← Адаб

Адаб · id 11275

فن الإلقاء

طه عبد الفتاح مقلد

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

للإنسان، كما أن لمقدار خروج النفس والتحكم فيه دور في جمال الصوت وقيمته، ويدرك ذلك الذين يصابون بنوبات البرد ويشعرون أثر ذلك على الكلام، ومن الملاحظ علميا أن بعض أعضاء هذا الجهاز الصوتي ثابت والآخر متحرك. كما أن الوظيفة الأساسية لهذا الجهاز ليست مقصورة على النطق باللغة، ولكن خلقها الله لتؤدي وظائف أخرى إلى جانب ذلك، فمثلا: الأوتار الصوتية صمام خلقه الله لحفظ الرئتين إلى جانب الذبذبات الصوتية، والتجويف الأنفي حجرة لتكييف الهواء، واللسان عضلة في نهاية الإعجاز والتعقيد، بل إن كل منطقة لها وظيفة من وظائف الإحساس والتذوق، فالشفتان تستخدمان في تلقي الطعام ومنعه من الخروج من الفم، كما تستخدم في المساعدة على الامتصاص، والأسنان والأضراس لتقطيع الطعام ومضغه، واللسان لتقليب الطعام في الفم وتذوقه، والأوتار تؤدي وظيفة الهواء للرئتين وحفظها ولحبس الهواء فيها للحاجة. فالنطق ليس إلا وظيفة من الوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء والمحافظة على أعضاء النطق سبيل من سبل إجادة القول وروعة الإلقاء، بل إن أي عيب أو علة تصيب عضوًا من أعضاء النطق تؤثر تأثيرًا يتفق مع وظيفة هذا العضو، وإذا أدركنا أن من أصيب في أحباله الصوتية يتعذر عليه النطق وقد يبرأ مما أصابه أو يحال بينه وبين الكلام. وكل منطقة من مناطق الجهاز الصوتي تؤدي دورًا في إخراج الحروف ولن يتم التعرف على هذا الدور بوضوح إلا إذا أدركنا طبيعة المخارج ومخرج كل حرف من حروف اللغة.

стр. 37

مخارج الأصوات: طبيعتها، أنواعها فن الإلقاء يعتمد على النطق السليم الذي يتطلب إخراج أصوات١ الكلمات من مخارجها. ذلك لأن إخراج الأصوات من مخارجها يساعد على الوضوح في فن الإلقاء، وعلى البيان، ويجنب الأخطاء التي تحدث من تقارب بعض المخارج، وإحلال بعضها مكان بعض، كما تمكن الدارس من التخلص من كثير من العيوب مثل: الخشونة والحبسة والفأفأة واللثغة، تلك العيوب التي عابها القدماء والمحدثون والتي تعوق الإبانة والنطق السليم. وبذل الأقدمون جهودا مشكورة في محاولة التعرف على مخارج الأصوات، ومن أبرز الذين عنوا بذلك: الخليل بن أحمد الفراهيدي٢، وكان عالما من أعلام اللغة، عني بدراسة أصوات اللغة، وكان مرهف الحس للأصوات وخاصة في علاجه للعروض، وفي إدراكه لمخارج الأصوات، وترتيبه للمعجم حسب المخارج، كما استطاع أن يترك لنا وصفا دقيقا لأصوات اللغة ومخارجها وصفاتها، فلقد وجد أن الترتيب الهجائي يختلف عن ترتيب مخارج الأصوات، فآثر أن يختار ترتيبا آخر وفق مخارج الأصوات.

стр. 38

ورتب معجمه: العين، تبعا لمخارج الأصوات، فبدأ بأصوات الحلق، وجعلها أقساما، ثم أصوات أقصى الفم، ثم أصوات وسط الفم، ثم أدنى الفم، ثم الشفتين١. ومن بعد الخليل بن أحمد، نرى تلميذه عُمر بن قنبر، الملقب بسيبويه٢، فيلخص لنا في كتابه المعروف: بالكتاب، آراء الخليل بن أحمد في نطق أصوات اللغة، وتلك ظاهرة نجدها عند الذين جاءوا بعده، فلقد كان العلماء يقدرون كتاب سيبويه ويحفظونه ويعنون بالألفاظ والعبارات التي دونها في معرفة مخارج الحروف وصفاتها، ويعد كتاب سيبويه من أقدم وثائق ذلك التراث الخالد في معرفة التحليل الصوتي. ومن بعدهما يأتي ابن جني٣، ويضع للناس كتابه: سر صناعة الإعراب، في القرن الرابع الهجري، ويوضح فيه مخارج الأصوات، ومن بعده نجد كتاب: المفصل للزمخشري، في القرن السادس الهجري. وكتاب: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، في أوائل القرن التاسع الهجري، يوضح آراء العلماء ويناقش ما انتهوا إليه في معرفة مخارج الأصوات. - المخارج جمع مخرج، وهو اسم لموضع خروج الصوت،

стр. 39

ومخرج الصوت هو الحيز المولد للصوت، أو المكان الذي يخرج منه الصوت، ويكون إما في الحلق أو في اللسان أو الشفتين. وإذا أردت أن تتعرف على مخرج الصوت، أي مكان ظهوره الذي ينقطع عنده صوت النطق به، فاتِ بالحرف الذي تريد أن تتعرف عليه مُسَكَّنا، أو مشددا، وأدخل عليه همزة الوصل، وحركه بأي حركة كانت، وقل: إن أفضل الحركات هي أن تحرك بالكسر١، فإذا أردت أن تنطق بالباء فقل: اب، وبالكاف فقل: اك، وبالطاء: اط، وكذلك سائر الحروف، وحيث ينتهي الصوت بالحرف فهو مخرجه. ومخارج الأصوات نوعان: عامة وخاصة. والعامة: هي ما اشتمل المخرج الواحد على مخرج أو أكثر. والخاصة: تكون لمخرج واحد فقط. عدد المخارج: قسمت المخارج إلى سبعة عشر مخرجا، ورتبت مع خروج النفس أو الهواء، فالنفس يخرج من الرئة صاعدا إلى الفم؛ ولذا رتبت الحروف على الوجه الذي تخرج منه، وتنحسر في مناطق محدودة وهي: الجوف، الحلق، اللسان، الشفتان، الخيشوم. أولا: الجوف أي: جوف الحلق والفم، وهو عبارة عن الفراغ الممتد من الصدر عبر الحلق والفم، وهو ليس بمخرج محدد في نظر بعض الباحثين.

стр. 40

ويخرج منه أحرف أصوات المد الثلاثة: الألف، والواو الساكنة بعد ضم، والياء الساكنة بعد كسر، ويقال لها: الأحرف الجوفية، لخروجها من الجوف. ووصف القدماء لأصوات المد يشبه إلى حد كبير علاج المحدثين؛ لأنها مما يسميه الأوربيون vowels وهي التي لا تصادف حوائل أو موانع في طريقها. ثانيا: الحلق ويخرج منه ثلاثة مخارج لستة أحرف، ويقال لها: الحروف الحلقية، وهي موزعة كالتالي: ١- من أقصى الحلق: أي أسفله إلى جهة الصدر، تخرج منه الهمزة والهاء: أ، هـ، والهمزة رغم شيوعها في العربية لم يرمز لها الرسم العربي برمز خاص ككل الأصوات الساكنة١. ٢- من وسط الحلق: تخرج العين والحاء: ع، ح. ٣- من أدنى الحلق: أي أقربه إلى الفم، تخرج الغين والخاء: غ، خ، وأصوات الحلق ماعدا الهمزة أصوات رخوة، كما وصفها القدماء والمحدثون، وعلماء الأصوات اللغوية لم يحاولوا حتى الآن تحديد وظيفة الحلق بين أعضاء النطق، ولعل البحوث المستقبلة تكشف لنا عن أسرار جديدة لأصوات الحلق وما يحدث حين النطق بها واختلاف ذلك باختلاف الشعوب والأمم.

стр. 41

وأصوات الحلق ماعدا الهمزة كما يصفها القدماء والمحدثون أصوات رخوة. وأصوات الحلق هذه كما حددها سيبويه، قد دلت التجارب الحديثة على صحة كلامه، فلكل صوتين من أصوات الحلق حيز معين يحلان فيه معا، دون ترتيب لأحدهما على الآخر. ولوحظ أن بعض المتأخرين من العلماء كانوا يظنون أن العين تسبق الحاء، وأن الغين تسبق الخاء، على حين أن بعضا آخر منهم كان يرى العكس في هذا الترتيب١. وقد أشار ابن الجزري في كتابه: النشر إلى هذا الخلاف، وأوضح أسبابه؛ ولذا يمكن الرجوع إليه٢. ثالثا: اللسان يخرج منه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا: ١- أقصى اللسان: أي أسفله مما يلي الحلق، وما فوقه من الحنك الأعلى، من منبت اللهاة، يخرج منه حرف واحد وهو القاف: ق. ٢- أقصى اللسان: من أسفل مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، وأقرب من مخرج القاف، تخرج الكاف: ك. ويقال للكاف والقاف: حرفان لهويِّان، نسبة إلى اللَّهَاة. ٣- وسط اللسان: مع اقترابه من الحنك الأعلى، تخرج الجيم والشين

стр. 42

والياء: ج، ش، ي ويقال لهذه الحروف: الشَّجَريَّة؛ لخروجها من شجر الفم، أي: منفتحة، والياء يعني بها غير المَدِّية، وهي المتحركة مطلقا، أو الساكنة بعد فتح. ٤- من إحدى حافتي اللسان، مع ما يليه من الأضراس العليا في الجانب الأيسر على كثرة، أو اليمنى على قلة يخرج منه الضاد: ض. ٥- أدنى حافتي اللسان: أي أقربها إلى منتهى طرفه بعد مخرج الضاد، يخرج حرف واحد، وهو اللام: ل، وهو أوسع الحروف مخرجا. ٦- من رأس اللسان: مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، فويق الثنيتين العليتين، تخرج النون الساكنة: ن، ولو تنوينا والمدغمة، وكذلك المتحركة. أما النون المخفاة -إخفاء النون- فتتحول من طرف اللسان إلى قرب مخرج ما تخفي عنده الحروف، والمدغمة مطلقا أو بغيرها في غير مثلها؛ فتتحول إلى ما تدغم له. ٧- طرف اللسان مع ظهره مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، فويق الثنيتين تخرج الراء: ر. والحروف الثلاثة: اللام والنون والراء، يقال لها: حروف ذلقية؛ لخروجها من منذلق اللسان، أي طرفه. ٨- طرف اللسان مع ما يقابل من أعلى الثنيتين العليتين، مصعّدا إلى جهة الحنك الأعلى، يخرج ثلاثة أحرف: الطاء والدال والتاء: ط، د، ت، ويقال لها: نطعية، لخروجها من نَطْع الغار أي: سقفه. ٩- طرف اللسان: ومن فويق الثنيتين السفليتين، مع فرجة قليلة، تخرج: الصاد، والزاي، والسين: ص، ز، س. ١٠- طرف اللسان وأطراف الثنيتين العليتين: أي رأسيهما تخرج ثلاثة

стр. 43

أحرف الظاء فالذال فالثاء: ظ، ذ، ث، ويقال لها: حروف لثوية، نسبة إلى اللثة العليا، وينصح عادة بإخراج اللسان عند النطق بها. رابعًا: الشفتان ويخرج منها مخرجان: ١- باطن الشفة السفلى مع طرف الثنيتين العليتين، تخرج الفاء: ف. ٢- ما بين الشفتين معا ويخرج ثلاثة أحرف: الباء، والميم، والواو غير المدية: ب، م، و، إذ إن الواو المدية وهي الساكنة بعد ضم، فهي تخرج- كما سبق- من جوف الحلق. الأصوات الشفوية هي: الباء: صوت شديد مجهور مخرجه. والميم: صوت لا هو بالشديد ولا بالرخو بل يسمى بالأصوات المتوسطة. والفاء: صوت شفوي أسناني وهو صوت رخو مهموس وليس للفاء العربية نظير مجهور كالذي نشهده في معظم اللغات الأوروبية ويرمز له: ٧. خامسًا: الخيشوم وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم والمركب فوق سقفه، وليس بالمنخر، وقيل: هو أقصى الأنف، ويخرج منه مخرج الغنة أي: النون والميم الساكنتين حالة الإخفاء، أو ما في حكمه من الإدغام بغنة، وهي صفة تقوم بالميم والنون إذا شُدِّدَتَا أو سكنتا.

стр. 44

إخراج الصوت: ويرى بعض المحدثين١ أن الصوت يولد عند التقاء عضوين ولهذا ينبغي أن يسمى بموضع الصوت، أما مخرج الصوت في رأيهم هو الطريق الذي يتسرب منه النَّفَس إلى الخارج. ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن الأفضل هو استخدام مصطلح جديد لطريق النفَس سماه: المجرى، أي: طريق التنفس من الرئتين حتى الخارج، ويكون مخرج الصوت حينئذ هو نقطة معينة في هذا المجرى كما رأى سيبويه والقدماء. وسمى: شادة، مكان اتصال العضوين بالموضع؛ ولذا يسمى ما ذكره القدماء بالمخارج موضع حدوث الصوت، ويؤيد هذا الرأي الدكتور إبراهيم أنيس ذاكرًا أن المحاضر هنا على حق٢. الصوت: ولقد استعمل سيبويه كلمة: الحرف، لما يسمع، والحقيقة أن الحرف يعبر عن الرمز المكتوب، ولا يعبر عن الذي يسمع أيضا ولكنه يعبر عنه بالصوت. ويرى الأستاذ الألماني أ. شادة الذي كان يعمل بالتدريس في

стр. 45

كلية الآداب جامعة القاهرة أن سيبويه له العذر في ذلك، فإن كثيرًا من علماء أوروبا ظلوا إلى عهد قريب يسلكون نفس المسلك فيستخدمون كلمة الحرف مكان الصوت ١. اختلاف العلماء في عدد مخارج الحروف: وقد اختلف في عدد المخارج في الدراسات القديمة، فسيبويه والشاطبي وابن بري ومن تبعهم يرون أن المخارج ستة عشر مخرجًا؛ ذلك لأنهم أسقطوا مخرج الجوف الذي تخرج منه حروف المد الثلاثة، ووزعوا حروفه على مخارج الحلق إذ جعلوا الألف من أقصى الحلق مع الهمزة والياء من وسط اللسان مع الياء المتحركة أو الساكنة بعد فتح، وجعلوا الواو من الشفتين مع الواو غير المدية. وذهب غيرهم إلى أن عدد المخارج أربعة عشر مخرجًا، ومن هؤلاء الفرَّاء والجرمي وقطرب، فقد أسقطوا مخرج الجوف، ووزعوا حروفه كما سبق أن ذكرنا عند سيبويه ومن معه، وجعلوا مخرج اللام والنون الراء مخرجًا واحدًا من طرف اللسان مع ما يحاذيه، ففي الحلق نراهم يذكرون ثلاثة مخارج، وفي اللسان ثمانية، وفي الشفتين مخرجين وفي الخيشوم واحدًا.

стр. 46

ونرى عند الجمهور والخليل بن أحمد، والحافظ ابن الجزري، يعدون المخارج سبعة عشر مخرجًا، وكما هو واضح في الدراسات الحديثة، وبهذا يكون في الجوف مخرج واحد، وفي الحلق ثلاثة، وفي اللسان عشرة وفي الشفتين اثنان، وفي الخيشوم واحد. ولم تَهِنْ عزائم القدماء في معرفة مخارج الحروف، وأخذ كل منهم يبحث ما وسعه البحث، وتوصل كل منهم إلى تقسيم مخارج الحروف وإلى ترتيب لها. وقد أوضح الدكتور إبراهيم أنيس طريقة القدماء في دراستهم لمخارج الحروف وصفاتها، وأوضح علاج القدماء للأصوات في عصور مختلفة مقارنًا بينهم، فقد وضع جدولا دون فيه ما انتهى إليه سيبويه في مخارج الحروف وإلى جانبه نص ابن جني في كتابه: سر صناعة الإعراب، ثم نص ابن يعيش شارح المفصل في القرن السابع الهجري، وأخيرًا نص ابن الجزري صاحب كتاب: النشر في القراءات العشر، في القرن التاسع الهجري. وأوضح ملاحظاته حول دراسة القدماء من علماء العربية للأصوات مقارنًا بينها وبين دراسة المحدثين لها، وبَيَّن موقف ابن سينا من أصوات اللغة وكيف عالجها علاجًا فريدًا لا يشاركه فيه أحد من العلماء القدماء ومدى اهتمام الدارسين في القرن العشرين بكلام ابن سينا. كما وضع جدولا يوضح فيه ما انتهى إليه كل من الخليل بن أحمد وسيبويه وأبو الفتح بن جني وابن سينا من تقسيم كل منهم

стр. 47

للأصوات حسب مخارجها ١. وفي رأي المحدثين من علماء الأصوات نرى أن المخارج عشرة هي بالترتيب كما يلي: ١- الحنجرة: ويخرج منها الهمزة والهاء ويسمى الصوت الخارج منها حنجريا. ٢- الحلق: ويخرج منها: ع، ح، ويسمى الصوت الخارج منها حلقيا. ٣- اللهاة: ويخرج منها: ق، ويسمى الصوت الخارج منها لهويا. ٤- الطبق: ويخرج منه: ك، ع، خ، ويسمى الصوت الخارج منه طبقيا. ٥- الغار: ويخرج منه: ش، ج، ي، ويسمى الصوت الخارج منه غاريا. ٦- اللثة: ويخرج منها: ل، ر، ن، ويسمى الصوت الخارج منها لثويا. ٧- الأسنان مع اللثة: ويخرج منها: د، ض، ت، ط، ز، س، ص، ويسمى الصوت الخارج منهما أسنانيا لثويا. ٨- الأسنان: ويخرج منها: ذ، ظ، ث، ويسمى الصوت الخارج منها أسنانيا. ٩- الشفة مع الأسنان: ويخرج منهما: ف، ويسمى الصوت الخارج منهما شفويا أسنانيا. ١٠- الشفة: ويخرج منها: ب، م، و، ويسمى الصوت الخارج منها شفويا.

стр. 48

ومن يتصفح كتب القدماء، فيسجد أنهم قد أطلقوا مصطلحات معينة بناء على مذهب في الفهم والتقسيم للمخارج الصوتية، فيستخدم ابن سينا للتعبير عن إنتاج الصوت لفظ: الحبس، وتردد في كلامه ألفاظ: المخرج والمخارج والحبس والحابس والمحبوس، كما فرق القدماء بين الحروف المفردة والحروف المركبة قائلين: وهذه المفردة تشترك في أن وجودها وحدوثها في الآن الفاصل بين زمان الحبس وزمان الإطلاق؛ ذلك لأن زمان الحبس التام لا يمكن أن يحدث فيه صوت حادث من الهواء وهو مُسَكَّن بالحبس. واستقرت الدراسات الحديثة عن فهم تقسيمات مغايرة، فتقسيم سيبويه قائم على أساس الفصل بين المخرج والصفة على حين رأى المحدثون عدم الفصل بينهما، كما وضعوا مصطلحات مغايرة لما ذكره القدماء. وهذه الفروق بين القدماء والمحدثين أتت نتيجة لاعتماد القدماء على جهدهم الذي قاموا به، وعلى معلومات عصرهم، فهي لم تكن وليدة التجربة المعملية أو التشريح؛ ولذا رأينا الفرق كان ظاهرًا ومنحصرًا في المنطقة التي خفيت عليهم عند الحنجرة، فلم يبين القدماء دورها في تحديد الجهر والهمس. وعلى الرغم من ذلك، فإن تقسيم سيبويه وابن جني وابن سينا لمناطق الفم وتحديدهم لمناطق الأصوات ومخارجها، كان شبه نهائي، ولم يستطع أحد ممن جاء بعدهم أن يثبت عكسه، أو يعدل منه حتى الآن، وإن حاولوا إدخال بعض التقسيمات داخل تصنيفهم.

стр. 49

الفصل الثالث: صفات الحروف الصفات ذوات الأضداد مدخل ... صفات الحروف ويقصد بصفات الحروف: الكيفيات التي تعرض لها في مخارجها، كجريان النفس في بعض الحروف كالهمس، وعدم جريانها في البعض الآخر كالجهر. كما أن بعضها يحتاج إلى الاستعلاء والإطباق والجهر إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي الأخذ بها؛ لأنها تعمل على تحسين الحروف المختلفة في المخرج، كما أنها تعمل على معرفة قوى الحروف ومدى ثباتها، وكذلك ليعلم ضعيفها وما يجوز فيه الإدغام وما لا يجوز، كما أنها توضح ميزة من ميزات هذه اللغة الشاعرة، وما لها من ميزات صوتية موسيقية ١. وهذه الصفات تأتي من اختلاف الأوضاع التي يتخذها أعضاء النطق، ويتولد عندها تلك الصفات. وعلم الأصوات العام يتناول دراسة الصوت، وما هي عناصره الأساسية، من حيث عدد الذبذبات وطريقة انتقالها على هيئة موجات

стр. 50

هوائية صوتية، مستخدمًا في ذلك علم الطبيعة الصوتية Acconatique وأثر ذلك على علم الأصوات. كما أصبحت تستخدم اليوم الأجهزة للتسجيل الصوتي، والقياس الإلكتروني للصوت وذلك لمعرفة طبيعته ودرجة ارتفاعه أو انخفاضه. ويدرس هذا العلم كذلك صفات الأصوات التي ينبغي أن تكون عليها من جهر أو همس أو شدة أو رخاوة، إلى غير ذلك من الصفات. ويمكن حصر هذه الصفات في قسمين: ١- صفات أصلية لازمة. ٢- صفات عَرَضية. والصفات الأصلية: أي الأساسية اللازمة للحرف لا تفارقه بحال من الأحوال كالاستعلاء والجهر والإطباق والقلقلة. والصفات العَرَضية: هي التي تعرض للحروف، أي: تظهر فيه في بعض الأحوال وتنفك عنه لسبب ما: كالإدغام والترقيق والتفخيم. والصفات الأصلية يمكن أن تنقسم إلى قسمين: قسم له ضد، وتسمى الصفات ذوات الأضداد، وقسم لا ضد له.

стр. 51

الصفات ذوات الأضداد وهي عشر صفات تجمع في خمسة أقسام: الهمس والجهر: ١- الهمس: عبارة عن خفاء التصويت بالحرف لضعفه بسبب

стр. 52

جريان النفس معه حالة النطق به، وحين يجري النفس معه يشعر أن فيه همسًا أو خفاء، ولذا سمي الحرف مهموسًا، وحروف الهمس عشرة يجمعها قولك: سكت شخص فحثه، والهمس يسميه الأوروبيون Voiceless أي: الخفي. فالصوت المهموس هو الذي لا يهتز معه الوتران الصوتيان، ولا يسمع له رنين حين النطق به، فالمراد بالهمس هو صمت الوترين الصوتيين معه، ويلاحظ أن النظر هنا إلى اهتزاز الأوتار الصوتية أو عدم اهتزازها، ولكن ما من صوت يحدث إلا نتيجة ذبذبات صوتية يحملها الهواء حتى يسمع. ٢- الجهر: ضد الهمس، ومعناه: الإعلان وقوة التصويت بالحرف؛ ولذا كان الجهر معناه: إظهار الحرف لقوته بسبب انحصار الصوت من عدم جريان النفس معه حالة النطق به، وحروفه تسعة عشر، وهي الباقية من حروف الهمس. والجهر يحدث عن طريق ذبذبة الوترين الصوتيين في الحنجرة؛ ولذا تسمى مجهورة، أي يقوي الصوت فيها Voiced. والأصوات الساكنة المجهورة في اللغة العربية هي ثلاثة عشر: ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ط، ع، غ، ل، م، ن، ويضاف إليها كل أصوات اللين بما فيها الواو والياء. - الشدة والرخاوة: ٣- الشدة معناها: انحباس الصوت من أن يجري معه، أي

стр. 53

لزوم الحرف لمخرجه، وكأن فيه شدة أو قوة؛ ولذا سمي شديدا، ونحس به عند نطق الحروف: أ، ج، د، ق، ط، ب، ك، ت، وهي ثمانية، مجموعة في: أَجِدْ قَط بَكَتْ. ويسمي المحدثون الصوت الشديد انفجاريا Plosive؛ ذلك لأن مجرى النفس في أثناء النطق يضيق حتى ينحبس في مكان ما لحظة ثم ينطلق بقوة؛ ولذا نلحظ له انفجارا أو دويًّا. ٤- الرخاوة: وهي ضد الشدة، ومعناه في اللغة: اللين، وفي الاصطلاح: ضعف لزوم الحرف لموضعه؛ لضعف الاعتماد عليه في المخرج؛ ولذا سمي رخوا، أي يجري الصوت مع الحرف، وحروفه هي الباقية من حروف الشدة، وهي ستة عشر حرفا. ونلاحظ أن هناك بعض الحروف المتوسطة، أي بين الشديدة والرخوة، أي ينحبس بعض الصوت مع الحرف ويجري بعضه؛ ولذا سميت بالمتوسطة، وحروفها خمسة، مجموعة في قولهم: ِلنْ عُمَر. وتوضح لنا الدراسات الحديثة الخطوات التي يمر بها الصوت الشديد، فيقول فندرس: ففي كل صوت صامت انفجاري، إذن ثلاث خطوات متميزة هي: أ- الإغلاق أو الحبس. ب- الإمساك الذي يكون طويل المدى أو قصير. ج- والفتح أو الانفجار. وعند إصدار صوت صامت بسيط مثل: التاء، فإن الانفجار يتبع الحبس مباشرة، والإمساك يضؤل إلى مدى لا يكاد يحس، وعلى العكس من ذلك، تظهر الخطوات الثلاث بوضوح فيما يسمى بالصوامت

стр. 54

المضعفة، وهي ليست إلا صوامت طويلة ١. وإذا عدنا إلى ما ذكره سيبويه عند تعريفه للصوت الشديد والرخو، فإنه يقول: إن الحرف الشديد هو الذي يمنع الصوت أن يجري معه، وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء، وذلك أنك لو قلت: الحج، ثم مددت صوتك، لم يجز ذلك. ومنها: الرِّخوة وهي: الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاي والسين والظاء والثاء والذال والفاء، وذلك إذا قلت: الطُّس، وانقض، وأشباه ذلك أجريتَ فيه الصوت إن شئت ٢. وهنا نرى أن سيبويه يذكر لنا ما انتهي إليه علماء الغرب من أن الأصوات الشديدة أصوات وقتية آنية Momen Momentanlaute، لا يمكن التغني بها وترديدها؛ لأنها تنتهي بمجرد زوال العائق، وخروج الهواء، أما الأصوات الرخوة، فإنها أصوات استمرارية متمادة Dauerlaute، يمكن التغني بها، واستمرار نطقها مادام في الرئتين هواء ٣. والأصوات المتوسطة تسمى في بعض الدراسات الحديثة: بالأصوات المائعة Liquide، ويسميه بعضهم: بالصوت المزدوج، فهو يبدأ شديدا انفجاريا، وينتهي رخوا احتكاكيا ٤. وبهذا نجد ثلاثة أنواع من الصفات: أ- الشديدة أو ما يسمى بالصوت الانفجاري.

стр. 55

ب- الصوت الرخو أو اللين الذي يتسع له المجرى. ج- الصوت المائع أو بَيْنَ بَيْنٍ أي: الذي يضيق له المجرى، ولكن لا يحدث له انفجار. وينبغي في ذلك أن يلاحظ الفرق بين مخرج الصوت ومجراه. فالمخرج: عبارة عن نقطة معينة في المجرى، عندها يتكون الصوت ويتشكل، عندما يضيق المجرى أو يتسع حسب طبيعة الصوت. والمجرى: هو الطريق الذي يسير فيه الصوت من الرئتين حتى يندفع خارج الفم أو الأنف. ويلاحظ في عملية النطق، أن الكثرة الغالبة من الأصوات اللغوية في كل كلام مجهور، رغم أن النظرة العادية توضح أن نسبتهما متعادلة، والحق أن نسبة شيوع الأصوات المجهورة أكثر من الأصوات المهموسة٢، ذلك حتى يتحقق للغة عنصرها الموسيقي، ورنينها الخاص بالأصوات؛ لأن الجهر يعطي لرنين الصوت نغمته. وقد لوحظ في الدراسات الحديثة أن كلا: من الطاء والقاف، كما ينطق بها الآن صوت مهموس في حين أن القدماء ذكروا أنهما من المجهورات. وكذلك الهمزة ليست صوتا مجهورا في التجارب المعملية

стр. 56

الحديثة، ولوحظ أن الضاد كما ينطق بها الآن، صوت شديد على حين أن القدماء يعدُّون الضاد صوت رخو، وكذلك صوت الجيم من الأصوات الشديدة، على حين أن التجارب الصوتية الحديثة تدل على أن الجيم التي يقال عنها: إنها فصيحة، صوت مزيج بين الشدة والرخاوة، وعلى قدر ما فيه من تعطيش تكون رخوة١. الاستعلاء والاستفال: ٥- الاستعلاء: هو استعلاء طائفة من اللسان عند النطق ببعض الحروف، فيرتفع الصوت معه؛ ولذا سمي مستعليا، وحروفه سبعة يجمعها قولك: خص ضغط قظ، وهي حروف مفخمة. ٦- الاستفال: وهو عبارة عن انخفاض اللسان وانحطاطه عن الحنك الأعلى إلى الحنك الاسفل أي إلى قاع الفم، وحروفه ما عدا السبعة المستعلية، أي: اثنان وعشرون حرفا، وهي حروف مرققة. الإطباق والانفتاح: ٧- الإطباق: أي انطباق طائفة، أي جملة من اللسان على ما يحاذيها من سقف الحنك -الحنك الأعلى- عند النطق بالحرف، وانحصار الصوت بينها عند النطق بحروفه، وحروف أربعة: ص، ض، ط، ظ. ٨- الانفتاح: وهو ضد الإطباق، وهو عبارة عن انفتاح ما بين اللسان والحنك الأعلى عند النطق بالحرف وخروج النفس من بينها، فلا ينحصر الصوت بينها؛ ولذا سمي منفتحا، وحروفه: خمسة وعشرون حرفا وهي الباقية من حروف الهجاء.

стр. 57

الذلاقة والإصمات: ٩- الذلاقة: وهي الاعتماد في النطق على ذلق اللسان، أي على طرف اللسان والشَّفة، وحروفها ستة يجمعها قولك: فِرَّ مِنْ لُبٍ، وسميت مذلقة؛ لسرعة النطق بها، ومن معاني الذلاقة في اللغة: الفصاحة. ١٠- الإصمات: من الصمت وهو المنع، أي منع حروفه أن يبني منها كلمة رباعية الأصول أو خماسية؛ لثقلها على اللسان، وحروفها ماعدا الذلاقة.

стр. 58

الصفات التي لا ضد لها الصفير، القلقلة، اللين، الانحراف، التكرير، التفشي، الاستطالة. الصفير: وهو عبارة عن صوت الصفير، أو صوت الطائر، عند النطق بأحرف ثلاثة هي: الصاد والزاي والسين، وسميت بأحرف الصفير. القلقلة: وهي عبارة عن تقلقل المخرج عند خروجه ساكنا، حتى يسمع له نبرة قوية، وهو اضطراب اللسان بالحرف عند النطق به ساكنا، وحروفها خمسة يجمعها قولك: قُطْبٌ جَدَّ، ومن صفاتها، الشدة والجهر، ولو في وسط الكلمة مثل: يقبل، يجمع، أو موقوفا عليه مثل: الحق، أزواج، سواء أكان مشددا أم مخففا. وقد حرص القدماء على الجهر بصوت الباء، وإظهار قلقلته وهو

стр. 59

مُشَكَّل بالسكون، فأضافوا إليه صوت لين قصير جدًّا يشبه الكسرة، وسموا تلك الظاهرة بالقلقلة، حرصًا منهم على إظهار كل ما في هذا الصوت من جهر، فلا يختلط بنظيره المهموس في الكتابة الأوروبية P، أي: الباء الثقيلة؛ ذلك لأن مهموس الباء ليس صوتًا أساسيًّا من أصوات اللغة العربية. فالقلقلة هي: أن ينطبق اللسان في الحرف مع سقف الفم، أو عندما تنطبق الشفتان في الباء، وهنا لابد من قلقلة أو ترجيعة توضح الحرف الساكن، وبدون هذه القلقلة يختفي الحرف تمامًا؛ لأنه ساكن مقطوع. ويرى بعض الدارسين١، أن يضاف إلى ذلك: الهمزة، التاء، وخاصة عبر وسائل الإعلام وعند الوقف، فالوقف عليهما بالسكون تضيع حالة الوصف الخاص بهما، وتضيع نبرتهما، وإنه بدون ترجيعة اللسان أو القلقلة لا يسمع الصوت بوضوح. اللين: هو خروج الحرف من مخرجه من غير كلفة على اللسان، وله حرفان: الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما، مثل: يوم، بيت، جوف. الانحراف: عبارة عن ميل الراء واللام عن مخرجيهما إلى مخرج غيرهما، فالراء فيها انحراف إلى ظهر اللسان واللام فيها انحراف عند نطقها إلى طرف اللسان. التكرير: وهو قبول الراء للتكرير؛ لارتعاد طرف اللسان عند النطق بالراء، والنطق السليم يكون في تجنب كثرة التكرار؛ ولذا ينصح بأن

стр. 60

تعرف الراء بالتكرار ولا يزاد في ذلك. التفشي: وهو عبارة عن انتشار الريح في الفم، عند النطق بالشين: ش، حتى يتصل بنطق الطاء. الاستطالة: وهي امتداد الضاد عند النطق بها من مخرجها، حتى تتصل بمخرج اللام. وزاد بعضهم على هذه الصفات صفتين من الصفات اللازمة، وهما: الخفاء والغنة. الخفاء: وهو عبارة عن إخفاء صوت الحرف في حروف أربعة: اوى، وهي حروف المد، والهاء، أي: تكتب ولا ينطق بها، بل تخفى، والخفاء في حروف المد؛ فلِسَعَة مخرجها، وأما الهاء فلاجتماع صفات الضعف فيها. الغنة: وهي صفة لازمة للنون ولو تنوينًا سكنتا أو تحركتا ظاهرتين أو مدغمتين أو مخففتين. فالغنة صفة لازمة للميم والنون في كل الأحوال. وتلك الصفات السابقة يستعان بها في معرفة صفة الحرف؛ فينطق به مع صفته اللازمة والصفات السابقة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي: القوية والضعيفة والمتوسطة، حتى يسهل إدراكها والعمل بها. فالصفات القوية: إحدى عشرة صفة هي: الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والصفير والقلقلة والانحراف والتكرير والتفشي والاستطالة والغنة. والصفات الضعيفة: ست وهي: الهمس والرخاوة والاستفال.

стр. 61

والانفتاح واللين والخفاء. والصفات المتوسطة: ثلاث هي: الإصمات والذلاقة والبَيْنِيَّة أي: التي بين الرخاوة والشدة تبويب صفات الحروف : جدول

стр. 62

جدول

стр. 63

جدول

стр. 64

الصفات العرضية وهي الصفات التي لم تكن ملازمة للحرف في كل حال، بل تعرض له في بعض الأحوال دون بعض لسبب ما، كالتفخيم والترقيق والإظهار والإدغام، والقلب والإخفاء، والمد والقصر، والتحريك والسكون والسكت وعددها: ١١، إحدى عشرة صفة.

стр. 65

التفخيم: التفخيم عبارة عن تسمين الحروف بجعله في المخرج جسيمًا سمينًا، وفي الصفة قويًّا، وللحروف المفخمة وجه واحد، وهي حروف الاستعلاء السبعة يجمعها قولك: خص ضغط قظ، إلا أنها في التفخيم في مرتبة واحدة، فهي تتفاوت وفقًا لصفات القوة، فكلما كان الحرف قويًّا كان التفخيم أقوى. والترقيق: والترقيق يكون في حروف الاستفال الباقية بعد الاستعلاء باستثناء المد والراء في لفظ الجلالة فإن اللسان يسبق إلى تفخيمها. فاللام تفخم في لفظ الجلالة الواقع بعد فتح أو ضم الله، ويعلمُ الله، وترقق في لفظ الجلالة الواقع بعد كسر ولو منفصلا عنها أو عارضًا نحو: بالله، وبسم الله، وإذا كان قبلها إحالة كبرى نحو: نرى الله. أما الراء فلها حالتان: متحركة وساكنة، فالمتحركة إن كانت مكسورة فلا خلاف في ترقيقها، سواء أكانت الكسرة أصلية أم عارضة في الوسط أو الطرف منونة أو غير منونة.

стр. 66

الإظهار والإدغام الإظهار: معناه: البيان، أي إخراج كل حرف من مخرجه مستقلا بنفسه واضحًا بصفاته. والإظهار في الحروف هو الأصل لأنه أكثر، والإدغام دخل لعلة فإذا لم توجد علة للإدغام فلابد من الرجوع إلى الأصل وهو بيان الحرف وإظهاره ١. وحين ينطق الإنسان الكلمات في لغته نطقًا لا تكلف فيه نجد أن الأصوات حين تتجاور بعضها، قد يؤثر بعضها في بعض وقد لا يؤثر فيكون الصوت ظاهرًا في نطقه. والسبب في الإظهار عدم تأثير الصوت بما يجاوره نتيجة لاختلاف في طبيعة المخرج وإن قل هذا الاختلاف، وكذلك اختلاف الصفات بينهما فكل صوت فيه زيادة أو قوة لا يدغم فيما هم أنقص صوتًا منه، وقد أوضح لنا علماء القراءات أن الإظهار هو الذي لا يجوز فيه الإدغام: وهو ما تباين فيه الحرفان بالمخرج والصفة، فإن تباينا، إما بمخرج وإما بصفة بعد الإدغام، ومنه ما يجوز منه ما لا يجوز ٢. والذي لا يجوز فيه الإدغام هو: ما تباين فيه الحرفان بالمخرج.

стр. 67

والصفة، فإن تباينا إما بمخرج، وإما بصفة بعد الإدغام، ومنه ما يجوز ومنه ما لا يجوز، واختلاف المخرج وإن قل من أسباب الإظهار وكذلك تباين الصفتين. وكل حرف فيه زيادة صوت لا يدغم فيما هو أنقص صوتًا منه، فإن حروف الحلق لا يدغمن في حروف الفم، ولا في حروف الشفتين، وقد يدغم بعض حروف الحلق في بعض؛ لتقارب المخرج. وحروف الفم لا تدغم في حروف الحلق، ولا في حروف الشفتين، ولكن يدغم بعضها في بعض، وفيها - أن حروف الشفتين- يقع أكثر الإدغام خلا الباء فلا تدغم في غيرها، ولا يدغم غيرها فيها. وحروف الشفتين لا تدغم في حروف الحلق ولا في حروف الفم؛ لبعد ما بينهما في المخرج، ويدغم بعضها في بعض خلا الواو فلا تدغم في غيرها ولا غيرها فيها، خلا أن النون الساكنة والتنوين يدغمان في الباء والواو، وكذلك الميم لا تدغم في الباء ١. والوقف يضطر فيه إلى الإظهار ولا يصح فيه الإدغام. وموانع الإدغام: المتفق ٢ عليها ثلاثة: ١- كون الأول تاء ضمير أو مشددا أو منونا سواء كان تاء الضمير متكلما أومخاطبا، نحو: ﴿كُنتُ تُرَابًا﴾ ، ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِع﴾ ، ﴿جِئْتَ شَيْئاً إِمْرا﴾ .

стр. 68

٢- وأما المشدد نحو: ربَّ ما، و ﴿مَسَّ سَقَر﴾ ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ﴾ ، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا﴾ ، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ . ٣- أما المنون فنحو: ﴿غَفُورٌ رَحِيم﴾ ، ﴿سَمِيعٌ عَلِيم﴾ ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ ، ﴿لَذِكْرٌ لَك﴾ . حروف يخاف على القارئ اللحن فيها بالإدغام: ذكر القراء بعض الحروف التي يخاف على القارئ اللحن فيها بالإدغام ومن ذلك: حرف الفاء: لا يجوز إدغامها في الميم والواو والباء؛ لأنها انحدرت إلى الفم في مخرجها حتى قاربت مخرج الفاء، والباعث على ذلك صوتي يؤدي إلى عدم النطق السليم، ومثال ذلك: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم﴾ [الأنعام: ١٣٣] و ﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَن﴾ [العنكبوت: ٣٣] و ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ﴾ [سبأ: ٩] والباء لا يجوز فيها الإدغام في الفاء مخافة اللحن. ومن ذلك الميم عند الفاء والواو نحو: ﴿هُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٩] ، ﴿هُمْ وَقُودُ النَّار﴾ [آل عمران: ١٠] وغير ذلك حيث سكنت ولا يجوز شيء من الإدغام لما فيه من الإخلال بالغنة؛ ولذا ينبغي أن نظهر الميم عند الفاء والواو وتُبَيَّن في النطق بيانًا حسنًا من غير تكلف. ومن ذلك القاف عند الكاف ٢، والكاف عند القاف

стр. 69

﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] . فالإظهار لاختلاف الصفتين؛ لأن القاف مجهورة والكاف مهموسة وإن كان بعضهم أجاز الإظهار والإدغام. ومن ذلك الظاء عند التاء وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَعَظْتَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ، فالقراء يرون الإظهار فيه، مخافة اللبس؛ لأن الإدغام يذهب صفتها فتكون في السمع مثل أوعدت. ومن ذلك الضاد عند التاء والجيم واللام والطاء، لا خلاف في إظهارها عند القراء مثل قوله تعالى: ﴿فَرَضْتُم﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَك﴾ [الحجر: ٨٨] ، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا﴾ [الإسراء:٢٤] ، ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾ [الأنعام: ١١٩] ، وما أشبه ذلك. - ولا يجوز الإدغام لمزية الضاد؛ وذلك لأن الضاد من الحروف التي لا تدغم في مقاربها ويدغم مقاربها فيها وهي سبعة: ط، د، ت، ظ، ذ، ث، ل، وذلك حفاظًا على مزايا الضاد وإبقاء لصفافتها من الاستطالة والتفشي والتكرير والصفير والغنة. ومن ذلك الراء الساكنة عند اللام نحو: ﴿نَغْفِرْ لَكُم﴾ [البقرة: ٥٨] ، و ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ﴿يَنشُرْ لَكُم﴾ [الكهف: ١٦] ، والقراء مجمعون على الإظهار لما في الإدغام من الإخلال بالصفة. ومن ذلك السين عند التاء نحو: ﴿نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٤] ، ﴿اسْتَطَعْت﴾ [الأنعام: ١٣٥] ، ﴿مُسْتَضْعَفُون﴾ [الأنفال: ٢٦] ، ولا يجوز الإدغام لما فيه من الإخلال بالصفير.

стр. 70

والعين عند الغين، والغين عند العين، والحاء عند العين، والعين عند الحاء، والحاء عند الهاء، فالإدغام في هذا كله ممتنع؛ وذلك لأن حروف الحلق لا تدغم فما كان منها أدخل في الحلق لم يدغم فيه إلا دخل في الفم. وكذلك لام: قل، لا تدغم عند السين والصاد والنون والتاء، أما عند الراء فلا خلاف في إدغامها للقرب الذي بينهما. لا تدغم لام: بل، عند الجيم نحو: ﴿بَلْ جِئْنَاك﴾ [الحجر: ٦٣] ، ولا يجوز الإدغام لتباعد المخرجين كما لا يجوز إدغام الباء في الجيم للتباعد بالصفة، ويلاحظ أن لام بل عند الراء في نحو: ﴿بَل رَبُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦] ، فهو مدغم عند الجميع. ولا يجوز إدغام اللام الساكنة عن حركة عند النون نحو: ﴿جَعَلْنَا﴾ و ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ولا خلاف في إظهارها عند النون. ولا يجوز إدغام دال قد، وذال إذا، وتاء التأنيث عند عدا الحروف التي اختلف القراء في إظهارها وإدغامها وهي مجموعة في قولك: وهن مظهرات عندهن، أي: عند سوى تلك الحروف ١. الإدغام: الأصوات اللغوية حين تتجاور إما ألا يتأثر الحرف بمن جاوره، وإما أن يتأثر، إلا أن درجة التأثر تختلف من صوت لآخر، فمن الأصوات ما هو قليل التأثر، ومنها ما هو سريع التأثر، وأقصى ما يصل إليه هذا التأثر هو أن يفني الصوت في الصوت الذي يجاوره، فلا يترك له أثرًا، وهو ما اصطلح القدماء على تسميته بالإدغام.

стр. 71

والإدغام في اللغة: إدخال شيء في شيء لمناسبة بينهما. قال الخليل: يقال أدغمت الفرس اللجام أي: أدخلته فيه ١. وفي الاصطلاح: الإدغام أن تصل حرفا ساكنا بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشددا، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعة واحدة ٢. ولابد أن يسكن الحرف قبل الإدغام، وكل مدغم فيه فلا يكون إلا متحركًا، لئلا يجتمع ساكنان ٣. وهذا يدل على أن الإدغام عملية صوتية لها أسبابها وأحكامها وينتج عنها أن يتحول الحرفان المتقاربان أو المتجانسان أو المتماثلان إلى إدغامهما. وعلة ذلك: إرادة التخفيف؛ لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه، ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك وشبهه النحويون بمشي المقيد؛ لأنه يرفع رِجْلًا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه، وشبهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين، وذلك ثقيل على السامع، وذلك نحو: ﴿قَالَ لَهُم﴾ ، ﴿ذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ ٤. والإدغام ظاهرة يألفها اللسان العربي وله شواهد كثيرة في القرآن

стр. 72

الكريم، وفي كلام العرب؛ ولذا قال أبو عمرو بن العلاء: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره ١. والأصوات في تأثيرها تهدف إلى نوع من المماثلة أو المشابهة بينهما، ليزداد مع مجاورتها قربها في الصفات أو المخارج، ويمكن أن يسمى هذا التأثير بالانسجام الصوتي بين أصوات اللغة، وهذه الظاهرة شائعة في كل اللغات بصفة عامة، غير أن اللغات تختلف في نسبة التأثير وفي نوعه ٢. أحكام الإدغام: اشترط العلماء في المدغم أن يلتقي الحرفان خطًّا ولفظًا. أو خطًّا لا لفظًا نحو: ﴿إِنَّهُ هُو﴾ . ولو كانا في كلمة واحدة نحو: خلقكم، ونرزقكم. وإذا التقى الحرفان لفظًا وخطًّا، أو خطًّا، فقد انقسما إلى أربعة أقسام وفق القسمة العقلية وهي: ١- أن يكون الحرفان مثلين. ٢- أن يكون الحرفان متقاربين. ٣- أن يكون الحرفان متجانسين. ٤- أن يكون الحرفان متباعدين. وهذا التقسيم يعين على معرفة الحرفعند لقائه حرفًا آخر، ماذا يحدث له؟

стр. 73

والحرف عند لقائه حرفًا آخر لا يخلو من أحد ثلاثة أقسام: ١- قسم لا يجوز فيه إلا الإدغام. ٢- وقسم لا يجوز فيه إلا الإظهار. ٣- وقسم يجوز فيه الإظهار والإدغام. القسم الذي لا يجوز فيه إلا الإدغام: وسبب الإدغام هو تماثل الحرفين والتجانس والتقارب، وقيل: التشارك والتلاصق والتكافؤ ١. والمثلان: هما الحرفان اللذان اتحدا مخرجًا وصفة، ولا يكون ذلك إلا إذا اتفقا اسمًا أيضًا كالباء والباء في نحو: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاك﴾ [الشعراء: ٦٣] ، وقد يكون في كلمة واحدة مثل الكافين في نحو: ﴿يُدْرِككمُ الْمَوْت﴾ [النساء: ٧٨] ، والتاءين نحو: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم﴾ [البقرة: ١٦] . وهكذا حين يكون الحرف الأول ساكنًا والثاني متحركًا، وحكمه وجوب الإدغام ٢، وذلك إن لم يكن الأول حرفًا نحو: ﴿قَالُوا وَهُم﴾ ، أو هاء سَكْت نحو: ﴿مَالِيَهْ, هَلَكَ﴾ ، وإلا وجب الإظهار في المثال؛ لئلا يزول المد بإدغام، وجاز في الثاني إجراء الوصل مجرى الوقف. ويلاحظ إذا كان الحرفان مثلين: تاء وتاء أو هاء وهاء، وارتفع المانع، وكان الأول ساكنا أدغم. وإن كانا غير مثلين قلب كالثاني وأسكن، ثم أدغم وارتفع اللسان

стр. 74

بها دفعة واحدة من غير وقف على الأول، ولا فصل بحركة ولا رَوم، وليس بإدخال حرف في حرف كما ذهب البعض، بل إن الحرفين ملفوظ بهما؛ طلبا للتخفيف. والمتقارب: هو أن يتقارب الصوتان مخرجا أو صفة أو مخرجا وصفة. والمراد من التقارب في المخرج هو: التقارب النسبي وعليه يكون الحرفان متقاربين، إذا كان من مخرج واحد، وقد يكون الحرفان متقاربين مع كون مخرج أحدهما من عضو ١، ومخرج الثاني من عضو، كالنون والميم في نحو: ﴿مِنْ مَاء﴾ وهذا هو سبب إدغام الغين والقاف في ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ . وهما على نوعين: أحدهما من كلمة، والثاني من كلمتين. أو في كلمة واحدة، فإنه يدغم إلا القاف في الكاف، إذا تحرك ما قبل القاف، وكان بعد الكاف ميم جمع نحو: سبَقَكم، خلَقَكم، صدَقَكم، واثَقَكم. ومضارع نحو: يخلُقكم، يرزُقكم، فنغرِقكم. أما ما هو من كلمتين: فإن الإدغام من مجانسة الحرف أو مقاربه في ستة عشر حرفا وهي: ب، ت، ث، ج، ح، د، ذ، ر، س، ش، ض، ق، ك، ل، م، ن.

стр. 75

وقد جمعت في كلمة: رض مستشد حجتك بذل ثم، فيدغم في هذه الحروف جانسها أو قاربها، إلا الميم، إذا تقدمت الياء، فإنه يحذف حركتها فقط، فيخفيها ويدغم ما عداها. وما تكافأ في المنزلة من الحروف المتقاربة فإدغامه جائز، وما زاد صوته فإدغامه ممتنع؛ للإخلال الذي يلحقه، وإدغام الأنقص صوتا في الأزيد جائز ومختار؛ لخروجه من حال الضعف إلى حال القوة. وغير المثلين إذا تقاربا في المخرج وسكن الأول، أشبها المثلين اللذين هما من مخرج واحد، فجاز فيهما الإدغام ما لم يمنع من ذلك مانع، فعلى هذا يجري الإدغام ويحسن. والإدغام إنما يحسن في غير المثلين، ويتقوى إذا سكن الأول، وهو على ضربين: أحدهما: إذا كان الحرفان متقاربين في المخرج، والحرف الأول أضعف من الثاني، فيصير بالإدغام إلى زيادة قوة؛ لأنك تبدل من الأول حرفا من جنس الثاني، فإذا فعلت ذلك نقل لفظ الضعيف إلى لفظ القوة، فذلك حسن جيد. والضرب الثاني: أن يكون الحرفان المتقاربان في القوة سواء، كالمثلين فيحسن الإدغام إذ لا ينتقص الأول من قوته قبل الإدغام. وضرب ثالث: من إدغام المتقاربين ضعيف قليل، وهو أن يكون الحرف الأول أقوى من الثاني، فيصير بالإدغام من حالة قبل الإدغام وذلك نحو: إدغام الراء في اللام، وهو قبح لقوة الراء بالجهر والتكرير.
следующие страницы →