإنما الزمن واحد. ثم توجه الشيخ محمد إلى المدينة النبوية فوجد فيها عالمين سلفيين أحدهما الشيخ المحدث محمد حياة السندي فقرأ عليه
стр. 150
وأخذ عنه رأى الشيخ محمد حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقفا عند الحجرة النبوية والعامة يعملون عندها ويقولون ما لا يليق من البدع والشرك فسأله شيخه محمد حياة عن رأيه في أولئك فقال الشيخ: (هؤلاء قوم ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) واستفاد من هذا العالم وأجازه.
أما العالم الآخر فهو الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف بن عبد الله الشمري السديري النجدي ثم المدني فهو من أهل المجمعة عاصمة سدير ثم استوطن المدينة المنورة وهو والد الشيخ ابن سيف صاحب العذب الفائض لشرح ألفية الفرائض. فقد أخذ عنه مسلسل الحنابلة والأولية وذلك في أول لقاء علمي بينهما حيث التسلسل يقع في هذه الجملة (وهو أول حديث سمعته منه). ثم شرع في القراءة عليه والاستفادة منه وكثيرًا ما يأتيه الشيخ في بيته الواقع في مزرعته في خارج المدينة وفي إحدى الزيارات قال الشيخ عبد الله لتلميذه محمد إلا تحب أن أريك سلاحًا أعددته لبلدي المجمعة فقال الشيخ نعم. قال الشيخ فأدخلني منزلًا عنده فيه كتب كثيرة فقال هذا هو السلاح الذي أعددته لها. إلَّا أن الشيخ عبد الله بن سيف لم يقدر له العودة إلى المجمعة بل بقي في المدينة واستطنها وذريته من بعده وصارت ذريته تعرف بالمدينة ببيت الفرضى نسبة إلى ابنه الشيخ إبراهيم صاحب العذب الفائض. كما أنهم تولوا بعد ذلك وظيفة الأذان في الحرم النبوي الشريف وتداولوا هذه الوظيفة إلى نهاية القرن الثالث عشر ولا أعلم عنهم الآن هل لا يزال لهم بقية أو انقرضوا.
والقصد أن الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - تزود من علماء الحرمين الشريفين ثم رحل الشيخ إلى البصرة للاستزادة من العلم فقرأ على علماء البصرة. وكان من العلماء الذين لازمهم الشيخ محمد المجموعي (١) البصري وقراءته في مدرسة البصرة فوجد الشيخ في هذه الرحلة العلمية إلى الحرمين الشريفين وإلى البصرة من العلم ما لم يجده في نجد التي دروس علمائها لا تتجاوز فقه مذهب الإِمام أحمد فقد قرأ في التفسير والحديث وشروحه وعلوم العربية وغيرها حتى أدرك في ذلك مكة. قال الشيخ عبد القادر بن بدران الإمام الكبير محمد بن عبد الوهاب رحل إلى
_________
(١) نسبة إلى قرية قرب البصرة يقال لها - المجموعة -.
стр. 151
البصرة والحجاز لطلب العلم فأخذ عن الشيخ على أفندي الداغستاني وعن المحدث الشيخ إسماعيل العجلوني وغيرها من العلماء وأجازه علماء العصر بكتب الحديث وغيرها على اصطلاح أهل الحديث من المتأخرين.
ثم أن الشيخ في مدة إقامته في البصرة أخذ ينكر على العلماء والعامة أعمالهم البدعية والشركية وينهاهم عنها ويجادلهم فيها واستحسن شيخه المجموعي هذا منه ودخلت العقيدة الصحيحة في قلبه، وحدث الشيخ عثمان بن منصور الذي ذهب إلى البصرة والزبير أن أولاد هذا العالم المجموعي أحسن أبناء بلادهم عقيدة وصلاحًا بفضل الله تعالى ثم ببركة اجتماع والدهم بالشيخ محمد ﵀ وفي هذه الفترة قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن أنه صنف كتابه - كتاب التوحيد - بالبصرة لنفع هذه العامة الضالة.
وأما عامة الناس وخاصتهم فلم يقبلوا منه وآذوه أشد الأذى وأخرجوه وقت الهاجرة فخرج من البصرة ميممًا الزبير ماشيًا وحده فأدركه العطش الشديد وأشرف على الهلاك، فوافاه صاحب حمار مكارى يقال له - أبو حميدان - من أهل بلد الزبير وهو مشرف على الهلاك فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير فأراد مواصلة السفر إلى الشام لتمام مقصده من العلم فضاعت نفقته التي معه فانثنى عزمه عن المسير إليه فقصد الاحساء ونزل على العالم المشهور الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الاحسائي الشافعي فأكرمه وفادته واجتمع بعلماء الاحساء، وممن اجتمع به الشيخ عبد الله بن فيروز والد العالم الاحسائي الشهير محمد بن فيروز فسر به الشيخ محمد قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معرض حديثه عن رحلة الشيخ محمد وسفره (ثم إن شيخنا ﵀ رحل إلى الإِحساء وفيها فحول العلماء منهم عبد الله بن فيروز أبو محمد الكفيف ووجد عنده من كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم ما سر به وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته لعقيدة الإِمام أحمد) ا هـ. كما أنه بينهما صلة قرابة نسب وصهر، فأما النسب فكلاهما من الوهبة، أما الصهر فإن عبد الله بن فيروز هو ابن عمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي مدة هذه الرحلة صار بين والد الشيخ وبين رئيسها محمد بن حمد بن عبد الله بن معمر خلاف فعزل الشيخ عبد الوهاب عن القضاء، فارتحل الشيخ عبد الوهاب بأهله إلى بلدة حريملاء عاصمة بلدان الشعيب، فسكنها وولى القضاء فيها.
стр. 152
عاد الشيخ محمد من رحلته العلمية إلى نجد فقصد حريملاء لعلمه أن والده فيها، عاد الشيخ من هذه الرحلة وقد علم من أحوال الناس ومعتقداتهم ما أسخطه، كما جالس العلماء في هذه الأمطار وعرف ما عندهم من ضروب الاستقامة والانحراف فزادته هذه الرحلة بصيرة وخبرة وعلمًا وإدراكًا للأمور. ولما حل الشيخ. عند والده في حريملاء استأنف القراءة على والده وصار له أوقات خاصة يطالع فيها كتب التفسير والحديث والأصول وكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية ابن القيم فوجد في كتب هذين الإِمامين من العلوم الصحيحة والأقوال المبنية على الكتاب والسنة والتحقيق والأحكام المطابقة للعقل والنقل ما زاده بصيرةٍ وفهمًا وتحقيقًا. وصادف هذا الاطلاع من الشيخ ذهنًا حادًا وفكرًا نيرًا وفهمًا صحيحًا وتحررًا من التقليد وبعدًا عن الجمود وطلبًا للحق في مراجعة الصحيحة ومنابعه الأولى.
كل هذه المؤهلات وتلك المواهب جعلت منه عالمًا متبصرًا وإمامًا متحررًا ووجد عامة الناس يهيمون ويتعبدون بلا علم وعلماءَهم يرددون كتب الفروع متقيدين بمسائلها متمسكين بحرفيتها فأراد لهم الإصلاح فنادى بدعوته في بلدة حريملاء وندد بتلك العادات والعبادات التي ليست على بصيرة وأراد الرجوع بالناس إلى تصحيح العقيدة وخلوص العبادة ونقاوة الدين وصفاء التوحيد فصادف معارضة قوية ومشادة متينة وأذية كبيرة إلا أن هذا لم يثنه عن عزمه ولم يصده عن مقصده ولم يفت في عضده شأن الدعاة المصلحين وما يلقون في سبيل دعوتهم من الاضطهاد. وقد بدأ الشيخ بدعوته في حياة والده فكان والده لا يريد منه الشدة على الناس إلا أن الشيخ مصمم على ما أراد ولكنه لم يجهر بدعوته إلا بعد وفاة والده فجلس للتدريس والإفادة وتقرير العقيدة الصحيحة فتبعه بعض أهل هذه البلدة - حريملاء - ثم اشتهر أمره وذاع صيته وشاع خبره فوفد عليه أناس كثيرون من البلدان المجاورة وشرعوا في القراءة عليه التفسير والحديث والتوحيد والسيرة والفقه فكثر أتباعه قصار ينكر ما يراه مخالفًا للشريعة ومن ذلك أن مَوَلِيًا لرؤساء حريملاء كانوا يفسدون ويفسقون فأراد منعهم من الفساد والتعدي والأذية فهمّ هؤلاء الأوباش بالفتك به وقتله سرًا وتسوروا عليه جدار بيته فعلم بهم الناس
стр. 153
وصاحوا بهم فهربوا.
فأراد الشيخ البعد عن هؤلاء الأشرار كما أن هذه القرية لا تكفي لتكون مجالًا لدعوته ونشرها فلا بد من بلاد واسعة ومكان رحب فكانت مدينة - العيينة - هي أكبر بلدان نجد وأكثرها سكانًا فقصدها وأميرها يومئذ عثمان بن حمد بن عبد الله بن محمد بن معمر، فاستقبله الأمير بالحفاوة والإِكرام وقبول الدعوة والمناصرة والمؤازرة على دعوته وألزم الخاصة والعامة بامثال أمره وقبول قوله فصار للشيخ زيادة نشاط في القول وصار له نشاط فعلي، فقطع الأشجار المعظمة وكسر الأحجار المقصودة وهدم القباب المشيدة على القبور ومنها القبة المقامة على القبر المنسوب لزيد بن الخطاب ﵁ فاشتهر أمره وطارت أخباره وذاع صيته فكثر أتباعه إلا أن المعارضين والمعاندين أكثر من غيرهم فأذاعوا عنه الأكاذيب وأشاعوا عنه البهتان ورموه بالزور، ولا غرابة في ذلك فكل دعوة إصلاحية تصاب بمثل هؤلاء الأعداء ويقف في سبيلها المعاندون والمغرضون والحساد والجاهلون، إلا أن الدعوة في العيينة بلغت المسامع ووعتها القلوب.
انتقال الشيخ من العيينة إلى الدرعية:
بلغت دعوة الشيخ حاكم الاحساء - سليمان بن محمد بن عرير الحميدي الخالدي - وعظم عنده القصد منها والخوف من عواقبها على سلطانه كما بلغته مشوهة مزورة، فكتب ابن عرير إلى الأمير عثمان بن معمر بإخراج الشيخ من بلده وإن لم يفعل فسيغزونه ويقطع عنه مرتباته الشهرية. فعلم أن لا طاقة له بملك الاحساء ومعاداته فطلب من الشيخ مغادرة بلدته، ولم يصل إلى الشيخ منه أذية ولم يأمر مرافقها إلى الدرعية بقتله كما جاء في بعض نسخ - عنوان المجد - فإن ابن بشر استدرك ذلك وصححه في النسخة الأخيرة التي اطلعت عليها عند أحفاد المؤرخ بالزبير ففيها تكذيب خبر إرادة قتل الشيخ محمد. والقصد أن الشيخ ارتحل من العيينة وولى وجهه إلى الدرعية وهي يومئذٍ قرية يتداول الحكم فيها ذرية الأمير - مانع بن ربيعة المريدي الحنفي - جد الأسرة السعودية الكريمة الحاكمة، وكان الحاكم عند قدوم الشيخ إليها الأمير - محمد بن سعود - فوصل الشيخ إلى الدرعية ونزل ضيفًا على أحد تلاميذه وهو الشيخ - أحمد بيع سويلم العريني - ووصوله
стр. 154
الدرعية كان في عام - ١١٥٨ هـ - فلما استقر فيها وعلم بمقدمة أمير الدرعية - محمد بن سعود - جاءه في دار أحمد بن سويلم، فقابله بالحفاوة والتكريم وقال له أبشر أيها الشيخ بالمنعة والنصرة، فأجابه الشيخ بقوله وأنا أبشرك بالأجر والعز والتمكين والغلبة وكلمة التوحيد من تمسك بها ونصرها أيده الله في الدنيا ومكنه وأجزل أجره في الآخرة، ثم أخذ الشيخ يشرح للأمير حقيقة الإسلام ويبين له أصل التوحيد وأمر ما عليه أهل نجد من الجهل والبدع والشرك. فلما قرر الشيخ للأمير هذه الأمور المهمة وقنع بها الأمير قال لا شك أن ما دعوت إليه أيها الشيخ هو دين الله الصحيح وحقيقة العقيدة وإن ما عليه أهل نجد هو ضلال ولكن أخشى إن نحن أيدناك ونصرناك وجاهدنا معك أن تتركنا إلى غيرنا. كما أن لنا على أهل الدرعية قانونًا نأخذه عليهم وقت حصاد الزروع وقطع الثمار وأخشى أن تحرمه علينا وتمنعنا منه، فأجابه الشيخ عن الأولى بالمعاهدة على البقاء معه مهما امتدت به الأيام وتغيرت الأحوال وعن الثاني بأن الله تعالى سيعوضه عن هذا القانون بما يقبضه من الأموال الشرعية، فتعاقدا وتعاهدا على ذلك، ومن ذلك اليوم أصبحت الدعوة في طور جديد هو طور التنفيذ والجهاد وصارت الكتب ترسل من الشيخ محمد إلى أمراء نجد وعلمائها بالدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه الحق والجيوش تعبث من الدرعية إلى ما يليها من القرى والمدن والبوادي والشيخ من وراء هذا كله يجاهد بلسانه وقلمه وينظم الجيوش ويبعث البعوث مع الإِمام محمد بن سعود فقامت الدعوة على قدم وساق واشتهرت وانتشرت وصار لها كيان ومركز قوى بالدعاة والقوة المادية.
وهذه الدعوة الإِسلامية الإِصلاحية وجدت معارضة ومقاومة شأنها شأن غيرها من الدعوات واشتدت عليها المعارضة والعنف من أمراء نجد وعلمائها وأعيانها واتباعهم من العامّة. فتبودلت القصائد بين شعراء هؤلاء وشعراء هؤلاء كما تبودلت الرسائل العلمية والمصنفات بين الطائفتين من علماء الدعوة وأخصامهم. ومن وراء ذلك كله الجيوش بين آل سعود المؤيدين للدعوة وأمراء بلدان نجد المعارضين المعاندين تسند هؤلاء وهؤلاء قوة، فصار في نجد حركة كبيرة عظيمة شغلت البلدان النجدية وما جاورها من بلاد العرب هذا والدعوة في طورها الأول من حيث الظهور والانتشار والفتوح.
стр. 155
ومن رسالة للشيخ عبد الرحمن بن حسن بعد قدومه من مصر يتحدث فيها عن رحلة الشيخ محمد:
"فلما شرح الله صدره واستنار قلبه بنور الكتاب والسنة وتدبر الآيات ومطالعة كتب التفسير وأقوال السلف والأحاديث الصحيحة سافر إلى البصرة ثم إلى الإِحساء والحرمين لعله يجد من يساعده على ما عرف من دين الإِسلام فلم يجد أحدًا. كلهم قد استحسن العوائد وما كان عليه غالب الناس في هذه القرون المتأخرة إلى منتصف القرن الثاني عشر ولا يعرف أن أحدًا دعا فيها إلى توحيد الله وأنكر الشرك المنافي له بل قد ظنوا جواز ذلك واستحبابه وبذلك عمت البلوى من عبادة الطواغيت والقبور والجن والأشجار والأحجار في جميع القرى والأمصار والبوادي وغيرهم وما زالوا كذلك إلى القرن الثاني عشر فرحم الله كثيرًا من هذه الأمة بظهور شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكان قد عزم وهو بمكة أن يصل إلى الشام مع الحاج فعاقه عائق فقدم المدينة وأقام فيها ثم أن العليم الحكيم رده إلى نجد رحمة لمن أراد أن يرحمه بمن يؤويه وينصره وقدم على أبيه وأهله ببلده حريملاء فدعاهم إلى التوحيد ونفى الشرك والبراءة منه ومن أهله وبيّن لهم الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وكلام السلف، فقبل منه من قبل وهم الأقلون، وأما الملاء من الكبراء والظلمة والفسقة فكرهوا دعوته فخافهم على نفسه وأتى العيينة وأظهر الدعوة بها وقبل منه كثير منها حتى رئيسهم عثمان بن حمد بن معمر ثم أن أهل الإِحساء وهم خاصة العلماء أنكروا دعوته وكتبوا شبهات تبين جهلهم وضلالهم وأغروا به شيخ بني خالد فكتب لابن معمر أن يقتل هذا الشيخ أو يطرده في تحمل مخالفته فنفاه عن بلده إلى الدرعية فتلقاه محمد بن سعود بالقبول وبايعه على أن يمنعه مما يمنع منه أهله وولده وهذه أيضًا نعمة عظيمة وكون الله أتاح له من ينصره ويؤويه ومن هو أقوى من ابن سعود لم يحصل منه ذلك وصبر الأمير محمد على عداوة الأقصى والأدنى من أهل نجد والملوك من كل جهة وبادأهم دهام ابن دواس بالحرب فهجم على الدرعية على حين غفلة من أهلها فحاربهم وقتل أولاد محمد فيصلا وسعودا، فما زاد محمد إلا قوة وصلابة في دينه على ضعف منه وقلة في العدد والعدة وكثرة من عدوهم من وذلك من نعمة الله علينا وعليكم، فرحم الله هذا الشيخ الذي أقامه الله مقام رسله وأنبيائه في الدعوة إلى دينه ورحم
стр. 156
من آواه ونصره فلله الحمد والمنة على ذلك. وفيما جرى من ابن سعود شبيه بما جرى من الأنصار في بيعة العقبة. ثم أن بني خالد وأهل نجد العراق والأشراف والبوادي وغيرهم تجردوا لعداوة هذا الشيخ ومن كان آواه ونصره وأقبلوا على حربهم بعتادهم وجنودهم فأبطل الله كيد من عاداهم وكل من رام من هؤلاء الملوك وأعوانهم أن يطفئ هذا النور أطفأ الله وجعله رمادًا كثير من أموالهم فيئًا للمسلمين.
وهذه عبرة عظيمة ومنة جسيمة ثم أن الله بفضله وإحسانه أظهر هذا الدين في نجد وأذل من عاداه فعمت النعمة أهل نجد ومن والاهم شرقًا وغربًا وحفظ الله عليكم نعمة الإِسلام التي رضيها لعباده دينًا فلم يقدر أحد أن يقهرها بقوته وقدرته فاشكروا نعمة ربكم" ا هـ.
من رسالة كتبها الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى نواحي ومقاطعات نجد بعد عودته من البلاد المصرية.
قال الشيخ عبد القادر بن بدران علامة الشام في حق الشيخ:
"العالم الأثري والإِمام الكبير محمد بن عبد الوهاب رحل إلى البصرة والحجاز لطلب العلم فأخذ عن الشيخ علي أفندي الداغستاني وعن الشيخ المحدث إسماعيل العجلوني وغيرهما من العلماء وأجازه محدثو العصر بكتب الحديث وغيرها على اصطلاح أهل الحديث من المتأخرين ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع ويقاوم أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيف والشريعة السمحاء وأعانه قوم أخلصوا العبادة لله وحده على طريقته التي هي إقامة التوحيد الخالص والدعوة إليه وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بسائر أنواعها لخالق الخلق وحده فهب إلى معارضته قوم ألفوا الجمود على ما كان عليه الآباء وتذرعوا بالكسل عن طلب الحق وهم لا يزالون إلى اليوم يضربون على ذلك الوتر وجنود الحق تكافحهم لتردهم إلى صوابهم وما أحقهم بقول القائل:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
стр. 157
ولم يزل مثابرًا على الدعوة إلى دين الله تعالى حتى توفاه الله تعالى من كلام بدران ا هـ.
وإلى القارئ بعض المعارضين للدعوة من علماء نجد في زمن الشيخ:
١ - محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإِحسائي.
٢ - محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي أصلًا ثم الاحسائي مولدا ومنشأ.
٣ - راشد بن خنين العائذي الخرجي بلدًا المالكي مذهبًا من علماء المخرج.
٤ - سليمان بن عبد الوهاب أخو الشيخ محمد ﵀
٥ - عبد الله بن داود الزبيري وله رد سماه - الصواعق والرعود -.
٦ - سليمان بن محمد بن سحيم العنزس نسبًا من بلد المجمعه.
٧ - ناصر بن سليمان بن سحيم النجدى أصلًا ثم الزبيري وهو ابن الذي قبله.
٨ - عبد الله بن أحمد بن سحيم العنزي نسبًا.
٩ - صالح بن عبد الله الصائغ من أهل مدينة عنيزة له قصيدة يرد بها على الصناعاني الذي مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
١٠ - محمد بن أحمد الوهيبي التميمي نسبًا من أهل حريملاء ذهب إلى صنعاء فشوه دعوة الشيخ محمد ﵀ مما جعل الأمير الصنعاني ينقض مدحه بالشيخ محمد بقصيدة أخرى على وزنها ورويّها.
١١ - عبد الله المويس من أهل بلدة حريملاء من قضاة بلدة حرمة.
أما الأمراء الذين وقفوا في وجه الدعوة بجيوشهم فمنهم:
١ - دهام بن دواس الحنفي أمير الرياض.
٢ - زيد بن زامل العائذي أمير بلدان الخرج.
٣ - سليمان بن محمد بن عرير الحميدي الخالدي أمير الإِحساء والقطيف وما جاورها.
٤ - عثمان بن حمد بن عبد الله بن معمر أمير العيينة الذي ناصره أول الأمر ثم تخلى عنه، فبعد أن انتقل الشيخ إلى الدرعية واتفق مع الأمير - محمد بن سعود - صار عثمان بن معمر يشن عليها الغارات من العيينة ويرسل كوكبات الخيل
стр. 158
عليها الفرسان وكان الأمير محمد بن سعود من الضعف وعدم القوة والعدة بحال لا يستطيع معها مقابلة حملات عثمان بن معمر. ولذا كانت بنت محمد بن سعود تقول من قصيدة لها شعبية:
ما شاقني كود سرية لابن معمر … تطل على الزلال كلّ عشية
يا بيه شف للخيل خيل مثله … وإلا فزل عن شيخة الدرعية
والزلال مكان قريب من سور الدرعية. ولم تلبث الحال إلا مدة وجيزة حتى أعز الله تعالى الإِمامين ونصرهما وأيدهما وصارت بلادهما هي عاصمة الجزيرة العربية، وصار أبناء ذلك الأمير هم أئمة المسلمين وأبناء الشيخ محمد هم أئمة العلم.
والقصد أن هؤلاء من أشد المعارضين المعاصرين للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن الله أيد دعوته ونصرها وأظهرها رغم المعارضات الشديدة فأيدها بالحق والحجة الساطعة كما أيدها بالمغاوير من أئمة هذه الدعوة من حكام آل سعود الذين بذلوا في سبيل إظهارها المال والروح والدم حتى تم لها النصر بعون الله تعالى وقوته.
أما الذين أيدوا هذه الدعوة في ذلك العصر فهم:
١ - الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي ألف الكتب ودبج الرسائل وكاتب علماء الجزيرة العربية كافة ويطول بنا عدهم فإن في كل البلد عالم أو علماء وكلهم راسلهم.
٢ - الشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وستجد أثر جهاده في ترجمته من هذا الكتاب.
٣ - الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وستجد أثر مناصرته ودعوته في ترجمته إن شاء الله.
٤ - الشيخ حمد بن ناصر بن معمر طلب الشريف غالب من الإِمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يبعث إليه عالمًا لمناظرة علماء مكة فبعثه الإِمام عبد العزيز والشيخ محمد فذهب إليهم وناظرهم وظهر علهم وكتب رسائل في الذود عن الدعوة السلفية.
стр. 159
٥ - الشيخ عبد العزيز الحصين الناصري قاضي بلدان الوشم. أعاد الشريف غالب الطلب لمجيء عالم من نجد لمناظرة علماء الحرم الشريف فبعثه الإِمام عبد العزيز بن محمد إليهم وزوده الشيخ محمد بن عبد الوهاب برسالة إلى علماء مكة يوضّح لهم فيها طريق دعوته. ونفى عنها الأكاذيب والأراجيف.
٦ - الشيخ محمد بن علي بن غريب كان هو الذي يتولى الرد والإِجابة على شبهات علماء الأمصار التي توجه ضد الدعوة.
٧ - الشيخ أحمد بن على بن دعيج الكثيرى نسبًا من أهل مرات له قصائد وبعض الردود على مخالفي الدعوة.
٨ - الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.
وهنا لم أذكر إلا العلماء الذين أيدوا الدعوة في عصرها الأول الذي ابتدأ بإمامة الإِمام محمد بن سعود ثم خلفه ابنه المجاهد الإِمام عبد العزيز ابن محمد ثم جاء عهد القائد الكبير والفاتح المظفر الإِمام سعود بن عبد العزيز ثم جاء عهد الإِمام المجاهد عبد الله بن سعود. أما بعد أن جاء ظهور الدعوة مرة أخرى على يد الإِمام المؤسس الثاني تركي بن عبد الله بن سعود ثم في عهد ابنه الإِمام المجاهد فيصل ثم بعد ظهورها في المرة الثالثة على يد موحّد الجزيرة العربية ومعيد مجدها وعزها الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن فيصل آل سعود - رحمه الله تعالى - ثم حينما جاء عهد المنادى والداعي إلى تضامن المسلمين وموحد شملهم الإِمام المحنك والباني الناهض فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ومع هؤلاء الأئمة من آل سعود أئمة من رجال الدين كالشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف وحفيده الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن حسن والشيخ محمد بن إبراهيم، ﵏ رحمة الأبرار.
والقصد أن الشيخ محمد ﵀ جاهد بلسانه وقلمه وكان يشارك الإِمام - محمد بن سعود - في تنظيم الجيوش وبعث السرايا كما يشاركون في شؤن الحكم وأحوال الدولة حتى توفى الإِمام محمد بن سعود عام ١١٧٩ هـ وجاءت ولاية الإِمام عبد العزيز بن محمد فاستمر الشيخ محمد على أعماله فلما كثرت أعمال الحكم وترامت أطراف المملكة واتسعت دائرة البلاد عقد الإمام عبد
стр. 160
العزيز بن محمد والشيخ محمد ولاية عهد الملك للأمير سعود بن عبد العزيز وصار مع هذا هو قائد الجيوش وأصبح الإِمام عبد العزيز بن محمد هو الوالي الإداري العام واعتزل الشيخ محمد أعمال شؤون الملك الإدارية والعسكرية واكتفى بالقيام بالأعمال الدينية والإشراف عليها في جميع بلدان المملكة. وبهذا توزعت المهام تبعًا لكثرتها وأهميتها وصارت الدرعية - عاصمة - للجزيرة العربية ومثابة ومهاجرًا للبلدان المجاورة وانتقلت عن دورها الأول كبلدة صغيرة من بلدان نجد إلى طور كبير لم تشهده الجزيرة العربية منذ قرون بعيدة من اتساع العمران وازدحام السكان ووفرة المال. . وصار بها نهضة دينية وعلمية حيث توافد إليها علماء أقطار الجزيرة وطلابها وراجت فيها سوق العلم والكتب وعقدت في جوامعها ومساجدها حلقات الدروس. وصار فيها جيش منظم كامل العدة وافر السلاح ودانت لها غالب الجزيرة العربية وألقت إليها يد الطاعة. فما توفي الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - حتى أقر الله عينه بنجاح دعوته ورأى ثمرة جهاده بفضل الله تعالى وتوفيقه وإعانته ثم بمساعدة هؤلاء الأئمة الحاكمين من آل سعود الذين أيدوه ونصروه وصاروا الساعد الأيمن في تمكين هذه الدعوة وتثبيتها ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
وإلى جانب جهاد الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - بالقول والرسائل التي يرسلها إلى العلماء والأمراء وإلى جانب اشتغاله بشؤون الحكم وعقد حلقات الدروس والإشراف على مهام الأمور فإنه أيضًا لم يغفل جانب التأليف فألف مؤلفات نافعة وكتبًا مفيدة عليها المعول في الدرس والحفظ والفهم حتى اليوم وله طريقة - في التأليف - فريدة نافعة ذلك أنه يميل إلى الخلاصات المفيدة من المراجع والكتب فيأخذ منها ثمرتها وزهرتها ويترك ما لا تدعو الحاجة إليه من المسائل، وهذا فيه توفير عظيم لوقت القارئ والمطالع وتقريب المسائل الهامة للناشئ والمستفيد وإعطاء للعالم الكبير العلم. من أسهل طرقه وأقربها وأوثقها، فمن سلسلة هذه المؤلفات:
١ - كتاب التوحيد - وهذا كتاب من أنفس الكتب ولم يصنف على منواله. وأسأل الله تعالى أن يمن علي بشرحه على ما أريد.
стр. 161
٢ - مختصر السيرة النبوية.
٣ - مختصر زاد المعاد.
٤ - مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
٥ - أصول الإيمان وفضائل الإِسلام.
٦ - أحاديث الفتن.
٧ - مسائل الجاهلية.
٨ - الكبائر.
٩ - أصول الإِيمان.
١٠ - كتب أدب المشى إلى الصلاة.
١١ - كشف الشبهات.
١٢ - أحاديث الفتن.
وله غيرها من الكتب النافعة.
وقد تخرج عليه علماء أكابر حملوا عنه العقيدة الصحيحة والتضحية والجهاد في سبيل دعوته. كما أخذوا عنه العزم والتصميم وقوة الإرادة في سبيل الله تعالى ونصر دينه. ونحن هنا نشير إلى المشاهير ممن أخذوا عنه وتلقوا العلم على يديه. وإلا فإن علماء هذه الجزيرة وغيرها من علماء السلف يرجعون بعملهم إلى توفيق الله تعالى ثم إلى آثار دعوته ومؤلفاته.
تلاميذه:
أبناؤه الأربعة الشيخ عبد الله والشيخ حسن والشيخ علي والشيخ إبراهيم وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ حمد بن ناصر بن معمر والشيخ عبد العزيز الحصين والشيخ عبد الرحمن بن نامى والشيخ عبد الرحمن ابن خميس والشيخ عبد العزيز أبا حسين والشيخ حسن بن عيدان والشيخ عبد العزيز بن سويلم والشيخ حمد بن راشد العريني والشيخ محمد بن سلطان العوسجي والشيخ سعيد بن حجى والشيخ محمد بن سويلم والشيخ عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين والشيخ حسين بن غنام، وغيرهم كثير لا تحضرني أسماؤهم.
قبل أن نختم حياة الشيخ محمد ﵀ نحب أن نقول كلمة عنه.
стр. 162
ذلك أن الإِمام ليس عالمًا فقط بل يعد من رجال الدين ومن علماء الشريعة وإنما هو رجل وهبه الله عقلًا كبيرًا وفكرًا صائبًا ونظرًا بعيدًا وشخصية قوية مؤثرة كما منحه الله تعالى إخلاصًا في عمله وثباتًا عليه وتحملًا فيه فصار بهذه المواهب الفطرية والمنح الإلهية معدًا ومهيئًا لأن يكون من رجال الإِصلاح ومن قادة الفكر فكانت هذه العوامل الكبيرة هي السبب في معرفة الباطل الذي عليه أهل زمنه فنفر مما هم عليه وهي السبب في أن يذهب إلى مصادر الإِسلام فيجد فيها الدواء لهذه الأمراض التي حلت في بلاد المسلمين ثم يعرف كيف يعالج هذه الأمراض وما هي الطريق الناجعة التي يسلكها لذلك ثم يعرف السبب الذي يقنع به الأمراء والزعماء لينقادوا لدعوته ويكونوا عونًا له على مهمته ثم يسير قافلة الجهاد القولي والفعلي بهذه الحنكة والتدبير لبليغ الدعوة غايتها فلا يموت وإلا وقد تحقق ما رسمه في ذهنه وتمناه بقلبه وقصده بتدبيره.
وهكذا أراد الله بحكمته أن تبلغ تلك الدعوة مداها فهو إذا قدر الأمور العظام خلق لها الرجال الأكفاء الكرام.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب كتب عنه وعن دعوته كثير من العلماء والمفكرين والأدباء وأجمعوا على أنه من كبار الزعماء، فالذين عرفوه حق المعرفة وفهموا دعوته قد تحقق لديهم أنه من زعماء الإِصلاح وإنه من رجال الدعوات الناجحة وأن دعوته كانت السبب الأول والشعلة المنيرة التي أضاءت الطريق للحركات الإِصلاحية التي قامت في مصر والعراق وتونس والشام والهند وغيرها والتي نادى بها رجال من زعماء الإِصلاح، وأن هؤلاء الزعماء المصلحين يعدون بحق ممن تأثروا به وبدعوته ونهجوا نهجة واقتفوا أثره. على أن بعض من كتب عنه من غربيين وشرقيين قد أساءوا فهم دعوته فأوردوها على غير حقيقتها والسبب في ذلك كله تأثرهم بما كتبه أخصام الشيخ وأعداء دعوته الذين تحدثوا عنها بعداء وحقد وبغض فشوهوها وحرّفوها حسبما أملته عليهم أهواؤهم.
والآن وقد تقاربت وسهلت الاتصالات حتى صار في مقدرة كلّ منصف ومحب للحقيقة أن يستقي الأخبار من منابعها الأصلية وأن يقف على الدعوة من كتاب غير مغرضين من قرب. وأن ينبذ الأباطيل المفتراة والأكاذيب الملصقة،
стр. 163
ليرى صفاء الدعوة ونور الحق وضياء البرهان من دعوة إسلامية تريد للمسلمين أن يعودوا إلى إسلامهم الذي أكمله الله لهم وطلب منهم تحقيقه ليعودوا إلى سالف مجدهم وماضي عزهم وليقودوا العالم الإِسلامي من ظلمات الجهل وجور الظلم وزيغ العقائد إلى نور العلم وجمال العدالة ورسوخ الإِيمان بالله تعالى، وهذه هي حقيقة الدعوة التي جددها الشيخ محمد ﵀ وجاهد ببدنه وماله وقلمه ولسانه حتى أظهرها الله تعالى بمساندة ومساعدة السابقين واللاحقين من ملوك آل سعود الذين جعلهم الله تعالى حماة لهذا الدين وأنصارًا وأعوانًا لإظهاره ونشره.
وفاته:
تصور معي أن رجلًا فذًا زعيمًا إسلاميًا نشأ في بيئة جاهلة جافية متقاطعة متباعدة فبث فيها دعوة الخير والصلاح حتى جمع عليها القلوب وألف عليها الأمة ولمّ على هداها الشمل ثم قام بإصلاحها علميًا وسياسيًا واقتصاديًا حتى أصبحت تلك الأمم المتفرقة والقبائل المتقاطعة والبلدان المتباعدة حكومة واحدة يسودها العدل وتحكمها الشريعة ويعيش فيها باعث هذه الحركة من جدثها وقائد تلك الدعوة وناظم عملها حتى كثر أتباعه وعظم شأنه وظهر أثر نعمة دعوته وبدت ثمارها وزكت نتائجها وعرف فضله وأثره فيها. وتألق نجمه وعلت مرتبته وبعد ذكره فإذا بلغ من الزعامة أقصاها ومن المحبة والمودة منتهاها ومن الاعتراف بالجميل أقصى غاياته يغرب نجمه وتأفل شمسه، فيرحل على مرأى ومسمع من هذا الحشد الكبير المتعلق به.
وإن القلم ليعجز عن تصوير عظم الخطب وفداحة المصيبة وجسامة الخسارة، وأن اللسان لا يستطيع وصف حال الجمهور الكبير الذي شيّع الراحل بقلوب متفطرة وألسنة ملجمة وأعين شاخصة وكواهل واهنة ولن نتصور كيف أخذ هذا الجمع الحاشد يعزي بعضه بعضًا شاعرين بجلال الخطب وألم المصيبة وإنك لتحس بالفراغ الذي خلفه بعد رحيله والوحشة التي خيمت على مجالسه وحلقاته، وهكذا يفقد الزعماء الذين استولت محبتهم على النفوس فإن المصاب بهم كبير والخسارة في فقدهم جسيمة.
وبهذه المشاعر التي لم نستطع وصفها، رحل الشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 164
- رحمه الله تعالى - وقد رثاه الشعراء وأثنى عليه العلماء وتداول الرسائل فيه المسلمون، ونختار من ذلك بعض قصيدة الشيخ حسين بن غنام في رثائه وهي:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع … وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كسفت شمس المعارف والهدى … فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرًا بفقده … وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته … وحل بهم كرب من الحزن مفظع
شهاب هوى من أفقه وسمائه … ونجم سوى في الترب واراه بلقع
وكوكب سعد مستنير سناؤه … وبدر له في منزل اليمن مطلع
لقد رفع المولى به رتبة الهدى … بوقت به يعلى الضلال ويرفع
أبان له من لمعة الحق لمحة … أزيل بها عنه حجاب وبرقع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى … وعام بتيار المعارف يقطع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها … سواه ولا حاذاه فيها سميدع
وشمر في منهاج سنة أحمد … يشيد ويحيي ما تعفى ويرقع
وينقي الأعادي عن حماه وسوحه … ويدمغ أرباب الضلال ويدفع
يناظر بالآيات والسنة التي … أمرنا إليها في التنازع نرجع
فاضحت به السمحاء يبسم ثغرها … وأمسى محياها يضيء ويلمع
وجرت به نجد ذيول افتخارها … وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سوام سوافر … وأنواره فيها تضيء وتلمع
لقد وجد الإِسلام بعد فراقه … مصابًا خشينًا بعده يتصدع
وطاش ذوو الأحلام والفضل والنهي … وكادت به الأرواح تترى وتتبع
وطارت قلوب المسلمين بموته … وظنوا به أن القيامة تقرع
وفاضت عيون واستهلت مدامع … يخالطها مزج من الدم مهيع
بكاه ذوو الحاجات يوم فراقه … وأهل الهدى والحق والدين أجمع
فمالي أرى الأبصار قلص دمعها … وليست على فقداه تهمى وتدمع
ومالي أرى الألباب تبدي قساوة … وليست على ذكراه يومًا توجع
لقد غدرت عين تضمن بمائها … عليه وكبد قد أبت لا تقطع
стр. 165
يحق لأرواح المحبين أن ترى … مقوضة لما خلت منه أربع
وتتلو سريرا فوقه قمر الهدى … وشمس المعالي والعلوم تشيع
فما بالها قرت بأشباح أهلها … ولم تك في يوم الوداع تودع
فيا لك من قبر حوى الزهد والتقى … وحل به طود من العلم مشرع
لئن كان في الدنيا له القبر موضعا … فيوم الجزا يرجي له الخلد موضع
رزق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ستة أبناء هم علي وعبد الله وحسين وحسن وعبد العزيز وإبراهيم. والذي أعقب منهم أربعة هم حسن وحسين وعلي وعبد الله، فآل الشيخ الآن هم ذرية هؤلاء الأبناء الأربعة، وقد صنف في بيانهم وتسلسلهم الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ رسالة مطبوعة كما أن هؤلاء الأبناء الأربعة والعلماء من أبنائهم لهم تراجم في هذا الكتاب. وسنبيِّن من ذلك أبناء وأحفاد كل عالم حتى يجتمع لنا من ذلك نسب كامل لهم. فرحمه الله تعالى ورحم أولاده وأحفاده والمسلمين أجمعين، فمهما طال الكلام عن الشيخ فلن يوفيه حقه لأن الله رحم البلاد وأنقذها بسبب دعوته السلفية الصالحة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 166
* الشيخ عبد الكريم الحيري
عبد الكريم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم الحلبي الحيري المحتد والشهرة الشيخ الفاضل البارع الذكي المتفوق النحرير الهمام الأوحد عز الدين ولد بحلب في ثالث ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم على البدر حسن بن أحمد السرميني الشافعي وأخذ عنه شيئًا من الفقه والعربية ثم طلب العلم فقرأ بحلب على الشيخ علي بن الزمار وعلى والده الشيخ محمد وأخذ بها عن الشريف مصطفى البكفالوني وعن قاسم بن أحمد البكرجي وأجاز له بمروياته وعن الشريف يوسف أفندي الشامي نقيب حلب وعن الشيخ طه الجبريني والسيد عبد السلام الحريري والشيخ علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي مسند حلب وأجاز له ثم رحل إلى القاهرة سنة ١١٥٠ وأخذ بها عن جماعة من صدور علمائها كالشهاب الملوي والشهاب الجوهري والشهاب الدمنهوري والشمس الحفني وأخيه الجمال يوسف
стр. 167
ثم رجع إلى بيت المقدس وهو فاضل فأخذ بها عن الأستاذ مصطفى بن كمال الدين البكري وأجاز له وكان والد صاحب الترجمة قدم إلى دمشق سنة ١١٤٠ ومعه المترجم فاجتمع بالقطب الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ عنه ثم قدم دمشق أيضًا فأخذ عن الأستاذ الشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ موسى المحاسني والشيخ محمود الكردي والشيخ علي الكزبري واجتمع بالولي الشيخ أحمد النحلاوي وأخذ الطريقة القادرية بمصر عن الشيخ علي البيومي وألبسه الخرقة وأجازه ثم دخل حلب مسقط رأسه ودرس بجامعها وبالمدرسة العلمية ثم ذهب لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتردد إليها مرارًا وولي القضاء مرارًا في عدة بلاد من الروم وحمدت سيرته ولازم من محمد حياتي زاده مفتي التخت العثماني ثم صار له اعتبار الخارج من فيض الله أفندي داماد زاده مفتي التخت المزبور ولم يزل يتنقل بالاعتبارات حتى وصل إلى اعتبار ابتداء التمثلي وكان لطيف الذات حلو المحاورة ظريف المذاكرة منور الوجه مضيء الشيبة وله شعر قليل أنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنا:
رسول الله ضاق بي الفضاء … وجل الخطب وانقطع الاخاء
وجاهك يا رسول الله جاه … رفيع ما لرفعته انتهاء
وبي وجل شديد من ذنوبي … وما أدري أعفو أم جزاء
وما كانت ذنوبي عن عناد … ولكن بالقضا غلب الشقاء
رسول الله حقق فيك ظني … فجودك ليس لي عنه غناء
سمعنا فيك مدحًا فابتهجنا … وسر قلوبنا هذا الثناء
وأجمل منك لم تر قط عين … وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأً من كل عيب … كأنك قد خلقت كما تشاء
وقدم المترجم أخيرًا إلى دمشق في سنة ١٢٠٤ ونزل بدار شيخ الإسلام العلامة الأثري أبي الفضل السيد محمد خليل أفندي المرادي مفتي دمشق (رحم الله روحه) فأكرمه وأحسن نزله واجتمعت به إذ ذاك وأخذت عنه وأجازني بعد إسماع الحديث المسلسل بالأولية وسمعت من فوائده ولطائفه ثم لما ذهب المولى
стр. 168
المزبور إلى حلب رجع المترجم صحبته إليها وبقى عَلَى أحسن سيرة وأطيب سريرة حتى توفي بحلب في شهر ربيع الأول سنة سبع ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد أبو شعر وشعير
ذكره المؤلف في كتابه المورد الأنسي في ترجمة الشيخ عبد الغني النابلسي فقال هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي المعروف بأبي شعر وشعير النابلسي الأصل الدمشقي المولد والسكن والوفاة الشاغوري الشريف لأمه الفاضل الكامل الولي الصوفي المبارك التقي النقي الأوحد بحر العلوم والأذواق شيخا تقي الدين قدم والده من بلدة نابلس إلى دمشق وتوطنها وتزوج بوالدة المترجم وهي أخت شيخنا (أو شيخ شيوخنا) الشهاب أحمد البعلي ولد صاحب الترجمة بدمشق سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في حجر والده المذكور وقرأ القرآن العظيم وطلب العلم وأخذ عن جماعة من العلماء منهم خاله الشهاب المذكور ثم أحضره والده بين يدي الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي واستجاز له منه فأجازه بما يجوز له وصافحه ثم سأله عن اسمه فقال له والده محمد فقال الأستاذ وأنا ألقبه بتقي الدين ثم أوصاه به وقال له احترس عليه فسيكون له شأن عظيم وقد صار لشيخنا المترجم أحوال عجيبة وأطوار غريبة؟ واعتقده العامة والخاصة حتى الوزراء والحكام يهدونه الهدايا الجليلة وينذرون له النذور لمآرب لهم فتقضى ويوفون بنذورهم ويقبلون شفاعاته ومن مؤلفاته كتاب عقيدة الغيب والصلوات المعروفة؟ وكانت وفاته عشية يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة سبع ومائتين وألف وصلي عليه بجامع سنان باشا ودفن بتربة الباب الصغير داخل بناء على جادة الطريق وقبره مشهور يزار ويتبرك به (يقول المختصر) أن الصلوات المنسوبة إلى صاحب الترجمة كلها ألفاظ سافلة رذيلة لا ندري كيف نأولها وعلى أي محمل نحملها مع اتفاق الجميع على اعتقاد ولايته وعلو قدره حتى أن العلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن الكزبري ذكره في ثبته في عداد شيوخه وأثنى عليه كما أثنى عليه في هذه الترجمة المؤلف السيد كمال الدين الغزي مفتي
стр. 169
الشافعية بدمشق والذي أراه في مثل صاحب الترجمة من أرباب الأحوال السكوت عنهم بلا اعتقاد ولا انتقاد.
والسلام
فساد كبير عالم متهتك … وأكبر منه جاهل متنسك
هما فتنة في العالمين عظيمة … لمن بهما في دينه يتمسك
تم الجزء الثاني من مختصر طبقات الحنابلة ﵃ على يد الحقير محمد جميل الشطي الإمام الحنبلي بدمشق.
غفر الله له
كلمة للمختصر
إلى هنا انتهى ما اختصرناه من ذيل الفاضل السيد كمال الدين الغزي الشافعي جزاه الله خيرًا ولا بد لنا من كلمة في هذا الذيل وكيف وجدناه وكيف اختصرناه فقد كنا اطلعنا على نسخة المؤلف بخطه وتمتعنا بها زمنًا فوجدناها مخرومة بنقص طبقتين من سنة ١١٠٠ إلى سنة ١١٥٠ فاستدركناه بما وجدناه في تاريخ المرادي مختصرًا معزوًا على عادتنا. وأعظم من هذا ما تركه المؤلف خلال التراجم بياضًا لم يكتب فيه شيئًا ما بين سطر وصحيفة يريد الرجوع إليه كما وصل في كتابه إلى أبي شعر وشعير فأدركته المنية قبل بلوغ الأمنية وقد تصرفنا فيما كان من هذا القبيل واقعًا فيما اخترناه من التراجم بنقل عن مآخذ أخرى وتقريب بعض العبارات من بعض. ثم أن المؤلف عليه الرحمة كان مشربه في كتاب الاطناب في كثير من المواضع والتمدح في بعض الرجال؟ وغير ذلك ولذا فقد عنينا بتهذيب هذه الزوائد كي يشاكل الكتاب نوعًا ما كتاب العليمي الكاتب المجيد رحمة الله عليه ويكون له روح عصرية في الجملة حتى أننا حذفنا مقدمته وترجمة الإمام منه اكتفاء بترجمة العليمي الطويلة البديعة ونرجو أن يكون بذلك قد أحسنا عملا وخدمنا المؤلف وأحيينا أثره وعلى كل حال فهو جدير بالشكر
стр. 170
والثناء عَلَى فضله وسبقه لهذا الذيل مع تقصير الحنابلة أنفسهم في جمع مثله والحمد لله أولًا وآخرًا.
وكان الفراغ من طبع هذا الجزء في ٢٥ ربيع الثاني سنة ١٣٣٩. ويليه ذيله للمختصر وفقه الله تعالى.
стр. 171
(يقول جامع هذه الطبقات ومختصرها محمد جميل الشطي هذا أول ما جمعته من تراجم علمائنا المتأخرين من الحد الذي وقف عليه العلامة الغزي إلى يومنا هذا)
ولنذكر قبل الشروع في ذيلنا نبذة من ترجمة سلفنا الغزي المشار إليه كما فعل هو بسلفه عند استفتاح ذيله وذلك تنويهًا بفضله وشكرًا على صنعه وإن يكن غير حنبلي فإنه أخذ عن الحنابلة وخدمهم جزاه الله خيرًا بما لم يخدموا به أنفسهم فنقول ملخصين ترجمة عن تاريخنا روض البشر في أعيان القرن الثالث عشر الذي عنينا بجمعه منذ سنة ١٣٢٣.
هو أبو الفضل كمال الدين محمد بن محمد شريف بن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين بن زكريا بن بدر الدين محمد بن رضى الدين محمد بن رضى الدين محمد أيضًا ابن شهاب الدين أحمد الغزي العامري الدمشقي وأحمد هذا هو جد بني الغزي الأعلى الذي جاء من غزة هاشم إلى دمشق سنة ٧٧٠ وتوفي سنة ٨٢٢ - الشيخ العالم الفقيه الفرضي الأديب المتفنن المؤرخ النسابة الناظم الناثر الهمام الأوحد مفتي الشافعية بدمشق وابن مفاتيها وصدرها وابن صدورها صاحب التصانيف الفائقة والمجاميع الرائقة ولد بدمشق في تاسع عشر جمادي الثانية سنة ١١٧٣ ونشأ بها في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ محمد الحجاوي وأخذ العلم عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي وتلقى عنه حديث الأولية والشيخ هبة الله الناجي والسيد كمال الدين البكري والشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وعلي أفندي الطاغستاني
стр. 172
والشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والسيد محمد العاني والشيخ أحمد البعلي وتلميذه الشيخ محمد اللبدي واستجاز الشيخ يحيى الجامي المدني لما قدم إلى دمشق سنة ١٢٠٥ وكثيرين غيره وولي إفتاء الشافعية بدمشق بعد وفاة والده في محرم سنة ١٢٠٣ وألف مؤلفات لطيفة أغلبها في التاريخ والأدب فمنها هذه الطبقات التي سماها النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل ورتبها على ثلاث عشرة طبقة كل طبقة لخمس عشرين سنة من أول القرن العاشر مصدرة بمقدمة ذكر فيها سبب التأليف وشيوخه من الحنابلة وترجمة الإمام ﵁ ومنها التذكرة الكمالية وهي عشرون جزءًا تحتوي على فوائد وآداب شتى وقد رأيت الطبقات والتذكرة في مكاتب آل المترجم بخط يده فإذا في الطبقات نقص لم يقدر له إكماله وفي التذكرة بياض كثير ومن مؤلفاته التامة المورد الأنسي في ترجمة الشيخ عبد الغني النابلسي وله غير ذلك وشعره كثير ونثره غزير وكان بينه وبين المولى خليل أفندي المرادي مفتي دمشق ومؤرخ القرن الثاني عشر صحبة شديدة ومحبة أكيدة ومكاتبات أدبية ومساجلات شعرية ولا عجب فإن بينهما جامعة الإفتاء والفتوة والأدب حتى نقل له المرادي في تاريخه المذكور شيئًا من الشعر وممن اجتمع بالمترجم الأديب الشهير السيد أحمد البربير والبيروتي فكتب إليه قوله:
ضقت لعبد الكمال ذرعًا … وزاد طول البعاد دائي
إن فراق الكمال نقص … حتى على البدر في السماء
يا سيدي زدت بعادي إلى … أن صار جسممي للتجافي خيال
أنقصت حظ الصب مع أنه … لم ير في خلق إلا الكمال
فإذا المترجم بقوله:
مولاي ياذا المكرمات التي … في نظمها والحسن تحكي اللآل
ومن رقى هام العلى وانتهى … لفضله بين الورى الانتهال
بمن حباكم رق قلب غنا … يحكم ذا وله واختيال
كفوا بساط الذل حلما ولا … تؤاخذوني بمطال المطال
стр. 173
وكانت وفاة صاحب الترجمة في صفر سنة ١٢١٤ عن ٤١ سنة ودفن في تربة الدحداح عند قبور عائلته الغزيه وعلى قبره تاريخ صديقه الأديب الفاضل السيد عبد الحليم اللوجي وهو قوله:
أيا سحب الرضا والعفو سحي … على قبر حوى النفس الزكية
محمد الفتى الغزي أرخ … كمال الدين مفتي الشافعية
وقد انقرض عقب صاحب الترجمة وإنما بقي عقب أخيه السيد عبد الغني أفندي فهو والد الأخوين العلامة عمر أفندي مفتي الشافعية بدمشق المتوفى منفيا سنة ١٢٧٧ وإسماعيل أفندي أحد خلفاء مولانا خالد النقشبندي المتوفى حاجًا سنة ١٢٤٧ وهما جدا الموجودين الآن بدمشق من بني الغزي رحم الله سلفهم ووفق خلفهم آمين.
* الشيخ مصطفى الدوماني
ذكره سيدي العم محمد مراد أفندي الشطي ﵀ في مسودة له فقال هو الشيخ مصطفى الدوماني مولدًا وشهرة العلامة الفاضل المفسر الفقيه المتفنن ولد في قصبة دوما ونشأ في صالحية دمشق وأخذ عن الشيخ علي السليمي والملا علي أفندي الطاغستاني وغيرهما وكان آية باهرة من بداية أمره أقبل على حفظ المتون ونقل تقريرات الشيوخ وقد اشتهر أمره وعلا قدره وألف مؤلفات عديدة فما رأيته بخطه ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين في مجلدين وشرح على الكافي في علمي العروض. والقول في حاشية عَلَى دليل الطالب في الفقه نحو عشرة كراريس ورحل صاحب الترجمة إلى مصر وولى المشيخة على رواق الحنابلة في الأزهر ثم رحل إلى القسطنطينية وتوفي بها في خلافة السلطان عبد الحميد الأول رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد هاشم الجعفري
أخبرنا عنه حفيد حفيده الفاضل الشيخ قاسم أفندي نزيل دمشق وغيره من أصحابنا الأدباء فهو محمد بن محمد زيتون بن حسن بن هاشم الجعفري
стр. 174
النابلسي العلامة الفاضل الفقيه القرضي الأديب الشاعر ولد بنابلس سنة ١١٥٦ ونشأ بها وتفقه على والده الشريف زيتون المقدم ذكره وعلى العلامة الشيخ محمد السفاريني وأخذ الحديث عن السيد محمد مرتضى الزبيدي ورحل إلى دمشق فأخذ عن الشهاب أحمد العطار وغيره ثم عاد إلى نابلس وأقام بها يدرس ويفيد وكان مقبول الشفاعة عند حكامها مسموع الكلمة بين أهلها ولما كانت حادثة الوهابية في الديار الحجازية وصُد الحاج الشامي عن دخول مكة سنة ١٢١٢ أوفده أسعد باشا العظم والي الشام وقتئذ هو والشيخ إسماعيل القدومي إلى رئيسهم الأمير ابن سعود فردا عليهم في قصة طويلة كان فيها ما كان ثم صنف صاحب الترجمة رسالة في ذلك وحج في تلك السنة وعاد إلى وطنه وما زال على حالته الرضية وطريقته السوية إلى أن توفى وكانت وفاته سنة ١٢٢٨ وبنو هاشم أو الجعفري في نابلس بيت علم ومجد قديما وحديثا ونسبتهم إلى سيدنا جعفر بن أبي طالب وللمترجم في ذلك رسالة سماها العروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار رحمه الله تعالى.
* الشيخ غنام النجدي
ترجمه العم المقدم ذكره فقال هو الشيخ غنام بن محمد بن غنام الزبيري أصلًا النجدي مولدًا الدمشقي سكنًا العالم المتضلع الفاضل الكامل المحدث الفقيه الفرضي الحيسوبي أخذ الفقه عن العلامة الشيخ أحمد البعلي والحديث عن الشهاب أحمد العطار كتب له إجازة بخطه على ظهر ثبته وأخذ بقية المعلوم عن علماء عصره وكان له وللشيخ مصطفى السيوطي الآتية ترجمته المنتهى في معرفة الفقه والفرائض والإطلاع على غوامضهما ويوجد له تقارير وأبحاث كثيرة على هوامش شرح المنتهى بحثًا مع الأصحاب وحلًا لمشكل كلامهم وقد أخذ عنه الفقه سيدي العلامة الجد والشيخ سعيد السفاريني وغيرهما وانتفع به الطلبة انتفاعًا كثيرًا وقرأت بخط الجد المذكور أنه توفي يوم السبت ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف ودفن بالمقبرة الذهبية من مرج الدحداح وقال الجد مؤرخًا وفاته:
стр. 175
جدث ثوى فيه الهمام الأمثل … غنام ذو الفضل الذي لا يحجب
قد كان عونًا للذي رام العلى … لا زال في دار الرضا يتقلب
لما دعى قالوا نجا أرخ أجل … بشرى له في جنة لا يعطب
* الشيخ مصطفى السيوطي مفتي الحنابلة بدمشق
قال العم في ترجمته هو الشيخ مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة الرحيباني مولدًا الدمشقي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الفرضي المحقق الكامل أوحد زمانه مفتي الحنابلة بدمشق بعد السيد إسماعيل الجراعي ولد سنة خمس وستين ومائة وألف في قرية الرحيبة من أعمال دمشق ثم رحل منها إلى دمشق الشام فأخذ بها الفقه عن بقية السلف الشيخ أحمد البعلي وبه تخرج وانتفع وعن الشيخ محمد بن مصطفى اللبدي آل نابلسي وقرأ على العلامة علي أفندي الطاغتستاني مدرس قبة النسر والشيخ محمد بن علي السليمي والشيخ محمد الكاملي وغيرهم وكان إمام الحنابلة في عصره أعجوبة في استحضار كلام الأصحاب انتهت إليه رياسة الفقه وشدت الرحال للأخذ عنه وكان حافظًا مقبلًا على شأنه لين العريكة حلو المفاكهة له مكارم دارة وبشاشة سارة ولي نظارة الجامع الأموي في دمشق والجامع المظفر في صالحيتها مدة طويلة فحمدت سيرته ولم يذكر عنه ما يشينه - ومن مؤلفاته الكتاب العظيم المسمى بمطالب أولي النهي في شرح غاية منتهى ثلاث مجلدات ضخام وله كتاب سماه تحفة العباد فيما في اليوم والليلة من الأوراد جمعه من الأصول الستة وله تحريرات وفتاوي لو جمعت لبلغت مجلدًا وقد روى عنه وانتفع به أناس كثيرون من النجديين النابلسيين وغيرهم وقد أخذ عنه الفقه العلامة الجد وانتفع به وقرأت بخطه تاريخ وفاته وذلك ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف وصلي عليه بجامع بني أمية وكانت جنازته حافلة ودفن بتربة الذهبية حذاء آل أبي المواهب الحنبلي ورثاه تلميذه الشيخ سعيد السفاريني بقصيدة مطلعها:
سهم الحمام على الخليقة منتضي … صبرًا وتسليمًا لما حكم القضا
انتهى قلت أن كتاب غاية المنتهى قد صنفه الشيخ مرعي الكرمي جمعًا
стр. 176
بين الإقناع والمنتهى وصاحب الترجمة شرحه بشرحه المذكور ولما وقع الاعتراض من بعض علماء نجد على مواضع في المتن والشرح المذكورين انتصر المرحوم الجد المذكور فجرد ما زاد منهما على الأصلين المذكورين وبحث وحقق فأيد منها ما شهدت له النقول والروايات ورد منها ما لم يقم عليه دليل كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الذي سماه منحة مولى الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح وقد تأدب مع شيخه غاية الأدب رحمهما الله تعالى وجمع المسلمين آمين.
* الأدب المفنن الشيخ عثمان بن سند
ترجمه العم مراد أفندي المذكور فقال هو عثمان بن سند النجدي ثم البصري الوائلي نسبة إلى وائل بن قاسط بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الإمام العلامة والرحلة الفهامة حسان زمانه وبديع أوانه خاتمة البلغاء ونادرة النبغاء رحل إلى العراق وأخذ عن علمائها كالصدر السيد محمد أسعد الحيدري مفتي الحنفية والشافعية ببغداد والسيد محمد أمين مفتي الحلة والسيد أحمد الحياتي قاضي بغداد وعلامة العراق والشام الملا علي ابن الملا محمد سعيد السويدي والسيد زين العابدين جمل الليل المدني حين وروده إلى بغداد والبصرة وحرر له إجازة فيها هذا البيت:
انا الدخيل إذا عدت أصول علا … فكيف أذكر إسنادي لدى ابن سند
وغيرهم من علماء الحجاز والعراق ومن كلامه في مدح مولانا خالد النقشبندي قوله في مطلع قصيدة غراء:
أيها اللائم دع عنك الملاما … وأدر لي من سلاف القوم جاما
وهي طويلة بديعة اشتمل عليها كتابه أصفى الموارد من سلسال أحوال الإمام خالد وهو كتاب نفيس يحتوي على فوائد تاريخية وفرائد أدبية ومن اطلع عليه علم ما للمترجم من اليد الطولى في فنون الأدب نظمًا ونثرًا وقد صار طبعه في مصر سنة ١٣١٣ ومن مؤلفاته الجمة نظم الكافي في العروض والقوافي ونظم عوامل الجرجاني وشرحها ونظم الشافية في علم التصريف ونظم مغني اللبيب
стр. 177
ينوف على خمسة آلاف بيت ونظم الورقات لإمام الحرمين وشرحه ونظم النخبة في الحساب وشرحه وله نظم القواعد وهو مشتمل على غزل بديع ونظم في الاستعارة وله رد على دعبل الخزاعي الرافضي في عدة قصائد منها قصيدة ميمية ضمنها أنواع البديع مدح بها النبي ﷺ والصحابة سماها القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب ألفها سنة ١٢١٨ وله كتاب منظوم مدح به الإمام أحمد ﵁ وله تاريخ سماه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود استدعاه من أجله الوزير العالم داود باشا والي بغداد المنوه به فأكرمه وأجله ورفع مقامه ومحله وولاه مدرسة المغامسية بالبصرة وهو كتاب في نحو أربعين كراسًا جمع من وقائع القرن الثاني عشر والثالث عشر غرائب وفوائد أخنت عليها يد الزمان ولولاه لما كانت هذه الوقائع إلا في صندوق النسيان ابتدأ فيه من سنة ١١٨٨ وانتهى إلى سنة ١٢٤٢ وقد اختصره الفاضل الشيخ أمين الحلواني المدني في كراريس وطبع هذا المختصر في بومباي سنة ١٣٠٤ واطلعت عليه - وله تاريخ على نحو سلافة العصر سماه الغرر في وجوه القرن الثالث عشر لم يتم والله أعلم وقد ذكر صاحب الترجمة وأثنى عليه جمع من الأئمة الأفاضل حتى أن مولانا الشيخ خالد كان يقول عنه حريري الزمان وممن أثنى عليه الفاضل أحمد الشرواني اليمني في حديقة الأفراح لإزالة الأتراح قال: القول فيه أنه طرفة الراغب وبغية المستفيد الطالب وجامع سور البيان ومفسر آياتها بألطف تبيان أفضل من أعرب عن فنون لسان العرب وهو إذا نظم أعجب وإذا نثر أطرب فوالعصر أنه لإمام هذا العصر أخبرني بديع الزمان شيخنا الشيخ عبد الله بن عثمان أن هذا الفاضل الأديب أبدع في نظمه مغني اللبيب وأبرز أسرار البدائع بتصانيفه المشتملة على اللطائف والروائع ومن شعره:
قد زارني والليل يحكي فرعه … ظبى الشذا أنا في النحول كخصره
فجنيت من وجناته ما اشتهى … ورشفت من حبيب بحمرة ثغره
وسكرت حتى مست مثل قوامه … طربا ولم أشعر عواقب وزره
ويطربني قوله لا فض فوه:
قلت لما قال لي خشف الغلا … صف عذاري وقوامي واعجلا
стр. 178
يا عديم المثل قد كلفتني … غير ما أقدر حتى قلت لا
أي لا أقدر من الاكتفاء ولا هي جوابه فاللام عذاره والألف قوامه انتهى. قال العلم ولم أقف على ترجمة مستقلة لهذا الحبر الهمام بل وفقت فوقفت على كتاب بخطه أرسله إلى العلامة الشيخ غنام النجدي نزيل دمشق طلب فيه منه إرسال ما يتيسر له من تراجم أجلاء دمشق وذكر لنفسه المؤلفات المذكورة وقد عاش بعد ذلك سنين ولا شك أنه ألف فيها مؤلفات أخرى وكانت وفاته سنة ١٢٥٠ كما ذكره الشيخ أمين المذكور في مختصر المطالع المقدم ذكره رحمه الله تعالى.
* الشيخ مصطفى البرقاوي قاضي الحنابلة بدمشق
أخبرنا بعض المؤرخين فقال هو مصطفى بن سليمان بن سلمان بن محمد مزهر النابلسي البرقاوي مولدًا وشهرة الدمشقي الشيخ الفاضل العالم البارع الكاتب الماهر قدم دمشق وأخذ عن علمائها وأدرك الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار ولازمهما الملازمة التامة ثم بعد وفاتهما لزم ولديهما العلامتين الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار وتفقه عَلَى الشيخ مصطفى السيوطي (المقدمة ترجمته) وكان ذا هيبة ووقار ولي قضاء السادة الحنابلة بدمشق سنة ١٣٢٠ وتصدر للقضاء والإمضاء في المحاكم الشرعية ولم يزل على حالته إلى أن توفي وكانت وفاته في سابع عشر ذي القعدة سنة ١٢٥٠ ودفن بمقبرة الباب الصغير قريبًا من قبور بني الكزبري رحمه الله تعالى.
* الخطاط المفنن الشيخ عبد اللطيف الشطي
عبد اللطيف بن خضر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى بن شطي المعروف بالشطي البغدادي مولدًا الدمشقي موطنًا ووفاة كان من الأفاضل الصالحين خطاطًا متفننا كاتبًا مخترعًا مدهشًا ذا فكر ثاقب ورأي صائب كتب بخطه البديع من القطع وصنع من التحف ما لم يزل باقيًا حتى الآن منشورًا في البيوت مذكورًا في الألسن وأقدم ما رأيته منها قطعة مؤرخة في سنة ١٢٠٣ أخذ
стр. 179
الخط وفنونه عن العالم الصوفي الكاتب الشيخ مصطفى بن عبد الله بن محمود الكردي المتوفى بدمشق سنة ١٢٠٢ ومن لطائف صاحب الترجمة ما حدثنا به العالم المقري الشيخ عبد الله الحموي وكان قد أدركه قال طلب من المترجم قطعة تعلق فوق ضريح سيدنا يحيى في الجامع الأموي فكتب لهم قطعة فيها قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ فوضعوها على الضريح المنوه به فلما رآها العلامة الشيخ حامد العطار قال لمن معه ما كتب هذه القطعة إلا حنبلي؟ قالوا له نعم كتبها الحاج عبد اللطيف شطي - ومن نوادره المشهورة ما حدثنا به العم الكبير العلامة الشيخ أحمد الشطي قال كان طرق أحد اللصوص داره التي هي الآن دار بني النابلسي في دخلة بني الشطي من محلة العمارة وتكررَ نزله عليه فتفكر في أمره واصطنع له فجا يقبض عَلَى رجله إذا نزل وجعله بصورة الكرسي ثم وضعه في الموضع الذي ينزل اللص منه فلما كان الليل نزل اللص ووضع رجله على الكرسي المذكور فقبض على رجله وآثر اللص على نفسه فتخلص من الفخ وفر هاربا والدم يقطر من رجله فلما خرج صاحب الترجمة إلى السطح عرف تفلت اللص من الفخ وانجراحه به فتعقب في الصباح أثر الدم حتى عرف دار اللص فذهب إليه وتهدده بالبطش والإهانة فشكى له حاله وتاب على يديه ثم أكرمه صاحب الترجمة وعفا عنه - وأخبرنا العم المذكور أنه كان لبعض أعيان دمشق زوجان من (وروير) أو نحوه قد فقد أحدهما فأتى إلى المترجم بالآخر وطلب منه أن يصنع له مثله ففعل وأتقن حتى جاء صاحبهما المصنوع له فلم يكد يفرق بينهما - واطلعت أنا الفقير محمد جميل الشطي على قنينته من البلور قالوا أنها لا تقبل التحليل لها فوهة لا تدخل الاصبع منها وهي مكتوبة من داخلها بالحبر الأسود وفي ضمنها أدوات كبيرة خشبية بحيث إذا رآها الرائي يأخذه العجب من أمرها - وعلى كرة أرضية مركوزة على أسكملة لطيفة وعليها رسوم الأفلاك والمنازل بصورة تروق الناظر وتسر الخاطر وله غير ذلك من التحف النفيسة وكانت وفاته سنة اثنين وخمسين ومائتين وألف ودفن في مقبرة آل شطى من السفح القاسيوني وقد رثاه ابن عمه سيدي الجد الكبير ببيتين كتبهما بخطه عَلَى لوخ قبره وهما.
стр. 180
يا غافلًا هب واعتبر بما صرنا … واغنم حياتك قبل أن تجاورنا
وقدم الخير ثم كن على وجل … وسل مليكا بعفوه يبادرنا
تذييل - وممن اشتهر من عائلتنا بالخط وأكثر من الكتابة الحاج عبد الفتاح بن عبد القادر بن عبد الله الشطي فإنه كان عَلَى جانب من التقوى والصلاح اعتراه في أول كهولته ضعف في بصره فابتهل إلى الله عازمًا أن عافاه ليصرفن عمره في كتابة كتب العلم فاستجاب الله دعاءه ووفى بعهده فإنه لم يشتغل بسوى الكتابة إلى آخر عمره ومما كتبه مصحفان وربعة والصحيحان وشرح القسطلاني في ست مجلدات والدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور للسيوطي في مجلدين وطبقات الحنابلة للعلمي أرخها في سنة ١١٩٥ وهي التي اطلعنا عليها واختصرنا منها صدر كتابنا هذا وغير ذلك - ومن كتابنا الأفاضل ولده الشيخ عبد الوهاب المتوفى سنة ١١٩٣ اطلعت له على إجازة من الشيخ أحمد البعلي بخطه مؤرخة في سنة ١١٨٨ - ومنهم أخو صاحب الترجمة الحاج محمد أمين ابن الحاج خضر شطي المتوفى سنة ١٢٤٣ رأيت بخطه شرح دليل الطالب فرغ منه سنة ١١٧٣ ومنهم الحاج مصطفى بن عبد الله بن مصطفى الشطي كتب شرح الإقناع وأرخه سنة ١١٦٥ ومنهم الحاج محمود بن معروف الشطي المتوفي سنة ١٢٠١ وولده عبد الله المتوفى سنة ١١٩٨ وعمنا الحاج خليل حلبي ابن الحاج عمر الشطي متولي المدرسة البدرأية بدمشق المتوفى سنة ١٢٥٣ رحمة الله عليهم أجمعين.
* الشيخ محمد سعدي السيوطي
ذكره العم الفاضل المتفنن مراد أفندي الشطي في مسودة الطبقات فقال هو سعدي بن مصطفى بن سعد السيوطي الرحباني الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق وابن مفتيها تولى الإفتاء بعد وفاة والده سنة ١٢٤٣ وكان صالحًا دينًا عفيفًا زاهدًا محمود السيرة فقيها في المذهب وكان ضعيفا في العربية بحيث يصحح له الفتوى العلامة الجد الشيخ حسن الشطي وقد تفقه على والده وعلى الشيخ إبراهيم الكفيري ورأيت تاريخ وفاته بخط الجد المذكور وذلك في خامس
следующие страницы →