الصوت، فالكائن العضوي الذي ينطق بالكلمات يتأثر بما يعتمل في صدر المتحدث من إحساس داخلي ويستطيع الإنسان أن يدرك الارتباط الوثيق بين التعبير الصادق وبين غيره من الكلمات المشوبة بالافتعال، وعدم صدق الإحساس، فالكلام المعبر ينبع عن امتلاء داخلي بالشعور، أما تلوين الكلام ظاهريا دون سند من تدفق داخلي؛ فيؤدي إلى التكلف والسطحية، والتذوق الفني عند العرب كان معينا بإلقاء الكلام وبالإحساس بما فيه.
العوامل التي تؤثر في ذلك:
١- السيطرة على الهواء المندفع من الرئتين وتحديد نسبة ما يندفع منهما من التنفس وتنظيم هذا حسب الإرادة.
٢-مرونة عضلات الحنجرة، فعلى قدر هذه المرونة تتوقف درجة الصوت، فكلما ازدادت مرونته كثرت الذبذبات وازداد الصوت حدة.
٣- طول الوترين الصوتيين يؤثر في درجة الصوت تأثيرا عكسيا، بمعنى أنه كلما طال الوتران الصوتيان قلت الذبذبات وترتب على قلتها عمق الصوت، حتى يصل في بعض الحالات إلى ما يسميه الموسيقيون بالقرار.
٤- ولكن نسبة شدة الوترين تؤثر تأثيرا مطردا في درجة الصوت، فالصوت المنبعث من ذبذبة وترين مشدودين شدا محكما يكون صوتا حادا، كصوت المغنيات، في حين أن غلظ الوترين في الرجال يقلل من نسبة هذا التوتر، مما يجعل درجة الصوت عند الرجال عميقة؛ لأن عدد الذبذبات أقل.
وهكذا يمكن للإنسان أن يشكل في صوته وفي نغمته وفي نبرته وفي شدته وفي انخفاضه، إلى غير ذلك من الألوان التي تعينه على
стр. 177
التعبير وتعين المتلقي على الإدراك.
يعد الصوت جزءا له أهمية بالنسبة للكلام، ففن الإلقاء يحتاج إلى صوت مميز معين، يتصف بالقوة والنبرات الواضحة المعبرة التي تحقق الهدف من توصيل القول إلى القلوب بأبعاده وألوانه، فالصوت الإنساني هو ككل الأصوات ينشأ من ذبذبات مصدرها في الغالب الحنجرة لدى الإنسان.
الصوت الإنساني معقد إذ يتركب من أنواع مختلفة في الشدة ومن درجات صوتية متباينة، كما أن لكل إنسان صفة صوتية خاصة تميز صوته من صوت غيره من الناس، كما أن المولى أودع في صوت الإنسان القدرة على التشكيل وفقا لأغراض المعاني.
فصوت الإنسان في أثناء حديثه لا يسير وفق شدة واحدة، أو درجة واحدة أو نغمة واحدة بل هو متعدد الشدة والدرجة والنغم وهو مع هذا أيضا ذو صفة خاصة تميزه عن غيره من أصوات الناس.
وتتوقف درجة صوت المرء على سنه وجنسه: فالأطفال والنساء أَحَدُّ أصواتا من الرجال، وذلك لأن الوترين الصوتيين في الأطفال والنساء أقصر وأقل ضخامة، ويؤدي إلى زيادة في سرعتهما وعدد ذبذباتهما في الثانية.
وهذا البحث حول اختلاف درجة الصوت بالنسبة للسن والجنس بحث طويل، اختلفت فيه أقوال العلماء قديماً وحديثا، ويتكلم الإنسان فتختلف درجة صوته عند معظم المقاطع، ولكن يندر أن يكون تغيير درجة الصوت في أثناء الكلام فجائيا بخلاف الغناء.
ومن الحقائق العلمية التي تدعو إلى الدهشة والعجب أن علماء
стр. 178
التشريح لم يلحظوا أي فرق مادي بين حناجر النوع الإنساني، فحنجرة الإنسان ذي الصوت الذي يسحر الألباب، لا تكاد تختلف عن حنجرة العامل العادي من الناحية التشريحية، فليس في حنجرة المطرب أي عنصر مادي تمتاز به على حنجرة غيره من الناس، وإنما الفرق في الموهبة التي تظهر في التحكم والتشكيل والتلوين في الصوت وفي التنفس، فهو أقدر من غيره على تنظيم تنفسه والسيطرة على الهواء المندفع من الرئتين والقدرة على تكييفه وإخضاعه لنظام خاص في جريانه من الرئتين حتى يصدر من الفم أو الأنف، وإخضاعه لإرادتهم كما يفعل المغنون، فالمغني والمتحدث الجيد يستطيع بعد شيء من المران أن يملك زمام تنفسه وأن يحدد عدد ذبذبات الوترين الصوتيين كما يشاء، وكذلك ينوع في درجات صوته كما يوحي إليه فنه، ومن تلك الدرجات الصوتية المتباينة يكون مجموعة منسجمة من الأصوات هي التي تكون أصلح للأداء الجيد.
وإلى جانب التلوين الإنساني لصوته هناك ألوان أخرى يمكن أن يلون بها الإنسان صوته عبر وسائل الاتصال الحديثة.
ففي الإذاعة استطاع الإنسان أن يستخدم صدى الصوت Echo من التلوين، فهناك أجهزة التسجيل التي لها القدرة أن تغطي هذه النغمة المميزة، كما أنها قادرة على أن تعطي الصوت علوا وانخفاضا، هذا إلى جانب المؤثرات الصوتية على اختلاف أنواعها تعطي لونا يقترب بفن الإلقاء إلى الجو الطبيعي، مثل: استخدام أصوات الطيور والحيوانات، والطائرات، إلى غير ذلك مما يعطي للإلقاء معنى يساعد المستمع على الإدراك.
стр. 179
استخدام مكبر الصوت: الميكرفون
لقد دخل مكبر الصوت حياتنا في كثير من اللقاءات والندوات، وأصبح من مستلزمات فن الإلقاء عبر الإذاعة المسموعة والمرئية، واحتاج إلى نمط خاص في الإلقاء.
فالإلقاء ِأمام: الميكرفون قد غيَّر من طبيعة الإلقاء، فالجيد منه أصبح نوعا من الهمس وأضحت جهارة الصوت ليست مقياسا للجودة، فلقد كان القدماء يقولون: مما يزيد في حسن الخطابة وجلالة موقعها، جهارة الصوت، فإنه أجل أوصاف الخطباء، ولذلك قال الشاعر:
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم
وذم شاعر آخر بعض الخطباء برِقَّة الصوت وضآلته فقال:
ومن عجب الأيام أن قمت خاطبا ... وأنت ضئيل الجسم منتفخ السحر١
فرقة الصوت وضآلته بعد أن كانت تذم قديما، صارت أمام الميكرفون ميزة من مميزات الإلقاء.
وجمال الصوت هبة من الخالق -سبحانه- تحتاج إلى الدربة والمران، حتى يأتي الصوت وقد تميز بأنه صوت رائق الجرس يتمشى مع طبيعة الإذاعة التي تقتضي المودة المتبادلة بين صوت المذيع وبين مستمعيه، ويتطلب هذا أن يكون الصوت زاخرا بأنواع المودة والمشاعر التي يكون التعبير بها في أصدق حالة بالصوت المذاع، فمكبر الصوت أكثر قدرة -دائما بالنسبة للكلام- على إبراز الجمال في الصوت الأقرب إلى
стр. 180
الانخفاض نسبيًّا على أن يتوافر معه الوضوح والنبرة الساحرة واللين والمرونة وهي المميزات التي يهبها الله تعالى للصوت الذي يتلاءم أكثر من غيره مع مكبر الصوت وكأن الميكرفون يحتويه ويترنم به متلذذًا ليودعه الأثير جرسًا عذبًا ينساب في يسر إلى أفئدة المستمعين، فالمؤدي أمام مكبر الصوت لم يعد يحتاج إلى الصياح الذي كان يلجأ إليه الممثل والخطيب من قبل.
ومن الأشياء المنفرة التي لا ينبغي أن تكون في صوت من يلقي الخشونة والحبسة واللثغة والفأفأة وغيرها من الصفات التي عابها القدماء ١ والتي لا يصلح معها الصوت للإذاعة ولا علاج لها إلا الاتجاه نحو الطبقات العالية في الصوت، والعنف في الأداء يمكن علاجه بالتدريب على الأصوات وفنون الأداء والإلقاء.
ويجب أن تكون لغة المذيع لغة سليمة واضحة لا تشوبها لهجة محلية تحول دون الفهم والإفهام، أو تباعد بينه وبين اللغة الفصحى التي ينبغي أن يستمع إليها الناس.
والنطق الواضح يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالطريقة التي يمارسها المذيع في نطق الحروف، والنطق السليم يساعد بلا شك في تيسير الفهم للمستمع.
ودراسة أصوات اللغة من صميم العمل الإذاعي أو بعبارة أخرى من مكملات النجاح الإذاعي حتى يتمكن من النطق السليم الواضح٢.
стр. 181
وأخذ المذيع نفسه على النطق والتعبير بطريقة صحيحة في الحياة اليومية خير عون له على ذلك، حتى إذا وقف أمام مكبر الصوت جاءت ألفاظه ونطقه تبعًا لما اعتاد عليه.
فالممارسة على عملية النطق السليم تحتاج إلى مرونة في التنفس، وعمق يساعده على النطق بالجمل الطويلة، يتمكن معه من الوقف بيسر بين الجمل، وأن يلتقط أنفاسه بطريقة سهلة خلال فترات الصمت بين الجمل.
والحروف المتحركة تشكل جانبًا كبيرًا من موسيقى الكلام، فيجب أن يعطى كل حرف الوقت اللازم له حتى يخرج سليمًا واضحًا، فالحروف المتحركة ليست يسيرة في النطق، وهي تخرج بطريقة مضادة لعملية الزفير، فالرئتان تميلان إلى فصلهما ولكن عضلات الفم تضطرها اضطرارًا إلى الالتحام مع غيرها من الألفاظ الساكنة.
وموهبة المتحدث تظهر في قدرته على تنظيم تنفسه وسيطرته على الهواء المندفع من الرئتين حتى يصدر من الأنف أو الفم وفقًا لطبيعة الصوت، وقليل من الناس الذين يستطيعون السيطرة على تنفسهم وإخضاعه لما يتطلبه الكلام، وذلك مثل صاحب الخط الحسن، لا فرق بين عضلات يديه من الناحية التشريحية وبين غيره إلا أنه استطاع أن يخضع عضلات يديه وحركات أصابعه لما يتطلبه الخط الحسن١.
ويستلزم المتحدث أن يدرب نفسه على طبيعة المخارج، فإن لكل مجموعة من الحروف مخارجها، فمنها ما يخرج من أسفل الحلق، ومنها ما يخرج من الحلق ومنها ما يخرج من طرف اللسان.
الاعتدال والثقة لهما دور كبير في نجاح الإلقاء أمام الميكرفون
стр. 182
فالمتحدث يحتاج إلى أن يكون معتدلا مع نفسه فالحالة المعنوية للمذيع تؤثر على صوته، ولذا يجب أن يكون معتدلا واثقًا من نفسه حين يؤدي عمله، فمكبر الصوت الإذاعي -الميكرفون- ذو حساسية وشفافية تجعل المستمع سرعان ما يكتشف اضطراب أعصاب المذيع أو المتحدث أو عدم الثقة، مما يحول دون الأداء السليم.
وقد يصرف هذا الاضطراب المستمع إلى التفكير في الطريقة التي يتكلم بها المذيع بدلا من جذب انتباهه إلى ما يقول، ومتى حدث هذا ضاع الأثر المطلوب من الكلام المذاع وضاع الهدف المرجو من عملية الاتصال.
فلا مكان على الأثير لمذيع لا يثق في نفسه وفيما يقوله للمستمعين، وإن كانت للثقة أهميتها ولكن يخشى من طغيان الشعور بالثقة والمبالغة، فطالما أدى هذا بالمذيع إلى أن يطلع على المستمعين بصوت متصايح أو أسلوب فيه التعاظم، أو أداء فيه التعالي والكبر لا ترتاح الآذان إلى سماعه ولا يستميل القلب إليه، وقد تمتد الأصابع إلى جهاز الاستقبال فتغلقه، والمقصود بالثقة أن تكون ثقة واعية محدودة بخط متوازن دقيق لا تحيد عنه، ولا تنحرف به وإنما هو سبيل إلى الأداء الجيد المتوازن، وفي إحساس واضح بهدف الرسالة التي يقوم بأدائها إلى المستمع.
الطابع الخاص يظهر واضحًا عبر الأثير، فقد اقتضت سنة الله في خلقه أن جعل لكل شخصية من الشخصيات طابعها الصوتي الخاص الذي يتميز به عن غيرها من الشخصيات، ولذا كان على الرغم من كثرة المذيعين والقارئين للقرآن العظيم فإن المستمع يمكنه أن يعرف الطابع الصوتي لكل منهم، فللمتحدثين والمذيعين شخصيات متباينة على الهواء، منهم المذيع الذي تفيض مشاعره بالإخلاص والحرارة والحيوية، ويحملك
стр. 183
على الاهتمام به كصديق لك مع أنك لم تعرفه ولم تره من قبل، ومنهم من يشعرك عند سماع صوته بأنه جارك الودود دخل عليك بيتك يسامرك، ومنهم من يلوذ بحالة الثقل فلا ترتاح لسماع صوته، ومنهم يشعرك بأنه الشخص الثقيل الظل، ومنهم من يشعرك صوته بأنه حسن المظهر وأنه صادق الطوية ومنهم من يتميز بالخشونة والقوة ومنهم من يتميز بالأناقة والنعومة، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تتكون للمتحدث في ذهن المتلقي.
فالشخصيات تختلف في الأصوات كما تختلف في صفاتها الذاتية والمهنية فقد تلقى إنسانا يتكلم معك فإذا أنت قد فوجئت بصوت لا تنتظره ١، ولا تتوقع أن تكون هذه هي شخصيته.
ولقد أوضحت جانت دانبر في كتابها الحديث الإذاعي٢ بأنها مارست في عالم الإذاعة التباين الواضح في أصوات الآدميين والمذيعين والمتحدثين بصورة ملموسة فلكل مذيع أوصاف تشكل شخصيته على الهواء.
وعلى كل مذيع أن يحدد لنفسه الطريقة التي تتلاءم مع صوته ويحس أنها خير طريقة يمكن أن يطلع على الناس بها، وإذا كان هناك برنامج يقدمه، عليه أن يختار الطريقة التي تلاءم شخصيته، فتصبح شخصية متميزة على الأثير لها مميزاتها الخاصة ولونها الفريد دون مبالغة تجنح بصاحبها بعيدًا عن الهدف المقصود وتضل طريقها إلى أفئدة المستمعين.
ومن هذا يتضح أن صوت الإنسان عبر مكبر الصوت يتخذ له لونًا خاصًا وشكلا خاصًا يعبر عن صاحبه، ولذا ينبغي أن ينظر المتحدث إلى طبيعة صوته وإلى شخصية هذا الصوت وما يعبر عنه ومدى ألفته للمستمع،
فإن لذلك أثره الواضح في إدراك المتلقي لما تقول.
стр. 184
السلوك أمام مبكر الصوت:
ينبغي على المتحدث أن يلجأ إلى جميع الوسائل التي تهيئ له الأداء الجيد الموفق، فيجلس بثبات وصدره مفتوحًا ورأسه مرفوعة وظهره مستقيمًا وهذا يهيئ للمذيع أحسن الأوضاع لإخراج الصوت كاملا في أحسن حالاته، فالصدر المفتوح يعطي هواء كافيًا يريح في الأداء، والرأس المرفوع يجعل الفم في وضع يساعد على أن يتجه بالصوت اتجاهًا مباشرًا نحو الميكرفون، والظهر المستقيم معناه استقامة العمود الفقري، وقد دلت التجارب على أن تغير نظام فقرات الظهر يؤثر في طبيعة الصوت١.
والخبرة تجعل المتحدث يعرف كيف يختار الزاوية التي تتلاءم مع صوته أمام مكبر الصوت، وكذلك انتقاء البعد الذي يتناسب هندسيًّا مع طبيعة إلقائه، وعليه أن يضع الورق بين يديه بطريقة تساعده على الانتقال من ورقة إلى أخرى دون إحداث صوت قد يحدث أثرًا في الكلام.
وخير طريقة تسلكها أمام الميكرفون أن تتذكر دائمًا أنك أمام صديق حميم يتبادل معك النجوى والمودة، وفي نفس الوقت أمام جهاز يحصي عليك الهمس واللمس والحركة البسيطة بصوت مسموع.
مكبر الصوت أو الميكرفون هو الأداة التي تحول الذبذبات الصوتية إلى ذبذبات كهربائية مشابهة لها تمامًا ونظرية الميكرفون بسيطية وأساسها أن أي جسم معدني يتحرك في مجال مغناطيسي يتولد فيه تيار كهربائي تتوقف شدته على قوة المجال المغناطيسي وعلى سرعة حركة الجسم في هذا المجال وعلى طبيعة الجسم المهتز.
ولهذا لابد من توفر شروط لكي يكون الميكرفون صالحًا لفن الإلقاء، وتجعله صالحًا للاستخدام وهذه الشروط هي:
стр. 185
ويجب أن يتجاوب الميكرفون مع الذبذبات الصوتية المتنوعة والتي تقدر من: ٥٠ سيكل، إلى: ١٥.٠٠٠، وينبغي أن يلتقطها وفق درجة معينة.
ولذا يجب أن يكون ذا حساسية قياسية معلومة بالنسبة لمقدار معين وأن تقاس الحساسية بوضع الميكرفون أمام مصدر صوتي معلوم على مسافة معلومة.
كما يجب أن يحتمل الضغوط الصوتية المتفاوتة في شدتها بين النغمات الخافتة والنغمات العالية بدون أن يحدث فيها تشويه وبالنسبة لمسافة معينة.
وأن تكون خواصه الالتقاطية معلومة حتى يسهل استخدامه.
ويجب ألا يشوه الموجات التي يلتقطها أي: ينقلها بأمانة وصدق أي يحولها إلى موجات كهربائية مشابهة لها تمامًا.
ويجب ألا يتأثر بالظواهر الجوية.
وينبغي أن يكون سهل التركيب خفيف الوزن.
ويجب ألا يكون به اضطرابات داخلية ناشئة من تركيبه.
أنواع مكبرات الصوت:
وتتعدد أنواع المكبرات الصوتية وفقًا لتعدد أغرضاها والهدف من استخدامها وهي تنقسم إلى:
الميكرفون الشريطي أو ميكرفون السرعة، وهو متجاوب وحساس مع الذبذبات العالية.
الميكرفون الديناميكي أو ميكرفون الضغط، وهو لا يتجاوب مع الذبذبات المنخفضة بل العالية.
стр. 186
الميكرفون القلبي، وهو يجمع ما بين الاثنين يعطي صورة صوتية للمكان.
وهذا التعدد يضع فرصة لاختيار ما يتناسب وطبيعة الصوت وطبيعة المكان، ووضع المتحدث أمام الميكرفون. ويعمل الآن مهندس الصوت على اختيار أحس هذه الأنواع لكي تتلاءم مع طبيعة الإلقاء الجيد، ويتناسب مع من يتحدث أمام مكبر الصوت.
стр. 187
اللغة المنطوقة والمكتوبة
لغة الكتابة تختلف عن اللغة المنطوقة اختلافًا بينًا، فعندما نخط هذه اللغة على الورق فإنما نخطها على أسطر مستقيمة، وقد تلون بأسطر بارزة أو أحرف كبيرة أو ملونة، ومهما كان الأمر فهذه الكتابة هي أسطر تتقطع إلى وحدات متفرقة تسمى الكلمات، وهذه الكلمات والحروف التي تتكون منها الكلمات، وعلامات الترقيم التي تفصل بين الفقرات التي تضم مجموعة من الجمل، والفقرات هي في الحقيقة رموز بصرية للتعبير عن الأصوات المنطوقة.
فاللغة التي نتعلمها في مدارسنا وجامعاتنا تهتم بالجانب المكتوب، وتعطي الاهتمام الكبير له دون عناية بالجانب المنطوق أو صلته بالجانب المكتوب.
وفن الإلقاء كما أنه يعتمد على الارتجال يعتمد كذلك على قراءة الكلمات المكتوبة، وهنا نسأل هل الكلمات المنطوقة تعبر تعبيرًا وافيًا في ذاتها يعين على الأداء السليم؟
والحقيقة أن اللغة المكتوبة تختلف عن اللغة المنطوقة من ناحية الكم، ففي اللغة العربية نجد أن الأصوات المنطوقة أكثر من الأحرف
стр. 188
المكتوبة وتلك ظاهرة عامة في كل اللغات.
ففندرس يقول: لسنا في حاجة إلى القول بأننا لا نستطيع إحصاء الأصوات في لغة ما، بعدد الحروف الموجودة في أبجديتها، فكل لغة فيها من الأصوات، أكثر مما في كتابتها من العلامات، تلك حال الفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية١.
فحين النطق بحروف اللغة نجد أن الكتابة وسيلة ناقصة لتسجيل أصوات اللغة ويرجع هذا النقص في أن الأبجديات المختلفة قد قامت على أساس الرمز لكل فونيم برمز كتابي معين يدل على جميع أفراد عائلة الفونيم. ولم تخصص هذه الأبجديات رموزًا معينة لفروع الفونيمات المتعددة وهذه إحدى عيوب تسجيل اللغة بالكتابة٢.
ومن ناحية الدلالة يرى علماء اللغة أن الكتابة لا يمكن أن تستقل بأداء الدلالة الكاملة للقيم الصوتية المعبرة عنها في لغة ما، بل لابد من اللجوء إلى القرائن الأخرى لتحديد المقصود بالرموز المكتوبة والتعود عليها حتى يزال ما يشوبها من غموض.
ويرفض: دوسوسور، شهادة الكتابة على الواقع اللغوي، ويرى أن الكتابة العرفية كثيرًا ما تقود إلى الخطأ والضلال، وأنه لا يعصم من هذا الضلال إلا أن تكون الكتابة مفسرة، ومحددًا المراد منها بواسطة ما قدمه المعاصرون لها من شروح وأوصاف٣.
ولهذا لابد من اللجوء إلى القرائن الأخرى لتحديد المقصود
стр. 189
بالرمز الكتابي، وإزالة ما يمكن أن يحدثه من غموض، إذن فانطباق الرمز الكتابي على الرمز الصوتي أمل كبير لكل متحدث باللغة متى يجد القارئ بين يديه وسيلة من رموز كتابية تنفي كل غموض، ولكن الرموز الكتابية غير كافية لأدائها من واقع الكتابة.
ولابد من اتخاذ بعض المواقف في مواجهة الصيغ المكتوبة والتعود على طريقتها حتى يمكن أن تقرأها قراءة صحيحة وتُؤدى الأداء السليم.
فنحن نقرأ بطريقتين:
١- الكلمة الجديدة أو قليلة الاستعمال يتهجاها القارئ حرفًا بعد حرف حتى يمكن نطقها نطقًا سليمًا.
٢- الكلمة المألوفة المستعملة يدركها القارئ من أول وهلة بصرف النظر عن الحروف التي تتألف منها.
ولهذا لابد من أن يتعود الإنسان على الرموز الكتابية، ومن ذلك رسم المصحف قد نجده يختلف عن الرسم الحديث، ومن هنا قد نجد صعوبة في نطق بعض الكلمات مثل الصلاة: الصلوة، والزكاة: الزكوة، مما يجعل من الصعب أداؤها من واقع الكتابة أداء صحيحًا ولابد من التلقي من فم القارئ وكذلك الكلمات: الحيوة، أي: الحياة، يبنؤم أي: يا ابن أم.
وقد تختلف الكلمة المكتوبة في شكلها باختلاف علاقاتها بما بعدها مثل الأفعال المعتلة بالألف مثل: رمى، سعى، يسعى، يخشى. والكلمات مثل: ذكرى، صغرى، كبرى، ترسم جميعها بالياء وإن كانت تنطق بالألف.
стр. 190
وإذا اتصلت بضمير مضاف أو مفعول به رسمت بالألف مثل رماه يخشاه، ذكراه، بل إن هناك كلمات لا تساعدنا الحروف المكتوبة بها على نطقها النطق السليم، مثل: يس، طه، عمرو.
فمعرفتنا برموز الكتابة لا تساعد في بعض الأحيان على تهجيها والعكس صحيح، فإن تهجيها وسماعها يساعد على نطقها، والأمثلة في اللغات العالمية أكثرمن أن تحصي، ففي اللغة الإنجليزية مثل: The teacher وغيرهما مما تنطق بخلاف ما تدل عليه الحروف الكتابية، وكذلك حرف C مثل مدينة City، ويستطيع Can فإنه ينطق بطريقتين.
كذلك عجز الكتابة عن تسجيل الظواهر النطقية العامة مثل:
١- النبر وما يحمل من دلالات لها أثرها على المعنى المراد.
٢- والتنغيم من حالات الإنكار والاستفهام والنفي والتحسر، إلى غير ذلك، مما له دلالات مباشرة في الإلقاء.
٣- وكذلك التعبير عن الحالة الاجتماعية والفكرية والنفسية, وغيرها، فإن النطق بها يستطيع توضيحها بطريقة تعجز عنها الكتابة.
خصائص الكلمة المنطوقة:
الكلمة المنطوقة لها خصائص تختلف عن الكلمة المكتوبة، وهذه الخصائص لها أثرها في طبيعة المادة المراد إلقاؤها، بل يتوقف عليها الجزء الكبير لنجاح عملية الإلقاء في حد ذاتها، ومن الواضح أن الكلمة تخضع لمفاهيم كثيرة وذلك حسب نوعيتها واللغة التي كتبت بها، فهناك نوعيات شعرية تختلف وطبيعة كلماتها عن الشعر الحماسي مثلا أو العاطفي أو الغزل، وكلا منها يحتاج إلى نبرات خاصة وطريقة أداء
стр. 191
معينة، ولكي يتم ذلك لابد أن نتناول خصائص الكلمة المنطوقة التي تمثل الجزء الكبير لفن الإلقاء.
وأولى الخصائص التي تتميز بها الكلمة المنطوقة وهي درجة الوضوح، ذلك لأن وضوح الكلمة في النص المكتوب ينبغي أن يكون وفق مفاهيم مقصودة من قبل الكاتب ومن يقوم بإلقائه، وأن تكون سهلة مفهومة غير مبهمة، وأن تكون بعيدة عن اللغة العامية، قريبة من تداولنا ومفهومنا لها، ذلك حتى تصل بينة فلا تحتاج إلى أمور أخرى توضيحية.
ووضوح الكلمة أيضًا يتطلب أن تكون الألفاظ واضحة بينةً وليست بغريبة في الاستعمال، كما أن تكون الألفاظ حلوة في الفم سهلة على النطق غير مستثقلة ولا مستكرهة.
وأن تكون كل لفظة من الألفاظ في النص المقروء ملائمة لأختها التي تليها غير نافرة عنها ولا مباينة لها، كما أنه لا يكون في الألفاظ تقديم أو تأخير يستغلق به المعنى، فيجئ نظم الكلام في الإلقاء مضطربًا.
وينبغي الحرص على الأوصاف المتعلقة بالألفاظ الفصيحة والتي متى عري الكلام المنظوم والمنثور منها لم يكن فصيحًا، وإن عري عن شيء منها نقص منه جزء من الفصاحة.
فالوضوح يقوم بدور الإفهام والتفهم، والمعنى الجيد قد يكون جيدًا في ذاته قويًا لكن إذا وضع في أسلوب غامض أو ضعيف أو سمج لم يستطع الناس إدراكه على اختلاف مداركهم، فالوضوح من أهم عناصر أسلوب فن الإلقاء عمومًا.
وفن الإلقاء يتطلب الكلمة ذات الوضوح المتسلسل تسلسلا منطقيًّا،
стр. 192
فتوضع المقدمات قبل النتائج والمعاني الأساسية قبل المعاني الفرعية، على أن تؤدي بعضها إلى بعض، حتى لا يكون بينها فجوات، تضطر إلى عناء في استيعابها فحسن تأليف الكلام يزيد المعنى وضوحًا.
والتفاضل بين البلغاء إنما يكون بالتفاضل في توضيح المعاني على حسب وضوحها في أذهانهم وكلام يُعد أبلغ من كلام إذا كان واضحًا في المعنى وأجلى في البيان.
ومن أهم الخصائص التي تتميز بها الكلمة في فن الإلقاء هي الإيجاز:
إن اختيار الكلمات المناسبة التي تحوي المعاني العديدة جدير بأن تكون عنوانًا على النصوص الجيدة للكلمة المقروءة، والتي يأتي الإيجاز فيها بصورة لا تتعارض مع المعاني، وإلا يكون الترادف سبيلا إلى ملل المستمع، فالإيجاز مطلوب للمعاني الكبيرة المتناسقة في الألفاظ المعبرة تعبيرًا ملائمًا عنها في جمل قصيرة تتلائم مع طاقة الأذن.
فالجمل القصيرة أفضل بكثير من الجمل الطويلة، فالمستمع يستوعب الجملة القصيرة بسهولة إذا صيغت صياغة وافية بالغرض، والجمل الطويلة المعقدة تسبب ارتباكًا أكثر للمستمع عمومًا.
وإذا جاءت الجمل الطويلة فيبنغي أن تقسم إلى جمل قصيرة باستخدام أدوات الربط مع إدراك أن التنوع في طول الجملة له أهميته في دفع الملل عن المستمع.
ومن أهم الخصائص التي تتميز بها الكلمة في فن الإلقاء هي صدق الكلمة:
إن صدق الكلمة ينفذ إلى القلوب وليس إلى الأسماع
стр. 193
فقط، إننا في حاجة إلى الكلمة الصادقة، والحقيقة التي تدخل نفوسنا لها اعتبارات تتعلق بالناحية النفسية، وتريحها من عناء التفكير الطويل في إدراك الأمور على طبيعتها بصدق وأمانة.
الكاتب يجب أن يضع نصوصه بأمانة وإحساس صادق فالصدق في الكلمة يعين كل إنسان يلجأ إلى الأسلوب الناجح في فن الإلقاء، حيث يحتاج كلمة الصدق؛ لتتفتح إليها قلوب وأذهان من حوله ويصغي إليه في شغف.
ويعتبر الصدق من أهم المعايير التي يقاس به نجاح العمل الإعلامي، ويبرز الصدق في قالبه الإيجابي إذا ما توافرت الثقة بين الإلقاء ومستقبليه.
كما أن إلقاء الكلمة يختلف وفق اختلاف أجناس الكلام، فإلقاء الشعر غير إلقاء النثر، ولذا ينبعي أن نتعرف على كيفية إلقاء الشعر.
стр. 194
الفصل السابع: إلقاء الشعر إلقاء الشاعر قصيدته
مدخل
...
الفصل السابع: إلقاء الشعر إلقاء الشاعر قصيدته
عذوبة النغم
النبر في الشعر
القافية
стр. 195
إلقاء الشعر
عرف إلقاء الشعر باسم الإنشاد، فالشعر العربي كان يُنشد في أسواق الجاهلية، ويطرب له السامعون وتهتز القلوب له، وظل كذلك في العصور الإسلامية؛ فلقد عرفوا للإنشاد قدره فتنافسوا فيه، وظلوا ينشدون أشعارهم حتى يومنا هذا.
والنشيد في اللغة: رفع الصوت، ذلك لما فيه من قوة وحماس حين كان ينشد الشاعر قصيدته مفاخرا أو مادحا.
والنشيد في اللغة: هو أيضا الشعر المتناشد بين القوم، وجمعه أناشيد.
واستنشد شعرًا: طُلِب منه إنشاده، فأنشده إياه، ونشد الشعر: قرأه، ونشد بهم: هجاهم، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضا١.
وإلقاء الشعر أعم من إنشاده، فالشعر تتعدد موضوعاته وتتنوع أغراضه، فمنها ما يحتاج إلى الإنشاد ورفع الصوت في موضوعات الفخر والحماس والمدح، ومنها ما يحتاج إلى نغم صوتي يساير
стр. 196
موضوعاته الإنسانية المتعددة من وصف وتعبير عن المشاعر والأحاسيس التي تتطلب نوعًا معينًا من الإلقاء يتمشى مع طبيعة المعنى وطبيعة الموسيقى اللفظية.
واستعمال كلمة الإنشاد نراها واضحة في كتب القدماء وبعض المحدثين؛ للتعبير عن إلقاء في الشعر بكافة أنواعه، وأصبحت دليلا على ذلك.
ولكن حين تنظر إلى مدلول كلمة: نشيد، وتطورها فسنجد أن المنشد من يؤدي الشعر بتلحين وحسن إيقاع، والنشيد: الصوت ورفعه مع تلحين، والأنشودة: قطعة من الشعر أو الزجل في موضوع حماس وطني، تنشده جماعة من المنشدين أو القوم في إيقاع واحد، والجمع: أناشيد١.
وإن كان الإنشاد للشعر قد يصحبه تلحين وحسن إيقاع، إلا أننا لابد أن نفرق بين الإنشاد والغناء.
والإنشاد غير الغناء، فلم يكن الغناء من عمل الشاعر ولا مما يقوم به الشاعر، وكان الشاعر يأنف أن يجلس مجلس المغنى وإنما كان يترك ذلك للجواري والقيان المغنيين.
واستمر استقلال الإنشاد عن الغناء في العصور الإسلامية، فالشعراء ينشدون والمغنون يغنون، ويكفي أن ننظر إلى كتاب: الأغاني، لأبي فرج الأصفهاني، وما جاء فيه؛ لندرك الفصل بين صنعة الشعر وإنشاده، وبين غنائه على أحد الأصوات أو الألحان المعروفة، فقد روى صاحب الأغاني المقطوعة الشعرية وكيف كان لها طريقتان في غنائها، وتنسب كل طريقة إلى مغنٍ يقوم بأدائها٢.
стр. 197
إلقاء الشعر قصيدته
الأصل في الشعر أن يلقي الشاعر شعره بنفسه إذا لم يكن هناك سبب يمنعه من ذلك؛ لأن القصيدة قطعة من الشاعر وصورة نفسه وقيض وجدانه وإحساسه ورسم تجربته.
وتروي لنا كتب الأدب أن إلقاء الشعر يحتاج من الشاعر أن يحتفل له بما يجعله أنيقا في العيون، مهيبا في الصدور، جليلا في الأسماع؛ ليلفت إليه المستمع حسًّا ومعنى، وظاهرا وباطنا؛ وليعطفهم عليه، ويدفع سأمهم منه.
دخل العماني الراجز على هارون الرشيد؛ لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج.
فقال له الرشيد: يا عماني، إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة وخفان دلقمان.
ودخل أبو تمام على المأمون في زي أعرابي فأنشده قصيدته التي أولها:
دِمَنٌ أَلَمَّ بِها فَقالَ سَلامُ ... كَم حَلَّ عُقدَةَ صَبرِهِ الإِلمامُ
فجعل المأمون يتعجب من غريب ما يأتي به من المعاني، ويقول ليس هذا من معاني الأعراب؟
فلما انتهى إلى قوله:
هُنَّ الحَمامُ فَإِن كَسَرتَ عِيافَةً ... مِن حائِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ حِمامُ
стр. 198
فقال المأمون: الله أكبر كنت يا هذا قد خلطت على الأمر منذ اليوم وكنت حسبتك بدويا، ثم تأملت شعرك، فإذا هو من معاني المتحضرين، وإذا أنت منهم.
وحين بلغ أبا تمام نَعْيُ محمد بن حميد الطوسي، غمس طرف ردائه في مداد، ثم ضرب به كتفيه وصدره، وأنشد قصيدته المشهورة، التي تعد من أمهات قصائد الرثاء والتي مطلعها:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
وهذا يدل على إدراك الشعراء لطبيعة الموقف، وما يحتاجه الإلقاء من تهييء خاص يناسب المقام، فالرثاء له موقف وهيئة بل إن الخلفاء كان يروقهم أن يقف المنشدون أمامهم في بزة شائقة، وهيئة حسنة، وأن لباس الأعراب كان محببا إليهم، أثيرا لديهم، كما كان أثيرا لدى الشعراء أنفسهم١.
وكان شاعر البادية الشيخ محمد عبد المطلب، كثيرا ما يشند شعره في المحافل وقد لبس: الكوفية والعقال تذكيرا بأسلافنا الأُوَل، فكان ذلك يزيد في هيبته ويجعله ملء البصائر والأبصار٢.
عادة الشعراء:
للشعراء عادات في إلقائهم عُرفوا بها قديما وحديثا، وكانت تلازمهم: فالخنساء كانت تهتز في مشيتها وتنظر في أعطافها، وصنعت ذلك حين أنشدت قصيدتها الرائية التي تقول فيها:
وَإِنَّ صَخراً لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ
стр. 199
ووَإِنَّ صَخراً لَمَولَانا وَسَيِّدُنا ... وَإِنَّ صَخراً إِذا نَشتو لَنَحّارُ
وكان أبو النجم العجلي- إذا أنشد- أزيد ورمي بثيابه، وكان بشار إذا أراد الإنشاد: صفق بيديه، وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب، وكان الطرماح بن حكيم لا ينشد إلا جالسا، وكان الفرزدق يتكبر أن ينشد قائما، قال أبو عبيدة: كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء والأمراء إلا قاعدا. وكان البحتري رديء الإنشاد، قبيح الحركات، وكان إذا أنشد يختال ويعجب بما يأتي به، وكان من عادته إذا فرغ من القصيدة، أن يعيد البيت، وقد يعيد بيتين من أول القصيدة ١.
وليس كل من ينشئ الشعر، يحسن إلقاءه، فبعض الشعراء يحسنون إلقاءه كما يحسنون نظم القصيدة، فيزيد شعرهم حسنا وجودة، ويكتسي ملاحة وحلاوة، وتتضاعف منزلته حين ينشده.
يقول البارودي يصف شعره وهو ينشده بنفسه:
يَزِيدُ عَلَى الإِنْشَادِ حُسْنَاً كَأَنَّنِي ... نَفَثْتُ بِهِ سِحْرَاً وَلَيْسَ بِهِ سِحْرُ
وبعضهم يجيء شعره وسطا، ولكن بجودة إلقائه، فيرتفع شعره إلى الذروة في نفوس مستمعيه ويفوق غيره ممن هم أقوى منه مبنى، وأجمل معنى، وألطف خيالا، ويظفر من التصفيق والاستحسان بنصيب كبير، وما ذلك إلا نتيجة جودة إلقائه.
وعرف في كل عصر من عصور الشعر شعراء يجيدون إلقاء شعرهم، ومن هؤلاء: أعشى قيس، وقد لقب بصنَّاجة العرب، وقد
стр. 200
اختلفوا في تعليل هذه التسمية فقيل: كان يتغنى بشعره، أو لكثرة ما غنت العرب في شعره أو لجودة شعره ولحسن إلقائه، وقد كانت العرب تقول لمن أجاد إلقاء الشعر: هو صناجة الشعر، وقد عرف في العصر الأموي بحسن الإنشاد: وضاح اليمن، وقد كان من أجمل الناس وجها، وأطرفهم وأخفهم شعرا، وقال الفرزدق لعباد بن العنبري: انشادك يزين الشعر في فهمي.
شعراء لا يلقون أشعارهم:
إن كان الأصل أن يلقي الشاعر شعره إلا أن المتأمل في أخبار الشعراء يجد أنه لم يخلُ عصر من شعراء نابهين مجودين في كتابة الشعر، ولكنهم قعدوا عن إنشاد شعرهم لسبب ما: كآفة لسانية أوكبر في السن، أو الحياء، أو غير ذلك، ومن هؤلاء الشعراء: أبو عطاء السندي١، وكانت في لسانه عجمة شديدة، ولثغة جعلتاه لا يكاد يُبِين، وكان الكُمَيت طويلا أصم، ولم يكن حسن الصوت، ولا جيد الإنشاد، فكان إذا استنشده إنسان، أمر ابنه: المستهل، فأنشد بدله٢.
وكانت في أبي تمام حبسة شديدة وتمتمة، وقد حدث أنه امتدح أبا دلف العجلي، وكان في المجلس من يكره أبا تمام، فلما افتتح قصيدته المشهورة:
عَلى مِثلِها مِن أَربُعٍ وَمَلاعِبِ ... أُذيلَت مَصوناتُ الدُموعِ السَواكِبِ
قال الرجل: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فدهش أبو تمام،
стр. 201
واستمر ينشد بنفسه، ثم ترك الإنشاد لهذه الآفة، فكان أخوه سهم ينشد نيابة عنه.
وكان أحمد شوقي لا ينشد شعره بنفسه، فكان ينوب عنه في إنشاده بعض من يحسن الإنشاد مثل: كامل الشناوي، من رجال الآداب والصحافة، وكامل زيتون، من رجال التربية والتعليم.
إلقاء الشعر من غير قائله:
إذا كان ملقي الشعر غير القائل له، فعليه أن يلبس نَفْسَ الشاعر، ويحمل مشاعره ويتشرب عواطفه وينغمس في تجاربه، حتى يصير كأنه هو، والإنسان فيه قدرة عجيبة على أن يتقمص روح غيره، ويترجم عن وجدانه، وينطق عن لسانه.
والإلقاء الجيد له أثره في نفوس السامعين؛ إذ يسمو بالشعر إلى أرقى الدرجات، كما أن سوء الإلقاء قد يخفض من قدر الشعر الجيد؛ لأن الإلقاء عنصر من عناصر الجمال في الشعر، لا يقل أهمية عن ألفاظه ومعانيه وأخيلته.
فالشعر تشعر به النفوس ويتغنى به الناس في أعمالهم ومحافلهم، ويرونه فيما بينهم، وفي هذا يقول المتنبي:
وَمَا الشِّعْرُ إِلا مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدِي ... إذَا قُلْتُ شِعْرًا أَصْبحَ الدَّهرُ مُنْشِدًا
فَسَارَ بِه مَنْ لا يَسِيرُ مُشَمّرًا ... وغَنَّى بِه مَنْ لا يُغَنِّي مُغَرِّدًا
стр. 202
عذوبة النغم
إلقاء الشعر يتطلب الإحساس بما في الشعر من موسيقى تنبع من الوزن، فللوزن قيمة كبرى في الشعر حتى عد أهم فارق بينه وبين النثر، والشعر يحلو بالموسيقى الجيدة، ويضعف شأنه إذا كانت موسيقاه غير جيدة؛ فلابد من الإحساس بنوع الموسيقى الشعرية وتنوعها ووجه ارتباطها بالمعنى حين تلقى قصيدة ما.
وجه الشبه بين الشعر والموسيقى يتجلى في: أن كلا من الموسيقى والأوزان الشعرية تتنوع أنواعًا أربعة: فالصوت يختلف عن الصوت بالطول والقصر، وأنه غليظ أو رقيق، وأنه مرتفع أو منخفض، وأنه يختلف باختلاف مصدر الصوت كعود أو قانون أو كمان، وكأوتار العود المختلفة وهذه الاختلافات الأربعة يمكن أن نراعيها في الشعر فمن النوع الأول اختلاف التفاعيل والبحور طولا وقصرًا، والحركات السكنات في متفاعلن أطول منها في مستفعلن؛ فالطويل أطول في التفاعيل من الهزج مثلا، وهذا الاختلاف له تأثير في الأذن الموسيقية والرقة ممكن أن تقابلهما بما في الشعر من حروف ضخمة، وتراكيب قوية أو حروف لينة رخوة وتراكيب ناعمة، ونرى الشعر من جهة ثالثة منه ما يتناسب مع الهدوء والسكينة، ويناسبه إنشاده في هدوء ورقة، كشعر الغزل ونحوه، ومنه ما يناسبه الشدة والبطش كشعر الحماسة، ومن ناحية رابعة نلاحظ في الموسيقى أن النغمة الواحدة إذا وقعت على الكمان ثم وقعت بنفسها على البيان كانت النغمتان مختلفتين أو على الأقل لكل
стр. 203
منها طعم غير طعم الأخرى، وهذا يقابله في الشعر القافية، فالقصيدتان قد تكونان في موضوع واحد ومن بحر واحد، ولكنهما تختلفان في القافية، فتختلفان في درلجة التأثير، وكذلك أنواع المحسنات البديعية، فنوع من البديع يكون ذا أثر أكثر من نوع آخر وهكذا ١.
ومما يزيد في حسن الشعر ويمكِّن له حلاوة في الصدر حلاوة النغمة٢، بل إنها مما يضفي على إلقاء الشعر أناقة وبراعة وطرافة، فعذوبة النغم لابد من مراعاتها ليزداد بها الشعر حسنًا في حال إنشاده كما أنها تضفي على الإنشاد نفسه أناقة وبراعة وطرافة، فتتلقاه النفوس، وتنشرح له الصدور والعواطف والوجدان وتحس له بشاشة وحلاوة، بفضل ما فيه من نغم حلو.
وللشعر نواحٍ عدة للجمال أسرعها إلى نفوسنا ما فيه من جرس الألفاظ وانسجام في توالي المقاطع وتردد بعضها بعد قدر معين منها، وكل هذا هو ما نسميه بموسيقى الشعر٣، ومن المعروف أن لجرس الألفاظ ضوابط ينبغي أن يحافظ عليها من يلقي قصيدة من الشعر حتى تطرب الأسماع وتوافق المقاطع في نسجه وفي معناه.
وإذا سيطر النغم الشعري على السامع وجدنا إحساسًا مماثلا عنه وانفعالا في صورة البهجة أو الحزن أو الحماس وقد يصحب ذلك هزات جسمانية لإنشاد الشعر وسماعه، وقد تكون هزات جسمانية معبرة ومنتظمة.
стр. 204
الصوت المسموع:
القراءة بصوت مسموع تساعد على إدراك النغمة الموسيقية في الشعر وتساعد على التدريب على الإلقاء وتساعد على قرض الشعر، والأداء السليم له؛ وذلك لأن القارئ الآخذ بحظ من الآداب لا تكاد تمتعه قراءة الشعر إلا بصوت مسموع؛ ليشرك أذنه مع قلبه في هذه البهجة الفائقة، على أن الشاعر كما أعرف من تجاربي وتجارب غيري -إذا استعصى عليه الاسترسال في قرض الشعر- شرع في التغني والترنم، فسرعان ما تهتز نفسه من داخلها فيتدفق عليه القول١.
والكلام الموزون ذو النغم الموسيقي يثير فينا انتباها عجيبًا وذلك لما فيه من توقع لمقاطع خاصة تنسجم مع ما نسمع من مقاطع لتتكون منها تلك السلسلة المتصلة الحلقات التي لا تنبو إحدى حلقاتها عن مقاييس الأخرى، والتي تنتهي بعد عدد معين من المقاطع بأصوات بعينها نسميها القافية، فهي كالعقد المنظوم تتخذ الخرزة من خرزاته في موضع ما، شكل خاصًّا وحجمًا خاصًّا ولونًا خاصًّا، فإذا اختلفت في شيء من هذا أصبحت نابية غير منسجمة مع نظام هذا العقد٢.
الشعر يثير المشاعر:
وعلى من يلقي الشعر أن يتذكر أن الشعر بما فيه من خصائص بأوزانه وقوافيه، وبما يتخيرون من ألفاظ تكون أثبت على إثارة المشاعر، وكذلك حين نضعها في قوالب خاصة نميزها من القوالب العديدة والتراكيب اللغوية المختلفة.
стр. 205
لأن الشعر يخاطب العواطف مباشرة؛ وذلك لما عند الشاعر من قوة إلهام، وقد يشمل الكلام المنثور على نوع من الموسيقى نشعر بعه عند الإلقاء من توالي النغمات الصوتية المتجانسة تنتهي بها فقرات تعرف بالسجع، وخاصة عندما يلتزم فيها طول معين متتابع، ولكن هذا النوع من الموسيقى يكاد يكون محدودًا في النثر إذا قيس بما يوجد في الشعر، إذ إن موسيقى الشعر من أرق الصور الموسيقية للكلام، ونظامها لا يمكن الخروج عنه حتى يأتي في نظام من التراكيب منجسم الأجزاء.
بما أن الشعر هو الكلام الموزون المقفى المعبر عن الأخيلة البديعية الصور المؤثرة البليغة، وهو أيضًا يخاطب الوجدان، لذلك فإنه يحتاج إلى إلقاء خاص يميزه عن غيره من الإلقاءات.
وإلقاء الشعر بطبيعته يحتاج إلى ملقٍ متمرس، ولابد له من أن يفهم معنى القصيدة كاملا ويحيط برويها وبحرها وكلماتهاومفرداتها ومعانيها، بمعنى أنه يجب على من يلقي الشعر أن يكون ملمًّا بفهم القصيدة والمناسبة التي ألقيت فيها، فالشعر تختلف معانيه، فإلقاء القصيدة في الرثاء على خلاف إلقاء قصيدة في الحكمة والنظر إلى هاتين القصيدتين كدليلين على ذلك، يقول البارودي في رثاء زوجته:
يا دَهْرُ فِيمَ فَجَعْتَنِي بِحَلِيلَةٍ ... كَانَتْ خُلاصَةَ عُدَّتِي وَعَتَادِي
إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرْحَمْ ضَنَايَ لِبُعْدِهَا ... أَفَلا رَحِمْتَ مِنَ الأَسى أَوْلادِي
ولننظر أيضًا إلى قصيدة أبي العلاء المعري التي يقول فيها:
стр. 206
صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْ ... بَ فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ
خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ ال ... أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ
وقَبيحٌ بنَا وإنْ قَدُمَ العَهْ ... دُ هَوَانُ الآبَاءِ والأجْدادِ
ولو نظرنا إلى هذه القصيدة في الغزل:
وَدَّعَ الصَبرَ مُحِبٌّ وَدَّعَك ... ذائِعٌ مِن سِرِّهِ ما اِستَودَعَك
يا أَخا البَدرِ سَناءً وَسَناً ... رَحِمَ اللَهُ زَماناً أَطلَعَك
إِن يَطُل بَعدَكَ لَيلي فَلَكَم ... بِتُّ أَشكو قِصَرَ اللَيلِ مَعَك
فالشعر بطبيعته يختلف في إلقائه وذلك حسب ما تمثله مناسبة القصيدة وحسب ما تحمله من العبارات والجمل والأخيلة والصور البديعية التي تضفي على القصيدة ثوبًا من الجمال، ويزيد جمالها لو ألقاها أحد الملقين المتمرسين وأعطاها حق إلقائها من النبر والوقف والتقطيع وراعى في كل أبياتها حركة حرف الروي.
وتختلف النغمة الموسيقية في الإنشاد وفقًا لاختلاف المعنى، فالاستفهام له نغمة تختلف عن نغمة التعجب وكذلك الإنكار، فإلقاء الشعر يراعى فيه المعنى، بل ينبغي أن تكيف النغمة وفقًا لطبعية المعنى في البيت الواحد أو في مجموعة من الأبيات، وينبغي أن ينوع في صعود النغمة وهبوطها حتى ينتهي المعنى وقد هبط الصوت إشعارًا بانتهاء المعنى، وقد تقسم القصائد إلى مقاطع كل مقطع يشمل على مجموعة من الأبيات يمكن أن تستقل كل منها بمعنى، وقد يتكون المقطع من بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، وينشد الملقي المقطع وفق النغمة التي تؤدي المعنى حتى نهاية المقطع ويتوقف عن الإلقاء قليلا ليوحي للسامع أن المعنى قد انتهى، فتستريح أذنه لتنتبه إلى المعنى الثاني للمقطع
стр. 207
الذي يليه، وقد يحتاج المعنى الواحد في المقطع إلى التنوع في النغم والهبوط والصعود بالصوت وفقًا للمعنى المراد، كما أن الشعر ينقسم إلى شعر قصصي، وشعر تمثيلي، وشعر غنائي، وشعر تعليمي، وشعر الطبيعة، وشعر الإنسانية.
وفي كل هذه الأقسام يجب أن تكون هناك ملاءمة به بين الفكرة والتعبير عنها، فإلقاء كل قسم من هذه الأقسام يتميز بما يناسبه من الأداء الذي يتمشى مع الفكرة وما يراد منها.
стр. 208
النبر في الشعر
نبر الشعر يخضع لنفس القواعد التي يخضع لها النثر، غير أنه حين تلقي الشعر تزيد من الضغط على المقاطع المنبورة، وبذلك يطول زمن النطق بالبيت من الشعر فالمرء عادة يستغرق في إنشاد بيت من البحر الطويل ما يقرب من عشر ثوانٍ، في حين أنه إذا قرأه كما يقرأ النثير ينقص هذا الزمن إلى ما يقرب من ثلثه أو نصفه، ويظهر طول المقطع المنبور في الشعر عنه في النثر بصورة أوضح إذا اشتمل على حرف مد، ففي قول المتنبي:
بادٍ هَواكَ صَبَرتَ أَم لَم تَصبِرا ... وَبُكاكَ إِن لَم يَجرِ دَمعُكَ أَو جَرى
نلحظ أننا عند إنشاد هذا البيت، نطيل ألف المد في كلمات
стр. 209
باد، وهواك، وبكاك، وهي في كل كلمة من هذه الكلمات موضع النبر أكثر من قدرها حين تقع في كلام منثور أو حين يقرأ البيت كما يقرأ النثر١.
الصنعة الشعرية:
والإحساس بالصنعة الشعرية تعين على الإلقاء الجيد والأداء الواعي لطبيعة هذا الفن وما فيه من صناعة ينبغي إظهارها، وتشمل الصنعة الشعرية الوزن والقافية والأسلوب الشعري.
فالوزن في الشعر العربي هو ما يسمى بالبحور، ونظام المقاطع وتتابعها وترتيبها هو ما يسمى بالتفاعيل، وللوزن علاقة كبيرة بالموضوع، فمن الموضوعات ما يناسبه البحر الطويل، ومنها ما يناسبه البحر الخفيف وهكذا.
أما القافية فعامل له أثره في الشعر فهي تزيد في موسيقاه ولذلك تزيد النغمة فيه، إن الشاعر يخاطب مباشرة المشاعر التي في نفوسنا، وإن استمتاعنا الحقيقي بالشعر يتوقف على حدة إدراكنا الخيالي واستجابتنا للعاطفة الشعرية، وإدراكنا لما فيه من صنعة تكمن في التصريع وحسن المطلع والمقطع.
التصريع في قصائد الإنشاد:
يقع التصريع في أثناء القصيدة بعد التصريع في أولها وهو دليل على قدرة الشاعر وسعة بحره وقوة طبعه، وأكثر الشعراء ولوعًا بذلك امرؤ القيس الذي قال:
стр. 210
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِل ... بِسِقطِ اللِّوى بَينَ الدَّخولِ فَحَومَلِ
ثم قال:
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَّويلُ أَلا اِنجَلي ... بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ
والتصريع في حقيقة ليس إلا ضرب من الموازنة والتعادل بين العروض والضرب يتولد منه جرس موسيقى.
وهو لذلك من أمس الحلى البديعية بالشعر، وأقربها إليه نسبيًّا وأوثقها به صلة وإنك لتهش لقول المتنبي إذا يقول:
مَغاني الشَّعبِ طيبًا في المَغاني ... بِمَنزِلَةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَمانِ
فهذا التصريع الذي يشبه مقدمة موسيقية خفيفة قصيرة تلهب إحساسنا وتهيئنا لاستماع قصيدته وتدلنا على القافية التي اختارها، وتدل على براعة المطلع، وبراعة الاستهلال وقد كان ابن العميد يقول: إن حسن الشعر في المطلع والمقطع.
حسن المطلع:
فأما حسن الابتداء، فهو أول ما يقرع أذن السامع، فينشرح له صدره وتهتز له نفسه ويشعر له بأريحية وبهجة فيتشوق لما يأتي بعده وينساق إلى الإصغاء إليه طواعية واختيارًا، ولاسيما إذا كان الافتتاح مصورًا لجو القصيدة مترجمًا عنها، وقد أحسن من يلقيه أداءه، وأحس بما فيه من روعة وبراعة في الاستهلال.
ومن المطلع الحسن قول امرئ القيس:
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِل ... بِسِقطِ اللِّوى بَينَ الدَّخولِ فَحَومَلِ
стр. 211
وهو كما ذكر الأقدمون أفضل ابتداء صنعة شاعر، وكان أبو تمام فخم الابتداء له روعة وعليه أبهة والغالب عليه نحت اللفظ وجهارة الابتداء كقوله:
الحَقُّ أَبلَجُ وَالسُّيوفُ عَوارٍ ... فَحَذارِ مِن أَسَدِ العَرينِ حَذارِ
والشعراء في كل ذلك لا يخاطبون الناس أنفسهم بطريق التجريد المعروف عند البلغاء، والمخاطبون يعرفون ذلك تمام المعرفة ولكنهم لا يستطيعون احتمال هذه المواجهة.
حسن المقطع:
أن يراعي الملقي حسن المقطع ويسمي أيضا حسن الخاتمة- أي ختام القصيدة- فإنه لا يقل أهمية عن المطلع بل ربما فاقه؛ لأن به يكون الحكم على القصيدة، وهو أشبه بالحلواء التي يختم بها الطعام.
اختيار البحور المناسبة:
لا ريب أن لبحور الشعر وأوزانه أثر في الإلقاء وقوة الأداء وموسيقى العبارة، وكان ابن العميد يرى أن علي الشاعر أن يتخير للمعنى الذي اعتمده وقصده أحسن وزن يلائمه وأحسن قافية له؛ ذلك حتى يتفق مع طبيعة صوته ومقدرته على الأداء، ولذا ينصح بعضهم من يلقي الشعر: أن يختار البحور التي توائم صوته قوة وضعفًا، فالشاعر الطاعن في السن والشاعر الضعيف الجسم والشاعر الخفيض الصوت، والشاعر المريض بأمراض الصدر كالربو والنزلات الشعبية وغيرها، يعجزهم أن ينشدوا من البحر الطويل أو البحر البسيط لطولهما الذي يجعلها أشبه
стр. 212
شيء بالخطبة حتى ليحتاج المنشد لها أن يلتقط أنفاسه عقب كل بيت١.
فإذا نظرنا إلى البحرالطويل والبحر البسيط، فسنرى أنهما أكثر البحور طولا لا يستطيع أن يؤديها أداء حسنا إلا ذو نفس طويل، وصدر قوي عريض وحنجرة ضخمة، تبعا لطبيعة المقاطع الصوتية التي يتكون منها البحر.
فالطويل يتكون من:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل
والبحر البسيط يتكون من:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ... مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
وخير لمن لم يرزق موهبة الصوت الطويل أن يلجأ إلى البحور المتوسطة الطول: كالكامل والرجز والوافر والخفيف أو القصيرة: كالرمل والمتقارب والمجتث أو المجزوءات.
ولا شك أن هناك صلة بين المعاني والأعاريض الشعرية، فمن المعاني ما يحتاج إلى نفس طويل؛ لما يحمل من معانٍ جاءت جياشة، ومنها ما هو رقيق هادئ، أو راقص، فيجب أن يصاغ في التفاعيل التي تناسبه مبنى ومعنى، فالبحر الطويل حين النظر إليه، نرى أنه قد نظم فيه القدماء كثيرا من أشعارهم، فهو يتسع لكثير من المعاني فيصلح للفخر
стр. 213
والحماس والرثاء والوصف والشكوى.
وكذلك الكامل يصلح لأكثر الموضوعات وهو في الخبر أجود منه في الإنشاء وأقرب إلى الرقة؛ لذلك يصلح لقص الأخبار والمعاني التقريرية، والخفيف أخف البحور على الطبع وأحلاها للسمع، ويشبه الوافر لينا، ولكنه أكثرسهولة وأقرب انسجاما؛ ولذا إذا جاء نظمه رتبا سهلا ممتعا، لقرب الكلام المنظوم فيه من القول المنثور، في تصريف المعنى.
العلة في تسمية البحور:
وإذا نظرنا إلى العلة في تسمية البحور ترى أنها لم تأت إلا وهي مشتقة من صفاتها وطبيعتها وإلقائها، فلقد أدرك القدماء ذلك.
فحين سأل الأخفش الخليل بن أحمد بعد أن صنع العروض، لم سميت الطويل طويلا؟ قال: لأنه طال بتمام أجزائه.
قلت: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل، وجاء وسطه فعلن وآخر فعلن.
قلت: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه.
قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتدًا بوتد.
قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة، لم تجتمع في غيره من الشعر.
قلت: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب، شبه بهزج الصوت.
قلت: فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام.
стр. 214
قلت: فالرمل؟ قال: لأنه يشبه برمل الحصير -فصوصها- لضم بعضها إلى بعض.
قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان.
قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته.
قلت: فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات.
قلت: فالمقتضَب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع.
قلت: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب.
قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث أي: قطع من طويل دائرته.
قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه، لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضًا١.
стр. 215
القافية
القافية هي عدة أصوات متكررة تكون في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة، وتكرارها يعد جزءًا مهمًا من الموسيقى الشعرية فهي بمثابة الفواصل الموسيقية تردادها يعد أساسًا في بناء القصيدة، ويتوقع السامع ترددها ممن يلقي الشعر، ويستمتع بترددها في آذانه في فترات زمنية منتظمة، وعلى قدر الأصوات المكررة تتم موسيقى الشعر وتكمل.
والعناية بالقافية في الإلقاء أمر ضروري؛ لأن القافية هي قوام الشعر وملاكه وأظهر سماته وأشرف أجزائه، ولذا نرى العناية بها أمس عند إلقائها وخاصة كلما تطرف الحرف في القافية ازداد به عناية