← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11272

صفحات مشرقة من حياة السلف - سفيان الثوري

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (146 стр.). Показаны 141–146 · переход к 146.

стр. 141

تأتوني، ولو لم تأتوني لأتيتكم، ولو لم أحدثكم لحدثت الجدْران". ١ ١٠ - وعن محمد بن بشر قال: سمعت سفيان يقول: "لو كان هذا من الخير لنقص كما ينقص الخير - يعني الحديث -". ١١ - وعن خلف بن خليفة سمعت سفيان بن سعيد يقول: "أرى كل شيء من أنواع الخير ينقص، وهذا الحديث إلى زيادة، فأظن أنه لو كان من أسباب الخير لنقص أيضاً". ٢ قال الخطيب: "عنى الثوري بكلامه الذي تقدم ذكره: غرائب الأحاديث ومناكيرها دون معروفها ومشهورها، لأن الأخبار الشاذة والأحاديث المنكرة أكثر من أن تحصى، فرأى الثوري أن لا خير فيها، إذ رواية الثقات بخلافها وعمل الفقهاء ضدها، وقد ورد عن جماعة من العلماء سوى الثوري

стр. 142

كراهة الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها". ١ قال أبو بكر الخطيب: "وليس يجوز الظن أنه قصد بقوله الذي ذكرناه صحاح الأحاديث ومعروف السنن وكيف يجوز ذلك وهو القائل: "أكثروا من الأحاديث فإنها سلاح". وقوله: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسؤول عنه". وقال أيضاً: "ما أعلم شيئاً يطلب به الله هو أفضل من الحديث، فقال له إنسان: إنهم يطلبونه بغير نية قال: طلبهم له نية". وقال أيضاً: "لا نعلم شيئاً من الأعمال أفضل من طلب العلم والحديث لمن حسنت فيه نيته". ٢ اهـ

стр. 143

وقال الخطيب - أيضاً -: تعقيباً على قول عبد الله بن إدريس "الإكثار من الحديث جنون". وقول مالك: "ما أكثر أحد من الحديث فأنجح" -: "وهذا الكلام كله قريب من كلام الثوري في ذم شواذ الحديث، والمعنى فيهما سواء، إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة والطرق المستنكرة كأسانيد: حديث الطائر، وطرق حديث المغفر، وغسل الجمعة، وقبض العلم، وإن أهل الدرجات، ومن كذب علي، ولا نكاح إلا بولي، وغير ذلك، مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه ويعنون بجمعه، والصحيح من طرقه أقلها، وأكثر من يجمع ذلك الأحداث منهم فيتحفظونها ويذاكرون بها، ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثاً، وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة التي أكثرها موضوع وجلها مصنوع مما لا ينتفع به، وقد أذهب من عمره جزءاً في طلبه، وهذه العلة هي التي اقتطعت أكثر من في عصرنا من طلبة الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام، وقد فعل متفقهة زماننا كفعلهم، وسلكوا في ذلك سبيلهم ورغبوا عن سماع

стр. 144

السنن من المحدثين، وشغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين، فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه، وأقبل على ما لا فائدة له فيه". ١

стр. 145

الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد: فهذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا البحث: ١ - إن حياة الأئمة الأعلام من سلف هذه الأمَّة هي الأنموذج العملي والتطبيق الفعلي لتعاليم الإسلام وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الهدى والنور. ٢ - إنَّ سلف هذه الأمَّة كانوا وقَّافين عند حدود الله، وكانوا هم أسمى قدوة في الزهد والورع والخشية لله. ٣ - إنهم كانوا يجرون في هديهم في العلم والعمل والعبادة والاعتقاد على منهاجٍ واضحٍ منضبطٍ ثابت مستقر، فحماهم الله بذلك المنهاج والثبات عليه من التناقض والتنازع والتقلُّب والاختلاف. ٤ - إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ تلقَّوا هذا الدين والعمل به من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، ولم يتجاوزوهما، ولم يعارضوهما بقياسٍ أو عقلٍ أو هوى، فأورثهم ذلك: الاتفاق والائتلاف والثبات والاستقرار، في حين ضل أصحاب البدع والأهواء

стр. 146

الثبات والاستقرار، في حين ضل أصحاب البدع والأهواء معارضتهم للكتاب والسنَّة بعقولهم وأهوائهم فأُورثوا: التنازع والاختلاف والتناقض والاضطراب. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.