Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بين الإقناع والمنتهى وصاحب الترجمة شرحه بشرحه المذكور ولما وقع الاعتراض من بعض علماء نجد على مواضع في المتن والشرح المذكورين انتصر المرحوم الجد المذكور فجرد ما زاد منهما على الأصلين المذكورين وبحث وحقق فأيد منها ما شهدت له النقول والروايات ورد منها ما لم يقم عليه دليل كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الذي سماه منحة مولى الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح وقد تأدب مع شيخه غاية الأدب رحمهما الله تعالى وجمع المسلمين آمين.
* الأدب المفنن الشيخ عثمان بن سند
ترجمه العم مراد أفندي المذكور فقال هو عثمان بن سند النجدي ثم البصري الوائلي نسبة إلى وائل بن قاسط بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الإمام العلامة والرحلة الفهامة حسان زمانه وبديع أوانه خاتمة البلغاء ونادرة النبغاء رحل إلى العراق وأخذ عن علمائها كالصدر السيد محمد أسعد الحيدري مفتي الحنفية والشافعية ببغداد والسيد محمد أمين مفتي الحلة والسيد أحمد الحياتي قاضي بغداد وعلامة العراق والشام الملا علي ابن الملا محمد سعيد السويدي والسيد زين العابدين جمل الليل المدني حين وروده إلى بغداد والبصرة وحرر له إجازة فيها هذا البيت:
انا الدخيل إذا عدت أصول علا … فكيف أذكر إسنادي لدى ابن سند
وغيرهم من علماء الحجاز والعراق ومن كلامه في مدح مولانا خالد النقشبندي قوله في مطلع قصيدة غراء:
أيها اللائم دع عنك الملاما … وأدر لي من سلاف القوم جاما
وهي طويلة بديعة اشتمل عليها كتابه أصفى الموارد من سلسال أحوال الإمام خالد وهو كتاب نفيس يحتوي على فوائد تاريخية وفرائد أدبية ومن اطلع عليه علم ما للمترجم من اليد الطولى في فنون الأدب نظمًا ونثرًا وقد صار طبعه في مصر سنة ١٣١٣ ومن مؤلفاته الجمة نظم الكافي في العروض والقوافي ونظم عوامل الجرجاني وشرحها ونظم الشافية في علم التصريف ونظم مغني اللبيب
стр. 177
ينوف على خمسة آلاف بيت ونظم الورقات لإمام الحرمين وشرحه ونظم النخبة في الحساب وشرحه وله نظم القواعد وهو مشتمل على غزل بديع ونظم في الاستعارة وله رد على دعبل الخزاعي الرافضي في عدة قصائد منها قصيدة ميمية ضمنها أنواع البديع مدح بها النبي ﷺ والصحابة سماها القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب ألفها سنة ١٢١٨ وله كتاب منظوم مدح به الإمام أحمد ﵁ وله تاريخ سماه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود استدعاه من أجله الوزير العالم داود باشا والي بغداد المنوه به فأكرمه وأجله ورفع مقامه ومحله وولاه مدرسة المغامسية بالبصرة وهو كتاب في نحو أربعين كراسًا جمع من وقائع القرن الثاني عشر والثالث عشر غرائب وفوائد أخنت عليها يد الزمان ولولاه لما كانت هذه الوقائع إلا في صندوق النسيان ابتدأ فيه من سنة ١١٨٨ وانتهى إلى سنة ١٢٤٢ وقد اختصره الفاضل الشيخ أمين الحلواني المدني في كراريس وطبع هذا المختصر في بومباي سنة ١٣٠٤ واطلعت عليه - وله تاريخ على نحو سلافة العصر سماه الغرر في وجوه القرن الثالث عشر لم يتم والله أعلم وقد ذكر صاحب الترجمة وأثنى عليه جمع من الأئمة الأفاضل حتى أن مولانا الشيخ خالد كان يقول عنه حريري الزمان وممن أثنى عليه الفاضل أحمد الشرواني اليمني في حديقة الأفراح لإزالة الأتراح قال: القول فيه أنه طرفة الراغب وبغية المستفيد الطالب وجامع سور البيان ومفسر آياتها بألطف تبيان أفضل من أعرب عن فنون لسان العرب وهو إذا نظم أعجب وإذا نثر أطرب فوالعصر أنه لإمام هذا العصر أخبرني بديع الزمان شيخنا الشيخ عبد الله بن عثمان أن هذا الفاضل الأديب أبدع في نظمه مغني اللبيب وأبرز أسرار البدائع بتصانيفه المشتملة على اللطائف والروائع ومن شعره:
قد زارني والليل يحكي فرعه … ظبى الشذا أنا في النحول كخصره
فجنيت من وجناته ما اشتهى … ورشفت من حبيب بحمرة ثغره
وسكرت حتى مست مثل قوامه … طربا ولم أشعر عواقب وزره
ويطربني قوله لا فض فوه:
قلت لما قال لي خشف الغلا … صف عذاري وقوامي واعجلا
стр. 178
يا عديم المثل قد كلفتني … غير ما أقدر حتى قلت لا
أي لا أقدر من الاكتفاء ولا هي جوابه فاللام عذاره والألف قوامه انتهى. قال العلم ولم أقف على ترجمة مستقلة لهذا الحبر الهمام بل وفقت فوقفت على كتاب بخطه أرسله إلى العلامة الشيخ غنام النجدي نزيل دمشق طلب فيه منه إرسال ما يتيسر له من تراجم أجلاء دمشق وذكر لنفسه المؤلفات المذكورة وقد عاش بعد ذلك سنين ولا شك أنه ألف فيها مؤلفات أخرى وكانت وفاته سنة ١٢٥٠ كما ذكره الشيخ أمين المذكور في مختصر المطالع المقدم ذكره رحمه الله تعالى.
* الشيخ مصطفى البرقاوي قاضي الحنابلة بدمشق
أخبرنا بعض المؤرخين فقال هو مصطفى بن سليمان بن سلمان بن محمد مزهر النابلسي البرقاوي مولدًا وشهرة الدمشقي الشيخ الفاضل العالم البارع الكاتب الماهر قدم دمشق وأخذ عن علمائها وأدرك الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار ولازمهما الملازمة التامة ثم بعد وفاتهما لزم ولديهما العلامتين الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار وتفقه عَلَى الشيخ مصطفى السيوطي (المقدمة ترجمته) وكان ذا هيبة ووقار ولي قضاء السادة الحنابلة بدمشق سنة ١٣٢٠ وتصدر للقضاء والإمضاء في المحاكم الشرعية ولم يزل على حالته إلى أن توفي وكانت وفاته في سابع عشر ذي القعدة سنة ١٢٥٠ ودفن بمقبرة الباب الصغير قريبًا من قبور بني الكزبري رحمه الله تعالى.
* الخطاط المفنن الشيخ عبد اللطيف الشطي
عبد اللطيف بن خضر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى بن شطي المعروف بالشطي البغدادي مولدًا الدمشقي موطنًا ووفاة كان من الأفاضل الصالحين خطاطًا متفننا كاتبًا مخترعًا مدهشًا ذا فكر ثاقب ورأي صائب كتب بخطه البديع من القطع وصنع من التحف ما لم يزل باقيًا حتى الآن منشورًا في البيوت مذكورًا في الألسن وأقدم ما رأيته منها قطعة مؤرخة في سنة ١٢٠٣ أخذ
стр. 179
الخط وفنونه عن العالم الصوفي الكاتب الشيخ مصطفى بن عبد الله بن محمود الكردي المتوفى بدمشق سنة ١٢٠٢ ومن لطائف صاحب الترجمة ما حدثنا به العالم المقري الشيخ عبد الله الحموي وكان قد أدركه قال طلب من المترجم قطعة تعلق فوق ضريح سيدنا يحيى في الجامع الأموي فكتب لهم قطعة فيها قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ فوضعوها على الضريح المنوه به فلما رآها العلامة الشيخ حامد العطار قال لمن معه ما كتب هذه القطعة إلا حنبلي؟ قالوا له نعم كتبها الحاج عبد اللطيف شطي - ومن نوادره المشهورة ما حدثنا به العم الكبير العلامة الشيخ أحمد الشطي قال كان طرق أحد اللصوص داره التي هي الآن دار بني النابلسي في دخلة بني الشطي من محلة العمارة وتكررَ نزله عليه فتفكر في أمره واصطنع له فجا يقبض عَلَى رجله إذا نزل وجعله بصورة الكرسي ثم وضعه في الموضع الذي ينزل اللص منه فلما كان الليل نزل اللص ووضع رجله على الكرسي المذكور فقبض على رجله وآثر اللص على نفسه فتخلص من الفخ وفر هاربا والدم يقطر من رجله فلما خرج صاحب الترجمة إلى السطح عرف تفلت اللص من الفخ وانجراحه به فتعقب في الصباح أثر الدم حتى عرف دار اللص فذهب إليه وتهدده بالبطش والإهانة فشكى له حاله وتاب على يديه ثم أكرمه صاحب الترجمة وعفا عنه - وأخبرنا العم المذكور أنه كان لبعض أعيان دمشق زوجان من (وروير) أو نحوه قد فقد أحدهما فأتى إلى المترجم بالآخر وطلب منه أن يصنع له مثله ففعل وأتقن حتى جاء صاحبهما المصنوع له فلم يكد يفرق بينهما - واطلعت أنا الفقير محمد جميل الشطي على قنينته من البلور قالوا أنها لا تقبل التحليل لها فوهة لا تدخل الاصبع منها وهي مكتوبة من داخلها بالحبر الأسود وفي ضمنها أدوات كبيرة خشبية بحيث إذا رآها الرائي يأخذه العجب من أمرها - وعلى كرة أرضية مركوزة على أسكملة لطيفة وعليها رسوم الأفلاك والمنازل بصورة تروق الناظر وتسر الخاطر وله غير ذلك من التحف النفيسة وكانت وفاته سنة اثنين وخمسين ومائتين وألف ودفن في مقبرة آل شطى من السفح القاسيوني وقد رثاه ابن عمه سيدي الجد الكبير ببيتين كتبهما بخطه عَلَى لوخ قبره وهما.
стр. 180
يا غافلًا هب واعتبر بما صرنا … واغنم حياتك قبل أن تجاورنا
وقدم الخير ثم كن على وجل … وسل مليكا بعفوه يبادرنا
تذييل - وممن اشتهر من عائلتنا بالخط وأكثر من الكتابة الحاج عبد الفتاح بن عبد القادر بن عبد الله الشطي فإنه كان عَلَى جانب من التقوى والصلاح اعتراه في أول كهولته ضعف في بصره فابتهل إلى الله عازمًا أن عافاه ليصرفن عمره في كتابة كتب العلم فاستجاب الله دعاءه ووفى بعهده فإنه لم يشتغل بسوى الكتابة إلى آخر عمره ومما كتبه مصحفان وربعة والصحيحان وشرح القسطلاني في ست مجلدات والدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور للسيوطي في مجلدين وطبقات الحنابلة للعلمي أرخها في سنة ١١٩٥ وهي التي اطلعنا عليها واختصرنا منها صدر كتابنا هذا وغير ذلك - ومن كتابنا الأفاضل ولده الشيخ عبد الوهاب المتوفى سنة ١١٩٣ اطلعت له على إجازة من الشيخ أحمد البعلي بخطه مؤرخة في سنة ١١٨٨ - ومنهم أخو صاحب الترجمة الحاج محمد أمين ابن الحاج خضر شطي المتوفى سنة ١٢٤٣ رأيت بخطه شرح دليل الطالب فرغ منه سنة ١١٧٣ ومنهم الحاج مصطفى بن عبد الله بن مصطفى الشطي كتب شرح الإقناع وأرخه سنة ١١٦٥ ومنهم الحاج محمود بن معروف الشطي المتوفي سنة ١٢٠١ وولده عبد الله المتوفى سنة ١١٩٨ وعمنا الحاج خليل حلبي ابن الحاج عمر الشطي متولي المدرسة البدرأية بدمشق المتوفى سنة ١٢٥٣ رحمة الله عليهم أجمعين.
* الشيخ محمد سعدي السيوطي
ذكره العم الفاضل المتفنن مراد أفندي الشطي في مسودة الطبقات فقال هو سعدي بن مصطفى بن سعد السيوطي الرحباني الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق وابن مفتيها تولى الإفتاء بعد وفاة والده سنة ١٢٤٣ وكان صالحًا دينًا عفيفًا زاهدًا محمود السيرة فقيها في المذهب وكان ضعيفا في العربية بحيث يصحح له الفتوى العلامة الجد الشيخ حسن الشطي وقد تفقه على والده وعلى الشيخ إبراهيم الكفيري ورأيت تاريخ وفاته بخط الجد المذكور وذلك في خامس
стр. 181
عشر شوال سنة ست وخمسين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ إبراهيم الكفيري
ذكره العم في مسودته المذكورة فقال هو العالم الفاضل الفقيه الفرضي الأوحد تفقه على الشيخ مصطفى السيوطي والشيخ غنام النجدي وقرأ على غيرهما وكان يحفظ المنتهى عن ظهر قلب ويقرره للطلبة مع شرحه بحيث أن الطلبة كانت تصحح نسخ المنتهى من حفظه وكان صالحا ورعا ناسكا زاهدًا ملازمًا داره بمحلة القيمرية وكانت الطلبة تأتيه إلى داره المذكورة وكان العلامة الجد يعظمه وإذا أتاه بعض الطلبة لقراءة الفقه أرسله إليه ولم ينصب نفسه لإقراء الفقه إلا بعد وفاته وقد توفى عام ثلاثة وستين ومائتين وألف تقريبًا وممن أخذ عنه الشيخ محمد خطيب دوما والشيخ عبيد القدومي النابلسي والشيخ أحمد القدومي الدمشقي وولده الشيخ صالح الكفيري المتوفى سنة ١٢٨٢ رحمه الله تعالى.
* الشيخ مصطفى الشطي
مصطفى بن محمود بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي البغدادي الأصل الدمشقي الكرخي نسبة إلى الولي المشهور سيدنا الشيخ معروف الكرخي وهذه النسبة مستفيضة في بغداد معروفة لبني الشطي حتى الآن ولهم فيها آثار ومآثر منها جامع القزازة الحاوي على مقبرة عظيمة قديمة وأغلب آل شطي مدفونون بها وهو الآن بيد بني البرزنجي من أسباطهم هناك وقد انقرض الذكور منهم بالطاعون سنة ١٢٢٧ وكان آخرهم الحاج إسماعيل شطي المتوفى سنة ١٢٢٩ وكان قبل ذلك في حدود سنة ١١٨٠ ورد منهم إلى دمشق تجارًا كل من والد صاحب الترجمة الحاج محمود جلبي والحاج عمر جلبي والحاج خضر جلبي أولاد الحاج معروف جلبي وابن عمهم الحاج عبد الفتاح فنزلوا في ديارهم المعروفة بهم قرب المدرسة البدرأية بدمشق وتجارتهم في خان أسعد باشا العظم بسوق البزورية ثم نشأ صاحب الترجمة في صيانة وورع وكان من العلماء العاملين والأولياء الكاملين عابدًا ناسكًا مجتنبًا للشبهات مشتغلا بأنواع القربات مشهورًا
стр. 182
بالصلاح والتقوى بحيث كان مثال الورع في دمشق رأيت نبذة من ترجمته بخط حفيده الشيخ عبد السلام الشطي قال ما خلاصته حدثني جدي ﵀ مرارًا عديدة أن مولده بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف ونشأ في حجر والده المتوفى سنة ١٢٠١ ثم بعد ذلك بقي المترجم عند والدته مع أخويه الأكبرين الحاج أحمد والحاج محمد إلى أن بلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة وكان إذ ذاك قد حفظ القرآن وبرع العلوم فحج بيت الله الحرام وفاز بزيارة النبي ﵇ وقد قرأ في الفقه على العلامة الشيخ مصطفى الرحيباني الشهير بالسيوطي ومن مقروآته عليه شرحه الذي صنفه على كتاب غاية المنتهى وأخذ التفسير والحديث عن الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والنحو والصرف وغيرهما من الآلات عن الشيخ القادر الميداني وأخذ عن غيرهم من شيوخ دمشق انتهى. ثم أكب المترجم على العبادة والتلاوة مشتغلا بالتجارة مع أخويه المذكورين بورع تام وتقوى زائدة وقد اشتهر أمرهم وارتفع ذكرهم وامتدحوا بقصائد غراء منها قصيدة بديعة مذيلة بنثر لطيف من إنشاء العلامة الشيخ محمد المسيري المقدسي في مدح المترجم وأخيه الحاج محمد المتوفى سنة ١٢٤٢ وقد ذكرها سيدي العم مراد أفندي في كشكوله قال المسيري:
سقى الله وادي الشام ذا الرفع والهبط … بواكر غيث بين عال ومنحط
وحيى ربوعًا قد برزن كواكبا … تميس كما ماس الخرائد بالمرط
وأرج أرجاها بأشذى عواطر … ومبهجا للمسرعين وللمبطي
بلاد بها ينسى الغريب بلاده … ويسلو أهاليه مع الصحاب والرهط
بلاد بها روض المسرة فائح … وبدر علاها لا يميل إلى حط
يضوع بها ضوع المسرة عابقًا … وتنهل مزن البشر فيها بلا قنط
تكنفها الجنات من كل جانب … فأربى الشذا فيها على المسك والقسط
وكم نهر فيها يجوس خلالها … وكم جدول ينساب في الدر كالرقط
وكم من مزارات بها ومشاهد … يلوح سناها للمصيب وللمخطي
وكم ماجد فيها وكم عالم بها … تجربه ذيلا على زبة القرط
وكم صالح قد حل في فيح سوحها … به يستقي غيث السماء إذا يبطئ
стр. 183
أخا الحزم يمم نجوها واثو عدنها … وجزلجها وأهبط ببحبوحة الشط
تجد مستناخًا آهلا ومبوأ … رحيبًا وقومًا فضلهم جل عن ضبط
بهم سارت الركبان في كل وجهة … وطيب ثناهم قد دعا الناس للغبط
أناس تراهم لا تتوق نفوسهم … لغير العلى من غير شوب ولا خلط
وهمتهم غرس المكارم في الورى … وكسب المعالي والتقصي عن الرمط
وكم أسسوا آثار فضل ومهدوا … قواعد بر بدرها غير منحط
ولم تلق فيهم غير بر وماجد … وذلك دأب للشباب وللشمط
تنبه كل للمراد من الدنا … فسارع في مرضاة خالقه المعطي
ولم يثنهم عن منهج الرشد صارف … ولا غرت الدنيا بشيل ولا حط
ولا نظروا شذرًا ولا أثروا بها … ولا اشتغلوا بالثلب والطعن والغمط
نواديهم بالعلم والذكر حية … وأرقابهم عن منتمى الخير لا تخطي
وسيرتهم بين الأنام حميدة … ومنهجهم جار على منهج القسط
ومنزلهم مأوى الكرامة دائمًا … وشأنهم يرضي الإله بلا سخط
وما الشام إلا مقلة هم سوادها … وسمط لال هم فرائد في السمط
وما الشام في البلدان إلا قصيدة … وهم بيتها أكرم بالآباء والسبط
أدام إلهي فضلهم متضاعفًا … ورشحهم بالأيد والفضل والبسط
وصانهم من كلّ كرب وآفة … ومن شر ذي ومن كيد ذي ضغط
ولا زال عون الله يرعى ديارهم … ومزن عطاياهم تسح ولا تبطي
إن أحسن ما جرى به القلم في ميدان الكلام وتفجرت به ينابيع البلاغة وصغت له آذان الأفهام وتجلت به وجوه الطروس في كل رحيل ومقام وحسنت به مطالع الابتداء وتزينت به مقاطع الاختتام سلام تهطل مواطره في سوح تلك الأندية وتتضوع زواكيه وتتمايل أزاهره في رياض تلك الأفنية وتتجلى شموسه على تلك المعاهد والأبنية وتتسابق جياد سوابقه إلى تلك النواحي والأرجية أخص بذلك توأمي الفضل ورضيعي لبانه وممتطيي صهوة المجد وممسكي عنانه وراسمي خطط البر ومؤسسي بنيانه وغارسي دوحته ومطيلي أفنانه الجنابين الفخيمين سيدي الحاج محمد وسيدي الحاج مصطفى لا زال ينبوع الفضل
стр. 184
ومعدن الوفا ولا قطع المولى عنهما عوائد كرمه وإحسانه ولا عدتهما سوابغ فضله وامتنانه انتهى كلام المسيري. وذكر العم في كشكوله أيضًا قصيدة في مدح صاحب الترجمة طويلة الذيل للعلامة السيد عبد الله المكتبي مطلعها:
قم يا نديم بدورنا قد تاهوا … في ذا الجمال وللشجي أتاهوا
ويحكى عن المترجم مناقب في الورع يطول ذكرها جدًا ولم يزل على وتيرة العبادة والنسك وحسن السيرة إلى أن توفاه الله تعالى وكانت وفاته ليلة الجمعة سلخ جمادي الثانية سنة تسع وستين ومائتين وألف ودفن في سفح قاسيون في تربتنا الشطية قرب المغارة الجوعية رحمه الله تعالى وأرخ وفاته العالم الشيخ إبراهيم العطار بقوله:
مرقد من جنة الخلد به … ماجد بعهد مولاه وفي
كامل مهذب ذو ورع … بكت التقوى عليه أسفا
ورده القرآن يتلو مخلصًا … وحديث الهاشمي المصطفى
إن رضوان الإله اتحفا … أرخوا طيبا ضريح مصطفى
* العلامة الشيخ حسن الشطي
ترجمه حفيده أستاذي العم مراد أفندي ﵀ في مسودته فهو حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي مولدًا ووفاة البغدادي أصلا الشيخ الإمام العلامة المحدث الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي الثبت الثقة الورع التقي شيخ الحنابلة ومرجعهم وإمام الفرضيين ومسندهم جدنا الأعظم وإمامنا الأفخم ولد قدس الله روحه بدمشق في صفر سنة خمس ومائتين وألف ونشأ في حجر والده في صيانة ورفاهية وتوفي والده في سنة ١٢١٨ فأخذ في طلب العلم وأدرك الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار فأخذ عنهما وتفقه على الشيخ مصطفى السيوطي والشيخ غنام النجدي وحضر في الفرائض والنحو على الشيخ عبد الله الكردي وقرأ على الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ يحيى المصالحي وملا علي أفندي السويدي والشيخ خليل
стр. 185
الخشه وأخذ حديث الأولية عن الشيخ عمر المجتهد وأخذ عن غيرهم بدمشق ورحل إلى بغداد سنة ١٢٢٦ فأخذ عن مشايخ أجلهم الشيخ محمد البكيري وتشرف بالأقطار الحجازية سنة ١٢٣٢ فأخذ عن مشايخ من أجلهم الشيخ محمد طاهر الكوراني وألف صاحب الترجمة المؤلفات النافعة منها منحة مولى الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح أي غاية الشيخ مرعي الكرمي وشرح شيخه السيوطي مجلد كبير والنثار على الاظهار مجلد. ومختصر شرح العقيدة للسفاريني مجلد. وبسط الراحة لتناول المساحة مجلد. وشرح على رسالة في أن المصدرية. وشرح على الكافي في العروض والقوافي. وشرح على حزب النواوي. ومنسك كبير. ومعراج. ومولد وعقيدة. وثبت. ورسالة في البسملة. ورسالة في فسخ النكاح. وقد طبعتهما مع رسالة في التقليد والتلفيق استخرجتها من كتاب المنحة المقدم ذكره وذلك في دمشق سنة ١٣٢٨ - وكان صاحب الترجمة متبحرًا في العلوم متحليًا بحلى المنطوق والمفهوم خدم مذهب الإمام أحمد بن حنبل الخدمة التامة فكان حامل لوائه وانتهى إليه علم الفرائض فكان محيي رمته. وكان شأنه العلم والعبادة وكسبه كأسلافه الصالحين من التجارة الخالصة ولمزيد ورعه لم يعهد له مداخلة في أمور الحكومة حتى تولى مريدوه المناصب العلمية وهم خاضعون لفضله وجلالته ولا اشتغال فأخذوا عنه فنون الفرائض والحساب والمساحة واشتغلوا بها حال حياته وبعد وفاته انتشرت هذه العلوم بدمشق وغيرها وكان له الفضل التام والخير العام في فقهنا الحنبلي فإنه انفرد به في عصره حتى رحل إليه الطالبون من البلاد النجدية والديار النابلسية ودوما ورحيبة وضمير وغيرها فأخذوا عنه الفقه رواية ودراية وتلقوه خلفًا بعد سلف وكانت دروسه في داره وفي محراب الحنابلة من الجامع الأموي وكان عليه تولية وتدريس المدرسة الباذرائية وهي من أعمر المدارس وأزهرها بدمشق وكان له في الدين والورع أمور كثيرة شهيرة ومن نوابغ تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا به مفتي دمشق السيد محمود أفندي حمزة وأخوه أسعد أفندي وقاضي دمشق سعيد أفندي الاسطواني ورضا أفندي الغزي وأخوه حسين أفندي والشيخ بكري والشيخ عمر والشيخ إبراهيم أحفاد الشهاب العطار والشيخ أحمد مسلم الكزبري والقاضي الشافعي الشيخ سليم سبط الطيبي والمفتي الشافعي محمد أفندي الغزي
стр. 186
ودرويش أفندي العجلاني والقاضي الحنبلي الشيخ محمد البرقاوي والمفتي الحنبلي الشيخ سعيد السيوطي والشيخ محمد الطيبي مفتي البلاد الحورانية والشيخ عبد الله القدومي شيخ الديار النابلسية والشيخ يوسف البرقاوي شيخ رواق الحنابلة في الأزهر والشيخ محمد خطيب دوما وغيرهم من دمشقيين وآفاقيين وكان له نظم قليل فمنه قوله مقرظا على بديعية خليل أغا الوكيل:
باهى البها أبدي لنا غرا سمت … تزهو بما قد زانها حسانها
قد وشحت ببدائع ونفائس … وطرائف سرت بها أخدانها
ثم قال:
يا عاذ لي في حبها دع عنك ذا … إن لم تدع غارت لها شجعانها
وفى بأنواع البديع نظامها … وبمدح طه زينت تيجانها
فخليلنا أسدى لنا معروفه … مذ صاغها فتقاصرت أقرانها
لا زال يرتع في ميادين العلى … ما جددا أيامنا ملوانها
وكتب إليه بعض الأدباء
أيا حسنا تباعد عن محب … وبالأوراق رق له وأملى
وثقنا أن حبل الود منكم … ملى من حبال الوصل أملى
فهل للهجر عندك من وصال … تجود به عَلَى المشتاق أم لا
فأجابه بقوله:
أيا خلا حوى لطفا وأولى … من المعروف خدنا ثم أولى
لئن تنصف فقد صوبت رأيا … وأن تسمح وتعذر فهو أولى
ففي الأيام ما يدهي ويلهي … وهل يجديك قولي دعه أولا
وامتدح المترجم العلامة الشيخ مصطفى المغربي إمام المالكية بالجامع الأموي فقال:
خليليَ أن جزت المجاز إلى الشط … وحزت مجاز الفوز من حسن الشط
وفي قطع الأزهار نزهت ناظرًا … بوادي حماة الشام عن أيمن الشط
стр. 187
فحط رحالًا واجتن القطف ناضرًا … وعرج بمرتقى به حسن شطى
محط رجال بالإرادة نمقوا … بنيل معالي القرب عن شقة الشط
كفيل كريم كهف كل كلائة … كفايته كاف الكفاءة كالشط
صدوق صؤم صالح صدعه صدا … صلات صلاة صاد صاعدة الشط
فلا تمضع القربض كالماء تبتغي … مطاعمه وخذ مسانمة الشط
ولم يزل صاحب الترجمة على طريقته المثلى وحالته الحسنى إلى أن توفي وكانت وفاته بعيد الغروب ليلة السبت رابع عشر جمادي الثانية سنة أربع وسبعين ومائتين وألف ودفن بمحفل عظيم في السفح القاسيوني في مقبرة بني الشطي المعروفة بتربة البغاددة وأرخ وفاته العلامة محمود أفندي حمزه بقوله:
هل كوكب العلم استكن … تحت الثرى غض الأديم
أم تخذ القبر وطن … لما رأى أن لا نديم
يا فاضلًا في كل فن … من بعده الفضل عقيم
كم ذاله فينا منن … مازت لنا الفهم السقيم
قد ملأ الدنيا … حزن بندبه هذا الكريم
هو أن يكن شطى السكن … لكنه مولاه الرحيم
حررت لما أن سكن … في ظل مولاه الرحيم
تاريخه الشطي حسن … يقر في دار النعيم
* سعيد أفندي السيوطي
أخبرنا عنه ولده العالم توفيق أفندي فهو سعيد بن مصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني الأصل الدمشقي الشيخ الفقيه الفاضل النبيل الهمام مفتي الحنابلة بدمشق بعد أخيه الشيخ محمد سعدي المتوفى سنة ١٢٥٦ ولد بدمشق سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده وأخيه المقدم ذكرهما ثم أخذ في طلب العلم فنفقه على أخيه المذكور وعَلَى جدنا العلامة الشيخ حسن الشطي وحضر في علوم الآلات على العلامة الكبير الشيخ سعيد الحلبي وولي نظارة
стр. 188
الجامع الأموي بعد أخيه إلى سنة ١٢٦٤ وفيها فصل من النظارة المذكورة وأقيم في مكانه رضا أفندي الغزي وولي أيضًا نيابة قضاء السلط وكان عليه من أسلافه جملة وظائف دينية منها تولية الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة في صالحية دمشق فاستمر بها وبالفتوى إلى أن توفى وكانت وفاته في ثامن عشري المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف رحمه الله تعالى آمين.
* الشيخ محمد الشرفي مفتي الحنابلة بمكة
ترجمه سيدي العم العالم المفنن محمد مراد أفندي في مسودة طبقات الحنابلة له فقال هو الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة المكرمة الإمام العلامة الفقيه المحدث المتقن كان ذا علم وسيع وفهم رفيع بالغًا أعلى مراتب التقوى مرجعًا لأرباب العلم الفتوى كثير المحبة والاعتناء بشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وتلامذته له القدم الراسخ في المعلوم العقلية والنقلية دار البلاد ودخل دمشق ونزل في دارنا أيامًا واجتمع بجلة من أعيان دمشق وعلمائها وصار بينه وبين سيدي الوالد صاحب التآليف الشيخ محمد والعم مفتي الحنابلة الشيخ أحمد ألفة أكيدة ومحبة شديدة وأثنيا عليه وذكرا له هما عالية وقد أخذ صاحب الترجمة عن جملة من المشايخ الأجلاء منهم السيد محمد السنوسي روى عنه حديث الأولية ولازمه سنين عديدة وأجازه بثبته وروى بالإجازة العامة عن المحدثين الشيخ عابد السندي والشيخ محمد الأهدل وأخذ علوم الآلات عن العلامة محمود أفندي الألوسي مفتي بغداد والشيخ إبراهيم السقا الأزهري وتفقه في المذهب على الشيخ محمد الهديبي نزيل المدينة المنورة المتوفى بها سنة ١٢٦١ وهو تفقه على العلامة الشيخ محمد بن فيروز الاحسائي نزيل البصرة المتوفى سنة ١٢١٦ ويروى صاحب الترجمة الفقه أيضًا عن الشيخ عبد الجبار البصري نزيل المدينة عن الشيخ مصطفى السيوطي مفتي الحنابلة بدمشق وألف مؤلفات منها السحب الوابلة على أضرحة الحنابلة وكانت وفاته سنة خمس وتسعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
стр. 189
* الشيخ عبد السلام الشطي
ترجمه سيدي العم مراد أفندي في مسودته المنوه بها فهو عبد السلام بن عبد الرحمن بن مصطفى بن محمود الشطي الدمشقي جدي لأمي العالم الفاضل العابد الناسك الأديب الشاعر اللوذعي اللطيف كان من محاسن دمشق وظرفائها حسن العشرة لطيف المذاكرة مفننًا بالأدب يغلب عليه الصلاح ولد بدمشق سنة ست وخمسين ومائتين وألف وجاء تاريخه بالحسن ظهر قرأ القرآن وتعلم الخط وهو صغير جدًا وأخذ عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ عبد الله الحلبي والشيخ محمد الجوخدار والشيخ عبد الرحمن بيازيد وأحمد أفندي الاستانبولي والشيخ أحمد مسلم الكزبري والشيخ مصطفى المغربي نزيل دمشق والشيخ صالح جعفر والشيخ عمر العطار وحضر في الفقه وغيره دروس الجد الشيخ حسن الشطي ثم ولده العم الشيخ أحمد الشطي ولازم الشيخ سليم العطار الملازمة التامة في التفسير والحديث وغيرهما وحج مرتين سنة ١٢٧٤ وسنة ١٢٨٤ ودخل مصر وغيرها فاستجاز من أجلة الشيوخ كالشيخ إبراهيم الباجوري والشيخ إبراهيم السقا والشيخ مصطفى المبلط والشيخ محمد البنا مفتي اسكندريه والشيخ داود البغدادي النقشبندي والشيخ جمال المكي رئيس المدرسين في المسجد الحرام والسيد أحمد محيى الدين الحسيني مفتي غزه وأخذ الطريقة القادرية عن السيد محمد نوري القادري ورحل إلى قسطنطينية سنة ١٢٩٣ ووجه عليه تدريس أدرنه وخصص له راتب من الصرح السلطاني وأم في محراب الحنابلة من الجامع الأموي احتسابا وكان مشهورا بالذكاء واللطف التام مع الورع الزائد لا سيما في يتعلق بالطهارة وكان له مزاح ودعابه بحيث لا يمل جليسه منه ولا يعدل صاحبه عنه وله شعر في غاية السلاسه وربما عمل القصيدة الموزونة ولم يعلم من أي بحر هي لم يزل في أرغد عيش وأحسن حال حتى وقعت مسألة كسر البسيط التي عمل فيها قصيدته:
كسر البسيط برأيه المعكوس … وأتى لدرس العلم بعد دروس
فانتصر الأمير عبد القادر الجزائري للشيخ الطنطاوي الذي انكسر البسيط على يده فأرسل إلى المترجم فأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء فبعد ذلك
стр. 190
أغبر عيش صاحب الترجمة وتكدر صفاؤه وأخيرًا تنبه الأمير لغلطه فأرسل إليه صرة فيها خمسون ليرة فردها وأرسل يقول أنا لا أبيع مصيبتي (وعند الله تجتمع الخصوم) ثم جاء الأمير بنفسه إلى دار المترجم فأخذ بيده واستسمح منه ولي قصيدة في هذه القصة من البحر والقافية نضرب عنها صفحا. وقد جمعت لجدي المترجم ديوانًا في أحاسن منظوماته طبعته في بيروت سنة ١٣٢٥ وإليك شيئًا منها قال ﵀ متوسلًا:
إليك رسول الله أشكو نوائبا … لقد أنحلت جسمي وأعمت بصيرتي
وقد زاد بي سقمي وطال تمرضي … وقد ضاق بي صدري وصرت بحيرة
وحالي لا يخفاك تفصيل شرحه … فجد لي بكشف الضر واقبل عريضتي
فيا خير خلق الله بالشرف الورى … على بابك العالي أنخت مطيتي
وفيك لقد أملت نيل مقاصدي … وأرجوك يا مختار إبراء علتي
عليك صلاة الله ثم سلامه … وآلك والأصحاب في كل طرفة
وقال عاقدا حديث الرحمة المسلسل بالأولية:
لقد روينا حديثا عن مشايخنا … مسلسلا أولياء جاء منتظما
أن ترحموا تُرحموا دنيا وآخرة … فإنما يرحم الرحمن من رحما
وله في مدح الولي الشهير الشيخ حسن الراعي دفين قصبة قطنا:
في حاء حبك لم أزل مترقيًا … وبسين سرك لا أخاف ضياعي
وبنون نورك في الأنام مهابتي … ورعايتي إذ أنت نعم الراعي
وقال في شرح المنتهى ودليل الطالب من كتبنا الفقهية:
يا من يروم بفقهه … في الدين نيل مطالب
اقرأ الشرح المنتهى … واحفظ دليل الطالب
وقال مضمنا مصراع بيت للعارف بن الفارض:
أجريت من شوقي إليك مدامعي … وازداد من عشقي عليك تلهفي
стр. 191
لو كنت تعرف حالتي لرحمتني … روحي فداك عرفت أم لم تعرف
وقال هذا المقطوع مطرزًا باسم (سعيد):
(سلي همومي بعودك أيها المحبوب … عودك جرحني وعني لم تزل محجوب)
(يكفيك يا منيتي صيرتني مسلوب … داوي بوصلك فؤادي إنه المطلوب)
وقال فيه العالم الشيخ صالح المنير:
بدا عبد السلام ففاح منه … شذا يسمو على زهر الرياض
ومذ حيى غدا كالبدر يزهو … بياض في بياض في بياض
وقال فيه مصباح أفندي محرم من أدباء بيروت:
أنعم بليلة أنس أنت مظهرها … يا من يجل عن التشبيه مظهره
دامت لياليك أفراحًا بكل هنا … بدر السعود علينا أنت مبدره
وقد ألف رسائل لطيفة واجتمع عنده من الكتاب ما لم يجتمع عند غيره فأوقف البعض منها على ذريته وبيع أغلبها في تركته وكانت وفاته فجأة ليلة إحدى عشري محرم سنة خمس وتسعين ومائتين وألف عن ٣٩ عامًا ودفن في التربة الذهبية بمشهد حافل ولم يعقب ذكرًا رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد البرقاوي
أخبرنا عنه ولده الفاضل سعيد أفندي فهو محمد بن مصطفى بن سليمان البرقاوي أصلا وشهرة الدمشقي الشيخ الجليل الفاضل النبيل المعمر قاضي الحنابلة وابن قاضيها ولد بدمشق في حدود سنة عشرين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده المقدمة ترجمته وأخذ الفقه عنه وعن جدنا العلامة الشيخ حسن الشطي وحضر في بعض العلوم عَلَى العلامة الكبير الشيخ سعيد الحلبي والشيخ أحمد مسلم الكزبري وصار رئيس الكتاب في محكمة السنانية ثم في البزورية ثم في العونية وتولى القضاء بعد وفاة والده سنة ١٢٥٠ فاستمر به في العونية إلى أن توفي وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشر صفر سنة سبع وتسعين ومائتين وألف -
стр. 192
أقول ويحكى أنه كان لصاحب الترجمة أقدام في مسائل الطلاق والفسخ حتى وقعت حادثة فسخ في المحكمة الشرعية سنة ١٢٥٩ اجتمع لها عند القاضي جمع من المشايخ الكرام فتصدى للفسخ كل من المترجم وسعيد أفندي السيوطي المفتي الحنبلي ففسخا عقد الزوجة التي غاب زوجها ولم يقنع القاضي العام إذ ذاك السيد محمد نظيف أفندي فأرسل إلى سيدي الجد المنوه به يسأله عنها لما سمع من أنه هو شيخ الحنابلة وإمامهم في العلم والعمل فأفتى الجد المشار إليه بفساده لعدم استيفاء شروطه ثم صححه المذكوران لدى القاضي المذكور في غيبة الجد فعندها بادر الجد ﵀ فحضر إلى مجلس القاضي وأرعد وأبرق وتلا عليهم النص حتى أبطل القاضي الحكم المذكور وعزل المترجم وولى مكانه الشيخ عبد الحفيظ النابلسي مدة ثم طلب من الجد المقدم ذكره أن يحرر هذه المسألة في رسالة فصنف سيدنا الجد رسالته "الفوز بالنجاح في حكم مسألة فسخ النكاح" المطبوعة سنة ١٣٢٨ ومن غريب الاتفاق أنه لم يمض على هذه الحادثة بضعة أيام حتى حضر الزوج الأول من غيبته وقبض على زمام زوجته وشكر للجد حسن مساعيه - وقد تولي القضاء بعد صاحب الترجمة سيدي العم الكبير الشيخ أحمد الشطي فصار بعده يحكم ويقضي ويكتب ويمضي ولم تطل مدته فيه ففي سنة ١٢٩٨ وقعت حادثة حكم فيها بقواعد المذهب فلما علم بذلك القاضي العام وقتئذ موسى كاظم أفندي قال كيف لا ترفع إلي مثل هذه المهمة وأنا القاضي العام ثم أصدر أمره بإلغاء القضائين الحنبلي والشافعي من أصلهما فتعطلت الأوقاف على أربابها أشهرًا ثم ألح على القاضي المذكور بعض أعيان دمشق بأن يعيد الحالة إلى ما كانت عليه فأعاد الشافعي وأبى أن يعيد العم فطلب الوظيفة حينئذ توفيق أفندي السيوطي سليل الإفتاء الحنبلي وكان من الكتاب بمحكمة الباب فولاه إياها على أنه هو والشافعي نائبان من قبله ولم يزل توفيق أفندي المقدم ذكره نائبًا حنبليًا في المحاكم الشرعية إلى سنة ١٣٢٧ وفيها ولاني السيد محمد رفعت أفندي ابن مصطفى فائق أفندي قاضي دمشق وابن قاضيها النيابة الحنبلية في محكمة السنانيه ثم في محكمة العونيه بمرسوم من قبله وما زلت بها إلى أن ألغيت محاكم الأطراف بمقتضى التنسيقات العمومية فبقي السيوطي في محكمة الباب إلى ختام ربيع الثاني سنة ١٣٣٩ وفيه صدر الأمر
стр. 193
السامي بتوجيه القضاء عليَّ وتقرير المذكور في الإفتاء وظيفة أسلافه فباشرته في المحكمة الشرعية بدمشق حسب العوائد القديمة ولم أزل فيه إلى يومنا هذا. فرحم الله المترجم وبني البرقاوي وبني السيوطي وبني الشطي وجميع الحنابلة خصوصا وسائر المسلمين عموما آمين.
* الشيخ عبيد القدومي
عبيد بن عبيد الله القدومي موطنًا وشهرة كتب إلينا عنه الفاضل الشيخ يوسف ابن العلامة الشيخ عبد الله صوفان القدومي فقال هو عالم كبير وفاضل شهير بحر استمدت منه جداول الأفاضل وروض قامت به الفنون على كل غصن مائل كان غرة في جبهة الديار النابلسية وعلمًا في طراز الطائفة الحنبلية فقيها محدثا تاريخيا صالحا تقيا ولد سنة اثني عشر ومائتين وألف بقرية كفر قدوم من قرى نابلس ونشأ منشأ حسنا ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فلازم الأستاذين الشيخ سعيد الحلبي والشيخ إبراهيم الكفيري وغيرهما من الأعلام حتى فاق وبرع ثم رجع إلى وطنه المذكور في زال يفيد ويستفيد ويبدي ويعيد مع الجاه والقبول عند الخاص والعام حتى دنا كوكبه المشرق إلى الغروب وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف وقبره معروف في بلده ومن شعره ﵀ قوله مخمسًا:
لقد قد ميل الغصن قلبي وسائني … وأجج نارًا في قرار مساكني
وفي شهر نيسان تحرك ساكني … تقنع ورد الحسن في خد فاتني
فلم أستطع قطفا فذبت من الوجد
لقد طفت حول البيت أرنو خياله … ودوما أجوب الليل حتى أناله
ومذ رمت أرجو وصله ونواله … وحاولت منه خلسة فبنى له
سياجًا من الريحان خوفًا على الورد
* الشيخ محمد الشطي
ترجمه ولده سيدي العم مراد أفندي فقال هو محمد بن حسن بن عمر بن
стр. 194
معروف الشطي الدمشقي العالم الفاضل النحرير الكامل الفقيه الفرضي الحيسوبي الهمام الأوحد كان من أعيان العلماء سخيًا ودودًا حسن العشرة ولد بدمشق يوم السبت عاشر جمادي الثانية سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده الإمام المقدمة ترجمته وكان والده لشدته يمنعه هو وشقيقه العم الآتية ترجمته أن يخرجا من الدار في صغرهما إلا مع رجل مسن تقي حرصًا على تعليمهما وتأديبهما حتى نشأ كما أحب وكان تضرب المثل بحسن تربيتهما وقد قرأ المترجم القرآن العظيم وجوده وحفظه على الشيخ مصطفى التلي ولازم دروس والده المنوه به فقها وفرائض وحسابا وتفسيرًا وحديثًا وتوحيدًا ونحوًا وصرفًا إلى غير ذلك وبه تخرج وانتفع ثم بعد وفاته لازم شيخ دمشق الشيخ عبد الله الحلبي فحضر عليه في الأشموني والمغني لابن هشام والدر المختار في فقه الحنفية وطرفا من البخاري في درس قبة النسر وكان استجاز له والده من أئمة دمشق الشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ عيد الرحمن الطيبي ونزيل دمشق الشيخ محمد التميمي فأجازوه وروى عنهم حديث الأولية وقرأ في الفقه أيضًا على تلميذ والده الشيخ مصطفى الكرمي واستجاز من الشيخ أحمد البغال والشيخ قاسم الحلاق وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد الفاسي المكي ولما ورد إلى دمشق الشيخ محمد أكرم الأفغاني لازمه مدة وحضر عنده في الهيئة والفلك وكتب له إجازة عامة وكان لصاحب الترجمة وأخيه العلامة الشيخ أحمد المنتهى في الفقه والفرائض والحساب والهندسة بحيث لا يشق لهما غبار ولا يجري معهما في مضمار وكانا مرجع أهل دمشق في المناسخات والمساحات وتقسيم المياه والدور والأراضي وألف المترجم مؤلفات جمة منها رسالة صغيرة في الفرائض ألفها سنة ١٣٧٦ وهي أول مؤلفاته ورسالة أبكر منها طبعت في دمشق سنة ١٣١٣ برخصة نظارة المعارف وهي مشهورة وكتاب صحائف الرائض في علم الفرائض نحو سبعين صحيفة جعل في كل صحيفة منه بحثًا مخصوصًا وكتاب بسط الراحة لتناول المساحة اختصره من كتاب والده وسماه باسمه وذيله بخريطة فيها رسم الأشكال الهندسية مع بيان مساحتها وقد كان قدمهما إلى استانبول وصدر أمر النظارة المذكورة بمكافاته عليهما برتبة علمية وذلك سنة ١٢٩٢ وله رسالة أصغر منهما بكراسين وأصغر في كراس واحد وله
стр. 195
مقدمة في توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية عليه رخصة النظارة المنوه بها سنة ١٣٠٣ (وقد طبع في مصر سنة ١٣٢٥ على يد حفيد المترجم صاحب هذا المختصر) وتسهيل الأحكام فيما تحتاج إليه الحكام رتبه على نيف وألف مادة والمطالب الوفية فيما تحتاج إليه النواب الشرعية والقواعد الحنبلية في التصرفات الأملاكية وكتاب في الحساب في ثلاث كراريس ونصف وشرح على الدور الأعلى ورسالة في مصطلح الحديث وله خريطة في النحو سلك فيها مسلك الاظهار واختصر معراج والده ومنسكه وجمع دفترًا كبيرًا لتقسيم مياه دمشق يُرجع إليه الآن وله رسائل لم تتم في الفرائض والحساب والنحو وغير ذلك وكان يميل إلى إحياء المذاهب المندرسة ونشرها وله اطلاع واسع عَلَى أقوال المجتهدين حتى أن العلامة السيد محمود أفندي حمزة مفتي دمشق كان طلب منه جمع مسائل الإمام داود الظاهري فجمع رسالته في ذلك في بضعة أيام (وقد طبعها الفقير جامع هذا الكتاب ومختصره بنظر من أستاذي القاسمي رحمه الله تعالى) ووجه على صاحب الترجمة رتبة تدريس أدرنه في حياة والده سنة ١٢٧٣ ثم صار عضوًا في قومسيون الأوقاف وفي مجلس المعارف وفرضيًا لدائرة البلدية وفي سنة ١٢٩٤ صار وكيل نيابة قضاء طبريا وفي سنة ١٢٩٨ ولي نيابة قضاء راشيا فسار فيها سيرة حسنة وفي آخر مدتها الرسمية وقع عنده دعوى بين أهالي القصبة من الدروز فأنفذ حكمه على أحد الفريقين فثار فريق كبير من الأهالي حتى كادت أن تكون فتنة وأبلغ الأمر إلى حمدي باشا والي سورية فاستدعى المترجم وألزمه بيته أيامًا فاستقال من نيابته المذكورة ثم في سنة ١٣٠٤ صار رئيس الكتاب بمحكمة العونية ثم في محكمة الميدان وتركها قبيل وفاته وكان له درس في رمضان بالجامع الأموي وعليه وعلى أخيه المذكور وظيفة التولية والتدريس في المدرسة البدرأية بدمشق وكان له آراء إصلاحية في أمور شتى يعرضها على رجل الحكومة فتقدرها له وتعمل بها ومنها مد خط حديدي من دمشق إلى مكة. وقد أخذ عنه وانتفع به جماعة كثيرون من علماء يومنا في الفقه والفرائض من دمشقيين ونابلسيين ونجديين وغيرهم وما زال مثابرًا على علمه وعمله إلى أن توفي وكانت وفاته بعد عصر الخميس ودفن صباح الجمعة خامس رمضان سنة سبع وثلاثمائة وألف وكانت جنازته حافلة جدًا ودفن بمقبرة الذهبية رحمه الله تعالى انتهى محررًا. وقد
стр. 196
أعقب أولاده الأربعة سيدي الوالد الشيخ عمر أفندي الآتية ترجمته وأشقائه الشيخ معروف أفندي المولود سنة ١٢٨٦ والمتوفى شابًا سنة ١٣١٧ وكان فرضيًا تقيًا كاملًا حضر دروس والده وعمه وغيرهما وصار كاتبًا في محكمة البزورية ثم في محكمة الباب وكان عليه إمامة جامع السادات في محلة مسجد الأقصاب ولم يعقب ذكرًا ﵀ ومحمد مراد أفندي الآتية ترجمته والشيخ حسن أفندي سلمه الله تعالى.
تذييل: كانت ولادة العم حسن أفندي في ١٦ جمادي الأولى سنة ١٢٩٧ وهو قرين نشأتي أخذ القراءة والكتابة والإملاء عن الفاضلين الشيخ أبي الخير الطالوي والشيخ أبي الخير المنير ولازم بعض المكاتب والدوائر الرسمية وحفظ القرآن على الشيخ عبد الله الصواف وحضر على الشيخ عطا الكسم مفتي دمشق الآن في النحو وقرأ على شقيقه الولد المومأ إليه في الفقه والفرائض وغيرهما وعليه تخرج في إنشاء الصكوك الشرعية ولازم شقيقه العم مراد أفندي وأخذ خط التعليق عنه ثم عن الأستاذ المفنن مصطفى أفندي السباعي حتى برع فيه وحضر دروس عمه الأستاذ المقدم ذكره وصار مقيدًا بمحكمة السنانية ثم بمحكمة الباب وفي سنة ١٣٢٠ صار كاتبًا في المحكمة المذكورة بزمن قاضي دمشق عبد الرحمن نسيب أفندي وفي سنة ١٣٢٦ صار رئيس الكتاب بمحكمة قضاء دوما وتأيدت وظيفته في التنسيقات العمومية ولم يزل بها إلى آخر عهد الحكومة التركية ولما تألفت حكومتنا العربية سنة ١٣٣٧ دخل في امتحان القضاة ومن ثم وجه عليه منصب القضاء في النبك ولم يزل فيه حتى الآن وقد سلك في النبك مسلكه في دوما من التحري والعفة وعدم الدخول فيما لا يعنيه وهو من أرباب العقل والفضل والمعرفة وله فطنة وروية وأخلاق رضية بارك الله فيه.
* الشيخ محمد خطيب دوما
ترجمه العم المرحوم مراد أفندي في مسودة طبقات الحنابلة له فقال هو محمد بن عثمان بن عباس بن محمد بن عثمان بن رجب بن زين الدين بن خطاب بن سيف الدين الحوراني المليحي الأصل ثم الرحيباني ثم الدوماني المفسر
стр. 197
المحدث الفقيه الأصولي الفرضي الحيسوبي الميقاتي الفلكي العالم العلامة التقي الأوحد نادرة زمانه وخلاصة أوانه البحر الزخار والغيث المدرار فخر المجالس ودرة النفائس ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف بقصبة دوما ونشأ على تقى وطاعة ثم بعد أن اشتدت قواه رحل إلى دمشق لأجل الطلب فلازم الجد العلامة الشهير الشيخ حسن الشطي للاشتغال بالفقه وغيره فقرأ عليه دليل الطالب وشرحه وشرح زاد المستفتح وشرح المنتهى وشرح الإقناع مع مراجعة شرح الغاية للسيوطي وقرأ عليه في الفرائض شرح الرحبية للشنشوري وفي العربية كتاب الشيخ خالد وشرح الأزهرية وشرحي القطر للمصنف والفاكهي وشرحي الألفية لابن عقيل والأشموني وفي الأصول شرح مختصر النحرير وحضر عليه أيضًا في المعاني والبيان والبديع والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك ولازمه الملازمة التامة وخدمه الخدمة الصادقة وانتفع به انتفاعًا كثيرًا وبه تخرج وأخذ أيضًا عن الشيخ سعيد الحلبي وعمر أفندي الغزي والشيخ محمد الجوخدار وكنت سألته مرة عما قرأه من العلوم فقال أكثر قراءتي كانت في التفسير والحديث والفقه والنحو وأما المعاني والبيان والبديع فقرأت فيها كتابًا واحدًا وأما المنطق فقرأت فيه الفتاوي وقول أحمد وقرأت من بقية العلوم كتابًا كتابًا لا ذوق طعم فمي فيها انتهى كلامه. وقد أتقن صاحب الترجمة فن التشريح والميقات أخذًا عن الجد المنوه به عملا ثم رجع إلى دوما واستقام بها مدة طويلة وحصل جاهًا واسعًا وشهرة عظيمة وكان مهيبًا جسورًا فاضلا حافظًا للقرآن العظيم لا يفتر لسانه من تلاوته وسافر إلى مصر وأقام بها نحو ستة أشهر وأجازه علماء الأزهر إذ ذاك كالشيخ إبراهيم السقا والشيخ مصطفى المبلط وأضرابهما ثم عاد إلى بلده واستقر بها إمامًا وخطيبًا ومدرسًا في جامعها الكبير كما سبق لأبيه وجده من قبله.
ولم يزل يقريء ويفيد إلى أن حصل له فتنة عظيمة من أهالي بلده فآذوه وتكلموا فيه بما لا يليق بمنصب العلم فرحل إلى دمشق واستوطنها وهجر دوما وخذل الله أعداءه ودمرهم وبقي على هذه الحالة نحو سبعة عشر عامًا ينشر علم الفقه والنحو والأصول والميقات ثم في سنة ١٣٠٣ صار يتردد إلى دوما ويجعل
стр. 198
نصف إقامته فيها ونصفها في دمشق ينشر العلم في الموضعين ثم سافر إلى الحجاز سنة ١٣٠٥ فحج بيت الله الحرام ثم رجع إلى المدينة المنورة فأقام بها وأقبل عليه أهلها وولي هناك تدريس الحنابلة وأوقافهم ورحلت إليه الطلبة من البلاد وانتفع به خلق كثير ثم عزم على الرجوع إلى دمشق فرأى في منامه صاحب الرسالة ﷺ فأمره بالإقامة وبشره بأن اللقاء قريب فثنى عزمه عن ذلك ولم يزل عَلَى التدريس والعبادة إلى أن توفي في العشر الثاني من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة وألف ودفن بالبقيع وكان قليل العناية بالتأليف لم يؤلف سوى مولد ضمنه أسماء السور ومنسك اختصره من منسك الشيخ الجد رحمهما الله تعالى والمسلمين أجمعين.
* الشيخ أحمد بن عبيد القدومي
أحمد بن عبيد بن عبيد الله القدومي شهرة ووطنًا كتب إلينا عنه الفاضل الشيخ يوسف القدومي من أساتذة نابلس فقال هو عالم كامل وفاضل ابن فاضل أثمر غصنه في دمشق الشام وأدرك من بها من الأعلام اشترك مع أخيه الشيخ محمد (الآتية ترجمته) في الأخذ عن ينبوع الفضائل ومعدن الفواضل الشيخ حسن الشطي رحمه الله تعالى. كانت ولادته سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف وأقام مدة في دمشق يطلب العلم ثم عاد إلى قريته كفر قدوم من أعمال نابلس وبقي مقيما بها مدرسًا في مسجدها يقريء ويفيد إلى أن وافاه الحمام وأحسن الله له الختام وكان فقيها مفسرًا جيد الفهم معروفا بالتؤدة ولين الجانب وكانت وفاته سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ﵀.
* راغب أفندي البرقاوي
أخبرنا عنه شقيقه الفاضل سعيد أفندي فهو راغب بن محمد بن مصطفى البرقاوي أصلا الحنبلي شهرة الدمشقي العالم الفقيه الفرضي النبيه كان جسورًا مقداما فصيحا لسنًا ولد بدمشق سنة سبع وستين ومائتين وألف تقريبًا ونشأ في حجر والده قاضي الحنابلة بدمشق المقدمة ترجمته وأخذ عنه وعن سعيد أفندي
стр. 199
السيوطي والجد الشيخ محمد الشطي وأخيه الشيخ أحمد الشطي وصار كاتبا بمحكمة السنانيه ثم بمحكمة العونيه ثم بمحكمة الباب وبعد وفاة والده صار رئيس الكتاب بالعونية المذكورة ثم بمحكمة الميدان ثم دخل مسلك القضاة فولي نيابة صفد وحاصبيا وغيرهما إلى أن صار نائبا في قضاء السليمية التابع إلى لواء حماه فمرض اثناه نيابته هذه فحضر إلى دمشق وازداد به المرض فتوفي وكانت وفاته في حادي عشر رمضان المبارك سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ومن أولاده الفاضل شاكر بك الحنبلي من رجال حكومتنا الملكية ومن النوابغ المنوه بهم بارك الله فيه ورحم سلفه آمين.
* مراد أفندي الشطي
محمد مراد بن محمد بن حسن الشطي الدمشقي أستاذي وعمي الأديب الأريب والشاب النجيب والآخذ من كل علم بنصيب العالم المتفنن الكاتب المجيد الدراكة الألمعي النبيل النبيه نادرة زمانه كان ﵀ أعجوبة في جمعه بين العلوم الدينية والفنون العصرية بحيث أدرك على قصر عمره ما تقصر الشيوخ عن إدراكه علمًا وفهمًا وأدبًا جمًا:
إن الهلال إذا رأيت نموه … أيقنت أن سيكون بدرًا كاملا
ولد بدمشق يوم الثلاثاء ثامن رجب سنة تسع وثمانين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده وعمه وتأدب بآدابهما وقرأ وكتب وهو دون عشر سنين ثم دخل المدرسة الجقماقية وهي يومئذ من مكاتب الحكومة المنوه بها فحاز فيها ما حاز وفاز منها بما فاز ونال الشهادة سنة ١٣٠٥ مقرونة بجائزة ثمينة ثم لازم بعض دوائر الحكومة واستقر في كتابة الدفتر الخاقاني بدمشق مشتغلا مع ذلك بالقراءات والكتابات فحضر دروس والده المقدمة ترجمته وعمه الآتي ذكره في الفقه والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك وأجازاه عامة وخاصة وأخذ الحديث عن العلامة الشيخ بكري العطار وأجازه والعلامة الشيخ بدر الدين المغربي والمنطق والمعاني والبيان عن العلامة الشيخ عمر العطار وكتب له إجازة سنة ١٣٠٨ والنحو والصرف عن العالمين الشيخ محمد العطار والشيخ رشيد سنان
стр. 200
وعلم الهيئة والربع المجيب عن الشيخ حسين موسى والجبر والمقابلة عن الأستاذ العلامة الشيخ محمد الطيبي ولازم أخيرًا العلامة الشهير الشيخ طاهر الجزائري وانتفع به كثيرًا وكان لهذا الأستاذ آمال فيه وطالما ذكره وأثنى عليه وقد قرأ عليه تيسير الوصول إلى جامع الأصول المتضمن للكتب الستة وأجز به وبغيره ثم حضر عليه تفسير القاضي البيضاوي فاخترمته المنية قبل إتمامه وكان عارفا باللغتين الفارسية والتركية وكان له الباع الطويل في فنون الخط من النسخ وتعليق وكوفي أخذها عن الفاضل ناظم بك نزيل دمشق وعن المتفنن مصطفى أفندي السباعي ثم كتب بخطه النفيس من الكتب والرسائل شيئًا كثيرًا وأحسن آثاره مدبجات الإمام عبد المنعم الأندلسي المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق وألف رسائل لطيفة منها كشف المغيب في العمل بالربع المجيب وتحفة النساك في فضائل السواك والكواكب المتقابلة في الجبر والمقابلة ومسودات تاريخية ومكاتبات أدبية وقد قرأت عليه أنا وشقيقه الأصغر حسن أفندي في النحو والأخلاق وأخذنا عنه الخط وكان له شعر قليل فمنه قوله:
خالق الناس بخلق حسن … ترتقي أسنى المقام الأحسن
واعتبر في حال أهل الزمن … وانتبه من غمرات الوسن
وتيقن أن زرع الاحن … موجب حقًا لحصد المحن
وقال مشطرًا بيتين مشهورين وأجاد:
(إذا العشرون من شعبان ولت) … فبادر للتقى حق البدار
ولا تسمع لعمر قال جهلا … (فواصل شرب ليلك بالنهار)
(ولا تشرب بأقداح صغار) … فليس مآل ذا إلا النار
وتب واعبد وفي الطاعات فاسلك … (فقد ضاق الزمان عن الصغار)
وقال مؤرخًا عزل المشير عثمان نوري باشا والي سورية على أثر ثورة الدروز في سنة ١٣١٤:
عزل الطغاة واجب … قبل وقوع الحسرة
فالوالي أرخوا عزل … بعد خراب البصرة
стр. 201
وقال في غالب:
يعاكسني الظلوم بما أعاني … ويزعم أنه في الكل غالب
وأني لا أقابله ولكن … إله العرش حسبي فهو غالب
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وكان تقيا ورعًا له غيرة دينية وحمية وطنية ولم يتزوج فلم يعقب سوى آثار مبرورة وأعمال مشكورة وقد تمرض أشهرا وكانت وفاته يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ودفن بالمقبرة الذهبية في دمشق وقد رثيته بقصيدة أثبتها في آخر الرسائل الفاتحية التي جمعتها سنة ١٣٢٠ وطبعتها في بيروت ١٣٢٣ وهي قولي:
سقاك الله عيني يا مراد … وحيى الله عهدك يا مراد
وشيد فضلك الأجلى سناه … وخلد ذكرك الأحلى مراد
وأبكي بعدك الدنيا دماء … وأضحك قربك الأخرى مراد
بمنقبة ومرتبة وشأن … ومكرمة ومأثرة مراد
وأعمال وآثار جياد … وأخلاق وآداب مراد
كأنك في سماء الفكر شمس … وفي بحر الحجى ذر مراد
كأنك في بني الشطي قلب … وفي أجسامهم روح مراد
كأنك في ربوع الحق سيف … وفي صحف الهدى قلم مراد
لعمر الله فقدك كان هولا … وحزنًا للورى طرًا مراد
فوا لهفي لعيشك ربع قرن … وموتك وهو عن عقم مراد
حباك الله بالحسنى رضاء … وحفك بالعلي لطفًا مراد
وهذا مظهر قد طبت فيه … وتاريخ له ختم مراد
* الشيخ علي المنصور الكرمي
ترجمه لنا ولده الأستاذ الفاضل الشيخ سعيد أفندي فقال: هو الشيخ العالم الفاضل الفقيه النحرير الهمام ولد سنة ثلاثين ومائتين وألف في بلده طور كرم إحدى قرى نابلس فقرأ القرآن على الشيخ محمد الطياح ثم تاقت نفسه إلى
стр. 202
طلب العلم فرحل إلى دمشق وهي إذ ذاك مأهولة فأخذ فقه الحنابلة عن الأستاذين الفاضلين الشيخ إبراهيم الكفيري والشيخ حسن الشطي ولازم هذا الأخير مدة طويلة كان في آخرها معينًا له على بياض تآليفه التي منها مختصر الغاية ومختصر عقيدة السفاريين وأخذ عنه علم الفرائض حيث كان منفردًا به وأخذ بقية العلوم عن أجلاء شيوخ ذلك العصر مثل الشيخ سعيد الحلبي والشيخ حامد العطار والشيخ الكزبري والشيخ الطيبي وغيرهم - ولما دخل دمشق إبراهيم باشا المصري أخذه من المدرسة المرادية وأدخله في سلك العسكرية. كغيره من أبناء نابلس ولكنه لم يدخل بصفة جندي بل امتحنته لجنة مخصوصة في الخط والحساب ولما وجدته فائقا فيهما عين ملازما ثانيا وتوجه مع الجيش وحضر وقعة "نزب" المشهورة وبعد أن انتهت تلك الفتنة رجع مع الجيش إلى مصر وكان وصل إلى رتبة (قول أغامي) فلما وصل الجيش إلى الرملة هرب منه راجعا إلى بلده ثم إلى دمشق حيث أكمل تحصيله وصار أمينا ووكيلا للشيخ سعدي السيوطي مفتي الحنابلة ومتولي الجامع الأموي مدة طويلة ثم رجع إلى بلده فكان مرجعا للحنابلة في بلاد نابلس وتولى القضاء هناك مرارًا كان فيها مثال العدل والحق إلى أن انتقل بالوفاة إلى رحمة ربه في يوم الجمعة خامس عشر رجب سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف ودفن في مقبرة بلده بعد أن أوصى وصية مطولة رحمه الله تعالى.
الشيخ أحمد الشطي
أحمد بن حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق وأحد علمائها الأعلام القائمين بإفادة الخاص والعام العالم الكبير والجهبذ الخطير المحدث الفقيه الفرضي الحيسوبي الفهامة الدراكة الثبت الحجة الصالح التقي أستاذي وعم والدي ولد ليلة السبت رابع عشري بصفر سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده الإمام المقدمة ترجمته عَلَى أحسن تربية وأتم أدب كما ذكر في ترجمة أخيه سيدي الجد وكان لوالده ميل إليه ونظر عليه وقد قرأ القرآن وجوده وحفظه على الشيخ مصطفى التلي ثم لازم دروس والده من حديث وفقه وفرائض وحساب ومساحة ونحو وغير ذلك وبه انتفع وتخرج
стр. 203
واستجاز له والده من علماء عصره كالحلبي والكزبري والعطار والطيبي والتميمي نزيل دمشق فأجازوه وروى عنهم حديث الرحمة بأولية حقيقية واستجاز من الشيخ أحمد البغال والشيخ قاسم الحلاق وغيرهما ولازم بعد وفاة والده الشيخ عبد الله الحلبي فحضر دروسه ولما توفي والده المنوه به سنة ١٢٧٤ قدم للتدريس في مكانه فدرس في محراب الحنابلة من الجامع الأموي في محفل عظيم من علماء دمشق وكلهم أثنى عليه وشكر همته وكان حلو التقرير حسن التعبير طلق اللسان ثابت الجنان واستمر يدرس به في رمضان إلى وفاته وأما دروسه ودروس أخيه الخاصة في دارهما فكانت شائقة للغاية بحيث أنها قد تزيد على عشرة دروس في كل يوم وليلة ويجتمع عليهما العدد الكثير من الطلبة وكان صاحب الترجمة يقريء في الحديث والفقه والفرائض والحساب والنحو وكان درسه جم الفوائد مقبولا ولم يؤلف شيئًا ومع ذلك فكانت له حواش نفيسة على بعض كتب الفقه والفرائض وقد أخذ عنه وانتفع به خلق كثيرون سيما من النجديين والنابلسيين ودوما ورحيبه وغيرها وهم علماء العصر ورجاله الآن وفي سنة ١٢٧٣ وجه عليه تدريس أدرنه في حياة والده وفي صفر سنة ١٢٨٨ وجهت له فتوى الحنابلة عن المرحوم سعيد أفندي السيوطي المقدمة ترجمته بمرسوم من قاضي دمشق حسب العادة القديمة فتصدر وأفتى ونفع في حوادث شتى وجمع البعض من فتاويه فجاء رسالة صغيرة. وفي سنة ١٢٩٥ ولي نيابة محكمة العونية بمحلة العمارة ولما توفي الشيخ محمد البرقاوي قاضي الحنابلة ولي القضاء في مكانه ثم عزل عنه وألغي القضاء من أصله في حادثة الشيخ الطنطاوي مع بني الصلاحي وهي دعوى معروفة. وكان ترك له أخوه سيدي الجد فرضية البلدية في دمشق لما ولي القضاء في راشيا فاستقر بها وبالفتوى إلى وفاته وكان عليه وعَلَى أخيه الجد تولية الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة وتولية المدرسة البدرئية وتدريسها وكان مرجعًا في المشكلات وعمدة في المعضلات وبالجملة فقد كان حسنة من حسنات الدهر وكانت وفاته فجأة عقب نزوله من وادي الغزي قرب الربوة وذلك ليلة الاثنين ثاني عشري صفر سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف ودفن بتربة الذهبية بدمشق وأعقب أولاده الأربعة الشيخ مصطفى أفندي وطاهر أفندي وعبد اللطيف أفندي حفظهم الله وسعيد أفندي المولود سنة ١٢٩٥ والمتوفى سنة ١٣١٥ وكان
стр. 204
شابا ذكيا المعيا حضر في مباديء العلم على والده وأخيه الأكبر رحمه الله تعالى.
تذييل: كانت ولادة ابن العم الشيخ مصطفى المقدم ذكرة في سنة ١٣٧٢ ونشأ في حجر والده وعمه وقرأ القرآن العظيم عَلَى الشيخ أحمد القدومي الآتية ترجمته وأخذ الخط عن سليم أفندي نزيل البدرأية ولازم دروس والده وعمه في الفقه والفرائض وغيرهما وقرأ في النحو والصرف وغير ذلك على العلامتين الشيخ سليم العطار والشيخ بكري العطار وحصل وبرع وفي سنة ١٢٩٤ وجهت عليه خطابة المدرسة المذكورة ببراءة سلطانية ولم يزل قائما بها حتى الآن وفي سنة ١٣٠٠ تقريبا صار كاتبا في محكمة البزورية مدة قليلة وحج مرتين سنة ١٣٠٥ وسنة ١٣٠٨ وفي سنة ١٣٠٥ المذكورة اجتمع بالشيخ محمد الدندراوي خليفة الأستاذ إبراهيم الرشيد خليفة سيدي أحمد بن إدريس فأخذ عنه علم التصوف وصار من خلفائه في الشام ثم عقد مجالس الذكر في مدرستنا البدرأية من ذلك العهد إلى سنة ١٣١٩ وفيها ورد أمر الدندراوي المذكور من مكة المكرمة بابطال الذكر من المدرسة المذكورة وقد لازم الأستاذ العلامة الشيخ بدر الدين المغربي الملازمة التامة وحضر دروسه الخاصة والعامة واختص به وغلب عليه حب الصوفية أصحاب وحدة الوجود والعناية بكلامهم وطريقهم بحيث صار له ذلك مشربا يطنب فيه ويدعو إليه وقد درس في المدرسة المذكورة وانتفع به الطلبة في الفقه والنحو وغير ذلك وكان في سنة ١٣١٦ ولي فرضية البلدية بعد وفاة والده ولم تطل مدته بها فتركها إلى غير أهلها وكان ما كان ولما جرى تنسيق الحكومة العثمانية سنة ١٣٢٧ ولي تدريس قضاء دوما فصار يخرج إليها في بعض أيام الأسبوع ثم في سنة ١٣٣١ وجهت عليه فتوى القضاء المذكور فاستقر بها وبالتدريس واستقام في القصبة المذكورة إلى يومنا هذا وهو لأبدع من رجال العلم والفضل فقيه نبيه جليل نبيل لطيف المحاورة والمسامرة ألف رسالة في الرد على الوهابية وفي آخرها مبحث في التصوف طبعت في بيروت سنة ١٣٣٠ وقد ينظم الشعر فمنه ما كتبه إلى بعض رجال الدولة:
لقد غرست يد الإحسان منكم … غراسًا يكتسي أزهى الملابس
стр. 205
جداول جودكم أن أدركته … فمخضر وإلا فهو يابس
وكانت ولادة أخيه طاهر أفندي في سنة ١٢٨٣ ونشأ في حجر والده وعمه أيضًا وسلك مسلك الفتوة فلم يتقيد بالعلم وصار مأمور تزكية في محكمة البزورية مدة ثم صار كاتب نفوس في قضاء وادي المعجم ثم وظف في دائرة الأوقاف بالشام وفي سنة ١٣١٠ ولي أمانة صندوق البلدية بدمشق ثم ولي أمانة صندوق الطابو بدمشق مدة طويلة إلى أن ألغي الصندوق المذكور ولما جرت التنسيقات العمومية سنة ١٣٢٧ صار مفتشًا للتحصيلات في جملة أقضية تنقل بينها وفي الحكومة العربية وظف في السكة الحجازية ثم في مناطق البلدية حتى الآن وهو من ذوي المروؤة والشهامة حسن الصحبة والعشرة حفظه الله.
وكانت ولادة عبد اللطيف أفندي سنة ١٣٠٥ ونشأ في حجر والده ثم أخويه المقدم ذكرهما ودخل المكاتب الابتدائية وأحرز الشهادة منها ثم دخل تلميذًا في دار المعلمين بدمشق فأتم مدته ونال الشهادة منه سنة ١٣٣٠ وكان من مقدميه المشار إليهم في النبوغ والذكاء ثم صار من معلمي مكتب (نمونة ترقي) في المدرسة الظاهرية وفي سنة ١٣٣٢ ولي مديرية المكتب المذكور وهو إذ ذاك من المكاتب الثانوية في الفنون المتداولة والأولوية في حسن التربية والأدب ولم يزل بها إلى أن انقرضت الحكومة التركية ولما تألفت حكومتنا العربية سنة ١٣٣٧ صار منشئًا أول لمجلس الشورى بدمشق فحسنت سيرته وظهرت خبرته ومعرفته وهو من الشبان الأذكياء مشغوف بالعلم وطلبه موسوم بالعقل وحسن الأخلاق ودود ألوف بارك الله فيه.
* الشيخ عبد الغني اللبدي
عبد الغني بن ياسين اللبدي النابلسي كتب إلينا عنه الأستاذ الشيخ يوسف القدومي من فضلاء نابلس فقال هو عالم جليل وفاضل نبيل ولد في سنة ١٢٦٢ وطلب العلم في مصر وكان جل انتفاعه على العلامة الشيخ يوسف البرقاوي شيخ رواق الحنابلة بالجامع الأزهر ثم حج وجاور بمكة المكرمة سنين عديدة وصار مدرسًا بحرمها الشريف وألف حاشية على شرح دليل الطالب تدل
стр. 206
على فضله وسعة اطلاعه وكان تقيًا نقيًا مهيبًا حسن الهيئة ولم يزل مجاورًا مقبلا على شأنه حتى توفي بمكة المنوه بقدرها وكانت وفاته سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد بن عبيد القدومي
محمد بن عبيد القدومي النابلسي وتقدمت ترجمة أبيه وأخيه كتب إلينا عنه ولده المذكور قائلًا أنه ولد سنة تسع وأربعين ومائتين وألف وهاجر في طلب العلم إلى دمشق الشام فأخذ عن تاج علمائها الأعلام الشيخ حسن الشطي عليه رحمة الكريم المعطي وكان صاحب الترجمة عالمًا فاضلًا شاعرًا ناثرًا فقيهًا عابدًا سريع الفهم له محاسن جمة ومدائح نبوية وله اليد الطولى في فن التاريخ ولا سيما في أخبار العرب والملوك الإسلامية وقد كف بصره في أواخر عمره وبقي في قريته كفر قدوم مقيما على النفع والطاعة مع حسن المحاضرة ولطف المسامرة لا يمل جليسه منه إلى أن توفي وكانت وفاته سنة ثمان عشرة وثلاثمائة وألف ﵀.
* الشيخ يوسف البرقاوي
يوسف البرقاوي مولدًا وشهرة المصري موطنا ووفاة شيخ رواق الحنابلة في الجامع الأزهر بمصر الشيخ العلامة الفقيه النحرير العالم العامل الفاضل الكامل الأستاذ الهمام ولد في بلدة برقا من أعمال نابلس بعد سنة خمسين ومائتين وألف ورحل في طلب العلم إلى دمشق فلازم الجد الشيخ حسن الشطي إمام الحنابلة في عصره وحضر عليه في الأصولين والفقه والفرائض والنحو وانتفع في مباديه بالشيخ عبد الله صوقان القدومي تلميذ الجد المنوه به وبرع وتفوق ثم عاد إلى بلده فدرس وأفاد ثم رحل إلى مصر وجاور في أزهرها الشريف مدة إلى أن صار شيخ رواق الحنابلة ثم رحل إليه الطلبة من الآفاق وانتفعوا به في الفقه وغيره وكان من أجل أهل زمانه علما وفهما مع التواضع ولين الجانب وشهرته العلمية تغني عن الإطناب في أوصافه العلية. وقد كان أستاذي العم مراد أفندي ﵀ كتب إليه سنة ١٣١٤ وهو إذ ذاك شيخ الرواق المذكور يطلب منه إرسال نبذة من ترجمته فأرسل ذلك إليه مع التواضع الزائد والخجل من ترجمة نفسه ثم
стр. 207
فقدت هذه الترجمة بين أوراق العم المذكور وعلى كل فهذا ما بلغناه من ترجمته ولعل فيه كفاية وكانت وفاته في حدود سنة عشرين وثلاثمائة وألف ﵀ رحمة واسعة آمين.
* الشيخ عبد القادر الشطي
عبد القادر بن محمد صالح بن محمد أمين بن خضر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي البغدادي الأصل الكرخي النسب الدمشقي الشيخ الفاضل كان لطيفا ألمعيًا ظريفا لوذعيا حسن السلوك والصحبة ولد بدمشق سنة ست وأربعين ومائتين وألف تقريبا ونشأ في حجر والده ولما توفي والده سنة ١٢٥٩ كان المترجم صغيرًا فكفله ابن عم جده العالم الصالح الحاج مصطفى الشطي وحضر مجالس الأشياخ ودروس العلماء كالشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ عبد الرحمن الطيبي والجد الشيخ حسن الشطي وغيرهم ولم يتقيد بطلب العلم فكان يتعاطى في مبادي أمره البيع والشراء ثم لما كانت حادثة النصارى سنة ١٢٧٦ نسب إليه منها شيء فنفي مع من نفي إلى جهات بعيدة وبقي منفيا عدة سنين ثم لما عاد إلى دمشق واستقام أمره صار كاتبا في محكمة الميدان ثم ولي أمانة بيت المال بدمشق سنة ١٢٨٦ ثم مديرية الأيتام سنة ١٢٩٧ ثم في نحو سنة ١٣٠٣ صار رئيس الكتاب بالمحكمة الكبرى المعروفة بالبزورية وفي سنة ١٣١٥ وجهت له نيابة المحكمة المذكورة فاستمر بها إلى وفاته ومع ذلك فكان حلو المفاكهة حسن العشرة متجملا بالمحاسن. وكانت وفاته في أواسط شوال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف وقد ناهز السبعين ودفن بمقبرة الدحداح بدمشق وأعقب أولادًا توفي اثنان منهما في حياته أحدهما محمد صالح مات شابا في الأستانة والآخر محمود أفندي مات سنة ١٣١٧ بدمشق عن نحو خمس وأربعين سنة وكان نائب التذكيه بمحكمة الباب ثم بالسنانيه وكان كوالده حالا وقالا وفيه تودد وحسن عشرة توفي بمرض طويل ﵏ وأموات المسلمين آمين.
* الشيخ أحمد القدومي
أحمد بن حسين أبو سعيد القدومي النابلسي ثم الدمشقي الشيخ الفاضل
стр. 208
الفقيه الكامل العابد الزاهد المعتقد. المبارك المعمر ولد في قرية كفر قدوم من بلاد نابلس ونشأ بها ثم قدم إلى دمشق في حدود سنة ١٢٦٠ وهو شاب فلازم سيدنا الجد الشيخ حسن الشطي الملازمة التامة وخدمه الخدمة الصادقة وحضر دروسه الخاصة والعامة وأخذ الفقه عنه وعن الشيخ إبراهيم الكفيري وكان يحضر دروس التفسير والحديث عند المرحوم الشيخ سليم العطار وكان ولاه الجد المنوه به خدمة مدرستنا البدرأية وأسكنه دارها الجوالية فبقي على ذلك أيام الجد وولديه المرحومين وأحفاده المحفوظين إلى أن توفي وقد تفقه عليه جماعة من الحنابلة وانتفعوا به وسمعت من فوائده واستجزته فأجازني جزاه الله خيرًا وكان يحفظ تفسير الأجلين ولا يفتر لسانه عن التلاوة والذكر وإذا تلا القرآن يفسره تفسيرًا حسنًا وكان مستحضرًا لمسائل الفقه قوي الحافظه وضيءُ الوجه منور الشيبة ذا دين ويقين وصلاح مبين وللناس فيه اعتقاد عظيم ويدعونه لقراءة الختمات ويستخيرون عنده وكان إذا مرت به آية وعيد يقول أو لا يرون الأفلاك السماوية والآيات البرية والبحرية قاتلهم الله يأكلون خيره ويعبدون غيره ونحو ذلك وكان إذا مس أحد المدرسة المذكورة بأذى يبطش به بطش الشباب ولا يخشى ولا يهاب وشوهد مرة في بعض الأسواق وأمامه أحد أعيان الذميين راكبًا على فرس فلما رآه ابتدره بقوله يا أخباث أما أخذ عليكم العهد سيدنا عمر أن لا تركبوا الخيل قاتلكم الله غير ذلك مما يدل على قوة إيمانه وسلامة صدره وكانت وفاته بعد أن مرض بالإسهال شهورًا ليلة الجمعة سادس ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف وقد ناهز الثمانين وصلي عليه في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة ودفن في مقبرة الباب الصغير عند قبور بني الطنطاوي لأنهم تزوجوا بنتين له بين والد وولد وأعقب المترجم ولدين لم يكونا على طريقته ﵀ آمين.
* سعيد أفندي البرقاوي
سعيد بن محمد بن مصطفى البرقاوي الشهير بالحنبلي تقدمت ترجمة جده ووالده وأخيه وكان هذا فاضلًا كاملًا نبيلًا نبيهًا ولد بدمشق سنة سبعين ومائتين
стр. 209
وألف تقريبًا ونشأ في حجر والده وطلب العلم في بداية امره فأخذ عن والده وسعيد أفندي السيوطي والجد الشيخ محمد الشطي وأخيه الشيخ أحمد الشطي وصار كاتبا في معية والده بمحكمة السنانية ثم بالبزورية ثم بالعونية وبعد وفاة والده صار رئيس الكتاب في محكمة دوما الشرعية ثم في محكمة قطنا وكلتاهما قضاء تابع لدمشق ثم دخل المترجم في سلك النيابات فولي نيابة المعرة ثم نيابة البقاع فأتم مدتها الرسمية في سنة ١٢٢٣ ثم أنه عاد إلى دمشق وأقام بها متوددًا للناس متجملا بالمحاسن إلى أن كان يوم الجمعة ختام شهر رمضان المبارك سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف فبعد أن صلى الجمعة وانصرف إلى داره بمحلة الشاغور انقبض قلبه وهو في الطريق فلما وصل إلى الدار أُغمي عليه وما لبث أن فاضت روحه وتوفي فجأة فغسل وكفن ثم حضروا به إلى الجامع الأموي بعد العصر فصلينا عليه ونحن في غاية الأسف لما كان بيننا من الاجتماع والمؤانسة في المدة الأخيرة حتى أخذنا عنه ترجمة والده وأخيه راغب أفندي وعرفنا بالجملة ترجمته أيضًا وأظنه دفن بتربة الباب الصغير عند أسلافه ﵀ وإيانا وقد أعقب ولديه مصطفى أفندي الذي سلك مسلك والده وتوفي بالأستانة سنة ١٣٢٨ تقريبا ونجيب أفندي الموجود الآن وفقه الله.
* الشيخ عبد الله صوفان القدومي
عبد الله بن عوده بن عبد الله صوفان ابن العالم الصالح الشيخ عيسى القدومي مولدًا ومنشأ ثم النابلسي موطنًا ووفاة ترجمه لنا ولده الفاضل الشيخ يوسف أفندي مراسلة قال هو الأستاذ العلامة الفقيه المحدث الناهج المنهج الأحمد والمحيى لمذهب أحمد عالم الديار النابلسية وبركة البلاد الحجازية كان مولده بقرية كفر قدوم سنة ست وأربعين ومائتين وألف وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وجالس أهل الصلاح والأدب وفي سنة ١٣٦٣ خرج في طلب العلم إلى دمشق الشام فاجتمع على جل علمائها الأعلام ولازم الأستاذ الفاضل صاحب المناقب السنية الشيخ حسن الشطي سيد الطائفة الحنبلية فأخذ عنه الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية ولما أن جنى زهر تلك المنازل وحسا صفو
стр. 210
هاتيك المناهل عاد إلى وطنه فاستقام فيه مدة ثم كثرت هناك المشاغب والاحن فعزم عَلَى مفارقة ذلك الوطن وأم مدينة نابلس وبها سكن وكان ذلك عام ١٢٨٧ فرحل إليه الطالبون وانتفع به الراغبون وكان كثير الاعتناء بتلامذته ولا سيما المبتديء منهم وكانت إقامته في مدرسة الجامع الصلاحي الكبير وهو دمث الأخلاق حلو الشمائل حسن المذاكرة جيد التعبير والتقرير أخذت عنه البلاد الحجازية والشامية علمي الحديث رواية ودراية ورزق الحظوة والجاه فوق النظائر والأشباه ومن مصنفاته كتاب المنهج الأحمد في درأ المثالب التي تنمي لمذهب الإمام أحمد وبغية النساك والعباد في البحث عن ماهية الصلاح والفساد وهداية الراغب وكفاية الطالب مرتب ترتيب أبواب البخاري والأجوبة الدرية في دفع الشبه والمطاعن الواردة عَلَى الملة الإسلامية والأجوبة العلية على الأسئلة الرافعية في علم التوحيد وطوالع الأنوار البهية جوابا عن خمسين مسألة في العلم المذكور والرحلة الحجازية أودعها الأبحاث الشريفة التي كانت تقع بينه وبين العلماء في رحلته المدنية وهي مطبوعة معروفة وله من الرسائل المختصرة شيء كثير وفي سنة ١٣١٨ زار بيت المقدس وبلد سيدنا إبراهيم الخليل فدعته النفحات القدسية إلى البلاد الحجازية فأقام يخدم السنة السنية في الأعتاب النبوية وانتفع به خلق كثيرون في الفقه والحديث وكان في موسم الحج من كل سنة يحج ويؤدي المناسك الشريفة وربما زار وطنه في خلال ذلك فتهزه نسمات العود والرجوع ولم يزل على حالته الحسنة يتردد بين المدينة المنورة ووطنه المذكور إلى أن كانت وفاته بنابلس وهو يصلي الجمعة في الجامع الكبير الصلاحي في اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف وشيعت جنازته من الغد وصلي عليه في الجامع المذكور بجمع حافل وكان يومًا مشهودًا ودفن في مقبرة نابلس بجوار العلامة الشهير الشيخ محمد السفاريني ورثاه جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخ منيب هاشم مفتي الدار النابلسية حيث قال في مرثيته:
الله أكبر فالمصاب تناهى … والدين ثلمته استطار عناها
شمل البلاء العالمين فلا ترى … نفسًا ولم تك زعزعت أحشاها
فاليوم مات الحجة العلم الذي … لدلائل التحقيق شاد بناها
стр. 211
علامة العصر المدقق والذي … بسنائه فاق الدروس سناها
هو عابد لله أخلص قصده … من آل صوفان يجل تقاها
يا طالما انتفع الأنام بفضله … وروت من الإرشاد عنه مناها
فلتبكه بقع الدروس فيالها … من روضة أرجت به أرجاها
ولتبك نابلس على طود مضى … قد كان مصدر نفعها ورجاها
أسفًا على ذاك الحلال وهيبة … كان الزمان لعزها يخشاها
فالله يعظم أجرنا ويعمه … بالفضل في دار يدوم هناها
ويضاعف الأجر الجزيل لآله … والمسلمين ففقده أعياها
ومما جاء في تاريخ وفاته:
ناديت لما أن دعى بسجوده … أرخ لعبد الله حسن ختام
انتهى يقول المختصر: وما تقدم ذكره من تدريس صاحب الترجمة في الحرم الشريف النبوي إنما هو وظيفة معلومة كان المترجم فيها خلفًا للمرحوم الشيخ محمد خطيب دوما كما ذكرنا ذلك في ترجمته وبالجملة فقد أثنى على صاحب الترجمة كل من لقيه وعرفه في العلم والورع والتمسك بطريقة السلف - واطلعت عندنا على مسودة إجازة كتبها لصاحب الترجمة سيدي الجد وأخوه سنة ١٣٠٥ بناء على طلبه وفوات أخذه الإجازة من والدهما المنوه به - وأعقب المترجم ولديه العالمين الفاضلين الشيخ محمود أفندي المولود سنة ١٢٨٧ وصديقنا الشيخ يوسف أفندي المولود سنة ١٢٩٠ سلمهما الله تعالى ورحم والدهما آمين.
* الشيخ موسى القدومي
موسى بن عيسى بن عبد الله صوفان ابن الشيخ عيسى القدومي النابلسي المترجم في تاريخ المرادي كتب إلينا عنه قريبه الشيخ يوسف أفندي وغيره فهو الشيخ العالم العلامة المحقق المدقق الفهامة المفسر المحدث الأصولي النحوي المتفنن الأستاذ الهمام الأوحد ولد في سنة خمس وستين ومائتين وألف ورحل في طلب العلم إلى دمشق وجنى فيها من ثمار الفنون ما تقر به العيون فأخذ الفقه والفرائض والتوحيد عن العالمين الجليلين الجد الشيخ محمد وأخيه الشيخ أحمد
стр. 212
ولدي الإمام الأستاذ الشيخ حسن الشطي، والتفسير والحديث والنحو والصرف والمنطق عن الأساتذة المشاهير محمد أفندي المنيني والشيخ سليم العطار والشيخ بكري العطار وكتبوا له إجازات حافلة سنة ١٢٨٩ ونظم له الشيخ عبد السلام الشطي الإجازة الشطية وقال فيها:
محصل المنطوق والمفهوم … موسى بن عيسى الحنبلي القدومى
ثم عاد إلى وطنه وسكن مدينة نابلس فشارك ابن عمه الأستاذ الشيخ عبد الله المقدمة ترجمته في التدريس بمدرسة الجامع الصلاحي الكبير ولما هاجر الأستاذ المنوه به إلى الديار الحجازية انفرد صاحب الترجمة بالتدريس في نابلس فأفاد وأجاد وقصدته الطلاب والوراد وعم النفع به في الديار النابلسية وكان يقريء في فنون شتى عالي الهمة لا تأخذه في الله لومة لائم وفي سنة ١٣٣١ وجه عليه من الدولة العثمانية رتبة أزمير ولم تزل تلك المدرسة قائمة به على قدم وساق حتى أصبحت خاوية على عروشها بإعلان السفر البري في الدولة المذكورة سنة ١٣٣٢ ثم ما زال صاحب الترجمة على طريقته المثلى إلى أن توفي ليلة عيد الفطر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف عن ٧١ عامًا وصلي عليه بمشهد حافل ودفن قريبًا من العلامة السفاريني ﵀ رحمة واسعة وقد رثاه تلميذه الشيخ أحمد البسطامي بمرثية طويلة قال في مطلعها:
جل المصاب فوطأة الأحزان … عظمت فشبت نارها بجنان
وأرخ وفاته بعضهم بقوله:
ضريح طوى من كان للعلم قاموسا … فأصبح رمسًا بالفضائل مأنوسا
سلالة صوفان إمام محدث … أنار وأحيى العلم بحثًا وتدريسا
سعى للقاء الله في العيد سائلًا … رضاء إله جل فضلًا وتقديسًا
لهذا بشير العفو نادى مؤرخًا … بسعي لقد أوتيت سؤلك يا موسى
* عمر أفندي الشطي
سيدي ووالدي ومن أخذت عنه طريقتي وتالدي قدمت تراجم أبيه وجده
стр. 213
وجملة من أقربائه فهو عمر بن محمد بن حسن الشطي الدمشقي الشيخ العالم الفقيه الفرضي الحاسب الكاتب الأوحد خاتمة العصابة الحنبلية وبقية السلالة الفرضية ولد في ١٠ جمادي الأولى سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف ونشأ في حجر أبيه وعمه المقدم ذكرهما وقرأ القرآن على شيخنا الشيخ خليل الدبسي وأخذ الخط عن سليم أفندي نزيل مدرستنا البدرأية ثم دخل المدرسة الجقماقية فتلقى فيها مباديء العلوم عند أمثال محمد أفندي المرعشي والشيخ رشيد سنان وحضر دروس والده وعمه في الفقه والفرائض وغير ذلك وقرأ على العلامة الشيخ عمر العطار وكتب له إجازة عامة سنة ١٣٠٨ ولازم دروس العلامة الشهير الشيخ سليم العطار ثم دروس شيخنا العلامة الشيخ بكري العطار ثم لازم العالم الفقيه الشيخ راغب السادات وحصل على إجازتهما وقد برع في الفقه والفرائض والحساب والمساحة علمًا وعملًا ودرس فيها وفي سنة ١٣٠٠ وجهت عليه إمامة جامع الخريزانية ثم في سنة ١٣٣٥ نقل منها إلى إمامة مدرستنا المذكورة وكان في سنة ١٢٩٦ صار كاتبًا في محكمة البزورية ثم في سنة ١٣٠٤ نقل إلى الكتابة في محكمة الباب من محاكم دمشق الشرعية فبقي مدة طويلة كان فيها عمدة في عمل المناسخات وقسمة الأملاك والمياه وغير ذلك وحمدت الناس سيرته وقدرت قضاة العدل قدره ولله الحمد وفي سنة ١٣٢٧ ولي رياسة الكتاب في محكمة البزورية المذكورة ولما ألغيت محاكم الأطراف في التنسيقات التركية صار مفتيا ومدرسا في حوران على أن يؤدي وظيفته في أمانة الفتوى بدمشق فبقي على ذلك إلى آخر الحكومة التركية تراجعه الناس في الحوادث الشرعية وتنتخبه المحاكم العدلية في الكشوف الحقوقية فيحسن الخدمة ويعرب عن همة وأي همة وقد يقبل الوكالات والدخول في الخصومات إلى أن يرضى الطرفان ويأخذ كل ذي حق حقه وكان له في ذلك سعة صدر وحسن فهم - وقد ذكر لفرضية البلدية حين استقال ابن عمه منها سنة ١٣١٨ فلم يعبأ بها ثم في حكومتنا العربية ذكر للقضاء الحنبلي وصدر الأمر العالي به فلم يتم له حتى توليته بعده وذقت فراقه وبعده وكان رحم الله روحه سخي الطبع عزيز النفس حسن السمت صبورًا حمولا متحريًا لدينه متحليا بالشهامة والمروءة هينا لينا يغلب عليه الرضاء والمسألة دمث الأخلاق جدًا يكره الدخول فيما لا يعنيه والتعرض لمحدثات الأمور ولم يزل
стр. 214
على حالته الرضية حتى مرض أياما قلائل وكانت وفاته ليلة الثلاثاء رابع شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف وصلي عليه في الجامع الأموي بمشهد عظيم ودفن في التربة الذهبية قريبا من والده وعمه وقد بكته القلوب والعيون بالدماء والدموع وأعقب أربعة ذكور أكبرهم هذا الفقير ثم زكي أفندي وشوكت أفندي وضياء الدين أفندي تغمده الله برحمته وجزاه عنا خير ما جزى والدًا عن ولده آمين وقد تلطف أستاذنا العلامة الجليل الشيخ محمد الطيبي مفتي حوران فكتب إليه في سنة ١٣١٧ مطرزًا:
ع عماد عباد الله في الردع والنفع … ش شعاع بقاع العدل في مركز الوضع
م مداد مراد الهادي ﷻ … ط طلاء ضياء الحق في محكم الصنع
ر رضيه لبا التوفيق فاق وانه … ي يراع مدار الحكم في مجلس الشرع
وقلت أثناء تحريري هذه السطور أرثيه وأؤرخه:
يا من تجلى علمه بيننا … ومن نراه عمر الثاني
قد كنت عونا للجميع ففز … بجنة أرخ وغفران
стр. 215
يقول جامع الكتاب ومختصره محمد جميل الشطي القاضي والإمام الحنبلي بدمشق حالا إلى هنا انتهى ما جمعناه واختصرناه من طبقات الحنابلة أسلافنا وعلمائنا ﵃ وقدس أرواحهم آمين. وقد كان جمعي واختصاري له في سنة ١٣٢٥ ثم أني هذبته وبيضته سنة ١٣٣٥ ثم أعدت النظر فيه أثناء طبعه وكان الفراغ من إحسان وضعه أحكام طبعه في ١٢ جمادي الثانية سنة ١٣٣٩ هجرية الموافق ٢٠ شباط سنة ١٩٢١ ميلادية والحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأستاذ العلامة الأديب السيد الشيخ عبد الله العلمي الحسني الغزي نزيل دمشق يقرظ هذا الكتاب
لقاضي الحنابل فضل جزيلْ … بمختصر الطبقات الجليل
فمن جال فيه يقل مادحًا … كتاب الجميل كتاب جميل
следующие страницы →