← Адаб

Адаб · id 11275

فن الإلقاء

طه عبد الفتاح مقلد

Полный текст (228 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تعينه على أن يعطي لنفسه القدرة أو الاستعداد لما تحمل من نبرات ينبغي أن تؤدى بها حتى تأتي في أذن السامع وافية بالمعنى المراد.

стр. 142

الوقف على آخر الكلمات الوقف على آخر الكلمات يحتاج إلى تأمل وتدبر من القارئ، فبعض الكلمات تكون صحيحة الآخر، وقد تكون متحركة أو ساكنة وبها حرف تنوين أو مد، وقد يكون في آخر الكلمات حرف علة، ولهذا ينبغي أن نتبين طبيعة الوقف على آخر الكلمات. فمن المعروف أن الوقف على آخر الكلمات يكون بالسكون، ولكن هذا القول يحتاج مِنَّا إلى أن ننظر هل هذا السكون يكون سكونًا طبيعيًّا بسبب من الأسباب؟ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ . فالسكون هنا في آخر الكلمة عند الوقف سيكون طبيعيًّا، سواء وقفت عليه أم وصلت، ومن هنا ينبغي أن يكون الوقف وقفًا لازمًا وليس أمام القارئ إلا الوقف بالسكون. أما إذا كان آخر الكلمة المراد الوقوف عليها متحركًا وعرضت عليه سكون الوقف؛ لأن السكون هو الأصل في الوقف، إذ يسكن الإنسان لكي يقف ويكف عن القراءة. وبذا يكون قد كفَّ عن الإتيان بالحركة في الحرف الأخير ولذا لا ينبغي الوقف إلا بالسكون.

стр. 143

وإذا أردت أن تقف على الحركة، لإعطاء لون من التجانس أو النغم الصوتي، فلا يجوز لك بحال من الأحوال أن تقف بالحركة كاملة من: فتح أو كسر أو ضم أو تنوين، وإنما يجوز لك أن تأتي ببعض منها، وهو ما عرف عند علماء القراءة: الوقوف بالروم، والروم معناه في اللغة: الطلب، رام الشيء أي: طلبه. وفي الاصطلاح: تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك التضعيف، بل إن أفضل ما قيل في ذلك: هو الإتيان ببعض الحركة، وقدَّر العلماء هذا الإتيان بأن يكون بالثلث فقط، وهذا يدل على أن الوقف يمكن مع إضعاف صوت الحركة على ألا يذهب بها كلية. ويجوز له كذلك أن يقف على الحركة الوقف المعروف بالإشمام، وهو عبارة عن ضم الشفتين من غير صوت بعد النطق بالحرف الأخير ساكنًا، إشارة إلى الضم مع إبقاء فرجة، والإشمام في هذه الحالة يكون في المضموم من المعرب، وفي المضموم من المبني١. وبهذا يكون أمام القارئ حين الوقف ثلاثة أوجه، يختار منها ما يتلاءم مع طبيعة الموقف، والحالة التي يجب الوقوف عليها: إما أن يقف بالسكون المحض والروم والإشمام، وهو ما كان متحركًا في الوصل بالرفع. ما يجوز فيه الوقف بالسكون المحض والروم، ولا يجوز فيه الإشمام، وهو ما كان متحركًا في الوصل بالجر. ما يجوز فيه الوقف بالسكون المحض فقط، ولا يجوز فيه روم ولا إشمام، وهو هاء التأنيث وميم الجمع وما كان محركًا في الوصل بحركة عارضة، أو ما كان آخره ساكنًا في الوصل والوقف، أو ما كان

стр. 144

متحركا في الوصل بالنصب في غير المنون. والوقوف بالروم: وهو عبارة عن إخفاء الصوت بالحركة. وهو عند النحويين جائز في الحركات الثلاث. وعند القراء يجوز في الضمة والكسرة، ولا يجوز في الفتحة. وتختص الضمة بجواز الوقف عليها بالإشمام١. الوقف على المقصور: لا يوقف على المقصور من الأسماء إلا بالألف، منونًا كان، أو غير منون. وفي الوقوف على المقصور المنون ثلاثة مذاهب: ١- مذهب سيبويه: وهو الحكم عليه في الرفع والضم بأن تنوينه محذوف دون عوض، وأن الوقف فيه على الألف التي من نفس الاسم، والوقف عليه في حالة النصب يكون بإبدال تنوينه ألفًا، إجراء له مجرى الصحيح. ٢- ما ذهب إليه المازني: أن الألف الثابتة في الوقف هي بدل التنوين منصوبًا كان المقصور مرفوعًا أو مجرورًا ٢. ٣- وذهب أبو عمرو والكسائي: أن الألف الموقوف عليها في المقصور لا تكون أبدًا، إلا الألف التي هي نفس الاسم مرفوعة كانت أو مجرورة أو منصوبة. وذكر في شرح الكافية: أن هذا المذهب أقوى من غيره، وهذا

стр. 145

موافق لمذهب ربيعة في حذفهم تنوين الصحيح دون بدل، والوقوف عليه بالسكون مطلقًا، ويقوي هذا المذهب الرواية بإحالة الألف وقفًا والاعتداد به رويًّا. وكما ذكر ابن مالك في شرح الكافية، أنه لا خلاف في المقصور غير المنون، أن لفظه في الوقف كلفظه في الوصل، وأن أَلِفَه لا تحذف إلا في ضرورة ١. الوقوف على الاسم المنقوص: الاسم المنقوص هو: الذي آخره ياء مكسور ما قبلها نحو قاضي، إذا أردت الوقوف عليه، وكان منصوبا أبدل من تنوينه ألف، إن كان منونا. وأثبتت ياؤه ساكنة إن لم يكن منونًا كقولك: قطعت واديًا وأحب الداعي٢. وهذا يجعلنا ننظر إلى الاسم المنقوص، إما أن يكون منونًا أو لا، فإن كان منونًا، فالأفصح الوقوف عليه رفعًا وجرًا بالحرف، فتقول: هذا قاضٍ ومرت بقاضٍ. ويجوز أن تقف عليه بالياء، وبذلك وقف ابن كثير على: هادٍ، ووالٍ، وواقٍ من قوله تعالى: "وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي" "وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالي" "وَمَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقي". وإن كان غير منون، فالأفصح الوقوف عليه رفعًا وجرًّا بالإثبات كقوله: هذا قاضي، ومررت بالقاضي، ويجوز الوقوف عليه بالحذف، وبذلك وقف الجمهور على: المتعال، والتلاق، في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ووقف

стр. 146

ابن كثير بالياء على الوجه الأفصح. وقد يعكس فيهن؛ فيحذف ياء: قاضي، ويثبت ياءها، وإذا كان المنقوص منصوبًا وجب في الوقف إثبات يائه، فإن كان منونًا أبدل من تنوينه ألف، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وإن كان غير منون وقف على الياء، كقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾ . وذكر في شرح الكافية لابن مالك: أن الوقف بإثبات الياء على نحو: القاضي، المعرَّف مرفوعًا أو مجرورًا أجود في القياس من الوقف بحذفها١. الوقف على المهموز: والوقف على الكلمة المهموزة، ينبغي إدراك أن النطق بالهمزة المتحركة مخففة، أسهل من النطق بها ساكنة مخففة، ولقد أُجمع على إبدال الهمزة الثانية نحو: أومن، وفي نحو: أُؤَذِّن، جائز فيه الإبدال والتحقيق، وكالإجماع في: أؤمن، الإجماع في: آدم، وجواز الوجهين في: أؤذن: جواز الوجهين في أَيِمَّة. ومن ذلك يتضح أنه إذا سكن ما قبل الهمزة الساكنة ازداد النطق بها صعوبة، فمن أجل ذلك اغتفر في الوقف على ما آخره همزة بعد ساكن، مما لا يجوز في غير الهمزة من نقل الفتحة نحو: جنيت الكمأ. ومنهم من نقل ضمه إلى ساكن بعد كسره، ومنهم من نقل كسره إلى ساكن بعد ضمه نحو: هذا ردُء مع كفئ، يريد: هذا ردء مع كفء، وبعض بني تميم يقرُّون من هذا النقل الموقع في عدم النظير

стр. 147

إلى اتباع العين الفاء فيقولون: هذا رديء مع كفؤ، وبعضهم يبدلها مع نقل حركتها بما يجانسها فيقول: هذا ردو مع كفي، وبعضهم يبدلها بعد الإتباع فيقول: هذا ردي مع كفو. وقد يبدلون من الهمزة حرف لين مجانسا كحركتها، ساكنا كان ما قبلها، أو متحركا فيقولون: هذا الكلو، والخبو والردو والكفو، وردتُّ بالكلي والخبي والردي والكفي، أهل الحجاز يقولون: الكلا، في الأحوال الثلاثة؛ لأن الهمزة أسكنها الوقف وما قبلها مفتوح فصارت كـ: رأس، وعلى هذا يقولون في أكمؤ: أكمو؛ لأنه كـ: جونة، وفي ممتلئ، ممتلي؛ لأنه كـ: ذيب١. وأحوال الوقف هذه ذكرناها لكي يتخير منها القارئ ما يتناسب له من الوقف المتجانس الذي يُشْعِر بعلم القارئ، أو الذي يلقي حديثا، فإن اللغة العربية لغة موسيقية طَيِّعة تضع لكل موقف ما يناسبه، فالاختيار بين الوقف لا يكون من جانب المصادفة، ولكن يكون من جانب ما يلائم الحال، ويتفق مع المقال، ويدل على سعة وخبرة في اللغة. الوقف على تاء التأنيث: إذا وقفت على ما فيه تاء التأنيث، فإن كانت ساكنة لم تتغير نحو: قامت أو قعدت، وإن كانت متحركة، فإما أن تكون الكلمة جمعا بالألف والتاء أولا، فإن لم تكن، فالأفصح الوقوف بإبدالها هاء فنقول: هذه رحمة، هذه شجرة، ووقف بعض القراء بالتاء٢، في قوله تعالى:

стр. 148

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ . وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم﴾ قد وقف فيها أيضًا بالتاء، وسمع بعضهم يقول: يا أهل سورة البقرة بالتاء، وقد وقف الشاعر بالتاء على أمة في قوله: وكادت الحرة أن تُدعَى أمة، بالتاء المفتوحة. وإن كانت جمعًا بالألف والتاء فالأفصح الوقوف بالتاء وبعضهم يقف بالهاء، وسمع من بعضهم: كيف بالأخوة بالهاء، والأخوات بالتاء، وكذلك على مسلمات بالهاء والتاء، ولذا نجد النحاة يذكرون في الوقف على تاء التأنيث بقولهم: وقد يعكس فيهن١. كما ذكروا أن ليس لهاء التأنيث نصيب من إشمام ولا روم ولا تضعيف؛ فلذلك قُدِّم استثناؤها حين قصد التكلم على الوقف، وذلك لما لها من أحكام في الوقف ينبغي الرجوع إليها٢. زيادة هاء السكت: مما عني به علماء الوقف زيادة هاء السكت، وهي تزاد في عدة مواضع: ١- وأكثر ما تزاد بعد ياء المتكلم، نحو قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ بدلا من كتابي. وكذلك: ﴿مَالِيَهْ﴾ ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ . ٢- وكذلك بعد الفعل المحذوف الآخر جزمًا ووقفًا نحو قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ من قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه﴾ لم يتسن، وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِه﴾ اقتد. فقد زيدت هاء التأنيث السكت ذلك حتى يأخذ الحرف الأخير حقه في النطق. ٣- بعد ما الاستفهامية المجرورة الموضع، كما في قوله الراجز:

стр. 149

يا أسد يا لم أكلته لمهْ. ولحاق هذه الهاء -هاء السكت- واجب في الوقف على: ما الاستفهامية المضاف إليها كقولك في: اعتداء مه، ومجيء مه؟ وإذا كانت ما الاستفهامية مجرورة بحرف، جاز أن يوقف عليها بالهاء وبدونها، والوقف بالهاء أجود في قياس العربية مثل: بمه؟ ولمه؟. ٤- ويجب لحاق هاء السكت في الوقف على ما كان من الأفعال على حرف واحد أوحرفين، أحدهما زائد كما في: قِ زيد، ولا تقِ عمرًا، الوقف: قه، ولاتقه. ويجوز أن تلحق هذه الهاء كل محرك حركة بناء لازم نحو: كيف، تقول كيف وثم، وإن: إنه، ولاه. ولا تلحق هذه الهاء ذا حركة عارضة كاسم: لا، والمنادى المضموم والعدد المركب. ولا تلحق الفعل الماضي وإن كانت حركته لازمة لشبهه بالمضارع. وقد يعطى الوصل حكم الوقف، ومن ذلك قراءة غير حمزة والكسائي لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . وكذلك في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] . فلقد أَلحق الهاء في الوصل في كلمة: اقتدِ، فصارت اقتده ١.

стр. 150

نطق الياء في آخر الكلمة: وهي أنواع نذكر منها ياءات الإضافة، وهي عبارة عن ياء المتكلم، وهي ضمير يتصل بالاسم والفعل، والحرف. وتكون ياء المتكلم مع الاسم مجرورة المحل نحو: نفسي، سمعي، ذكري. ومع الفعل تكون الياء منصوبة نحو: فطرني، يحزنني، آتاني، وهي تأتي منصوبة المحل غير مضافة إلى الفعل. ومع الحرف تكون منصوبة ومجرورة بحسب عمل الحرف نحو: عليّ، مني، لي، إني. والياء قد تكون أصلية من الكلمات وزائدة، أصلية فتجيء لامًا من الفعل نحو: واليل إذا يسر، يوم يأت، والداع، والمناد، ودعان، ويهدين، ويؤتين. وهذه الياءات الخلاف فيها هو بين الفتح والإسكان. وياءات الزوائد الخلاف فيها بين الحذف والإثبات، وللقراء ١ مذهبهم في ذلك فقد تكون عندهم ياءات الإضافة كما يسمونها على ثلاثة أضرب. ١- ما أجمعوا على إسكانه، وهو الأكثر لمجيئه على الأصل نحو: إني جاعل، واشكروا لي، وإني فضلتكم، فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني، ويطعمني، ويميتني، ولي عملي. ٢- ما أجمعوا على فتحه لموجب يوجب ذلك، إما أن يكون بعدها ساكن لا تعريف أو شبهه نحو: نعمتي التي، وبلغني الكبر، وحسبي الله، ومسني السوء، ومسني الكبر، ووليي الله، وربي الله، نبأني

стр. 151

العليم، حركت الياء بالفتح حملا على النظير فرارًا من الحذف. وكذلك إذا كان قبل الياء ساكن ألف أو ياء، فالذي قبلها ألف نحو: هداي، وإياي، ورؤياي، ومثواي، وعصاي. والذي تأتي بعد الياء مثل: إليّ، وعليَّ، ويدي، ولدي، يابني، ومصرخي. وحركت الياء في ذلك فرارًا من الْتقاء الساكنين وكانت فتحة حملا على النظير، وأدغمت الياء نحو: إلي وعلي، للتماثل وجاز في مصرخي الكسر، وكذلك يابني مع الإسكان. وما اختلفوا في إسكانه وفتحه نحو: بشر عبادي، ألا تتبعن، إن يردن الرحمن، ففيها الإسكان والفتح١.

стр. 152

همزة الوصل وهمزة القطع وقد تسميان ألفي الوصل والقطع عند النحويين١ وتتضح لنا أهميتهما حين يبدأ من يلقي قولا أو حديثا، أو يقف بين الجمل ويعاود الابتداء ومن الواضح أن الوقف يكون بالسكون على حين أن الابتداء لا يكون إلا بالحركة؛ لأن من الأصول المقررة ألا يبدأ بساكن ولا يوقف على متحرك. فإذا كان الابتداء لا يكون إلا بالحركة، فإن الكلمات التي يكون أولها متحركًا لا إشكال فيها؛ لأن الابتداء بالحركة غير متعذر، ولكن الإشكال في الابتداء بالساكن؛ لأنه غير مقدور عليه ومتعذر النطق به.

стр. 153

ولذا توصل للابتداء بالساكن باجتلاب ألف الوصل أو همزة الوصل وسميت بذلك؛ لأنها زيدت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، وسماها الخليل بن أحمد، سُلَّم اللسان١، فإذا ابتدئ بها فهي ثابتة مكسورة؛ لأنه لا يجمع بين ساكنين، وأصل حركة التقاء الساكنين الكسر، فكسرت همزة الوصل لذلك، وإذا وصل الكلام سقطت لاستغنائك عنها بحركة ما قبلها. همزة الوصل: تأتي همزة الوصل في أول كل فعل ماضٍ على أكثر من أربعة أحرف، وفي الأمر من الفعل الثلاثي إذا كان أوله ساكنًا. فأما الأفعال الماضية التي تكون في أولها ألف الوصل فتسعة أبنية وهي: انفعلت نحو: انطلقت، وافتعلت نحو: اقتدرت، وافعللت نحو: احمررت، واستفعلت نحو: استغفرت، وافعنللت نحو: احرنجمت أي تقبضت، وافعاللت نحو: احماررت، وافعوعلت نحو: احلوليت، وأفعوَّلت نحو: اغلوطت الفرس إذا ركبته عرياء، وافعلّلت بتشديد اللام الأولى نحو: اقشعررت. وهي في الأفعال قياسية، ولا تكون إلا في الخماسي والسداسي، فالماضي الخماسي نحو: انكسر، اقترب، احمر، والماضي السدادسي نحو: استكبر واستطعم، واستنصر، واستسقى.

стр. 154

وأما في الأمر من الفعل الثلاثي: فكل فعل على ثلاثة أحرف في الماضي، وسكن ثانيه في المضارع، وأردت أن تأمر منه، فإنك تحذف حرف المضارعة وتزيد همزة الوصل في موضعه. والابتداء بها على وجهين: ما كان ثالث الفعل المضارع منه مكسورًا أو مفتوحًا، وكسرت همزة الوصل في الأمر كقولك في: يضرب، اضرب، وفي: يصنع، اصنع، والعلة في كسرها، أن حركة التقاء الساكنين الكسر. وما كان ثانيه متحركا استغني عن ألف الوصل فيه، كقولك في: يقوم، قُمْ، وفي: يسير، سِرْ. وما كان ثالث الفعل المضارع منه مضموما، ضمت همزة الوصل في الأمر منه تقول في: يقتل، اقتل، وفي: يخرج، اخرج، وإنما ضمت في هذا للإتباع؛ لأنه أخف في اللفظ؛ لئلا يخرج من كسرة إلى ضمة، وذلك مستثقل قليل. والأمر مما زاد على أربعة أحرف أي في الخماسي والسداسي فهو كالأمر في الثلاثي؛ لأن أصلها ثلاثة أحرف والباقي زوائد، كقولك في الأمر: استغفر الله، انطلق، اقتدر؛ لأنه من غفر، وطلق، وقدر. وإذا لم تسم الفاعل أي: بنيت للمجهول في شيء مما ألفه ألف وصل، ضممت أوله وكسرت ما قبل آخره؛ لأنه بني للمجهول، اتباعًا لضمه الثالث من الفعل، كقولك: استُغفر، انطُلق، اقتدر، احرنجم، والعلة في ضمه كالعلة في: اقتل في الأمر؛ لئلا يخرج من كسر إلى ضم.

стр. 155

فحركة البدء بهمزة الوصل في الأفعال المقيسة على نوعين: الضم والكسر. وحركة البدء بالكسر: فشرطها أن يكون ثالث الفعل مفتوحًا أو مكسورًا كسرًا أصليًّا وليس بعارض١. مثال ذلك: انطلق، انقلب، استغفروا ربكم، منِ ارتضى من رسول، فكسرت همزة الوصل؛ لأن ثالث الفعل مفتوح، وكذلك ما كان ثالث الفعل فيه مكسورا كسرا أصليا مثل: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَاب﴾ ، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّم﴾ ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ . وحركة البدء بالضم في همزة الوصل أن يكون ثالث الفعل مضموما ضما لازما في الماضي والأمر، ففي الماضي كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ﴾ ، ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه﴾ . والأمر: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَاب﴾ ، ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَال﴾ . والضم العارض يبدأ فيه بكسر الهمزة وجوبًا نحو: ﴿اقْضُوا﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ ، وابنوا، في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانا﴾ وامضوا، في قوله تعالى: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾ . والسبب في ذلك أن الضمة عارضة، فمثلا كلمة: اقضوا إذا

стр. 156

رجعنا إلى أصلها نجد أنها: اقضيوا، بضاد مكسورة وياء مضمومة بعدها فنقلت ضمة الياء إلى الضاد بعد تقدير سلب حركتها، ذلك لأنه التقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة: اقضوا بضم الضاد وحذف الياء، وكذلك ما حدث فيما كانت الضمة فيه عارضة. ويتضح مما سبق أن حركة همزة الوصل في الابتداء بالأفعال مبنية على حركة الثالث منها. وحركة همزة الوصل في الأسماء حين البدء بها، فمرجعها إلى القياس والسماع، فإذا كان الاسم معرفا بالألف واللام فهمزة الوصل فيه قياسية، وحركتها عند الابتداء الفتحة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن﴾ ، ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ . وإن كان الاسم مجردا من الألف واللام، فهمزة الوصل فيه قياسية وسماعية، أما القياسية وهي مصدر الفعل الماضي الخماسي نحو: ابتغاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ ، وافتراء، انتقام.. أو مصدر الفعل الماضي السداسي نحو: استغفار في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ واستعمال، استكبار، وحركة البدء بهمزة الوصل في مصدر الفعل الماضي الخماسي والسداسي الكسر وجوبًا. وأما السماعية التي تعرف بالسماع ففي عشرة أسماء، تكون حركة البدء بهمزة الوصل فيها بالكسر وجوبًا وهي: ١- ابن، بالتذكير سواء أكانت مضافة لياء المتكلم، مثل: ابني أو ابن.

стр. 157

٢- ابنت، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَان﴾ و ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ . ٣- امرؤ، نحو قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾ . ٤- امرأة، مفردة أو مثناه: ﴿اِمْرَأَةَ نُوح﴾ و ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان﴾ . ٥- اثنان، بالتذكير، مهما اختلف إعرابها: بالألف والنون -اثنان- أو الياء والنون -اثنين- أو مضافًا للعشرة: اثنا عشر شهرا, ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبا﴾ . ٦- اثنتان، بالتأنيث سواء أكانت مفردة نحو: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَك﴾ ، أم مضافة مثل: ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا﴾ . ٧- اسم، مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أو ﴿مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ . ٨- ايم، وهو للقسم نحو: ايم الله، ويزداد النون: ايمن الله. ٩- است: اسم من أسماء الدبر. ١٠- ابنم، وهي ابن زيدت فيها الميم. ويلاحظ أن همزة الوصل تحذف لفظًا وخطًّا من: أل، التعريف إذا دخل عليها لام الجر، نحو: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازا﴾ ولكن إذا دخل حرف جر آخر فإنها تحذف لفظًا ونطقًا، وتثبت خطًّا نحو: ﴿بِالْغَيْب﴾ ، كالذين.

стр. 158

ويراعى أن جميع الأسماء غير عشرة الأسماء التي ذكرناها، فألفها قطع نحو: إسماعيل وإبراهيم وأبيض وأحمر وأسود. ودخلت ألف الوصل في الأسماء؛ تشبيهًا بدخولها على الفعل؛ لأن هذه الأسماء تتضمن الإضافة كما يتضمن الفعل الفاعل، ولحقها الحذف في آخرها كما يلحق الفعل إذا قلت: اغزُ، وارْمِ، فسكنت أوائلها كما سكن أول الفعل، وأدخلت ألف الوصل عليها ليمكن النطق بها، فإذا تحركتْ أوائلها أو اتصلت بكلام قبلها حذفت الألف، استغناء عنها كقولك: المرء والمرأة، ومررت بابنك، وسمعت اسمك، وهذا اسم. همزة القطع: همزة القطع هي التي تثبت في القراءة في حالتي الوصل والبدء، وسميت بهمزة القطع؛ لثبوتها فينقطع بالتلفظ بها الحرف الذي قبلها عن الحرف الذي بعدها، وهذا على النقيض من همزة الوصل فإنها تثبت في البدء وتسقط في الوصل. وهمزات القطع كثيرة وترد في الأسماء مثل: إبرهيم، وإسماعيل، والأفعال مثل: أَذِنَ وأمر وأحسن، والحروف مثل: إن وكأن. وتأتي في أول الكلمة مثل: أخذ، وتأتي في وسط الكلمة نحو: بئر ويؤمنون، وفي آخر الكلمة مثل: ماء، جاء. ومن هذا يتبين أن همزة القطع تأتي ساكنة في الوسط وفي الطرف، وتأتي متحركة مطلقًا عند الابتداء والوسط والطرف، وهي

стр. 159

كثيرة توجد في الأسماء والأفعال والحروف، هذا بخلاف همزة الوصل فإنها لا توجد إلا في أول الكلمة، ولا تقع ساكنة بحال، فخالفت همزة القطع في أنها لا تأتي ساكنة ولا توجد في وسط الكلمة ولا في آخرها. وأما همزة القطع: فموضعها من الأفعال ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون الفعل الماضي على ثلاثة أحرف أولها الهمزة، وهي مقطوعة كقولك: أكل، وأخذ، وأبى، وهذه التي يسميها القراء ألف أصل، وإنما سموها أصلا، لأنها من أصل الكلمة غير زائدة فيها، وانظر في: أَذِنَ وأَمَرَ، تجد أن الهمزة هي أصلية، فاء الكلمة. والثاني: أن يكون الفعل الماضي على أربعة أحرف أولها الهمزة فهي مقطوعة كقولك: أَكْرَمَ، وأَعْطَى، وأَنْزَلَ، أَوْحَى، أَحْسَنَ وكذلك مصادرها. وتعتبر هذه الألف زائدة؛ لأن الأصل كرم، وعطاء، ونزل ... والهمزة في هذه الأفعال للتعدية. والثالث: أن يقع في أول الفعل المضارع إذا أخبر المتكلم عن نفسه، وحركتها -إذا كان الفعل ثلاثيًّا أو أكثر من الرباعي- الفتح، كقولك: أنا أضرب، وآكل، وأستغفر، وأقتدر، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاه﴾ . وإن كان الفعل رباعيًّا فحركتها الضم للفرق بينهما كقولك: أنا أُكرِم، وأُعطِي، وأُحسِن، وإنما كان الثلاثي بالفتح أولى؛ لأن الفتحة أخف الحركات، والثلاثي أكثر من الرباعي، فوجب أن يكون الأخف

стр. 160

للأكثر، وما زاد على الرباعي فيجب له الفتح أيضًا؛ لأن أصله ثلاثة أحرف ثم لحقته الزيادة، فوجب له الفتح على الأصل. ومن الواضح أنه لم يدخل ألف الوصل على شيء من الحروف إلا على لام المعرفة في قولك: الرجل، والمرأة، والغلام، وحركته الفتح يفرق بين ما دخل على الأفعال المتصرفة والأسماء المتمكنة، وبين ما دخل على الحروف. وذكرالنحاة: لما كان دخولها على الحرف نادرًا أعطى من الحركات نادرًا. كما أن همزة الاستفهام همزة قطع، فإذا دخلت على همزة الوصل حذفت همزة الوصل: للاستغناء عنها بحركة همزة الاستفهام. وحركة همزة الاستفهام الفتح -لا غير- كقولك إذا استفهمت: أين زيد؟ أستغفر زيد ربه؟ أقتدر زيد على عمرو؟، كما قال الله : ﴿أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدا﴾ و ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين﴾ . فإن دخلت همزة الاستفهام على همزة القطع في اسمٍ كان أو فعل ففيه أربعة أوجه: الأول: أن تحقق الهمزتين فتقول: أأكرمت زيدًا؟ وهذا هو الأصل؛ لأن الهمزة الأولى للاستفهام، والثانية همزة: أكرمت. والثاني: أن تحققهما وتجعل بينهما ألفًا استثقالا لالتقائها كقولك: آكرمت الضيف؟

стр. 161

والثالث: أن تخفف الهمزة الثانية، وتجعلها بين بين كقولك: أاكرمت زيدا؟ والرابع: أن تفصل بينهما بالألف، وتخفف الثانية مع بعدها من الأولى فتجعلها بين بين فتقول: آاكرمت زيدًا١؟ وهذا مأخوذ به في علم القراءة٢، فقد قرئ بهذه الأوجه الأربعة: أأنذرتهم بالتحقيق، وآانذرتهم بالتحقيق مع الفصل، وآأنذرتهم بالتخفيف، وآأنذرتهم بالتخفيف مع الفصل، وقرئ: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاس﴾ بالتحقيق، وبالتحقيق والفصل آأنت، ﴿اأَنْت﴾ بالتخفيف، و ﴿آنْت﴾ بالتخفيف مع الفصل، فإن دخلت ألف الاستفهام على: ألف ايمن الله، أو على الألف واللام لم تحذفا، وأبدل منها مدة، وإن كانا ألفي وصل؛ لأن حركتهما الفتح، وحركة ألف الاستفهام الفتح، فلو حذفتهما لالتبس الخبر بالاستخبار فتقول إذا استفهمت: آايمن الله لتفعلن؟ آالرجل في الدار؟ كما قال الله : ﴿قُلْ آالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ﴾ و ﴿قُلْ آاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ . وإذا وصلت الكلام، وكان قبل ألف الوصل ساكن حذفت ألف الوصل، وحركت ذلك الساكن، لالتقاء الساكنين. والأصل في حركة التقاء الساكنين الكسر، نحو: ﴿قُمِ اللَّيْل﴾ ، أضرب الرجل سل ابن زيد، خذ اسمك، كما قال الله : ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه﴾ .

стр. 162

فإن كانت الألف التي تحذفها مضمومة، ضممت للإتباع، فلك في الساكن الذي قبلها وجهان: إن شئت أجريته على الأصل بالكسر فتقول: قُمِ اخْرُج، هَلِ انْطلق يزيد. وإن شئت ضممت للإتباع كما ضممت الألف فتقول: قُمُ اخْرج، هَلُ انْطلق يزيد؟ وقد قرئ بهما جميعا: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ ، "قُلُ انْظُرُوا" وقد استشهد بها سيبويه١ على قراءة من ضم اللام، ثم قال: ... فضموا الساكن حيث حركوه كما ضموا الألف في الابتداء وكرهوا الكسر ههنا كما كرهوا في الألف فخالفت سائر السواكن كما خالفت الألف سائر الألفات، ثم قال: ... وقد كسر قوم فقالوا: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ وقراءة الكسر التي أشار إليها سيبويه والصيرفي هي قراءة عاصم، وحمزة، ويعقوب، وقرأ الباقون بضم اللام٢: "وَلَقَدُ اسْتُهْزِئ". وقد قرأ بكسر الدال على أصل التقاء الساكنين عاصم وأبو عمرو وحمزة، ووافقهم يعقوب والمطوعي والحسن، وقرأ الباقون بضم الدال اتباعًا ٣. وهمزة القطع المفتوحة: توجد في خمسة مواضع هي: ١- الفعل الماضي المبني للمعلوم نحو: أُمِر، أُذِن.

стр. 163

٢- وفي الفعل الماضي الرباعي المبني للمعلوم نحو: أَوْحَى، وأَحْسَن. ٣- وفي الفعل المضارع نحو: أرى، وأسمع. ٤- وفي الأمر من الرباعي: أكرم، وأحسن، وأصلح. ٥- وفي مصدر الفعل الماضي الثلاثي قد تكون همزة القطع فيه مفتوحة نحو: أَمْر وأَمْن وأَكْل، وقد تكون مكسورة نحو: إِذْن في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه﴾ ، وكلمة إِفْك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِين﴾ وكلمة إِثْم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما﴾ ، وكذلك إِذْن في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ . وهمزة القطع المكسورة: توجد في موضعين: ١-مصدر الفعل الماضي الرباعي نحو: إطعام، وإكرام. ٢- مصدر الفعل الماضي الثلاثي فيما صح فيه الكسر كما سبق أن ذكرنا: إذن ربهم، إفك مبين. وهمزة القطع المضمومة، وتوجد في أربعة مواضع هي: ١- الفعل المضارع من الثلاثي المزيد نحو: أحيي، وأميت، وأبرئ، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت﴾ و ﴿وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ﴾ . ٢- الفعل المضارع من الثلاثي المضعف نحو: أُبَرِّئُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . ٣- الفعل الماضي الثلاثي المبني للمجهول كما في أُمِرَ من قوله

стр. 164

تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِدا﴾ وأُكِلَ التفاح، أُخِذَ أَخْذَ عزيز مقتدر. ٤- الفعل الماضي الرباعي المبني للمعلوم: أُوتِيَ من قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وأوحي، من قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ . اجتماع همزتي الوصل والقطع في كلمة واحدة: في اجتماع الهمزتين إما أن تتقدم همزة الوصل على همزة القطع الساكنة، وإما أن تتأخر. ١- وتقدم همزة الوصل همزة القطع لا يكون إلا في الأفعال مثل: اؤتمن، في قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ . وحين الوصل في هذه الحالة نجد أن همزة الوصل تسقط وتثبت همزة القطع الساكنة، فإذا نظرت إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِي اؤْتُمِن﴾ فنجد أنه قد وصل لفظ الذي بلفظ اؤتمن، وهنا سقطت همزة الوصل وبقيت همزة القطع ساكنة ١. وحين الابتداء بهمزة الوصل مثل ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ تثبت همزة الوصل وتبدل همزة القطع الساكنة حرف مد من جنس حركة ما قبلها وذلك بإجماع القراء فتكون: اِيْتُونِي، وكذلك: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ ، ايتنا. ويلاحظ أن حركة الابتداء بهمزة الوصل خاضع لحركة ثالث

стр. 165

الفعل، فإن كان ثالثة مضمومًا ضمًا لازمًا فحركة الابتداء بهمزة الوصل تكون بالضم نحو: ﴿اؤْتُمِن﴾ . وأما إذا كان ثالث الفعل مفتوحًا أو مكسورًا أو مضمومًا ضمًا عارضًا كانت حركة الابتداء بهمزة الوصل مكسورة. ٢- وتقدم همزة القطع التي للاستفهام على همزة الوصل وهذا يكون في الأفعال والأسماء. ففي الأفعال تحذف همزة الوصل وتبقي همزة الاستفهام مفتوحة نحو: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين﴾ على الاستفهام، ﴿أطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدا﴾ أستكبرت؟ أطَّلع؟ أفعال حذفت منها همزة الوصل وبقيت همزة الاستفهام. وفي الأسماء تبقى الهمزتان مجتمعتين معًا في الكلمة وتكون مفتوحة في البدء في اسم محلى بأل، وحينئذٍ لا يجوز حذفها بالإجماع؛ لئلا يلتبس بالخبر فيتغير المعنى مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿أالآن﴾ ، الله في: ﴿أالله أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿أاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون﴾ . وبعضهم يعمل على إبدال الهمزة ألفًا مع المد الطويل لملاقاتها بالساكن الأصلي، وبعضهم يعمل على تسهيلها بين بين، أي بين الهمزة والألف مع القصر، والمراد هنا عدم المد. ولذا إذا أراد القارئ أن يلقي قولا ينظر إلى الهمزة، هل هي همزة وصل أو قطع، فإذا أراد أن يبدأ بهمزة الوصل نظر إلى الفعل المبدوء بها، فإن كان ثالثه مفتوحًا أو مكسورًا ابتدأ بهمزة الوصل

стр. 166

مكسورة كاعملوا وارجعوا، وإن كان ثالث الفعل مضمومًا ضمًا لازمًا ابتدأ به بهمزة الوصل مضمومة نحو: اغدوا، فإن كان الضم عارضًا ابتدأ بها مكسورة نظرًا للأصل نحو امشوا، وإن رأى الاسم مبدوءًا بألف، والآخرة ... ابتدأ بها مفتوحة، وإن كان الاسم غير مبدوء بأل ابتدأ بها مكسورة نحو: امرؤ وامرأة.

стр. 167

الفصل السادس: إدراك الكلام أهمية السمع في الإدراك مدخل ... الفصل السادس: إدراك الكلام أهمية السمع في الإدراك التلوين الصوتي وأثره في الإدراك استخدام مكبر الصوت اللغة المنطوقة والمكتوبة

стр. 168

إدراك الكلام نجاح فن الإلقاء يتوقف على نوع إدراك المتلقي لما يقال له، ويمكن للإنسان أن يدرك الكلمة المنطوقة في كثير من الظروف المتغيرة ولكن تتفاوت نسبة هذا الإدراك لعوامل عديدة فيكون الإدراك قويًّا في الجو الذي يتميز بالهدواء، ويكون المتكلم سليم النطق واضح العبارة، فمثلا إذا زاد الصخب في مكان يستمع فيه الإنسان قل إدراكه، أو كان المتكلم لا يحسن النطق مضطرب العبارات، كل ذلك يؤثر في عملية الإدراك ويتفاوت الناس في مثل هذه الأمور كما يتفاوتون في إدراكهم للكلمة المنطوقة فمنهم من يجيد الفهم ومنهم من يعجز عن الفهم، ومنهم من يتأثر بذلك، ومنهم من لا يتأثر تأثرًا يذكر. هناك ارتباط وثيق بين الإلقاء أو طريقة استقبال الحواس له، تلك الحواس التي تستطيع التمييز بين إلقاء وآخر، فالمادة المراد إلقاؤها واحدة، ولكن تختلف من شخص إلى آخر، ومن نبرات صوت إلى صوت آخر ومن لغة إلى أخرى، وفي ظروف محيطة لا ننكرها قد تسمح بظهور مستوى للكلمة يختلف عن ظروف أخرى قد لا تسمح

стр. 169

بذلك، كل تلك الأمور نستطيع أن نجملها في دراسة مبسطة للأجواء التي تصلح للإلقاء الجيد، ومدى التفاوت الذي يحدث بين نجاح إلقاء كلمة وأخرى، فهناك العديد من العوامل التي تدخل تحت نطاق نجاح الإلقاء والذي نحن في أمس الحاجة إليها في عالمنا الحاضر عبر الاتصال المباشر وغير المباشر، عبر أجهزة إعلامنا لنصل إلى المضمون الذي نصل به إلى قلب المستمع وإدراكه له. بل قد يختلف حديث عن آخر، فهذا جذاب وآخر لا ينصت له، وهذه الأمور يجب بحثها، وبالتالي نستطيع القول إلى أن هناك عوامل عديدة تعمل على نجاح الإلقاء هي: ١- سلامة نطق المتكلم وإدراكه لما يقال وسلامة أسلوبه وخلوه من الغريب. ٢- معرفة المستمع بلغة المتكلم ولهجته. ٣- ثقافة المستمع ومدى إدراكه لما يقال. ٤- ألفة السامع للموضوع الذي يستمع إليه. ٥- هدوء مكان الاستماع من التشويش الداخلي والخارجي. ٦- درجة علو الصوت وانخفاضه. ٧- الحال النفسية لدى المتحدث والسامع. ويتوقف الإدراك عند المستمع على درجة إدراك المتكلم لم يقول: فإذا كان إدراك المتكلم لموضوعه إدراكا واعيا، أمكن إيصال القول بدرجة واعية، والعكس صحيح، كما أن نسبة الإدراك لكي تصل من المتحدث إلى المستمع تقل درجتها، فمثلا إذا كان إدراك المتكلم لموضوعه بنسبة ٩٠% فإن الإدراك عند المستمع سيكون أقل من ذلك.

стр. 170

أهمية السمع في الإدراك تصدر الأصوات من الإنسان، فتنتقل هذه الأصوات خلال الهواء الخارجي على شكل موجات صوتية، تسير حتى تصل إلى الأذن الإنسانية. وأداة السمع الطبيعية هي الأذن، وهي معقدة التركيب، يقسمها علماء التشريح إلى ثلاثة أقسام: ١- الأذن الخارجية، وتتركب من صوان الأذن وصماخها، وتنتهي الأذن الخارجية بما يسمى عادة: بطبلة الأذن. ٢- والأذن الوسطى، وفيها عظيمات ثلاث صغيرة، تسمى عادة: بالمطرقة والسندان والركاب. ٣- والأذن الداخلية، وفيها أعضاء السمع الحقيقية، لانتشار ألياف العصب السمعي بأجزائها.

стр. 171

وتحدث عملية الإصدار والتلقي بين المتكلم والمستمع حين تُحْدِث الأصوات تموجات في الهواء الخارجي، يستقبلها الصوان ثم تمر في القناة السمعية الخارجية إلى أن تصل إلى الغشاء الطبلي، فيهتز اهتزازات مناسبة لتلك التموجات، وتصل هذه الاهتزازات إلى الأذن الداخلية بواسطة العظيمات الثلاث، ثم تسري الاهتزازات إلى المخ فتترجم وتفسر. فالسمع هو الحاسة الطبيعية التي لابد منها لفهم تلك الأصوات، بل إنه يتميز بأمور لا توجد في الحواس الأخرى. ومن ذلك فإن إدراك الأصوات اللغوية عن طريق السمع يدع سائر الأعضاء للانتفاع بها في أمور أخرى إلى جانب السمع، كما يستطيع الإنسان أن يدرك الأصوات من مسافة قد لا يستطيع النظر عندها إدراك شيء، وخاصة حين تحول موانع من جبال، كما أنه يستطيع أن يدرك الأصوات واتجاهاتها، هذا إلى جانب أن الصوت قد ينتقل ضد التيارات الهوائية ولكنه مع ذلك يسمع. السمع حاسة تستغل ليلا ونهارا، وفي الظلام والنور، في حين أن المرئيات لا يمكن إدراكها إلا في النور. ولكي ندرك فضل السمع، علينا أن نقارن بين الإنسان الذي فقد بصره وما عليه من رقي عقلي، وبين آخر أصم لا يسمع؛ فالنبوغ والذكاء كثير الاحتمال عند الأعمى، في حين أنه نادر ما يكون عند الصُّم وإن كانوا مبصرين. وبعد اكتشاف الراديو، أمكن أن يصبح السمع وسيلة من أهم الوسائل للتثقيف الشعبي، وأن يسمع الناس بعضهم بعضا على الرغم

стр. 172

من اختلاف الديار وتعدد الأوطان. فالسمع أبو الملكات اللسانية كما قال ابن خلدون، وليست الكتابة إلا وسيلة ناقصة لتصوير اللغات، فيها من الرموز ما لا حاجة إليه، كما ينقصها كثير من الرموز حتى يمكن أن يكون تصويرها للغة صححيا دقيقا، ثم هي مع هذا حديثة النشأة إذا قيست بنشأة النطق الإنساني، صنعها الإنسان ولم يتقن صنعها، ولا تزال تلك الرموز الكتابية بمثابة الجسد الخامد حتى يبعث فيها النطق حياة عن طريق الإلقاء.

стр. 173

التلوين الصوتي وأثره في الإدراك التلوين الصوتي يعين على الإدراك ويساعد على الفهم، ونحن نجد أن الكتابة تستخدم عدة طرق في تلوين الكتابة بألوان عدة تعين على إدراكها ومن ذلك: ١- استخدم اللون الأحمر والأزرق والأسود. ٢- استخدام الأحرف الكبيرة والصغيرة. - وضع خطوط تحت الكلمات المهمة والعناوين البارزة، إلى غير ذلك. فهناك طرق عديدة نلجأ إليها في تلوين اللغة المكتوبة، فهل يمكن أن نلون اللغة المنطوقة؟ للغة المنطوقة عدة طرق يلجأ إليها المتحدث المدرك لطبيعة ما يقول، ومن أهمها: درجة الصوت وشدته ونوعه ونبرته حتى يستطيع أن يعطي صوته اللون المطلوب.

стр. 174

١- درجة الصوت: الإنسان حين ينطق بالكلمات نرى أنه لا يتبع درجة صوتية واحدة، فالأصوات التي يتكون منها المقطع الواحد قد تختلف في درجة الصوت وكذلك الكلمات، ولاختلاف درجة الصوت أهمية كبرى إذ تختلف فيها معاني الكلمات تبعا لاختلاف درجة الصوت. والبحث عن نظام درجة الصوت وتسلسله في الكلام العربي يحتاج إلى معرفة درجات الموسيقى العربية، ذلك لأن التسلسل في درجة الصوت يخضع لنظام خاص يختلف من لغة إلى لغة. العوامل التي تؤثر في درجات الصوت الإنساني: القرب والبعد من مصدر الصوت: الهواء هو الوسط الذي ينتقل فيه أو من خلاله الصوت في معظم الحالات، فخلاله تنتقل الهزات من مصدر الصوت في شكل موجات حتى تصل إلى الأذن، وسرعة الصوت كما قررها العلماء في حوالي: ٣٣٢م/ ثانية. وتتوقف شدة الصوت أو ارتفاعه على بعد الأذن من مصدر الصوت، فعلى قدر قرب الأذن من ذلك المصدر يكون وضوح الصوت. ٢- شدة الصوت: لها أثرها في عملية تلوين الكلام، وتتوقف شدة الصوت على سعة الاهتزازة ودرجة الصوت pith كما برهن علماء الأصوات، وتتوقف على عدد الاهتزازات في الثانية، فإذا زادت الاهتزازات أو الذبذبات على عدد خاص ازداد الصوت حدة، فالصوت العميق عدد اهتزازته في الثانية أقل من الصوت الحاد.

стр. 175

٣- نوع الصوت: هو الصفة الخاصة التي تميز صوتًا من صوت وإن اتحدا في الدرجة والشدة، وهكذا نستطيع أن نميز الصوت الخارج من الآلات الموسيقية رغم احتمال اتحادهما في الدرجة والشدة، وتلك هي الصفة التي تميز صوتا إنسانيا من صوت آخر، وكثير من الناس يستطيعون التمييز بين أصوات أصدقائهم في الهاتف بمجرد نطقهم ببعض كلمات. ولذا يمكن استخدام صوتين من نوعين مختلفين لإلقاء حديث واحد، ويراعى أن يكونا مختلفين في الشدة والنبرة، وشدة الصوت الإنساني تتوقف إلى حد كبير على سعة الرئتين، ونسبة ضغط الهواء المندفع منهما، كماتتوقف أيضا على تلك الفراغات الرنانة أو ما يسمى بحجرات الرنين، التي يمر خلالها الهواء بعد الحنجرة، مثل: فراغ الحلق، وفراغ الفم، والفراغ الأنفي، وكلها تستغل في تضخيم الصوت، ومنحه صفته الخاصة به، والتي تميزه عن غيره من الأصوات، فهي أشبه بتلك الصناديق المجوفة التي تشد عليها أوتار العود، وأصوات الحنجرة وحدها ضعيفة، ولكنها تقوي بمرورها في تلك الفراغات الرنانة، واختلاف حجم هذه الفراغات بين الناس يجعل أصواتهم المختلفة متميزة، رغم أن تلك الفراغات لا تكاد تؤثر في درجات أصواتهم فقد تكون متحدة الدرجات أي أن: عدد الذبذبات في الحنجرة واحدة، ولكن مرور تلك الذبذبات خلال الفراغات يكسبها لونا خاصا بها يساعدنا على تمييز أصوات الأصدقاء من غيرها. ٤- نبرات الصوت: تنبئ عن الشعور الداخلي، معبرة عن صاحب

стр. 176

الصوت، فالكائن العضوي الذي ينطق بالكلمات يتأثر بما يعتمل في صدر المتحدث من إحساس داخلي ويستطيع الإنسان أن يدرك الارتباط الوثيق بين التعبير الصادق وبين غيره من الكلمات المشوبة بالافتعال، وعدم صدق الإحساس، فالكلام المعبر ينبع عن امتلاء داخلي بالشعور، أما تلوين الكلام ظاهريا دون سند من تدفق داخلي؛ فيؤدي إلى التكلف والسطحية، والتذوق الفني عند العرب كان معينا بإلقاء الكلام وبالإحساس بما فيه. العوامل التي تؤثر في ذلك: ١- السيطرة على الهواء المندفع من الرئتين وتحديد نسبة ما يندفع منهما من التنفس وتنظيم هذا حسب الإرادة. ٢-مرونة عضلات الحنجرة، فعلى قدر هذه المرونة تتوقف درجة الصوت، فكلما ازدادت مرونته كثرت الذبذبات وازداد الصوت حدة. ٣- طول الوترين الصوتيين يؤثر في درجة الصوت تأثيرا عكسيا، بمعنى أنه كلما طال الوتران الصوتيان قلت الذبذبات وترتب على قلتها عمق الصوت، حتى يصل في بعض الحالات إلى ما يسميه الموسيقيون بالقرار. ٤- ولكن نسبة شدة الوترين تؤثر تأثيرا مطردا في درجة الصوت، فالصوت المنبعث من ذبذبة وترين مشدودين شدا محكما يكون صوتا حادا، كصوت المغنيات، في حين أن غلظ الوترين في الرجال يقلل من نسبة هذا التوتر، مما يجعل درجة الصوت عند الرجال عميقة؛ لأن عدد الذبذبات أقل. وهكذا يمكن للإنسان أن يشكل في صوته وفي نغمته وفي نبرته وفي شدته وفي انخفاضه، إلى غير ذلك من الألوان التي تعينه على

стр. 177

التعبير وتعين المتلقي على الإدراك. يعد الصوت جزءا له أهمية بالنسبة للكلام، ففن الإلقاء يحتاج إلى صوت مميز معين، يتصف بالقوة والنبرات الواضحة المعبرة التي تحقق الهدف من توصيل القول إلى القلوب بأبعاده وألوانه، فالصوت الإنساني هو ككل الأصوات ينشأ من ذبذبات مصدرها في الغالب الحنجرة لدى الإنسان. الصوت الإنساني معقد إذ يتركب من أنواع مختلفة في الشدة ومن درجات صوتية متباينة، كما أن لكل إنسان صفة صوتية خاصة تميز صوته من صوت غيره من الناس، كما أن المولى أودع في صوت الإنسان القدرة على التشكيل وفقا لأغراض المعاني. فصوت الإنسان في أثناء حديثه لا يسير وفق شدة واحدة، أو درجة واحدة أو نغمة واحدة بل هو متعدد الشدة والدرجة والنغم وهو مع هذا أيضا ذو صفة خاصة تميزه عن غيره من أصوات الناس. وتتوقف درجة صوت المرء على سنه وجنسه: فالأطفال والنساء أَحَدُّ أصواتا من الرجال، وذلك لأن الوترين الصوتيين في الأطفال والنساء أقصر وأقل ضخامة، ويؤدي إلى زيادة في سرعتهما وعدد ذبذباتهما في الثانية. وهذا البحث حول اختلاف درجة الصوت بالنسبة للسن والجنس بحث طويل، اختلفت فيه أقوال العلماء قديماً وحديثا، ويتكلم الإنسان فتختلف درجة صوته عند معظم المقاطع، ولكن يندر أن يكون تغيير درجة الصوت في أثناء الكلام فجائيا بخلاف الغناء. ومن الحقائق العلمية التي تدعو إلى الدهشة والعجب أن علماء

стр. 178

التشريح لم يلحظوا أي فرق مادي بين حناجر النوع الإنساني، فحنجرة الإنسان ذي الصوت الذي يسحر الألباب، لا تكاد تختلف عن حنجرة العامل العادي من الناحية التشريحية، فليس في حنجرة المطرب أي عنصر مادي تمتاز به على حنجرة غيره من الناس، وإنما الفرق في الموهبة التي تظهر في التحكم والتشكيل والتلوين في الصوت وفي التنفس، فهو أقدر من غيره على تنظيم تنفسه والسيطرة على الهواء المندفع من الرئتين والقدرة على تكييفه وإخضاعه لنظام خاص في جريانه من الرئتين حتى يصدر من الفم أو الأنف، وإخضاعه لإرادتهم كما يفعل المغنون، فالمغني والمتحدث الجيد يستطيع بعد شيء من المران أن يملك زمام تنفسه وأن يحدد عدد ذبذبات الوترين الصوتيين كما يشاء، وكذلك ينوع في درجات صوته كما يوحي إليه فنه، ومن تلك الدرجات الصوتية المتباينة يكون مجموعة منسجمة من الأصوات هي التي تكون أصلح للأداء الجيد. وإلى جانب التلوين الإنساني لصوته هناك ألوان أخرى يمكن أن يلون بها الإنسان صوته عبر وسائل الاتصال الحديثة. ففي الإذاعة استطاع الإنسان أن يستخدم صدى الصوت Echo من التلوين، فهناك أجهزة التسجيل التي لها القدرة أن تغطي هذه النغمة المميزة، كما أنها قادرة على أن تعطي الصوت علوا وانخفاضا، هذا إلى جانب المؤثرات الصوتية على اختلاف أنواعها تعطي لونا يقترب بفن الإلقاء إلى الجو الطبيعي، مثل: استخدام أصوات الطيور والحيوانات، والطائرات، إلى غير ذلك مما يعطي للإلقاء معنى يساعد المستمع على الإدراك.

стр. 179

استخدام مكبر الصوت: الميكرفون لقد دخل مكبر الصوت حياتنا في كثير من اللقاءات والندوات، وأصبح من مستلزمات فن الإلقاء عبر الإذاعة المسموعة والمرئية، واحتاج إلى نمط خاص في الإلقاء. فالإلقاء ِأمام: الميكرفون قد غيَّر من طبيعة الإلقاء، فالجيد منه أصبح نوعا من الهمس وأضحت جهارة الصوت ليست مقياسا للجودة، فلقد كان القدماء يقولون: مما يزيد في حسن الخطابة وجلالة موقعها، جهارة الصوت، فإنه أجل أوصاف الخطباء، ولذلك قال الشاعر: جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم وذم شاعر آخر بعض الخطباء برِقَّة الصوت وضآلته فقال: ومن عجب الأيام أن قمت خاطبا ... وأنت ضئيل الجسم منتفخ السحر١ فرقة الصوت وضآلته بعد أن كانت تذم قديما، صارت أمام الميكرفون ميزة من مميزات الإلقاء. وجمال الصوت هبة من الخالق -سبحانه- تحتاج إلى الدربة والمران، حتى يأتي الصوت وقد تميز بأنه صوت رائق الجرس يتمشى مع طبيعة الإذاعة التي تقتضي المودة المتبادلة بين صوت المذيع وبين مستمعيه، ويتطلب هذا أن يكون الصوت زاخرا بأنواع المودة والمشاعر التي يكون التعبير بها في أصدق حالة بالصوت المذاع، فمكبر الصوت أكثر قدرة -دائما بالنسبة للكلام- على إبراز الجمال في الصوت الأقرب إلى

стр. 180

الانخفاض نسبيًّا على أن يتوافر معه الوضوح والنبرة الساحرة واللين والمرونة وهي المميزات التي يهبها الله تعالى للصوت الذي يتلاءم أكثر من غيره مع مكبر الصوت وكأن الميكرفون يحتويه ويترنم به متلذذًا ليودعه الأثير جرسًا عذبًا ينساب في يسر إلى أفئدة المستمعين، فالمؤدي أمام مكبر الصوت لم يعد يحتاج إلى الصياح الذي كان يلجأ إليه الممثل والخطيب من قبل. ومن الأشياء المنفرة التي لا ينبغي أن تكون في صوت من يلقي الخشونة والحبسة واللثغة والفأفأة وغيرها من الصفات التي عابها القدماء ١ والتي لا يصلح معها الصوت للإذاعة ولا علاج لها إلا الاتجاه نحو الطبقات العالية في الصوت، والعنف في الأداء يمكن علاجه بالتدريب على الأصوات وفنون الأداء والإلقاء. ويجب أن تكون لغة المذيع لغة سليمة واضحة لا تشوبها لهجة محلية تحول دون الفهم والإفهام، أو تباعد بينه وبين اللغة الفصحى التي ينبغي أن يستمع إليها الناس. والنطق الواضح يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالطريقة التي يمارسها المذيع في نطق الحروف، والنطق السليم يساعد بلا شك في تيسير الفهم للمستمع. ودراسة أصوات اللغة من صميم العمل الإذاعي أو بعبارة أخرى من مكملات النجاح الإذاعي حتى يتمكن من النطق السليم الواضح٢.
следующие страницы →