← Адаб

Адаб · id 11275

فن الإلقاء

طه عبد الفتاح مقلد

Полный текст (228 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الفصل الأول: نشأة فن الإلقاء مدخل ... نشأة فن الإلقاء لقد عني المسلمون الأولون بلغة القرآن الكريم، والحفاظ عليها، وبذلوا جهودهم في دراسة هذه اللغة، كما عنوا بدراسة صيغ الكلمات وحروفها ومخارجها ومجموع الأصوات التي تتكون منها اللغة. فحين انتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية ودخل الأعاجم في دين الله وأخذوا يتعلمون العربية، أحس أهل الحفاظ على لغة القرآن أن العربية على لسان غير العرب قد أصابها تغييرات في نطق الكلمات هددت بمسخ صورة وقعها وجرسها وطبيعة تكوينها وتركيبها، فغير العرب كانوا يستبدلون بأصوات عربية أخرى أصواتًا أسهل عليهم في النطق. ولا غرابة فقد دخلت اللغة العربية في صراع مع اللغة الفارسية وكذلك مع اللغة اليونانية كما اصطدمت العربية مع اللغة القبطية في مصر، واللغة البربرية في شمال أفريقيا. وأخذت تظهر اللغة العربية المولدة على ألسنة الأعاجم بخصائصها وصفاتها التي تغاير العربية، ولقد أوضح الجاحظ في كتاب

стр. 2

البيان والتبيين جانبًا من هذه اللغة المولدة واللهجات التي كانت تنطق بها، كما كشف ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان عن جانب من ذلك. هذا مما جعل العربية تصاب على ألسنة الأعاجم باللثغة واللكنة والعجمة والإغلاق وعدم الإبانة، وخشي العرب على لغتهم من طول مخالطة السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، وأخذوا يعملون جاهدين على تنقية اللغة والحفاظ على أصواتها وصونها من اللحن ومن تعسر النطق السليم بها. ولم يقف القدماء صامتين أمام هذه الظاهرة، ولكن كانوا أشد حرصًا على تنقية اللغة، والجهود التي بذلوها جهودًا توضح مدى الحرص على إعادة النطق السليم للعربية، وللذين يقرءون القرآن الكريم. فلقد وضعوا في ذلك كتبًا هي مراجع للدارسين في هذا الميدان، فأبو الفتح بن جني يقول في مقدمة كتابه سر صناعة الإعراب:....أن أضع كتابًا يشتمل على جميع أحكام حروف المعجم وأحوال كل حرف منها، وكيفية مواقعه في كلام العربية،.... وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها وانقسام أصنافها وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ورخوها وصحيحها ومعتلها.... ١. ومن يتصفح كتب القدماء فسيرى جهودًا لا تعرف الملل في سبيل ألا تنحرف أصوات العربية نتيجة لتأثرها باللغات الأخرى. وكانت هذه الدراسة حدثًا بارزًا في تاريخ العربية حين وضعوا

стр. 3

قواعد تكفل الحفاظ على النطق السليم وصون اللغة من التحريف. وأصبحت هذه القواعد صمام الأمان من انحراف الألسنة عبر عصور التاريخ، بل لم يسبق لأمة من الأمم أن فكرت من قبل ذلك في وضع قواعد للنطق. فالعرب هم أول أمة فكرت في وضع قواعد لنطق الأصوات اللغوية ثم أخذت عنهم بعد ذلك أمم كثيرة بعد أن أصاب لغتهم ما أصابها من تحريف أو انقسام مثل ما حث في اللغة اللاتينية أو في غيرها من لغات العالم. ولقد كان القرآن الكريم هو أساس هذه الدراسات التي قام بها أهل الحفاظ على اللغة، من أجل الأداء السليم للنص القرآني. وكان الهدف الأساسي من هذه الدراسات الصوتية هو الحفاظ على لغة القرآن وتلاوته حق تلاوة، وترتيله امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ١، والترتيل كما أوضح الزجاج: أن تبين القرآن تبيينًا، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، وإنما يتم بأن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع، وكما ذكر الليث، الترتيل تنسيق الشيء إذا تمهلت فيه وأحسنته، وقال الضحاك: اقرأه حرفًا حرفًا ٢. وظهر علم القراءات من أجل صيانة القرآن من التحريف والتغيير ومعرفة كيفية الأداء، فليس كل من سمع يقدر على الأداء ٣.

стр. 4

وقد عمل الأقدمون غاية جهدهم في وضع القواعد؛ لكي يحسن المؤمن قراءة القرآن ترتيلا وتجويدا.

стр. 5

صلة فن الإلقاء بعلم التجويد ولكي تتضح الصلة بين نشأة فن الإلقاء وما عرف بتجويد القرآن، نعود إلى تعريف التجويد، فنرى أن: التجويد: مصدر جوَّد تجويدا، والاسم منه الجودة ضد الرداءة، وهو في اللغة: التحسين، يقال: جود الرجل الشيء إذا أتى به جيدا، ويقال لقارئ القرآن المحسن تلاوته: مجود -بكسر الواو- إذا أتى بالقراءة مجودة -بفتح الواو- أي: الألفاظ بريئة من الجور والتحريف حال النطق بها عند القراءة. وفي الاصطلاح: إخراج كل حرف من مخرجه وإعطاؤه حقه -بفتح الحاء- من الصفات، فحق الحرف من الصفات أي: الصفات اللازمة الثابتة التي لا تنفك عنه بحال: كالجهر والشدة والاستعلاء والاستفال والإطباق والقلقلة إلى غير ذلك. وإعطاؤه مستحقة من الصفات العارضة التي تعرض له في بعض الأحوال، وتنفك عنه في البعض الآخر لسبب من الأسباب: كالترقيق، فإن الأول ناشئ عن صفة الاستفال، والثاني ناشئ عن صفة الاستعلاء، وكذلك الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء والمد والقصر إلى غير ذلك من الصفات ١

стр. 6

وعني علماء الإسلام بعلم القراءات والتدوين فيه، فكتب مجاهد كتابه السبعة وله كتاب القراءات الصغير والكبير ١. وكتب إسماعيل بن إسحاق المالكي المتوفى سنة ٣١٠هـ، الجامع فيه عددا من القراءات ٢، وألف أحمد بن جبير المتوفى ٣٥٨ هـ، كتابا ضمنه قراءة أئمة الأمصار الخمسة: مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة والشام ٣. وألف محمد بن أحمد الداجوني المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، كتابا سماه القراءات الثمانية، جمع فيه قراءة الأئمة السبعة المشهورين، وأضاف إليهم قراءة أبي جعفر٤، كما ظهرت مؤلفات في طبقات القراء، وفي الاحتجاج بالقراءات، بل ذكر لنا الفهرست لابن النديم، ووفيات الأعيان لابن خلكان، والوافي بالوفيات للصفدي، وبغية الوعاء للسيوطي، ومعرفة القراء الكبار على طبقات الأمصار للإمام الذهبي، وغيرهم ممن ذكروا لنا العديد من كتب القراءات التي ألفها السابقون. ولقد حفلت المكتبة العربية بكتب مطبوعة في علم القراءات من أهمها: - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لمكي بن أبي طالب القيسي: ٣٥٥- ٤٣٧هـ، ٥.

стр. 7

- إبراز المعاني من حرز الأماني شرح علي الشاطبية، تأليف عبد الرحمن بن إسماعيل المقدس الشهير بأبي شامة، توفي سنة ٦٦٥هـ١. - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، تأليف أحمد بن محمد الدمياطي ٢. - تحبير التيسير في القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة، تأليف الإمام محمد بن محمد الجزري، المتوفى سنة ٨٣٢هـ ٣. - منار الهدى في بيان الوقوف والابتدا، للأشموني ٤. - المكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الداني ٥. - الحجة في القراءات السبع، تأليف الحسين بن أحمد بن خالويه، المتوفى سنة ٣٧٠هـ ٦. - الحجة في علل القراءات السبع، تأليف الحسن بن أحمد الشهير، بأبي علي الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧هـ٧. - حجة القراءات، للإمام أبي زُرْعة ٨. - سراج القارئ المبتدئ وتذكرة القارئ المنتهي، شرح علي الشاطبية، تأليف أبي القاسم علي بن عثمان الشهير بابن الفاصح، المتوفى سنة ٨٠١ هـ ٩.

стр. 8

- طيبة النشر في القراءات العشر تأليف ابن الجزري ١. - غيث النفع في القراءات السبع، تأليف الشيخ علي النووي الصفاقسي ٢. - كتاب السبعة، لابن مجاهد، ت ٣٢٤هـ ٣. - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها، تأليف مكي بن أبي طالب القيسي، ت ٤٣٧هـ ٤. - كنز المعاني في شرح حرز الأماني، تأليف محمد بن أحمد الشهير بشعلة ٥. - التيسير في القراءات السبع، تأليف أبي عمرو الداني المتوفى سنة ٤٤٤هـ ٦. - حرز الأماني ووجه التهاني نظم في القراءات السبع، للإمام الشاطبي ٧. - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، تأليف أبي الفتح بن جني ٨. - مختصر شواذ القراءات تأليف الإمام خالويه ٩. - النشر في القراءات العشر، تأليف الإمام ابن الجزري ١٠.

стр. 9

- لطائف الإشارات لفنون القراءات، للقسطلاني ١. - غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري ٢. - الإقناع في القراءات السبع، لابن الباذش ٣. فغاية ما يسعى إليه فن الإلقاء هو إجادة القول، وأن يتعود القارئ على النطق السليم والقول الفصيح، مهتديا بما كتب من أحكام في فن التجويد الذي يعد أساسًا في دراسة علم الأصوات وإجادة النطق، ذلك لأن المقصود من تجويد القرآن هو قراءته بالطريقة الصحيحة، كما قرأها رسول الله ﷺ وكما قرأها الصحابة -رضوان الله عليهم- وذلك بالمحافظة على أحكامها من إدغام وإظهار وإقلاب وإخفاء ومد وغنة، وتبيين حروفه وإخراجها من مخارجها، وعدم الخلط بينها، والقراءة بتمهل وتأنٍ وفصاحة، وعدم الاستعجال في القراءة والتغني دون تكلف ولا تمطيط، ومن غير أن يتشبه بأهل الإلحاد والفساق وتحسين الصوت أثناء القراءة، وقد أمرنا الله بتجويد القرآن فقال: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ . ولكي يستطيع القارئ أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة عليه أن يرجع إلى ما وضعه الأئمة من ميزان يرجع إليه، وهو السند والرسم والعربية، فكل ما صح سنده، ووافق وجهًا من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه، أو مختلفا فيه اختلافًا لا يضر، ووافق خط مصحف من المصاحف فهو السبعة الأحرف المنصوصة في الحديث، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءة وجب قبولها سواء أكانت

стр. 10

عن السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ١. ووضع علماء القراءة ضوابط دقيقة للفصل بين قراءة مقبولة وأخرى مردودة، بحيث إذا وجدت هذه الضوابط في قراءة كانت صحيحة. وضوابط القراءة المقبولة تتلخص في: ١- أن ينقلها الثقات عن النبي ﷺ لأن القرآن هو المنقول إلينا بالتواتر. ٢- أن يكون لها وجه شائع في العربية التي نزل بها القرآن الكريم. ٣- أن تكون موافقة لخط المصحف٢. وقد أوضحها ابن الجزري في منظومته فقال: فكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان ٣ وتلك الأحكام التي توصل إليها العلماء في تجويد القرآن هي زاد له أهميته لمن أراد أن يتعرف على النطق السليم للعربية. فالقرآن الكريم قراءته هي أساس لتقويم اللسان، والعودة به إلى فصيح القول، فالقرآن لحكمة بالغة نزل مقروءًا ولم ينزل مكتوبًا، وتلقاه الرسول ﷺ من لدن حكيم خبير؛ ولذا كانت قراءة القرآن دعامة أساسية للنطق بالعربية وإجادة القول بها، وعِلْمُ القراءة أصل من أصول فن الإلقاء عني به السلف الصالح.

стр. 11

وإن درس الأقدمون الحروف ومخارجها وأوصافها، فإن دراسة الأصوات اللغوية لاقت رواجًا عبر العصور المختلفة وحظيت اللغة العربية بجهد كبير في البحوث المتصلة بعلم الصوتيات، هذا العلم الذي يعد أصلا من أصول فن الإلقاء وركيزة يرتكز عليها. وكثرت كتب القراءات في العصور المتأخرة وعني أصحابها برواية القراءات وسندها، ولذا نرى من الباحثين من يقول: ورغم كثرة كتب القراءات في العصور المتأخرة وعلاجها المسهب للقراءات السبع والعشر وغيرها، نرى أنها حين تعرض لأصوات اللغة تكتفي ببضع صفحات، تصف فيها مخارج الحروف وصفاتها، في صورة مقتضبة مختصرة، لا تخلو من الغموض أو التحريف في بعض الأحيان، كما أن عناية أصحابها قد وجهت كلها إلى رواية القراءات وسندها، معتمدين على تلقين القراءات وضبطها عن طريق التلقي الشفوي، جيلا بعد جيل، حتى انتهى الأمر إلى بضعة متون صغيرة سميت بعلم التجويد يحفظها الطالب عن ظهر قلب دون فهم في غالب الأحيان، وقد التزمت هذه المتون في غالب أحوالها، نصوص سيبويه وعباراته في شرح أصوات اللغة ووصفها١. وفي عصرنا هذا عنيت الجامعات والمعاهد بالقراءات وظهرت العديد من المؤلفات٢.

стр. 12

الدراسات الحديثة لقد عنيت الدراسة الحديثة بفن الإلقاء كعلم من العلوم اهتم به

стр. 13

العلماء، وتوالت الأبحاث النظرية والمعملية في معرفة طبيعة نطق الحرف، والمقطع والجملة، وأصبحت دراسة علم الأصوات من الدراسات التي أصبحت تخضع للتجريب والبحث عن مخارج الحروف، وتصحيح الأخطاء أمام معامل الأصوات التي أعطت تصورًا دقيقا لكل مخرج. كما ساعد علم التشريح بنصيب وافر في معرفة أجهزة النطق معرفة علمية، وأصبحت المنطقة التي خفيت عن القدماء وهي الحنجرة واضحة أمام الدراسات الحديثة وتبين دورها في تجويد الجهر والهمس، ودور الحنجرة في إصدار بعض الأصوات دون بعض مما أضفى على هذا العلم الموضوعية، وأضحت دراسته من الدراسات التي تخضع للتجريب. اتساع مجال فن الإلقاء كما دخل فن الإلقاء مجالات جديدة لم تكن معروفة من قبل. فلقد كانت الكلمة المنطوقة محدودة الطاقة، ولا تتجاوز في انتقالها حدود انتشارالصوت البشري، وما يمكن أن يصل إلى الأسماع أو ينتقل عن طريق الرواية وقد أصابها ما أصابها من تبديل أو تغيير. وبعد أن اكتُشف مكبر الصوت ساعد إيصال الكلمة المنطوقة إلى أكبر عدد من المستمعين، وأعطى مجالا جديدا لفن الإلقاء. وحين ظهرت الإذاعة اللاسلكية تمكن العلماء من نشر الكلمة المنطوقة من غير واسطة مادية أو محسوسة، مما أعطى لفن الإلقاء أبعادًا متعددة وعلاقات مترامية متميزة، وأصبح فن الإلقاء أداة اتصال بين الأفراد والجماعات والأمم مهما تباعدت، فلقد دعى فن الإلقاء ليقوم بدور عالمي في التفاهم بين الشعوب، واحتاج الإلقاء فيها إلى الاتصال غير المباشر حيث لا يرى الإنسان من يلقي إليه كما احتاج إلى

стр. 14

التعامل مع مكبرات الصوت ذات الأبعاد والاتجاهات المتعددة والحساسية المرهفة. وهذا مما جعل دراسة فن الإلقاء دراسة ذات أبعاد متعددة، وأساسا من أسس نجاح الخطيب في خطبته والداعي في دعوته، والمحاضر في محاضرته، والقادة والزعماء والرؤساء ورجال الإعلام، وغيرهم ممن يتحدثون إلى الناس عن طريق وسائل الاتصال المباشر وغير المباشر.

стр. 15

التعريف بفن الإلقاء وعناصره هو فن إيضاح المعاني بالنطق والصوت لكي تتوثق حلقة الاتصال بين المتكلم والمخاطب دون أن يشوبها اضطراب أو لبس حتى تأتي الصورة السمعية دقيقة في تفاصيلها. فالإلقاء يقوم بدور إيصال الكلام إلى المتلقي بطريقة واضحة بينه، ولهذا لابد من توفر ثلاثة عناصر هي: ١- عنصر الاتصال: فالإلقاء يقوم بإيصال الكلام إلى المستمع وبدون ذلك لا يعتبر الإلقاء إلقاء؛ لأن الكلام إن لم يصل إلى المستمع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فقد فقد أهم شرط وهو التلقي.

стр. 16

٢- عنصر الوضوح: ينبغي أن يكون الوضوح نصب عين من يلقي للناس قولا؛ ذلك لأن عدم الوضوح لاختلاف اللهجة أو العيب في النطق، أو العجمة، قد يؤدي إلى اللبس والغموض، والإلقاء يقوم على إيضاح المخارج الكلمة والجملة، وبهذا يتميز الإلقاء الجيد من غير الجيد. ٣- عناصر المعاني والبيان: هو من أهم ميزات الإلقاء الجيد وبه يتمكن المستمع من بيان حقيقة ما يلقى إليه دون إبهام في المعنى، فعيب أن يكون من يلقي على الناس قولا ألا يبين، ولذا يمكن القول إن: فن الإلقاء هو فن نطق الكلام على صورة توضح ألفاظه ومعانيه؛ ولذا ففن الإلقاء يتطلب: ١- توضيح الألفاظ. ٢- توضيح المعاني. فتوضيح الألفاظ: عن طريق النطق السليم وهذا يتطلب معرفة مخارج الحروف وصفاتها حتى لا تلتبس الكلمات. وتوضيح المعاني، بأن يأتي المتحدث بالنغمة الصوتية التي تناسب المعنى حتى يبدو واضحا بينًا وله وقعه المناسب على آذان السامعين له أو المتلقين له،

стр. 17

وذلك بأن يتمثل معناه في نفسه في كل كلمة أو جملة، ولا يحول دون ذلك عيب أو علة لا تساعده على البيان. ولكي تتوفر هذه العناصر الثلاثة لابد من وجود ثلاثة شروط تعين على ذلك، وتعرف بأصول فن الإلقاء، وهي: الموهبة، الاستعداد الشخصي، الدربة والمران. - الموهبة: فن الإلقاء يحتاج إلى أن يكون صاحبه ذا فطرة سليمة، وسليقة تعينه على النطق السليم، خاليا من العيوب الكلامية من لثغة وتأتأة وفأفأة، طلق اللسان يجيد إخراج الحروف من مخارجها، قادرًا على التحكم في نبرات صوته لا تعيبه لكنة ولا تحوله حبسة دون أن يبين، والموهبة تعد الأساس والمنطلق الذي يبنى عليه ومنه فن الإلقاء. - الاستعداد الشخصي: الاستعداد الشخصي له أهمية في مجال التفوق والنبوغ؛ ذلك لأن الموهبة وحدها لا تكفي للإلقاء فليس كل موهوب يجيد كل ما وهب الله له، فمن الناس من ينمي موهبته، ومنا من هو على خلاف ذلك، فالموهبة لابد أن يكون صاحبها عنده استعداد كامل، ورغبة ملحة في معرفة هذا الفن وممارسته، وهوايته، وحب العمل فيه، ذلك حتى تكون عنده البديهة المستعدة المتوثبة لمعرفة كل جوانب الفن، وتصبر على السير فيه حتى يتم له ما أراد، ولكي يسير السير السليم لابد له من الدربة والمران.

стр. 18

- الدربة والمران: من الواضح أن الدربة لها أثرها في كل عمل، وأن الموهبة والاستعداد الشخصي يحتاجان إلى العقل والتعليم والممارسة، والناس منهم من يكون عنده استعداد فطري وشخصي، ولكن لا يمارس عملا ما فلن يبرز فيه، ولكي ندرك أهمية التدريب والممارسة علينا أن نقارن بين إنسان حصلت عنده ملكة أو موهبة قوية ولا يدرب نفسه، وبين إنسان قلّت موهبته وأخذ نفسه بالدربة والمران، فسنجد الذي قد تدرب فاق صاحب الموهبة. إذن لابد من أن يأخذ الإنسان نفسه بالممارسة والمران لكي ينمي مواهبه التي فطر عليها، مدركين أن كثيرًا من الناس قد أصلحوا ملكة النطق فيهم بالمعاناة والممارسة، ذلك لكي يطب لعيوبه ويكمل النقص الذي يجده في نفسه، أو يجده غيره فيه. ولا شك في أن التدريب يبعد عنك الرهبة من السامعين أو المشتركين معك في الإلقاء، ويمنحك الثقة بالنفس والشجاعة على المواجهة، بل إن فرسان هذا الفن هم أكثرهم تدريبًا في الميدان حتى صار هذا الفن جزءًا من حياتهم، وإن تاريخ فن الإلقاء يروي لنا العديد ممن كان التدريب أساس تفوقهم في هذا الميدان. أهميته: ولكي ندرك أهمية هذا الفن في حياتنا علينا أن نعلم أن ما من أمة من الأمم إلا وتنهض بفن التحدث والإلقاء في لغتها، وتصنع الأسس والقواعد والأصول التي تعين على ممارسة الإلقاء الناجح عبر وسائل الإعلام وبين الناس. فقد صار فن الإلقاء وإجادة القول سبيلا من سبيل نجاح الخطيب

стр. 19

في خطبته، والمتحدث في حديثه والراوي في روايته، وأصبح طريقًا من طرق التغلب والسبق في دور القضاء والهيئات الدولية، والمجالس النيابية، والمحافل العامة والخاصة. وأضحى وسيلة من وسائل الدعوة والإمامة أمام الدعاة في كل ميدان من ميادين الدعوة, وسبيلا من سبل الإفصاح عما تجيش به الخواطر وتتحدث به النفوس، ومما تتحفه الأقلام من مخزون القول ونفائس الحكم. وهذه الدراسة سميت بفن الإلقاء ولم نقل: علم الإلقاء؛ وذلك لأن الإلقاء الجيد يعتمد أساسًا على الذوق والجمال في التعبير وإدراك أحوال المستمعين، قبل اعتماده على القواعد والقوانين، وفن الإلقاء أكثر دلالة على هذا الفن من فن الكلام أو علم الكلام، فعلم الكلام يراد به معنى الجدل وسمي أصحابه بالمتكلمين. وهذه الدراسة تعتمد أيضًا اعتمادًا كبيرا على القواعد الدراسات العلمية الخاصة بفن الإلقاء؛ ذلك لأن القواعد تصقل الموهبة وتنمي قدراتها على الأداء وتخرج كوامنها من النفس.

стр. 20

الفصل الثاني: الأصوات اللغوية كيف يحدث الصوت ... الأصوات اللغوية: كيف يحدث الصوت خلق المولى الإنسان وعلمه البيان وجعل له لسانًا وشفتين ومده بأحبال صوتية وأجهزة دقيقة أحكم الباري -سبحانه- صنعها، والعجيب أن من الناس من يتكلم ولا يشعر أنه يأتي حدثًا مهمًا في حياته وهو النطق، بالكلمات عبر جهاز صوتي ضخم دقيق؛ ولذا نراه يتحدث وكأنه يأتي حدثًا غير عادي لا يستحق التأمل والدرس، ومن الناس من يحسن التكلم، ويتأمل فيما أودع الله فيه من أعضاء للنطق تعينه على البيان والإفصاح فيأتي كلامه وكأنه نغم حلو أحسن قوله وانسجم معناه. وكثير منا من يبذل الجانب الأكبر من حياته في تعلم اللغة المكتوبة وكيفية كتابة الحرف وكيفية الْتِصَاقِهِ بالآخر حتى تتكون الكلمات، ولا يبذل جانبًا من حياته ليتعلم النطق السليم للغة التي يتحدث بها مع الناس، أو حتى يتعرف على أعضاء النطق وهذا أمر ضروري لكل من يحاول الاتصال بالناس أو يتحدث إليهم وخاصة إذا علم أن الكلمة المنطوقة تتميز بأنها وليدة الكلام، فهي لغة صوتية.

стр. 21

رمزية لا تدون على الورق، ولكنها لغة يصنعها الإنسان بجهازه الصوتي، ثم تنتقل عن طريق الإلقاء إلى المستمع. وتعددت فروع الدراسات اللغوية، فاللغة في ذاتها عبارة عن أصوات ذات دلالة. والأصوات يتولاها بالدراسة علم خاص هو علم الأصوات ويشتمل على مستويين من الدراسة: ١- علم الأصوات العام. ٢- علم الأصوات في سياقها أو علم الأصوات التشكيلي. علم الأصوات العام أو المجرد: هو العلم الذي يبدأ بدراسة التكوين التشريحي للجهاز النطقي دراسة تشريحية للتعرف على ما يتكون منه ودوره في عملية النطق. ثم يدرس وظيفة الأجزاء التشريحية المباشرة في إنتاج الأصوات سواء بحركة عضوية لدفع الهواء أو حبسه أو السماح للهواء أن يمر محتكًا في موضع الصوت. كما يدرس وظيفة العضو غير المباشر مثل وجود بعض التجاويف التي هي أشبه ما تكون بغرف الرنين التي تجمع الصدى وتشكل الصوت وتعطيه نغمته. بل إن أي عطب في غرف الرنين الإنسانية يؤثر على طابع الصوت من: الزكام أو الرشح أو اللحمية التي تصيب الأنف. فكل عضو من أعضاء النطق له وظيفته، وهذا يجعلنا أن نتعرف على:

стр. 22

علم الأصوات النطقي ARTICULATORY PHONETICS ويسمى كذلك علم الأصوات الوظائفي PHYSIOLOGICAL PHONETICS هو ذلك النوع من علم الأصوات الذي يهتم بدراسة حركات أعضاء النطق من أجل إنتاج أصوات الكلام أو الذي يعالج عملية الأصوات اللغوية، وطريقة هذا الإنتاج. والسؤال: كيف يتم إنتاج الصوت؟ أو كيف يحدث الصوت حين ينطق أحدنا بالكلمات؟ عندما يستعد الإنسان للكلام العادي يستنشق الهواء، فيمتلئ صدره به، وإذا بدأ في النطق، فإن عضلات البطن تتقلص قبل أول مقطع صوتي يتكلم به، ثم تتقلص عضلات القفص الصدري بحركات تدفع الهواء إلى أعلى عبر الأعضاء المنتجة للأصوات، وتتواصل هكذا في حركات بطيئة مضبوطة إلى أن ينتهي الإنسان من الجملة الأولى، فإذا فرغ منها فإن عملية الشهيق تملأ الصدر ثانية وبسرعة؛ استعدادًا للنطق بالجملة التالية وهكذا. والعملية الكلامية تتم في شكلها الأساسي عن طريق التحكم في هواء الزفير الصاعد من الرئتين إلى الجهاز الصوتي. وتختلف العملية الكلامية عن التنفس العادي في أن الثاني يتم بصورة صامتة في العادة لتحرك تيار الهواء دون عائق، أما العملية النطقية فلا يمر الهواء معها حرًا طليقًا -كما يحدث في حالة التنفس- وإنما يصادف الهواء في اندفاعه إلى الخارج أنواعًا من الضغط والكبح والتعويق حتى يولد صوت؛ ولذا يقسم جهاز النطق الإنساني إلى ثلاثة أقسام:

стр. 23

١- أعضاء التنفس التي تقدم الهواء المطلوب الذي يتدفق لإنتاج معظم الأصوات اللغوية. ٢- الحنجرة التي تنتج معظم الطاقة الصوتية التي يستعملها الإنسان في الكلام، بل هي التي تقوم بتنظيم الهواء الذي يتدفق. ٣- التجاويف فوق المزمار، وهذه التجاويف هي التي تقوم بدور حجرات الرنين، وفيها يتم تشكيل الصوت المستعمل في الكلام، وهذه التجاويف أشبه ما تكون بحجرات الرنين. حين يخرج الهواء من الرئتين، ويلتقي بالأوتار الصوتية، يتشكل على هيئة تنفس أو همس أو صوت، فحين يجد الهواء الأوتار الصوتية مفتوحة فتحًا تامًّا بحيث لا تتعرض طريقه عوارض، وهنا يمر الهواء دون أن يحدث صوتًا أو احتكاكًا أو ذبذبة، وهذا ما نسميه بالتنفس. وحين يجد الهواء الأوتار متقاربة بحيث يمكن أن يحتك الهواء بالأحبال الصوتية يحدث ما نسميه بالهمس. وحين يجد الهواء الأحبال الصوتية قريبة جدًا بحيث لا يمر بها دون أن يحدث ذبذبة، وفي هذه الحالة تنتج ذبذبات وهو ما اصطلح على تسميته بالجرس أو الصوت. ويتحول هذا الجرس إلى حسٍ له درجة وله قيمة صوتية، ذلك بعد أن يمر بحجرات الرنين، ويتكون من مجموع الجرس والأصداء الرئيسية، صوت له مقوماته الخاصة نتيجة لتحرك أعضاء النطق في الإنسان.

стр. 24

فحين يتكلم الإنسان نلاحظ أنه يقوم بحركات خاصة لفكه الأسفل وشفتيه ولسانه، فينتج من ذلك حركات لنطق الأصوات والكلمات ملونة بألوانها الصوتية الخاصة، وهذا ما اصطلح العلماء بتسميته بالأصوات اللغوية لما تحمله من دلالة أو معنى. ومن هنا ندرك أن الصوت اللغوي له جانبان: أحدهما عضوي، والآخر نَفَسِي، أو بعبارة تتردد وهي أن أحدهما يتصل بعملية النطق، والثاني يتصل بصفته. وعملية النطق تحدث في أي نقطة داخل الجهاز الصوتي أي في مكان ما بين الشفتين والأوتار الصوتية، وحين النظر في الأصوات والمقاطع التي تنطقها، هي تأثيرات صوتية طبيعية تستقبلها الأذن، ولكن الأصوات ما كانت لتوجد دون أعضاء النطق عبر جهاز أحكمه الباري . ولقد أوضح لنا اليوم علم التشريح أعضاء النطق توضيحًا بينا وكشف عن حكمة الله البالغة في هذا الجهاز الصوتي الدقيق المعجز، والذي يتكون من ستة عشر عضوًا، أو نقطة من نقاط الصوت البشري.

стр. 25

جهاز النطق جهاز النطق البشري يتكون من مجموعة من الأجهزة ترتبط بعضها ببعض وقد تعاونت كل نقطة مع الأخرى في حيز من الجهاز الصوتي، أو تشابك بعضها مع بعض لتؤدي صوتًا معينًا له مغزاه.

стр. 26

وإذا نظرنا نجد أن الحروف تختلف باختلاف مقاطع الصوت حتى شبه بعضهم الحلق والفم بالناي؛ لأن الصوت يخرج منه مستطيلا ساذجًا، فإذا وضعت الأنامل على خروقه، ووقعت المزاوجة بينهما سمعت لكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا وقع الصوت في الحلق والفم بالاعتماد على جهات مختلفة، سمعت الأصوات المختلفة التي هي الحروف ١. ثم ينتقل الصوت خلال الهواء الخارجي على شكل ذبذبات أو موجهات صوتية إلى الأذن. وجهاز النطق: Organs of speech في الإنسان عبارة عن أعضاء محدودة الحجم محدودة الأوضاع ينتج عن تشغيلها مجموعة من الأصوات، كما هو واضح في الصورة. ويتكون جهاز النطق من: ١- الحنجرة. ٢- الأوتار الصوتية. ٣- لسان المزمار. ٤- الفك السفلي. ٥- طرف اللسان. ٦- مقدمة اللسان. ٧- مؤخرة اللسان. ٨- الأسنان العليا. ٩- الأسنان السفلى.

стр. 27

١٠- الجدار الخلفي للحلق. ١١- اللهاة. ١٢- اللثة. ١٣- الطبق. ١٤- الغار. ١٥- الشفتان: الشفة السفلى، والعليا. ١٦- فتحة الأنف. ١- الحنجرة Larynx الحنجرة تقع في قمة القصبة الهوائية وهي عبارة عن صندوق غضروفي متصل بالطرف الأعلى للقصبة الهوائية، والحنجرة لها دورها البارز في عملية إخراج الصوت وسلامتها هي سلامة لكل الحروف، وليس للحروف التي تخرج منها فقط ولكن لبقية الحروف، فهي التي تساعد على إحداث الاهتزاز الصوتي عبر الأحبال الصوتية. والحنجرة ما هي إلا فتحات أو حجرات متسعة نوعًا ما، ومكونة من ثلاثة غضاريف: الأول أو العلوي ناقص الاستدارة من الخلف وعريض وبارز من الأمام، ويعرف الجزء البارز منه بتفاحة آدم. أما الفراغ الذي بين الوترين فيسمى بالمزمار، وفتحة المزمار تنقبض وتنبسط وفقًا لطبقة الصوت وذلك وفق نسبة شد الوترين واستعدادها للاهتزاز وللمزمار غطاء يسمى لسان المزمار وهو صمام يحمي طريق النفس في أثناء عملية بلع الطعام.

стр. 28

منظر أمامي للحنجرة والقصبة الهوائية منظر خلفي للحنجرة والقصبة الهوائية

стр. 29

وأمامك منظر أمامي تتكون منه الحنجرة والقصبة الهوائية ومنظر آخر خلفي لها، ويوصف الصوت القوي لقوة الحنجرة وضعفه بضعفها والتجاويف فوق المزمارية تقوم بدور حجرات الرنين وفيها تتم معظم أنواع الأصوات التي تستعمل في الكلام. وأعضاء التنفس لها دور في عملية النطق وذلك بدفع الهواء اللازم لذلك، وهي تشمل الرئتين والقصبة الهوائية، أما الرئة فهي جسم مطاط قابل للتمدد والانكماش، ولا يستطيع الحركة بذاته، ومن ثم فهو في حاجة إلى محرك يدفعه للتمدد والانكماش، وهذا المحرك هو الحجاب الحاجز من ناحية والقفص الصدري من ناحية أخرى، والرئتان مخزن للهواء بحسب حركة الحجاب الحاجز. وأما القصبة الهوائية فهي أنبوبة تتكون من غضاريف على شكل حلقات غير مكتملة من الخلف متصل بعضها ببعض بواسطة نسيج مخاطي كما هو واضح في الصورة. وتنقسم من أسفلها إلى فرعين رئيسيين هما الشعبتان اللتان تدخلان إلى الرئتين. ٢- الأوتار الصوتية: الأوتار الصوتية أهم عضو في الجهاز النطقي، وهما ليسا في الحقيقة وترين، وعلى هذا فالكلمة وتر أو chord ليست دقيقة، إذ إنها في الحقيقة شفتان Lips أو شريطان -مربوطان- من العضلات يتصل بها نسيج، وهما يقعان متقابلين على قمة القصبة الهوائية ومثبتان، وعند نهايتهما من الأمام تفاحة آدم، بحيث يتاخم كل منهما الآخر ولكنهما قابلان للحركة أفقيا من الخلف، حيث يتصلان بغضاريف

стр. 30

النسيج الخلفي الهرمي، كما هو واضح في هذا الشكل. رسم تبسيطي للوترين الصوتيين وهما مفتوحان. ويمكن للحنجرة أن تتحرك إلى فوق وتحت وأمام وخلف، والحركة إلى أعلى وأسفل مهمة جدًا في النطق؛ لأنها تغير من شكل وحجم الرئتين، فتؤثر على نوع الرنين الحنجري وطبيعة الصوت. وحركة الأوتار الصوتية معقدة، ولكن التصوير السريع أعطانا فكرة عن هذه الذبذبات وجهاز قياس سرعة التردد قد استخدم في رصد حركة الأوتار وذبذبتها، وقد وجد أن معدل التذبذب للأوتار الصوتية يتفاوت بين ٦٠ و ٧٠ دورة في الثانية لأخفض الأصوات الرجالية وبين ١٢٠٠ و ١٣٠٠ لارتفاع الصوت الموسيقى. ومتوسط الذبذبات للرجل بين ١٠٠و ١٥٠ وللمرأة بين ٢٠٠و

стр. 31

٣٠٠، والأوتار الصوتية عند الرجل أطول وأغلظ منها عند المرأة. في الحنجرة توجد الأوتار الصوتية وهي وتران اثنان على شكل نصف دائرة، وهما كما هو واضح في الصورة رباطان مرنان يشبهان الشفتين يمتدان أفقيا. إذا امتد الوتران أغلقا فتحة الحنجرة ومنعا الهواء الرئوي من المرور ولهما القدرة على اتخاذ أوضاع تؤثر في الأصوات هي: ١- وضع الارتخاء التام: وهو وضع التنفس العادي. ٢- وضع الذبذبة: وهو الذي ينتج نوعًا من الأصوات يسمى بالأصوات المجهورة. ٣- وضع الامتداد وقفل الهواء وهو الوضع الذي ينتج الهمزة في اللغة العربية. ولمعرفة حجرات الرنين وأماكنها يمكن أن ننظر إلى هذه الصورة. حجرات الرنين الأربعة الرئيسية في الجهاز النطقي.

стр. 32

الجوف: ويقصد به جوف الحلق والفم، أو الخلاء الداخل في الفم. الحلق: وهو الذي يقع بين الحنجرة والفم، ويقسم إلى ثلاثة أقثسام هي: ١- أقصى الحلق. ٢- وسط الحلق. أدناه أو أقربه. منظر أمامي للحلق ويتضح فيه الغضروفان المدرقيان

стр. 33

والحلق إلى جانب أنه مخرج لبعض الأصوات اللغوية فهو فراغ رنان يعمل على تضخيم بعض الأصوات بعد خروجها من الحنجرة، ومدح العرب سعة الفم؛ لأن سعة الفم تعين على قوة الصوت ولهذا كانوا يمدحون الجهير بالصوت، ويذمون الضئيل الصوت، ولهذا أخذوا يتشدقون بالكلام مادحين سعة الفم، ذامين صغر الفم أو ضيقه. وسألوا عن الجمال، فقال بعضهم: القامة وضخم الهامة ورحب الشدق وبُعْد الصوت. ٣- اللسان: هو أهم أعضاء النطق، وهو عضو يتميز بالحركة والمرونة ويستعمل في كثير من اللغات بمعنى اللغة ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ [الشعراء: ١٩٥] . ويقسم إلى أربعة أقسام هي: ١- أقصاه. ٢- وسطه. ٣- وحافته. ٤- وطرفه. وهو يحتوي على عدد كبير من العضلات التي تمكنه من التحرك والتلوي والانكماش، وامتدح اللسان وذم اللسان لما له من مقدرة على القول الفصيح والعِيِّ في القول، ولمعرفة أهمية اللسان ننظر إلى قول حسان بن ثابت حين قال له النبي ﷺ : ما بقي من لسانك؟ فأخرج حسان لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: والله لو وضعته على صخر لفلقه أو على شعر لحلقه، وكانوا يذكرون عن قوة اللسان فيقولون: كأن لسانه ثور.

стр. 34

الحنك: هو المنطقة التي يتصل بها اللسان في أوضاعه المختلفة، ليكون مخرج لكثير من الأصوات. وينقسم الحنك إلى خمسة أقسام: أ- الأسنان. ب- أصولها. ج- وسط الحنك، الجزء الصلب منه. د- أقصى الحنك، الجزء اللين منه. هـ- اللهاة. ٤- الشفتان: وهي كما في الصورة يمكن أن تقسم إلى: رباط الشفة السفلى والعليا، وما بين الشفتين، ويكفي أن نعرف أهميتها، وأهمية اللسان فيما ذكره الحق: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ, وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ ونلاحظ تغيرًا في شكل الشفتين عند النطق فهما تنفرجان وتنطبقان وتستديران. ٥- الخيشوم: وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم وهو في بعض الأقوال أقصى الأنف، وهو مخرج الغنة. ولمعرفة أهمية الخيشوم ومرور الهواء فيه أغلق فتحة الأنف وحاول أن تنطق بحرف النون: إن، فتسجد أن إغلاقه يحول دون النطق السليم للحرف.

стр. 35

٦- الأسنان: من أعضاء النطق الثابتة ولاسيما العليا منها، ولها دورها في نطق الأصوات اللثوية بمساعدة أحد الأعضاء المتحركة كاللسان والشفة السفلى، ولكي تعرف أهميتها، انظر ما قاله سهل بن هارون لرجل زنجي خلع ثناياه ١: لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف وتكميل جمال البيان لما نزع ثناياه. فالثنيتان والرَّباعيتان لهما دور في إقامة الحروف وسلامة النطق، فلقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في سهيل بن عمرو والخطيب: يا رسول الله انزع ثنيتيه السفليتين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا. وقيل: إن معاوية ﵁-لم يتكلم على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطّست. وقال أبو الحسن المدايني لما شد عبد الملك أسنانه بالذهب قال: لولا المنابر ما باليت متى سقطت. وقيل: إن من سقطت كل أسنانه استطاع التحدث إلى حد ما، هذا بخلاف من ذهب شطر من أسنانه، أو الثلثين منها، ذلك للاعتدال والاستواء. ٧- الرئتان: وإن أهمل كثير من الدارسين ذكرهما إلا أن لهما دور واضح في عملية التنفس، وبغير التنفس لا يكون الكلام بل قد تنعدم الحياة.

стр. 36

للإنسان، كما أن لمقدار خروج النفس والتحكم فيه دور في جمال الصوت وقيمته، ويدرك ذلك الذين يصابون بنوبات البرد ويشعرون أثر ذلك على الكلام، ومن الملاحظ علميا أن بعض أعضاء هذا الجهاز الصوتي ثابت والآخر متحرك. كما أن الوظيفة الأساسية لهذا الجهاز ليست مقصورة على النطق باللغة، ولكن خلقها الله لتؤدي وظائف أخرى إلى جانب ذلك، فمثلا: الأوتار الصوتية صمام خلقه الله لحفظ الرئتين إلى جانب الذبذبات الصوتية، والتجويف الأنفي حجرة لتكييف الهواء، واللسان عضلة في نهاية الإعجاز والتعقيد، بل إن كل منطقة لها وظيفة من وظائف الإحساس والتذوق، فالشفتان تستخدمان في تلقي الطعام ومنعه من الخروج من الفم، كما تستخدم في المساعدة على الامتصاص، والأسنان والأضراس لتقطيع الطعام ومضغه، واللسان لتقليب الطعام في الفم وتذوقه، والأوتار تؤدي وظيفة الهواء للرئتين وحفظها ولحبس الهواء فيها للحاجة. فالنطق ليس إلا وظيفة من الوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء والمحافظة على أعضاء النطق سبيل من سبل إجادة القول وروعة الإلقاء، بل إن أي عيب أو علة تصيب عضوًا من أعضاء النطق تؤثر تأثيرًا يتفق مع وظيفة هذا العضو، وإذا أدركنا أن من أصيب في أحباله الصوتية يتعذر عليه النطق وقد يبرأ مما أصابه أو يحال بينه وبين الكلام. وكل منطقة من مناطق الجهاز الصوتي تؤدي دورًا في إخراج الحروف ولن يتم التعرف على هذا الدور بوضوح إلا إذا أدركنا طبيعة المخارج ومخرج كل حرف من حروف اللغة.

стр. 37

مخارج الأصوات: طبيعتها، أنواعها فن الإلقاء يعتمد على النطق السليم الذي يتطلب إخراج أصوات١ الكلمات من مخارجها. ذلك لأن إخراج الأصوات من مخارجها يساعد على الوضوح في فن الإلقاء، وعلى البيان، ويجنب الأخطاء التي تحدث من تقارب بعض المخارج، وإحلال بعضها مكان بعض، كما تمكن الدارس من التخلص من كثير من العيوب مثل: الخشونة والحبسة والفأفأة واللثغة، تلك العيوب التي عابها القدماء والمحدثون والتي تعوق الإبانة والنطق السليم. وبذل الأقدمون جهودا مشكورة في محاولة التعرف على مخارج الأصوات، ومن أبرز الذين عنوا بذلك: الخليل بن أحمد الفراهيدي٢، وكان عالما من أعلام اللغة، عني بدراسة أصوات اللغة، وكان مرهف الحس للأصوات وخاصة في علاجه للعروض، وفي إدراكه لمخارج الأصوات، وترتيبه للمعجم حسب المخارج، كما استطاع أن يترك لنا وصفا دقيقا لأصوات اللغة ومخارجها وصفاتها، فلقد وجد أن الترتيب الهجائي يختلف عن ترتيب مخارج الأصوات، فآثر أن يختار ترتيبا آخر وفق مخارج الأصوات.

стр. 38

ورتب معجمه: العين، تبعا لمخارج الأصوات، فبدأ بأصوات الحلق، وجعلها أقساما، ثم أصوات أقصى الفم، ثم أصوات وسط الفم، ثم أدنى الفم، ثم الشفتين١. ومن بعد الخليل بن أحمد، نرى تلميذه عُمر بن قنبر، الملقب بسيبويه٢، فيلخص لنا في كتابه المعروف: بالكتاب، آراء الخليل بن أحمد في نطق أصوات اللغة، وتلك ظاهرة نجدها عند الذين جاءوا بعده، فلقد كان العلماء يقدرون كتاب سيبويه ويحفظونه ويعنون بالألفاظ والعبارات التي دونها في معرفة مخارج الحروف وصفاتها، ويعد كتاب سيبويه من أقدم وثائق ذلك التراث الخالد في معرفة التحليل الصوتي. ومن بعدهما يأتي ابن جني٣، ويضع للناس كتابه: سر صناعة الإعراب، في القرن الرابع الهجري، ويوضح فيه مخارج الأصوات، ومن بعده نجد كتاب: المفصل للزمخشري، في القرن السادس الهجري. وكتاب: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، في أوائل القرن التاسع الهجري، يوضح آراء العلماء ويناقش ما انتهوا إليه في معرفة مخارج الأصوات. - المخارج جمع مخرج، وهو اسم لموضع خروج الصوت،

стр. 39

ومخرج الصوت هو الحيز المولد للصوت، أو المكان الذي يخرج منه الصوت، ويكون إما في الحلق أو في اللسان أو الشفتين. وإذا أردت أن تتعرف على مخرج الصوت، أي مكان ظهوره الذي ينقطع عنده صوت النطق به، فاتِ بالحرف الذي تريد أن تتعرف عليه مُسَكَّنا، أو مشددا، وأدخل عليه همزة الوصل، وحركه بأي حركة كانت، وقل: إن أفضل الحركات هي أن تحرك بالكسر١، فإذا أردت أن تنطق بالباء فقل: اب، وبالكاف فقل: اك، وبالطاء: اط، وكذلك سائر الحروف، وحيث ينتهي الصوت بالحرف فهو مخرجه. ومخارج الأصوات نوعان: عامة وخاصة. والعامة: هي ما اشتمل المخرج الواحد على مخرج أو أكثر. والخاصة: تكون لمخرج واحد فقط. عدد المخارج: قسمت المخارج إلى سبعة عشر مخرجا، ورتبت مع خروج النفس أو الهواء، فالنفس يخرج من الرئة صاعدا إلى الفم؛ ولذا رتبت الحروف على الوجه الذي تخرج منه، وتنحسر في مناطق محدودة وهي: الجوف، الحلق، اللسان، الشفتان، الخيشوم. أولا: الجوف أي: جوف الحلق والفم، وهو عبارة عن الفراغ الممتد من الصدر عبر الحلق والفم، وهو ليس بمخرج محدد في نظر بعض الباحثين.

стр. 40

ويخرج منه أحرف أصوات المد الثلاثة: الألف، والواو الساكنة بعد ضم، والياء الساكنة بعد كسر، ويقال لها: الأحرف الجوفية، لخروجها من الجوف. ووصف القدماء لأصوات المد يشبه إلى حد كبير علاج المحدثين؛ لأنها مما يسميه الأوربيون vowels وهي التي لا تصادف حوائل أو موانع في طريقها. ثانيا: الحلق ويخرج منه ثلاثة مخارج لستة أحرف، ويقال لها: الحروف الحلقية، وهي موزعة كالتالي: ١- من أقصى الحلق: أي أسفله إلى جهة الصدر، تخرج منه الهمزة والهاء: أ، هـ، والهمزة رغم شيوعها في العربية لم يرمز لها الرسم العربي برمز خاص ككل الأصوات الساكنة١. ٢- من وسط الحلق: تخرج العين والحاء: ع، ح. ٣- من أدنى الحلق: أي أقربه إلى الفم، تخرج الغين والخاء: غ، خ، وأصوات الحلق ماعدا الهمزة أصوات رخوة، كما وصفها القدماء والمحدثون، وعلماء الأصوات اللغوية لم يحاولوا حتى الآن تحديد وظيفة الحلق بين أعضاء النطق، ولعل البحوث المستقبلة تكشف لنا عن أسرار جديدة لأصوات الحلق وما يحدث حين النطق بها واختلاف ذلك باختلاف الشعوب والأمم.
следующие страницы →