آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً". ١
وعن عبد الله بن داود الحريبي (ت ٢١٣ هـ) عن سفيان قال: "احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمر، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك". ٢
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى سفيان قال: "أكرموا الناس على قدر تقواهم، وتذللوا عند أهل الطاعة، وتعززوا عند أهل المعصية، واعلموا أن القراءة لا تحلو إلا بالزهد في الدنيا". ٣
وفي لفظ عن قبيصة بن عقبة (ت ٢١٥ هـ) قال: قال سفيان: "لا تصلح القراءة إلا بالزهد، واغبط الأحياء بما تغبط به الأموات، أحبهم على قدر أعمالهم، وذل عند
стр. 107
الطاعة، واستعص عند المعصية". ١
وعن وكيع قال: قال سفيان: "لو أن اليقين استقر في القلوب لطارت شوقاً أو حزناَ، إما شوقاً إلى الله ، وإما فرقاً من النار". ٢
وعن يوسف بن أسباط قال سفيان: "كثرة الإخوان من سخافة الدين". ٣
وعنه أيضاً قال سفيان: "لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة". ٤
وعن بكر العابد قال سفيان: "إن القراءة لا تصلح إلا بالزهد بالدنيا، فازهد، ونم، وصل الخمس". ٥
وفي "الحلية" عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان
стр. 108
الثوري يقول: "الحديث أكثر من الذهب والفضة، وليس يدرك، وفتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة". ١
وفيه أيضاً عن مبارك أبي حماد سمعت الثوري يقول: "إياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعاً ليس في قلبك". ٢
وعن بكر بن عابد قال: سمعت الثوري يقول: "لا خير في القارئ يعظم أهل الدنيا". ٣
وقال يوسف بن أسباط: سمعت سفيان الثوري يقول: "ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا نوزع في الرياسة حامى عليها وعادى". ٤
قال وكيع سمعت سفيان يقول: "ليس الزهد بأكل
стр. 109
الغليط ولبس الخشن، ولكنه قِصَرُ الأمل وارتقاب الموت". ١
وفي "الحلية" عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره". ٢
وفيه أيضاً عن عبد الله بن محمد الباهلي قال: "جاء رجل إلى سفيان فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الحج، قال: لا تصحب من يكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضر بك، وإن تفضل عليك استذلك". ٣
وفيه أيضاً عن عطاء بن مسلم الخفاف قال سفيان الثوري: "قدمت البصرة فجلست إلى يونس بن عبيد، فإذا فتيان كأن على رؤوسهم الطير، فقلت: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، واعملوا ولا تكونوا
стр. 110
عالة على الناس، فرفع يونس رأسه إليهم فقال: قوموا فلا أعلمن أحداً منكم جالسني حتى يكسب معاشه من وجهه، فتفرقوا قال سفيان: فوالله ما رأيتهم عنده بعد". ١
وعن محمد بن عبيد الطنافسي قال: سمعت سفيان يقول: "يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، لا تزيدوا التخشع على ما في القلب، فقد وضح الطريق، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين". ٢
وعن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان يقول: "ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك، ولا بوجعك، ولا تزك نفسك". ٣
وقال عثمان بن زائدة: كتب إليَّ سفيان الثوري: "إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل". ٤
стр. 111
وعن محمد بن يوسف الفريابي قال: سمعت سفيان يقول: "يعجبني أن يكون صاحب الحديث مكفياً، فإن الآفات إليهم أسرع وألسنة الناس إليهم أسرع". ١
وعن عبد الله بن المبارك قال: كان سفيان الثوري يقول: "إذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك". ٢
وعن وكيع عن سفيان قال: "ما عالجت شيئاً قط أشد علي من نفسي مرة علي ومرة لي". ٣
وعن سعيد بن صدقة أبي مهلهل قال: "أخذ بيدي سفيان الثوري فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحداً فافعل، وليكن همك مرمة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك لديهم، وافزع إليه فيما ينوبك، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارفع
стр. 112
حوائج إلى من لا تعظم الحوائج عنده". ١
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى سفيان قال: "إن دعاك هؤلاء الملوك تقرأ عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فلا تجئهم، فإن قربهم مفسدة للقلب". ٢
وعن أبي زرعة الدمشقي عن أحمد بن يونس قال: "سمعت رجلاً يقول لسفيان: يا أبا عبد الله أوصني، قال: إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان". ٣
ثانياً: من كلام سفيان في العلم والهدي والعمل:
أخرج محمد بن سعد بسنده إلى سفيان قال: "تعلموا هذا العلم، فإذا تعلمتموه فاحفظوه، فإذا حفظتموه فاعملوا به، فإذا عملتم به فانشروه". ٤
وقال ابن عبد البر: قال الثوري: "العلماء إذا علموا
стр. 113
عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا". ١
وذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى محمد بن يوسف الفريابي قال: قال سفيان: "العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمره، فذلك العالم الكامل، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله فذلك العالم الفاجر".
وقال سفيان: "كأن يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". ٢
стр. 114
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "ربما كنا مع سفيان فيقول: النهار يذهب ونحن في غير عمل، ثم يقوم فزعاً فما نراه يومنا". ١
وعن أبي عاصم النبيل قال سفيان: "كان الرجل إذا أراد أن يطلب العلم تعبد قبل ذلك عشرين سنة". ٢
وقال محمد بن يوسف الفريابي: "كان سفيان الثوري يقيمنا بالليل يقول: قوموا يا شباب صلوا ما دمتم شباباً". ٣
وفي "الحلية" عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت محمد بن يوسف الفريابي يقول: "ما من عمل أفضل من
стр. 115
طلب الحديث إذا صحت النية فيه، قال أحمد: قلت للفريابي: وأي شيء النية قال: تريد به وجه الله والدار الآخرة". ١
وعن أبي مسلم المستملي عن سفيان قال: "تعلموا العلم، فإذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك ولا لعب فتمجه القلوب" ٢.
وفي رواية: "فتجمد القلوب". ٣
وعن مزاحم بن زفر قال: سمعت الثوري يقول: "إنما هو طلبه - العلم - ثم حفظه، ثم العمل به، ثم نشره". ٤
وعن أبي عبد الله المهدي قال: سمعت الثوري يقول: "كان يقال: أول العلم: الصمت، والثاني: الاستماع له
стр. 116
وحفظه، والثالث: العمل به، والرابع: نشره وتعليمه". ١
وعن أبي عاصم قال: قال الثوري: "من حدَّث قبل أن يحتاج إليه ذل". ٢
وعن عبد الله بن داود أن الثوري قال: "إنما يطلب العلم ليتقي الله به، فمن ثم فضل، فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء". ٣
وفي "الحلية" أيضاً عن أحمد بن عبد الله بن يونس قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "ليس طلب العلم فلان عن فلان، إنما طلب العلم الخشية لله ". ٤
وعن أبي النضر قيصر قال: قال سفيان: "آمر بالمعروف في رفق فإن قبل منك حمدت الله ، وإلا
стр. 117
أقبلت على نفسك، فإن لك في نفسك شغلاً، وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فالنجاة في تركهم". ١
وفي "الحلية" عن وكيع عن سفيان قال: "لله قراء وللشيطان قراء، وصنفان إذا صلحا صلح الناس: السلطان والقراء". ٢
وفيه أيضاً عن خلف بن تميم قال: سمعت الثوري: "من أحب أفخاذ النساء لم يفلح". ٣
وعن عبد الله بن المبارك قال: "سئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل
فقال: إنما يراد العلم للعمل، لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم". ٤
стр. 118
وعن يحيى بن يمان قال: قال سفيان: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها". ١
قال أبو إسحاق الفزاري: قال سفيان: "البكاء عشرة أجزاء: جزء لله وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير". ٢
وعن يحيى بن المتوكل قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رجل سوء، قالوا لسفيان: كيف ذاك؟ قال: يراهم يعملون بالمعاصي فلا يغير عليهم ويلقاهم بوجه طلق". ٣
стр. 119
وعن أبي همام الوليد بن شجاع السكوني عن أبيه قال سفيان: "لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة". ١
وعن أسباط بن محمد قال: سمعت الثوري يقول: "الرجل إلى العلم أحوج منه إلى الخبز واللحم". ٢
وعن محمد بن يوسف الفريابي قال الثوري: "ما بسطت الدنيا على أحد إلا اغتراراً، وما زويت عنه إلا اختباراً". ٣
أخرج أبو نعيم بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: "كتب إليَّ سفيان الثوري: بُثَّ علمك واحذر الشهرة". ٤
وفي "السير" عنه أيضاً قال لي سفيان: "إياك والشهرة،
стр. 120
فما أتيت أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة". ١
وعن ابن المبارك أيضاً قال: قال سفيان الثوري: "إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب". ٢
وقال يحيى بن الضريس قال الثوري: "إذا ترأس الرجل سريعاً أضر بكثير من العلم، وإذا طلب وطلب بلغ". ٣
وقال ضمرة قال سفيان: "يثغر الغلام لسبع - تسقط أسنانه اللبنية ٤ - ، ويحتلم بعد سبع، ثم ينتهي طوله بعد سبع، ثم يتكامل عقله بعد سبع، ثم هي التجارب". ٥
وعن ابن المبارك عن سفيان: "استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء". ٦
وعن عبد الصمد بن حسان سمعت سفيان يقول:
стр. 121
"الإسناد سلاح المؤمن، فمن لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل". ١
وفي "سير أعلام النبلاء" قال سفيان: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على العلم، فإنه مسؤول عنه". ٢
وقال ابن عبد البر: قال سفيان: "يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل". ٣
стр. 122
من رسائل سفيان إلى إخوانه من أهل السنة وأسلوبه فيها:
عن يوسف بن أسباط قال: كان سفيان إذا كتب إلى رجل كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من سفيان بن سعيد إلى فلان بن فلان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، ﵎ له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. أما بعد: فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله العظيم، فإنه من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، جعلنا الله وإياك من المتقين". ١
وفي "الحلية" عن يحيى بن سعيد قال: "أملى عليَّ سفيان كتاباً فقال: اكتب، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ﵎، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، فقلت لسفيان: من كان يكتب هذا الصدر؟ فقال:
стр. 123
حدثني منصور عن إبراهيم - النخعي - أنه كان يكتبه". ١
وفي "الحلية" أيضاً عن أبي نعيم الفضل بن دكين: سمعت سفيان وكتب إلى ابن أبي ذئب:
"من سفيان إلى محمد بن عبد الرحمن، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك بتقوى الله، فإنك إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً، فعليك بتقوى الله، أما بعد". ٢
وعن أبي أحمد الزبيري كتب بعض إخوان سفيان إلى سفيان أن عظني وأوجز، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياك من السوء، واعلم يا أخي أن الدنيا غمها لا يفنى، وفكرها لا ينقضي، وفرحها لا يدوم، فلا توان فتعطب والسلام عليك". ٣
стр. 124
رسالة الإمام الثوري إلى عباد بن عباد:
ذكرها ابن أبي حاتم في ترجمة سفيان في تقدمته للجرح والتعديل ١، بسنده إلى محمد بن يوسف الفريابي قال: كتب سفيان بن سعيد إلى عباد بن عباد فقال:
"من سفيان بن سعيد إلى عباد بن عباد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، فإن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً، سألت أن أكتب إليك كتاباً أصف لك فيه خلالاً تصحب بها أهل زمانك وتؤدي إليهم ما يحق لهم عليك، وتسأل الله الذي لك، وقد سألت عن أمر جسيم،
стр. 125
الناظرون فيه اليوم المقيمون به قليل، بل لا أعلم مكان أحد، وكيف يستطاع ذلك وقد كدر هذا الزمان، إنه يشتبه الحق والباطل، ولا ينجو من شره إلا من دعا بدعاء الغريق، فهل تعلم مكان أحد هكذا وكان يقال: يوشك أن يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم، فعليك بتقوى الله ، والزم العزلة واشتغل بنفسك واستأنس بكتاب الله ، واحذر الأمراء، وعليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن استطعت أن تأمر بخير في رفق فإن قبل منك حمدت الله ، وإن رد عليك أقبلت على نفسك فإن لك فيها شغلاً، واحذر المنزلة وحبها فإن الزهد فيها أشد من الزهد في الدنيا، وبلغني أن أصحاب محمد ﷺ كانوا يتعوذون أن يدركوا هذا الزمان، وكان لهم من العلم ما ليس لنا، فكيف بنا حين أدركنا على قلة علم وبصر وقلة صبر وقلة أعوان على الخير مع كدر الزمان وفساد من الناس.
وعليك بالأمر الأول والتمسك به، وعليك بالخمول فإن هذا زمان خمول وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس، فإن عمر
стр. 126
ابن الخطاب ﵁ قال: "إياكم والطمع، فإن الطمع فقر واليأس غنى، وفي العزلة راحة من خلاط السوء"، وكان سعيد بن المسيب يقول: "العزلة عبادة"، وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك والنجاة في تركهم فيما نرى، وإياك والأمراء والدنو منهم، وأن تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع فيقال لك: تشفع فترد عن مظلوم أو مظلمة، فإن تلك خدعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سلماً.
وكان يقال: فتنة العابد الجاهل وفتنة العالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وما كفيت المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ولا تنافسهم، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله وينشر قوله أو يسمع منه، وإياك وحب الرياسة، فإن من الناس من تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء، واحذر الرياء فإن الرياء أخفى من دبيب النمل
وقال حذيفة: "سيأتي على الناس زمان يعرض على الرجل الخير والشر فلا يدري أيما يركب"، وقد ذكر عن
стр. 127
رسول الله ﷺ قال: "لا تزال يد الله على هذه الأمة وفي كنفه وفي جواره ما لم يَمِل قراؤها إلى أمرائهم، وما لم يبر خيارهم شرارهم، ما لم يعظم أبرارهم فجارهم، فإذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل بهم الفاقة، وسلَّط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب"، وقال: "إذا كان ذلك لا يأتيهم أمر يضجون منه إلا أردفه بآخر يشغلهم عن ذلك.
فليكن الموت من شأنك، ومن بالك، وأَقِلَّ الأمل، وأكثر ذكر الموت، فإنك إن أكثرت ذكر الموت هان عليك أمر دنياك، وقال عمر: "أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في كثير قلله، وإن ذكرتموه في قليل كثره، واعلموا أنه قد حان للرجل يشتهي الموت"، أعاذنا الله وإياك من المهالك وسلك بنا وبك سبيل الطاعة".
стр. 128
ما ذكره من دخول سفيان الثوري على السلطان للإنكار عليه ومناصحته إياه في أمر الأمة وتركه وبره:
مناساسيات عقيدة أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لمن ولاه الله أمرهم في المنشط والمكره، وكان من هديهم إقامة الصلاة في الجمع والجماعات خلف الإمام سواء كان بارا أو فاجرا أو ظالما كان أو عادلا، والجهاد تحت رايتهم ماض إلى يوم القيامة.
كما كان من هدي أهل السنة والجماعة عدم جواز الخروج على الأئمة وإن جاروا وظلموا بل يرون قتال الخوارج عليهم تحت راية الأئمة.
وكان من هديهم أيضا مناصحة ولاة الأمر بالطرق الشرعية الصحيحة المؤيدة إلى المقصود من النصيحة، كذلك من هديهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب في ذلك حتى على الحاكم.
وحتى تكون مناصحتهم إياهم وإنكارهم عليهم خالصا لوجه الله كانوا لايقبلون أعطياتهم لئلا يؤثر ذلك
стр. 129
في إخلاصهم فيحبط عملهم في الاحتساب عليهم، وتمييزا عن علماء السوء الذين لا يدخلون على الولاة إلا لنيل الأعطيات وحطام الدنيا الفاني فيبيعون دينهم بدنياهم.
وهذا الإمام الهمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري أنموذج من أولئك الأئمة الأعلام الذين كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم وكانوا على هدى من الله وبصيرة وفيما يأتي بعض النصوص التي ذكرت في مناصحة سفيان للسلطان واحتسابه في الإنكار عليه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: " ما سمعت سفيان يسب أحدا من السلطان قط في شدت عليهم ".
وقال أيضا: سمعت سفيان يقول: إني لأدعو للسلطان – يعني بالصلاح – ولكن لا أستطيع أن أذكر إلا فيهم ".
وذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى محمد بن يوسف الفريابي
стр. 130
قال: قال الثوري: " أدخلت على أبي جعفر المنصور – بمنى – فقلت له: اتق الله فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم يموتون جوعا، حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارا، وكان ينزل تحت الشجر فقال لي: فإنما تريد أن أكون مثلك؟ قال: قلت: لا تكن مثلي ولكن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه، فقال لي: أخرج ".
وفي "الحلية "عن محمد بن مسعود عن سفيان الثوري قال: " ادخلت على المهدي بمنى، فلما سلمت عليه بالإمرة قال لي: أيها الرجل طلبناك فأعجزتنا فالحمد الله الذي جاء بك فارفع إلينا حاجتك، فقلت: قد ملأت الأرض ظلما وجورا فاتق الله، وليكن منك في ذلك عبرة، قال: فطأطا رأسه ثم رفعه وقال: أرأيت إن لم أستطع رفعه، قلت: تخليه وغيرك، قال: فطأطا رأسه ثم قال: ارفع إلينا
стр. 131
حاجتك، قلت: أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالباب فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم، قال: فقال: أيها الرجل ارفع إلينا حاجتك، فقلت: وما أرفع؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر بن الخطاب فقال لخازنه كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر دينارا وأرى هاهنا أمورا لا تطيقها الجبال.
وفي " الحلية " أيضا عن حسين بن عبد الرحمن الوراق قال: قال أبو عبيد الله – وزير المهدي -: ما أعقلنا مخالينا هذه في عنق أحد إلا قضم منها إلا فسيان الثوري.
وفيه أيضا عن يحيى بن يمان عن سفيان الثوري قال: قال لي المهدي: يا أبا عبد الله اصحبني حتى أسير فيكم سيرة العمرين، قلت: أما وهؤلاء جلساؤك فلا، قال: تكتب إلينا في حوائجك فنقضيها، قلت: والله ما كتبت إليك كتابا
стр. 132
قط.
ثم قال لي سفيان: إن اقتصرت على خبزك وبقلك لم يستعبدك هؤلاء.
عن حبان عن ابن المبارك قال: قيل لسفيان الثوري: لو دخلت عليهم؟ قال: إني أخشى أن يسألني الله عن مقامي ما قلت فيه، قيل له: تقول وتتحفظ، قال حبان: وبلغني أنه قال: ليس أخاف ضربهم لكني أخاف أن يميلوا علي بدنياهم، ثم لا أرى سيئتهم سيئة.
وعن الوليد بن مسلم عن سفيان الثوري قال: لا يأمر السلطان بالمعروف إلا رجل عالم بما يأمر، عالم فيما ينهى، رفيق فيما يأمر، رفيق فيما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى.
стр. 133
وعن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا رأيت القارئ يلوذ بباب السلطان فاعلم أنه لص فإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مرئي.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: طلبت أيم المهدي فهربت فأتيت اليمن فكنت في حي وآوي إلى مسجدهم فسرق في ذلك حي فاتهموني، فأتو بي معن بن زائد – وكان قد كتب له طلبي – فقيل له: إن هذا قد سرق منا، فقال: لم سرقت متاعهم؟ فقلت: ما سرقت شيئا، فقال لهم تنحوا لأسأله ثم أقبل علي فقال: ما اسمك؟ قلت: عبد الله بن عبد الرحمن قال: يا عبد الله بن عبد الرحمن نشدتك بالله لما نسبت لي نسبك، قلت: الثوري؟ قلت الثوري قال أنت بغير أمير المؤمنين؟ قلت: أجل، فأطرق ساعة ثم قال: ما شئت فأقم، وارحل
стр. 134
متى شئت فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها.
عن المفضل بن المهلهل قال: خرجت حاجا مع سفيان فلما صرنا إلى مكة وافينا الأوزاعي بها فاجتمعنا أنا والأوزاعي وسفيان في دار قال وكان على الموسم عبد الصمد بن علي الهاشمي فدق الباب فقلنا من هذا؟ قال: الأمير، فقام سفيان فدخل المخدع وقام الأوزاعي قال: حياك الله بالسلام، أما إن كتبك كانت تأتينا فكنا نقضي حوائجك ما فعل سفيان؟ قال: قلت: دخل المخدع فدخل الأوزاعي في إثره فقال: إن هذا الرجل ما قصد إلا قصدك، فخرج سفيان مغضبا فقال: سلام عليكم كيف أنتم؟ فقال له عبد الصمد: أتيتك أكتب هذه المناسك عنك، فقال له سفيان: أولا أدلك على ما هو أنفع لك منها؟ قال: وما هو؟ قال: تدع ما أنت فيه، فقال: وكيف اصنع بأمير المؤمنين أبي جعفر؟ قال: إن أردت الله كفاك أبا جعفر،
стр. 135
فقال له الأوزاعي: يا أبا عبد الله إن هؤلاء ليس يرضون منك إلا بإعظام لهم، فقال له: يا أبا عمر إنا لسنا نقدر أن نضر بهم وإنما نؤدبهم بمثل هذا الذي ترى فقال: قم بنا من هاهنا، فإني لا آمن هذا يبعث من يضع في رقابنا حبالا وإن هذا لا يبالي.
عن يحيى بن سليم الطائفي: بعث محمد بن إبراهيم الهاشمي إلى سفيان الثوري بمائتي دينار فأبى أن يقبلها، فقلت: يا أبا عبد الله كأنك لا تراها حلالا، قال: بلى، ما كان آبائي وأجدادي إلا في العطية، ولكن أكره أن أذل لهم.
وعن عطاء بن مسلم قال: لما استخلف المهدي بعث على الى سفيان، فلما دخل خلع خاتمه فرمى به إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة فأخذ الخاتم بيده، وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟
стр. 136
قال: نعم، قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إلي حتى آتيك ولا تعطيني شيئا حتى أسألك قال: فغضب من ذلك وهم به، فقال له كاتبه: أليس قد أمنته يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى.
فلما خرج حف به أصحابه فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمرك أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة؟ قال: فاستصغر عقولهم ثم خرج هاربا إلى البصرة.
وعن خلف بن تميم الكوفي قال: قال الثوري: إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة والسرج أو اللجام فيتغير قله لهم.
وأختم هذه الفقرة بقول الحافظ الذهبي: وكان سفيان ينكر على الملوك، ولا يرى الخروج أصلا.
стр. 137
قال أبو بكر الخطيب البغدادي: ذكر أخبار ربما أشكلت على سامعيها وبيان الإشكال الواقع في وجوهها ومعانيها
قال أبو بكر الخطيب البغدادي: "ذكر أخبار ربما أشكلت على سامعيها وبيان الإشكال الواقع في وجوهها ومعانيها ".
أورد ﵀ هذا العنوان في آخر كتابه "شرف أصحاب الحديث" ١ وذكر فيه جملة من الأخبار، رُويت عن الأئمة: المغيرة بن مقسم الضبي (ت ١٣٠ هـ)، وسليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ)، وشعبة (ت ١٦٠ هـ)، وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)، والإمام مالك (ت ١٧٩ هـ)، وعبد الله بن إدريس (ت ١٩٢ هـ)، وأبي بكر بن عياش (ت ١٩٣ هـ)، وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) وغيرهم.
وكل هذه الأخبار تؤول إلى التحذير من الغرائب والشواذ من الأحاديث وذم المشتغلين بها، وجلهم من أحداث الأسنان من طلبة العلم الذين شغفوا بحب الغرائب والشواذ وتكثير الطرق، وأقتصر هنا على ما أورده عن الإمام
стр. 138
سفيان الثوري وأجوبته عن إشكلاتها فمن ذلك:
١ - ما ذكره بسنده إلى علي بن قادم قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "لوددت أني لم أكن دخلت في شيء -يعني الحديث-، ولوددت أني أفلت منه لا عليَّ ولا ليَّ".
٢ - وبسنده إلى محمد بن بشر: سمعت سفيان الثوري يقول: "ليتني أنجو منه كفافاً - يعني الحديث -".
قال أبو بكر الخطيب ﵀: "إنما قال سفيان هذا خوفاً على نفسه أن لا يكون قام بحق الحديث والعمل به فخشي أن يكون ذلك حجة عليه". ١
٣ - وعن عبد الرحيم بن مصعب قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "من يزدد علماً يزدد وجعاً، ولو لم أعلم لكان أيسر لحزني".
٤ - وعن المعافي بن عمران قال: سمعت سفيان بن سعيد الثوري يقول: "وددت أن كل حديث في صدري، وكل
стр. 139
حديث حفظه الرجال عني، نسخ من صدري وصدورهم، فقلت: يا أبا عبد الله ذا العلم الصحيح، وذا السنة الواضحة التي قد بينتها، تمنى أن تنسخ من صدرك وصدور الرجال قال: اسكت، وما يدريك ألست أريد أن أقف يوم القيامة حتى أسأل عن كل مجلس جلسته، وعن كل حديث حدثته، إيش أردت به".
قال الخطيب: "فقد بين سفيان في هذا الحديث المعنى الذي لأجله خاف على نفسه، وقد قيل: إنما خاف سفيان على نفسه من الحديث وتمنى أنه لم يكن دخل فيه، لأن حب الإسناد وشهوة الرواية غلب على قلبه حتى كان يحدث عن الضعفاء، ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر باسمه ذكر كنيته تدليساً للرواية عنه، فخاف على نفسه من هذا الفعل، وقد كره التدليس والرواية عن الضعفاء جماعة من أئمة العلماء". ١
стр. 140
٥ - قال يحيى بن سعيد: "كان سفيان الثوري قد غلب عليه شهوة الحديث".
٦ - وقال أيضاً: "ما أخاف على سفيان شيئاً إلا حبه للحديث". ١
٧ - وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كنا نكون عند سفيان كأنه قد وافق الحساب، فلا نجترئ أن نكلمه، فنعرض بذكر الحديث قال: فيذهب ذلك الخشوع، فإنما هو حدثنا وحدثنا".
٨ - وعن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان يقول: "فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة". ٢
٩ - قال الحسن بن الربيع البهراني: قال سفيان: "احذركم ونفسي الشهوة الخفية، وإنها لفي قولي لكم: لا
стр. 141
تأتوني، ولو لم تأتوني لأتيتكم، ولو لم أحدثكم لحدثت الجدْران". ١
١٠ - وعن محمد بن بشر قال: سمعت سفيان يقول: "لو كان هذا من الخير لنقص كما ينقص الخير - يعني الحديث -".
١١ - وعن خلف بن خليفة سمعت سفيان بن سعيد يقول: "أرى كل شيء من أنواع الخير ينقص، وهذا الحديث إلى زيادة، فأظن أنه لو كان من أسباب الخير لنقص أيضاً". ٢
قال الخطيب: "عنى الثوري بكلامه الذي تقدم ذكره: غرائب الأحاديث ومناكيرها دون معروفها ومشهورها، لأن الأخبار الشاذة والأحاديث المنكرة أكثر من أن تحصى، فرأى الثوري أن لا خير فيها، إذ رواية الثقات بخلافها وعمل الفقهاء ضدها، وقد ورد عن جماعة من العلماء سوى الثوري
стр. 142
كراهة الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها". ١
قال أبو بكر الخطيب: "وليس يجوز الظن أنه قصد بقوله الذي ذكرناه صحاح الأحاديث ومعروف السنن وكيف يجوز ذلك وهو القائل: "أكثروا من الأحاديث فإنها سلاح".
وقوله: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسؤول عنه".
وقال أيضاً: "ما أعلم شيئاً يطلب به الله هو أفضل من الحديث، فقال له إنسان: إنهم يطلبونه بغير نية قال: طلبهم له نية".
وقال أيضاً: "لا نعلم شيئاً من الأعمال أفضل من طلب العلم والحديث لمن حسنت فيه نيته". ٢ اهـ
стр. 143
وقال الخطيب - أيضاً -: تعقيباً على قول عبد الله بن إدريس "الإكثار من الحديث جنون". وقول مالك: "ما أكثر أحد من الحديث فأنجح" -: "وهذا الكلام كله قريب من كلام الثوري في ذم شواذ الحديث، والمعنى فيهما سواء، إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة والطرق المستنكرة كأسانيد: حديث الطائر، وطرق حديث المغفر، وغسل الجمعة، وقبض العلم، وإن أهل الدرجات، ومن كذب علي، ولا نكاح إلا بولي، وغير ذلك، مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه ويعنون بجمعه، والصحيح من طرقه أقلها، وأكثر من يجمع ذلك الأحداث منهم فيتحفظونها ويذاكرون بها، ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثاً، وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة التي أكثرها موضوع وجلها مصنوع مما لا ينتفع به، وقد أذهب من عمره جزءاً في طلبه، وهذه العلة هي التي اقتطعت أكثر من في عصرنا من طلبة الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام، وقد فعل متفقهة زماننا كفعلهم، وسلكوا في ذلك سبيلهم ورغبوا عن سماع
стр. 144
السنن من المحدثين، وشغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين، فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه، وأقبل على ما لا فائدة له فيه". ١
стр. 145
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد:
فهذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا البحث:
١ - إن حياة الأئمة الأعلام من سلف هذه الأمَّة هي الأنموذج العملي والتطبيق الفعلي لتعاليم الإسلام وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الهدى والنور.
٢ - إنَّ سلف هذه الأمَّة كانوا وقَّافين عند حدود الله، وكانوا هم أسمى قدوة في الزهد والورع والخشية لله.
٣ - إنهم كانوا يجرون في هديهم في العلم والعمل والعبادة والاعتقاد على منهاجٍ واضحٍ منضبطٍ ثابت مستقر، فحماهم الله بذلك المنهاج والثبات عليه من التناقض والتنازع والتقلُّب والاختلاف.
٤ - إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ تلقَّوا هذا الدين والعمل به من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، ولم يتجاوزوهما، ولم يعارضوهما بقياسٍ أو عقلٍ أو هوى، فأورثهم ذلك: الاتفاق والائتلاف والثبات والاستقرار، في حين ضل أصحاب البدع والأهواء