الشيء المرذول الذي يضر صاحبه. ومعنى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-. ا. هـ
وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ: أي وفي كفر مستعمل السحر وهو الساحر قولان لأهل العلم. قال العلامة سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صِفْ لنا سحرك، فإن وَصَفَ ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر. وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يُكَفِّر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك، وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ … قال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: وذلك أنهما علّماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر. وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا ا. هـ
стр. 142
وقال العلامة ابن عثيمين: السحر نوعان نوع كفر ونوع عدوان وظلم
أما الكفر فهو الذي يكون متلقى من الشياطين فالذي يتلقى من الشياطين هذا كفر ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]
وهذا النوع من السحر كفر مخرج عن الملة يقتل متعاطيه …
النوع الثاني من السحر سحر لا يكون بأمر الشياطين لكنه بأدوية وعقاقير وأشياء حسية فهذا النوع لا يُكفِّر ولكن يجب أن يقتل فاعله درءا لفساده وإفساده ا. هـ
دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ: يشير للآية المتقدمة ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو … ﴾ [البقرة: ١٠٢]
وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرهْ: قال العلامة ابن باز ﵀: الصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضررا عظيما؛ فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله. ولهذا ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقى شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر)، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، وهكذا صح عن حفصة ﵂ أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب
стр. 143
بن عبد الله ﵁ الصحابي الجليل لما رأى ساحرا يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقا). والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم؛ ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم ا. هـ
٦٦ - وَهْوَ حَقِيقَةٌ وَبِالإِجْمَاعِ … كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ
وَهْوَ حَقِيقَةٌ: يعني أن السحر له حقيقة وتأثير مشاهد وملموس على المسحور. ولا يمنع ذلك أن يكون بعض أنواعه تخييل. وقد دل قوله الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] على أن للسحر حقيقة، وإلا، لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهذه الآية تدل عل أن للسحر حقيقة تكون سبباً للتفريق بين المرء وزوجه. وهذا القول هو قول أهل السنة وقال قوم من أهل البدع السحر كله تخييل وتمويه وتخيل وإيهام لكون الشيء ولا حقيقة له.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد قالوا وإنما ذلك تخيل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث ا. هـ
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس
стр. 144
حقيقة. وانظر إلى قول الله ﵎ في قصة السحرة في آل فرعون، يقول الله : ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين متحرك، هذا ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور، حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، هذا أثره ظاهر جداً، إذا فله حقيقة، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه، وربما يهلكه. ا. هـ
كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ: إشارة إلى بعض أنواع السحر وهي الصرف والعطف فالصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها. والعطف: عمل سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
стр. 145
النشرة
٦٧ - وَالنُّشْرَةُ اعْلَمْهَا فَحَلُّ السِّحْرِ … تَجُوزُ إِنْ كَانَتْ بِآيِ الذِّكْرِ
٦٨ - وَإِنْ تَكُنْ بِالْسِّحْرِ لا تَحِلُّ … فَإِنَّهَا شِرْكٌ فَلا تَضِلُّوا
النشرة حل السحر عن المسحور فإن كانت بالسحر أو الذهاب إلى الساحر فإنها لا تجوز لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: «هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني
قال الشيخ ابن باز ﵀: ومن أصيب بالسحر ليس له أن يتداوى بالسحر، فإن الشر لا يزال بالشر، والكفر لا يزال بالكفر، وإنما يزال الشر بالخير؛ ولهذا لما سئل ﷺ عن النشرة قال: «هي من عمل الشيطان» والنشرة المذكورة في الحديث: هي حل السحر عن المسحور بالسحر. أما إن كان بالقرآن الكريم والأدوية المباحة والرقية الطيبة فهذا لا بأس به، وأما بالسحر فلا يجوز كما تقدم؛ لأن السحر عبادة للشياطين، فالساحر إنما يسحر ويعرف السحر بعد عبادته للشياطين، وبعد خدمته للشياطين، وتقربه إليهم بما يريدون، وبعد ذلك يعلمونه ما يحصل به السحر، لكن لا مانع والحمد لله من علاج المسحور بالقراءة وبالتعوذات الشرعية، بالأدوية المباحة، كما يعالج المريض من أنواع المرض من جهة الأطباء، وليس من اللازم أن يشفى؛ لأنه ما كل مريض يشفى، فقد يعالج المريض فيشفى إذا كان الأجل مؤخرا، وقد لا يشفى ويموت في هذا المرض، ولو عرض على أحذق الأطباء وأعلم الأطباء؛ لأنه متى نزل الأجل لم ينفع الدواء ولا العلاج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] وإنما ينفع الطب،
стр. 146
وينفع الدواء إذا لم يحضر الأجل وقدر الله للعبد الشفاء، كذلك هذا الذي أصيب بالسحر قد يكتب الله له الشفاء، وقد لا يكتب له الشفاء؛ ابتلاء وامتحانا، وقد يكون لأسباب أخرى الله يعلمها جل وعلا، منها: أنه قد يكون الذي عالجه ليس عنده العلاج المناسب لهذا الداء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله »، وقال ﷺ : «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله».
ومن العلاج الشرعي: أن يعالج السحر بالقراءة، فالمسحور يقرأ عليه أعظم سورة في القرآن: وهي الفاتحة، تكرر عليه، فإذا قرأها القارئ الصالح المؤمن الذي يعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأنه مصرف الأمور، وأنه متى قال للشيء: كن فإنه يكون، فإذا صدرت القراءة عن إيمان، وعن تقوى، وعن إخلاص، وكرر ذلك القارئ فقد يزول السحر ويشفى صاحبه بإذن الله.
وقد مر بعض الصحابة ﵃ على بادية قد لدغ شيخهم، يعني: أميرهم، وقد فعلوا كل شيء ولم ينفعه، فقالوا لبعض الصحابة: هل فيكم من راق؟ قالوا: نعم. فقرأ عليه أحدهم سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال في الحال، وعافاه الله من شر لدغة الحية. والنبي ﷺ قال: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا». وقد رَقى ورُقي ﷺ ، فالرقية فيها خير كثير، وفيها نفع عظيم، فإذا قرئ على المسحور بالفاتحة، وبآية الكرسي، وبقل هو الله أحد، والمعوذتين، أو بغيرها من الآيات، مع الدعوات الطيبة الواردة في الأحاديث عن النبي ﷺ ، مثل قوله ﷺ لما رقى بعض المرضى: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». يكرر ذلك ثلاث مرات أو أكثر، ومثل ما ورد عنه ﷺ «أن
стр. 147
جبريل ﵍ رقاه ﷺ بقوله: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك. ثلاث مرات» فهذه رقية عظيمة وثابتة عن النبي ﷺ يشرع أن يرقى بها اللديغ والمسحور والمريض،
ولا بأس أن يرقى المريض والمسحور واللديغ بالدعوات الطيبة، وإن لم تكن منقولة عن النبي ﷺ إذا لم يكن فيها محذور شرعا؛ لعموم قوله ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا».
وقد يعافي الله المريض والمسحور وغيرهما بغير الرقية وبغير أسباب من الإنسان؛ لأنه سبحانه هو القادر على كل شيء، وله الحكمة البالغة في كل شيء، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فله سبحانه الحمد والشكر على كل ما يقضيه ويقدره، وله الحكمة البالغة في كل شيء . وقد لا يشفى المريض؛ لأنه قد تم أجله وقدر موته بهذا المرض.
ومما يستعمل في الرقية آيات السحر تقرأ في الماء وهي:
١. آيات السحر في الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]
٢. وفي يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٧٩ - ٨٢]
٣. وكذلك آيات طه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]
стр. 148
وهذه الآيات مما ينفع الله بها في رقية السحر، وإن قرأ القارئ هذه الآيات في الماء وقرأ معها سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وبقل هو الله أحد والمعوذتين في ماء ثم صبه على من يظن أنه مسحور، أو محبوس عن زوجته فإنه يشفى بإذن الله، إن وضع في الماء سبع ورقات من السدر الأخضر بعد دقها كان مناسبا، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في (فتح المجيد) عن بعض أهل العلم في باب (ما جاء في النشرة). ويستحب أن يكرر قراءة السور الثلاث، وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاث مرات. والمقصود: أن هذه الأدوية وما أشبهها هي مما يعالج به هذا البلاء: وهو السحر، ويعالج به أيضا من حبس عن زوجته، وقد جرب ذلك كثيرا فنفع الله به، وقد يعالج بالفاتحة وحدها فيشفى، وقد يعالج بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وحدها ويشفى. ومن المهم جدا أن يكون المعالج والمعالج عندهما إيمان صادق، وعندهما ثقة بالله، وعلم بأنه سبحانه مصرف الأمور، وأنه متى شاء شيئا كان، وإذا لم يشأ لم يكن ، فالأمر بيده جل وعلا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فعند الإيمان وعند الصدق مع الله من القارئ والمقروء عليه يزول المرض بإذن الله وبسرعة، وتنفع الأدوية الحسية والمعنوية ا. هـ
٦٩ - وَالْلَّهُ يَخْتَصُّ بِعِلْمِ الْغَيْبِ … وَمُدَّعِيهِ كَافِرٌ بِالْكُتْبِ
علم الغيب هو: ما استأثر الله به دون خلقه من العلم وهو نوعان: غيب مطلق، وغيب نسبي. فالغيب المطلق لا يعلمه أحد إلا الله، ومفاتحه خمسة، وهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا
стр. 149
تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، فهذه هي مفاتح الغيب كما فسرها النبي ﷺ ، فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور فإنه كافر بالقرآن العظيم كما سيأتي في الأدلة. أما الغيب النسبي فهذا كثير، وقد يعلمه بعض الناس؛ إذ كل ما غاب عنا مما علمه غيرنا فهو غيب بالنسبة لنا، وعلم بالنسبة لمن علمه، فالغيب النسبي هو بالنسبة إلى أشخاص دون أشخاص، وإلى أناسٍ دون أناس، فمن ادعى علم شيءٍ من ذلك فإن كان تحصيله بأسبابٍ معلومةٍ كأن يسأل ويتوصل فهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في ادعاء علم الغيب المطلق الذي فيه الإخبار عن المستقبل.
وقد دل القرآن على أن علم الغيب من خصائص الله تعالى فمن ادعى علم الغيب المطلق فقد كفر
١. قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]
٢. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]
٣. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]
٤. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]
٥. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]
إتيان الكهان والعرافين
٧٠ - وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا اوْ عَرَّافَا … صَلاتُهُ مَرْدُودَةٌ لَوْ طَافَا
والكهانة مما فيه معنى الغيب، قال في " القاموس ": " تكهن تكهناً: قضى له بالغيب؛ فهو كاهن، والجمع كهنة وكهان، وحرفته الكهانة بالكسر ".
و" العرَّاف: بمعنى المنجم والكاهن، وقيل: العراف يخبر عن الماضي، والكاهن يخبر عن الماضي والمستقبل". كذا في " المصباح المنير "
وفي " مفردات الراغب ": " الكاهن هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية بضرب من الظن، والعراف الذي يخبر بالأخبار المستقبلة على نحو ذلك ".
وفي " معالم السنن " للخطابي: " الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيا من الجن وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافاً، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من يسمي المنجم كاهناً "
وقال الشيخ ابن عثيمين: الكاهن من يخبر عن المغيبات في المستقبل .... والعراف قيل: هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المستقبل. وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب. بمقدمات يستعملها، وهذا
стр. 152
المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق؛ إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة ا. هـ
صَلاتُهُ مَرْدُودَةٌ: وهذا مما يدل على عظم هذا الجرم وخطره ودليله ما رواه مسلم عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»
قال الإمام النووي ﵀ في شرحه على مسلم: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ مَكَانِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا وَأَمَّا عَدَمُ قَبُولِ صلاته فمعناه أنه لاثواب لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي سُقُوطِ الفرض عنه ولايحتاج مَعَهَا إِلَى إِعَادَةٍ وَنَظِيرُ هَذِهِ الصَّلَاةُ فِي الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لاثواب فِيهَا كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا قَالُوا فَصَلَاةُ الْفَرْضِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُتِيَ بِهَا على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان سقوط الفرض عَنْهُ وَحُصُولُ الثَّوَابِ فَإِذَا أَدَّاهَا فِي أَرْضٍ مغصوبة حصل الأول دون الثانى ولابد من هَذَا التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ متفقون على أنه لايلزم مَنْ أَتَى الْعَرَّافَ إِعَادَةُ صَلَوَاتِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ
وفي سنن الترمذي وابن ماجه واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» وعند أحمد في المسند " مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ "
стр. 153
بِابُ التَّطَيُّرِ
الطيرة: التشاؤم، يقال: تطيرت من الشيء وبالشيء إذا تشاءمت به؛ كما في " الصحاح ". وقال الحافظ في " الفتح ": " أصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير؛ فإذا خرج أحدهم لأمر؛ فإن رأى الطير طار يمنة؛ تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة؛ تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وليس في شيء من ذلك ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدّح بتركه، وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالباً؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين "
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الطيرة: هي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وقيل: التشاؤم بمعلوم مرئيا كان أو مسموعا، زمانا كان أو مكانا، وهذا أشمل؛ فيشمل ما لا يرى ولا يسمع؛ كالتطير بالزمان. وأصل التطير: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا؛ فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. وكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص وهذا من الشرك كما قال النبي ﷺ . والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم؛ ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء، وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر - والعياذ بالله -، وكان
стр. 154
بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة ﵂ هذا التشاؤم، بأنه ﷺ عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال؛ فكانت تقول: " أيكن كان أحظى عنده مني "؟ والجواب: لا أحد. ا. هـ فالمهم أن التشاؤم ينبغي للإنسان أن لا يطرأ له على بال؛ لأنه ينكد عليه عيشه؛ فالواجب الاقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يعجبه الفأل فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ولا يتشاءم، وكذلك بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه فيتركه، وهذا خطأ؛ فكل شيء ترى فيه المصلحة؛ فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك ا. هـ
٧١ - وَتَحْرُمُ الطِّيَرَةُ وَالتَّشَاؤُمُ … وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا بَلْ يُقْدِمُ
ورد في ذلك أحاديث منها عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»
رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال الحافظ في "الفتح": وقوله: "وما منا إلا .. " من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري، عنه.
وفي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» فنفى الرسول ﷺ العدوى كلها. والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح ونفى الطيرة وهي التشاؤم. وهذا النفي ليس نفيا للوجود؛ لأنها موجودة ولكنه نفي للتأثير؛ فالمؤثر هو الله، فما كان منها سببا معلوما؛ فهو سبب صحيح، وما كان منها سببا موهوما؛ فهو سبب باطل، ويكون نفيا لتأثيره بنفسه إن كان صحيحا، ولكونه سببا إن كان باطلا.
стр. 155
٧٢ - مُرَدِّدًا دُعَاءَهَا يُهَلِّلُ … وَإِنَّمَا يُذْهِبُهَا التَّوَكُّلُ
روى الإمام أحمد وغيره عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " وإسناده حسن وتقدم في حديث ابن مسعود: « … وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» والتوكل: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابا. فلا يكفي صدق الاعتماد فقط، بل لا بد أن تثق به؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] فمن اعتقد أن الخير لا يأتي به إلا الله وأن الشر لا يصرفه إلا الله وأنه لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله فقد توكل على الله وابتعد عن التطير والتشاؤم من الأشياء.
٧٣ - وَشِرْكُ مَنْ تَرُدُّهُ قَدْ قَالُوا … وَيُعْجِبُ الرَّسُولَ مِنْهَا الْفَالُ
تقدم حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ»
قال الشيخ صالح الأطرم ﵀ في الأسئلة والأجوبة في العقيدة: وقد تضافرت الأدلة على إبطال التطير ففي الحديث الشريف: «لا عدوى ولا طيرة» فالحديث ينفي اعتقاد تأثير التشاؤم بنفسه كما هو معتقد الجاهلية وقال ﷺ : «الطيرة شرك الطيرة شرك» وذلك أنهم يعلقون النفع والضر بغير الله … فإذا وقع في نفس الإنسان شيء بسبب مرئي أو مسموع اعتقد فيه وتشاءم فرده عن حاجته أو حمله على المضي فيها والشرع لم يجعله سبباً لذلك فهذه الطيرة الممنوعة وهذه هي الطيرة الشركية شرك أصغر فإن اعتقد أن ما تطير به يجلب النفع بنفسه أو يدفع الضرر
стр. 156
بنفسه فهذا شرك أكبر. والخلاصة أن ما جعله الإنسان سبباً ولم يجعله الله سبباً فهو شرك أصغر وإن اعتقد النفع أو الضر به فهو شرك أكبر … ا. هـ
حكم الفأل
وَيُعْجِبُ الرَّسُولَ مِنْهَا الْفَالُ: دليله ما في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» قَالَ قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ». فالرسول ﷺ يحب الفأل وفسره بأنه الكلمة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة إذا سمعها فتفاءل بها، وأنه سيحصل له كذا وكذا من الخير، يكون من باب حسن الظن بالله- جل وعلا-، فالفأل حسن ظن بالله، والتشاؤم سوء ظن بالله- جل وعلا-؛ ولهذا كان الفأل ممدوحا ومحمودا، والشؤم مذموما.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قوله: " ويعجبني الفأل " أي: يسرني، والفأل بينه بقوله: " الكلمة الطيبة ". فـ"الكلمة الطيبة" تعجبه ﷺ لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قدما لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة، بل هذا مما يشجع الإنسان؛ لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقداما وإقبالا. وظاهر الحديث: الكلمة الطيبة في كل شيء؛ لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب وتكون سببا لخيرات كثيرة، حتى إنها تدخل المرء في جملة ذوي الأخلاق الحسنة. وهذا الحديث جمع النبي ﷺ فيه بين محذورين ومرغوب؛ فالمحذوران هما العدوى والطيرة، والمرغوب هو الفأل، وهذا من حسن تعليم النبي ﷺ فمن ذكر المرهوب ينبغي أن يذكر معه ما يكون مرغوبا، ولهذا كان القرآن مثاني إذا ذكر أوصاف المؤمنين ذكر أوصاف الكافرين، وإذا ذكر العقوبة ذكر المثوبة، وهكذا ا. هـ
стр. 157
بَابُ الْتَّنْجِيْمِ
التنجيم: مصدر نجّم بتشديد الجيم؛ أي: تعلم علم النجوم، أو اعتقد تأثير النجوم.
قال الشيخ صالح الأطرم في الأسئلة والأجوبة في العقيدة (ص: ٤٨): التنجيم هو: تعلم النجوم ومنازلها وحركاتها ومدى الاستفادة منها، أما حكم تعلمها فبحسب المعلوم منها ومقاصد المتعلم:
أ- فإن قصد من تعلم النجوم معرفة دلالتها على الجهات وعلى القبلة فهذا جائز وهو ما يسمى بعلم التسيير قال ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وهذا النوع ميسر لكل أحد لربط حاجات الناس به في أسفارهم جواً وبراً وبحراً وتتعلق به معرفة أوقات العبادات كأوقات الصلوات وتجزئة الليل ومعرفة الأوقات التي يناسب فيها الغرس وبذر الحبوب بإذن الله، وما وجد من الآلات التي هدى الله الخلق إليها مما تدل على الأوقات فإنها برمجت على علم التسيير في حركة منازل الكواكب والنجوم.
ب- وإن كان قصد متعلم النجوم ربط تأثير النجوم بالحوادث الأرضية معتقداً أنها فاعلة مختارة فهذا كفر، لاعتقاده أن النجوم مدبرة مع الله ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً ـ،
ج- وإن ربط الحوادث الأرضية بسير الكواكب كاجتماعها وافتراقها معتقداً أنها مؤثرة بإذن الله فهذا حرام لكونه وسيلة إلى الشرك … ا. هـ
وقال الإمام الخطابي ﵀: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان كأوقات هبوب الرياح ومجيء الأمطار وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك بمعرفتها
стр. 158
بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها يدعون أن لها تأثيراً في السفليات وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله بعلمه فلا يعلم الغيب سواه ا. هـ
وقال ابن رسلان في " شرح السنن ": " والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه … وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقي؛ فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه: التحدث بمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الرياح، وتغير الأسعار ". نقله الشوكاني في " نيل الأوطار
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
في هذا الحديث بيان أن تعلم النجوم تعلم للسحر، وتعلمه أنواع كما تقدم منها ما يحل ومنها ما يحرم
وقوله: " من اقتبس شعبة": يعني من تعلم بعضا من علم النجوم؛ لأن الشعبة هي: الطائفة من الشيء، أو جزء من أجزائه، فكل جزء من أجزاء علم النجوم الذي هو علم التأثير نوع من أنواع السحر، قال. " فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" يعني: كلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في تعلم السحر، حتى يصل إلى آخر حقيقة علم التأثير كما يسمونه، فيصبح سحرا وكهانة على الحقيقة، ومن التنجيم كما تقدم علم التأثير وهو جعل الكواكب والنجوم في حركتها والتقائها وافتراقها وطلوعها وغروبها مؤثرة في الحوادث الأرضية، أو دالة على ما سيحدث في الأرض،
стр. 159
فيجعلونها دالة على علم الغيب، ومنبئة على المغيبات، وهذا القدر من السحر؛ لأنه يشترك معه في حقيقته وهو أنه تأثير بأمر خفي ا. هـ
وفي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ "
قال السيوطي ﵀: (السَّمَاء) أَي الْمَطَر (بِنَوْء كَذَا) النوء بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وهمز أَصله مصدر ناء النَّجْم ينوء نوءا أَي سقط وَغَابَ وَقيل نَهَضَ وطلع ثمَّ سمي بِهِ النَّجْم تَسْمِيَة للْفَاعِل بِالْمَصْدَرِ (فَذَلِك كَافِر بِي) أَي إِنْ اعْتقد أَنه للمطر حَقِيقَة كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تنْسب الْمَطَر إِلَى النَّجْم السَّاقِط الغارب وَأما من قَالَ مُعْتَقدًا أَنْ الْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى وَأَنْ النوء مِيقَات لَهُ وعلامة بِاعْتِبَار الْعَادة فَلَا يكفر وَلَكِن يكره لَهُ هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ شعار الْجَاهِلِيَّة وَمن سلك مسلكهم وَلِأَنَّهُ كَلَام مُتَرَدّد بَين الْكفْر وَغَيره ا. هـ
وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ. يَقُولُونَ الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ "
стр. 160
٧٤ - ثُمَّ النُّجُومُ زِينَةُ السَّمَاءِ … وَرَجْمُ شَيْطَانٍ عَنِ الأَنْبَاءِ
٧٥ - وَلِلْهُدَى عَلامَةٌ عَلَى الطُّرُقْ … فَمَنْ يُحَاوِلْ غَيْرَهُ فَمَا صَدَقْ
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] قَالَ قَتَادَةُ ﵀ إِنَّمَا خُلِقَتْ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلَاثِ خِصَالٍ: خَلَقَهَا اللَّهُ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِرَأْيِهِ وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ جرير، وابن أبي حاتم.
٧٦ - وَعِلْمُهَا نَوْعَانِ فَالتَّسْيِيرُ … أَجَازَ مَا نَحْتَاجُهُ الْجُمْهُورُ
٧٧ - وَالثَّانِ عِلْمٌ بَاطِلٌ مُحَرَّمُ … يُعْرَفُ بِالْتَّأْثِيرِ فِيمَا يُزْعَمُ
قال الشيخ صالح آل الشيخ: التنجيم، ينقسم إلى جائز ومحرم، والمحرم منه نوع من أنواع السحر، وهو كفر وشرك بالله- جل وعلا-، فادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، هو التنجيم المذموم المحرم الذي هو من أنواع الكهانة والسحر.
أنواع التنجيم
والتنجيم الذي يتعاطاه الناس ثلاثة أنواع:
الأول: التنجيم الذي هو اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إرادات النجوم، وهذا تأليه للنجوم، وهو الذي كان يصنعه الصابئة ويجعلون لكل نجم وكوكب صورة وتمثالا، تحل فيها أرواح الشياطين، فتأمر أولئك بعبادة تلك الأصنام والأوثان، وهذا كفر أكبر بالإجماع وشرك كشرك قوم إبراهيم.
стр. 161
والنوع الثاني من التنجيم: هو ما يسمى علم التأثير، وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها، على ما سيحصل في الأرض، فيجعلون حركة النجوم دالة على ما سيقع مستقبلا في الأرض، والذي يفعل هذه الأشياء ويستدل بها يقال له: المنجم، وهو من أنواع الكهان؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة عن طريق الاستدلال بحركات الأفلاك وتحرك النجوم، وهذا النوع محرم وكبيرة من الكبائر، وهو نوع من الكهانة وكفر بالله- جل وعلا-؛ لأن النجوم ما خلقت لذلك وهؤلاء تأتيهم الشياطين، فتوحي إليهم بما يريدون وبما سيحصل في المستقبل ويجعلون حركة النجوم دليلا على ذلك.
النوع الثالث مما يدخل في اسم التنجيم: ما يسمى بعلم التسيير، وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها، لأجل أن يعلم القبلة، والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي جرت سنة الله ألا ينزل فيه من المطر كذا، ونحو ذلك. فهذا يسمى علم التسيير، وقد رخص فيه بعض العلماء، وسبب الترخيص فيه: أنه يجعل النجوم وحركتها والتقاءها وافتراقها، وطلوعها أو غروبها، يجعل ذلك وقتا وزمنا، لا يجعله سببا، فيجعل هذه النجوم علامة على زمن يصلح فيه كذا وكذا، والله -جل وعلا- جعل النجوم علامات كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] فهي علامة على أمور كثيرة، كأن يعلم- مثلا- أنه بطلوع النجم الفلاني يدخل وقت الشتاء، فدخول الوقت ليس بسبب طلوع النجم، ولكن حين طلع استدللنا بطلوعه على دخول الوقت، وإلا فهو ليس بسبب لحصول البرد، وليس بسبب لحصول الحر، وليس بسبب للمطر، وليس بسبب لمناسبة غرس النخل أو زرع المزروعات ونحو ذلك، ولكنه وقت، فإذا كان على ذلك فلا بأس به قولا أو تعلما؛ لأنه يجعل النجوم وظهورها وغروبها أزمنة وذلك مأذون به ا. هـ
стр. 162
بَابُ الشَّفَاعَةِ
الشفاعة: جاء في في "القاموس" و"تاج العروس": الشّفيع: صاحب الشّفاعة، والجمع: شفعاء، وهو: الطالب لغيره يتشفّع به إلى المطلوب ا. هـ
وقال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر": قَدْ تَكَرَّرَ ذِكر الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا يتعلَّق بأمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ السُّؤالُ فِي التَّجاوُز عَنِ الذُّنوب والجَرائِم بينَهم. يُقَالُ شَفَعَ يَشْفَعُ شَفَاعَةً، فَهُوَ شَافِعٌ وشَفِيعٌ، والْمُشَفِّعُ: الَّذِي يَقْبل الشَّفاعةَ، والْمُشَفَّعُ الَّذِي تُقْبَل شفاعتُه. اهـ
أقسام الشفاعة
٧٨ - ثُمَّ الشَّفَاعَةُ لهَا قِسْمَانِ … كِلاهُمَا فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ
ذكر الله الشفاعة في القرآن الكريم، وذكرها جاء على نوعين شفاعة منفية وشفاعة مثبتة.
٧٩ - مَنْفِيَّةٌ وَهْيَ عَنَ اهْلِ الشِّرْكِ … وَلَيْسَ فِي بُطلانِهَا مِنَ شَكِّ
مَنْفِيَّةٌ: هذا هو النوع الأول من نوعي الشفاعة. ومن أدلته في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ففي هذه الآيات نفي الشّفاعة. والمقصود بالشفاعة المنفية: الشفاعة التي لم يأذن بها الله:
стр. 163
كتلك التي تطلب من غير الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤]
والشفاعة لمن لا يرتضيه الله كالمشركين والكافرين فإنه لا تقبل فيهم شفاعة شافع كما قال تعالى:
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ٩٤ - ١٠١]
٨٠ - ثَانِيهِمَا شَفَاعَةٌ بِإِذْنِهِ … لِمَنْ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِدِينِهِ
٨١ - دَلِيلُهَا فِي آَيَةِ الْكُرْسِيِّ … مِثَالُهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ
النوع الثاني من أنواع الشفاعة الشفاعة المثبتة وهي لأهل التوحيد
قال الله تعالى في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]
ففي هذه الآيات بيان أن الشّفاعة المثبتة لا تكون إلا بشروط. قال شيخنا العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي ﵀: والشّفاعة المثبتة لا تقبل إلا بشروط:
١ - قدرة الشافع على الشّفاعة كما قال تعالى في حق الشافع الذي يطلب منه وهو غير قادر على الشّفاعة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا
стр. 164
يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فعلم من هذا أن طلب الشّفاعة من الأموات طلب ممن لا يملكها، قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]
٢ - إسلام المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، والمراد بالظالمين هنا: الكافرون، بدليل الأحاديث المتواترة في الشّفاعة لأهل الكبائر، … قال الحافظ البيهقي ﵀ في "الشعب": فالظالمون هاهنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين. اهـ وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. اهـ ويستثنى من المشركين أبوطالب، فإن النبي ﵌ يشفع له حتى يصير في ضحضاح من نار …
٣ - الإذن للشافع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 165
الرّضا عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ا. هـ.
أنواع الشفاعة المثبتة
٨٢ - لَهُ شَفَاعَاتٌ كَفَضِّ الْمَوْقِفِ … لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ كُلُّ مُقْتَفٍ
قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: في بيان أنواع الشفاعة:
١ - أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده وهي خاصة لنبينا محمد ﷺ وهي المقام المحمود الذي وعده الله كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم ﵈ وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: «أنا لها» كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما.
٢ - الثانية: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته.
٣ - الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
٤ - الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها فيخرجون قد امتحشوا وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
стр. 166
٥ - الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة.
السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره ا. هـ
стр. 167
بَابُ الْهِدَايَةِ
قال الجرجاني في التعريفات: الهداية الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب وقد يقال هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب ا. هـ
وقال المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف: الهداية: دلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المطلوب وقيل سلوك طريق يوصل إلى المطلوب. وقيل: سلوك طريق توصل إلى المطلوبا. هـ
بَابُ الْهِدَايَةِ
٨٣ - ثُمَّ الْهِدَايَةُ هِدايَتَانِ … هِدَايَةُ الْتَّوْفِيقِ لِلإِحْسَانِ
٨٤ - وَتِلْكَ يَخْتَصُّ بِهَا الْحَمِيدُ … يَهْدِي بِهَا لِلْحَقِّ مِنْ يُرِيدُ
٨٥ - وَبَعْدَهَا هِدَايَةُ الإِرْشَادِ … فِي سُورَةِ الشُّورَى أَتَتْ وَصَادِ
هِدايَتَانِ: الأولى هداية التوفيق أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم سبحانه. وهي خاصة بالله تعالى. والثانية: هداية الدلالة والإرشاد وتكون للأنبياء والدعاة وغيرهم
فِي سُورَةِ الشُّورَى: يشير إلى قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]
стр. 168
وَصَادِ: يشير إلى قول الله سبحانه: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] فالهداية هنا بمعنى الدلالة والإرشاد.
قال الشيخ صالح آل الشيخ وفقه الله:
جاءت الهداية في مواضع كثيرة من القرآن، وقسَّمَهَا أهل العلم إلى أربعة أقسام:
١ - النوع الأول: الهداية الغريزية وهي هداية المخلوق إلى ما فيه بقاء حياته وحُسْنِ معاشه، والدليل على هذه المرتبة قوله ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] يعني هَدَاهُ إلى ما فيه مصلحته في دنياه، إلى آخر ذلك. فالله هَدَى الرضيع كيف يلتقم الثدي ويحتاج إليه، وهَدَى الطائر لمصلحته، وهدى الحيوان لمصلحته، إلى آخر ذلك.
٢ - النوع الثاني: الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ دلالة وإرشاد من آخر لما فيه مصلحة العبد في دنياه أو في آخرته أو فيهما معاً، وهذه هي الأكثر في القرآن وهي هداية الدّلالة والإرشاد، وهي التي جاءت في مثل قوله ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، يعني دال يدلّهم على الطريق.
٣ - النوع الثالث: هداية التوفيق وهي أخصُّ من التي قبلها، وهذه خاصة بالله ، وهو الذي يُوَفِّقْ ويُلْهِم، فالرسل هُدَاة بمعنى أنهم يَدُلُّونَ ويُرْشِدُون؛ لكن هداية التوفيق هذه من الله ﷻ قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]، هذا حصر التوفيق من الله دون ما سواه، لهذا نفاها ربنا عن نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، فنَفَى عنه الهداية في هذه الآية وجعلها لله مع إثباتها لنبيه ﷺ في قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
стр. 169
مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] فالنبي ﷺ يَهْدِي ولا يَهْدِي. يَهْدِي بمعنى أنه يَدُلُّ ويُرْشِدْ ويُعَلِّمْ إلى آخر هذه المعاني، ولا يَهْدِي بمعنى هداية التوفيق لا يُوَفِّقْ بل الذي يُوَفِّقْ ويُعِين العبد ويَصْرِفْ عنه السوء، ويُعِينُهُ على الطاعة ويصرف عنه الشياطين حتى يهتدي -بمعنى حتى يستقيم على أمر الله-، هذا رب العالمين ﷻ وتقدست أسماؤه.
٤ - النوع الرابع: الهداية التي جاءت في سورة محمد وهي هداية أهل النار للنار وهداية أهل الجنة للجنة، فهداية أهل الجنة للجنة في قوله ﷻ ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥]، هذه الهداية وقَعَتْ بعد القتل، وما بعد القتل الهداية إلى أيّ شيء؟ هداية إلى الجنة، لهذا قال بعدها ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦]، قال العلماء: يهديهم يعني إلى صراط وإلى طريق الجنة، وهداية أهل النار إلى النار كقوله في سورة الصافات ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]
والذّي يتصل بالإيمان بالقضاء والقدر وفعل العبد من هذه المراتب المرتبتان الثانية والثالثة: هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والإلهام،
ولذلك شاع عند العلماء أن الهداية قسمان: هداية دلالة وإرشاد. وهداية توفيق وإلهام. لأنَّ هذين النوعين هما اللذان نحتاج إليها في أعظم المسائل المتعلقة بالهداية وهي مسألة القضاء والقدر والهداية والضلال، أما الهداية العامة، وهداية أهل الجنة للجنة وهداية أهل النار للنار هذه مُتَفَقْ عليها معلومة عند الجميع ا. هـ
стр. 170
بَابُ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ
الشرك نوعان كما تقدم: شرك أكبر، وشرك أصغر.
فالنوع الأول: الشرك الأكبر وهو دعوة غير الله معه وهو كل شرك أطلقه الشارع وكان متضمناً لخروج الإنسان عن دينه. مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله بأن يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو أن يدعو غير الله تعالى مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائباً لإنقاذه من أمر لا يقدر عليه إلا الحاضر، وأنواعه كثيرة.
النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج عن الملة. مثل الحلف بغير الله ومثل الرياء. وقد يصل الرياء إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم ﵀ للشرك الأصغر بيسير الرياء وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر.
و يفترق الشرك الأكبر عن الأصغر بعدة أمور:
أولاً: الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال إذا مات صاحبه ولم يتب لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
ثانياً: أن الشرك الأكبر مخرج من الملة الإسلامية وأما الأصغر فلا يخرج من الملة.
ثالثاً: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار. أما الأصغر فهو كغيره من الذنوب ولكنه أعظم من الكبائر وقيل لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة.
стр. 171
٨٦ - وَالدِّينُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِخْلاصِ … وَضِدُّهُ الْشِّرْكُ بِلا مَنَاصِ
٨٧ - مِثْلُ صَلاةِ ذَلِكَ الْمُرَائِي … يُطِيلُ حُسْنَهَا لأَجْلِ الرَّائِي
٨٨ - وَمِثْلُ إِقْسَامٍ بِغَيْرِ الْلَّهِ … وَقَوْلِ "لَوْلا الْكَلَبُ" وَالأَشْبَاهِ
٨٩ - وَقَوْلُ "شَاءَ الْلَّهُ ثُمَّ شِئْتَا" … تَجُوزُ لا كَالْوَاوِ إِذْ رَتَّبْتَا
الإخلاص هو حقيقة الدين، ومفتاح الرسل ﵈، قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " رواه مسلم والإخلاص في اللغة: تخليص الشيء وتجريده من غيره، فالشيء يسمى خالصا إذا صفا عن شوبه وخلص عنه، ويسمى الفعل المصفى المخلص من الشوائب إخلاصا. وتعريفه في الاصطلاح على هذا المعنى: تصفية ما يراد به ثواب الله وتجريده من كل شائبة تكدر صفاءه وخلوصه له سبحانه. وقيل الإخلاص هو: إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. والمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الناس، من أجل صلاح قلبه مع الله ، ولا يحبُّ أن يطلع الناس على مثاقل الذر من عمله. والإخلاص ينافيه الرياء وحب الدنيا والشهرة، والسمعة.
قال الشيخ ابن عثيمين: والمراد بالرياء هنا أن يتعبد الإنسان لربه ولكن يحسن العبادة من أجل أن يراه الناس فيقولون ما أعبده ما أحسن عبادته وما أشبه ذلك فهو يريد من الناس أن يمدحوه في عبادته لا يريد أن يتقرب إليهم بالعبادة
стр. 172
لأنه لو فعل هذا لكان شركا أكبر لكنه يريد أن يمدحوه في عبادة الله فيقولون فلان عابد فلان كثير الصوم فلان كثير الصدقة وما أشبه ذلك فهو لا يخلص لله في عمله لكن يريد أن يمدحه الناس على ذلك فهو يرائي الناس والرياء يسيره من الشرك الأصغر وكثيره من الشرك الأكبر ا. هـ
ومن أمثلة الشرك الأصغر الرياء:
ودليله حديث مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " رواه أحمد
وفي رواية: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» رواه ابن خزيمة
و عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» رواه ابن ماجه.
ومن الشرك الأصغر: الحلف بغير الله:
ودليله حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ، رَجُلًا يَحْلِفُ: ويقول: لا وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»
стр. 173
رواه أبو داود وفيه عَنِ بُرَيْدَةَ بن الحصيب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا»
وفي الصحيحين عن ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ»، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»
وفي رواية: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عمر ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»
قال شيخنا أبو إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الوصابي ﵀ في كتابه "القول المفيد في أدلة التوحيد":
ومن هذه الأدلة النبوية الصحيحة يتبين تحريم الحلف بغير الله كالأمانة، والعيش والملح، والشرف، والأب، والجد، والكعبة، والنبي، والأخوة، والصداقة، والزمالة، والشرف العسكري، والطلاق، وغير ذلك من دون الله، وأن الحلف لا يجوز أن يكون إلا بالله وحده لا شريك له. فإن قال قائل: فالله قد أقسم في كتابه العزيز بكثير من مخلوقاته كالشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض إلى غير ذلك. فيرد عليه بأن الله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وقد نهانا الرسول ﷺ عن الحلف بغير الله كما في هذه الأحاديث السابقة. والحلف بغير الله يعتبر شركاً أصغر، فإن قام بقلبه تعظيم لمن حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله فهو شرك أكبر ا. هـ
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة؛ فهو شرك أكبر، وإلا؛ فهو شرك أصغر ا. هـ
стр. 174
ومن أمثلة الشرك الأصغر قولهم لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص:
وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: "وَقَوْلُ لَوْلا الْكَلَبُ وَالأَشْبَاهِ" مثل قول بعضهم: لولا كليبة هذا؛ لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار؛ لأتى اللصوص. قال الشيخ ابن عثيمين: يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبِّب، وهو الله أما الاعتماد على السبب الشرعي، أو الحسي المعلوم؛ فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي ﷺ قال: " لولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار "، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك؛ بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله . وقوله: "لولا البط في الدار لأتى اللصوص": البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص.
ومن الشرك الأصغر قول الإنسان: ما شاء الله وفلان
فقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت ونحو ذلك، فيه شرك؛ لأنه شَرَك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله في التدبير والمشيئة؛ فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله فوق كل شيء؛ فهو شرك أصغر،
ومن الشرك الأصغر قول لولا الله وفلان
وكذلك قوله: "لولا الله وفلان". فهو شرك أكبر أو أصغر حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك.
الْحَيَاءُ مِنْكُمْ، أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا فلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ " ورواه الحاكم ولفظه: " … فَلَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"
الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاوِ وَثُمَّ:
أَنَّ العطف بالواو يقتضي المقارنة والتسوية، فيكون من قال: ما شاء الله وشئت، قارنًا مشيئة العبد بمشيئة الله مسويا بها، بخلاف العطف بـ "ثم" المقتضية للتبعية، فمن قال: ما شاء الله ثم شئت، فقد أقر بأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، لا تكون إلا بعدها، كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] قال الإمام الشافعي ﵀: وَالْمَشِيئَةُ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: اللَّهُ :: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩] فَأَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيُقَالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْت، [وَلَا يقَالَ: مَا شَاءَ اللَّه وشئت]. ا. هـ (١)
وقال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد:
الأولى قول: ما شاء الله وحده، كما يدل عليه حديث ابن عباس ﵄ وغيره ا. هـ قال الشيخ عبد الرحمن في فتح المجيد: ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: "ثم شاء فلان"؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد في كل وجه. فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص ا. هـ قلت: ويؤيده أن رواية "ما شاء الله وحده" أصح رواية وأما رواية "ثم شئت" أو "ثم شاء محمد" فأسانيدها لا تخلو من مقال كما حققته في "شرح سلم الوصول". والله أعلم
стр. 177
بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللَّهِ
التوحيد يقتضي من الموحد المؤمن بالله - جل وعلا - أن يعظم الله وألا يجعل مخلوقا في منزلة الله سبحانه فيما يختص به، لأنه قد يجعل المخلوق في منزلة الله لشبهة وصف قام به، ككون القاضي هو رئيس القضاة أو أعلم، فيجعل في اللفظ والتسمية قاضيا للقضاة؛ فلهذا ينبه العلماء على أن التسمي بالأسماء التي معناها إنما هو لله ﷻ : لا يجوز، والتوحيد يقتضي ألا يوصف بها إلا الله وألا يسمى بها إلا الله وحده فتسمية غير الله بتلك الأسماء التي ستأتي لا تجوز ومحرم، بل هي أخنع الأسماء وأوضع تلك الأسماء وأبغض الأسماء إلى الله ﷻ .
حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه
٩٠ - وَمَنْ تَسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ … أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ
٩١ - يَنْفِي كَمَالَ الذُّلِّ وَالتَّوْحِيدِ … وَأَخْنَعُ الأَسْمَاءِ لِلْعَبِيدِ
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَخْنَى (وفي رواية: أخْنَعُ) الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ» متفق عليه وزاد مسلم فِي رِوَايَة «لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ » " أخنع " يعني: أوضع، وأحقر
" تَسَمَّى " يشمل ما إذا سمى نفسه، أو سماه غيره به فرضي، أما إذا سماه غيره به فلم يرض، فإنه لا يدخل في الذم؛ لعدم الرضا، فيلحق الوعيد المسمي، ومن رضي بذلك الاسم. أَوْ نَحْوَهُ: نحو قاضي القضاة مثل: ملك الأملاك، وشاهان شاه، ونحو ذلك، وقاضي القضاة: هو الذي يقضي بين القضاة، تقول: قاضي المسلمين، يعني: الذي يقضي بين المسلمين، وقاضي الرياض، يعني: الذي يقضي
стр. 178
في الخصومات التي بين أهل الرياض، فقاضي القضاة لفظٌ حقيقة معناه: الذي يقضي بين القضاة، وهذا إنما هو لله سبحانه فهو الذي يقضي بين العباد، وبين القضاة وبين العبيد، فهو قاضي القضاة على الحقيقة فيخبر عنه بذلك، لأن " قاضي القضاة " ليست من أسماء البشر، فالذي يقضي بين القضاة هو الله سبحانه. والذين أطلقوا هذه التسمية على كبير القضاة، أو على كبير العلماء، لا يعنون بها أن ذاك يقضي بين القضاة، وإنما يعنون بها أنه وصل إلى مرتبة في القضاء أو في العلم أعلى من درجة القاضي، فصار قاضي القضاة، وقد انتشر في بلاد المسلمين التسمية بقاضي القضاة ونحوه، منذ القرن الرابع الهجري إلى أوقات متأخرة قريبة من هذا الزمان، والواجب على العبد ألا يجعل هذه التسمية جارية على لسانه، ولا أن يرضى بها. وكذلك مالك الأملاك، أو شاهان شاه، يعني: ملك الأملاك، لأن فيه تسمية البشر بما يختص بالله، فإن ملك الأملاك هو الله جل وعلا، والأملاك واسعة، والإنسان إنما يطلق عليه أنه مالك للشيء المعين، وليس مالكا لكل شيء، فالذي يملك كل شيء هو الله وحده، والبشر يملكون بالإضافة بعض الأشياء.
وكذلك المُلك - بالضم - وهو: نفاذ الأمر والسيطرة، فإنه يكون في بعض الأرض وليس في كل الأرض، فالذي يملك يقال له: مالك إذا كان يملك ملكا، أو ملك إذا كان يملك ملكا، بمعنى: نفاذ الأمر، ويضاف إلى بقعته فيقال: ملك المملكة العربية السعودية، وملك الأردن، ونحو ذلك. وأما الإطلاق العام ملك الأملاك، أو شاهان شاه، فإن الأملاك منها ما هو على الأرض ومنها غير ذلك وهذا إنما هو لله - جل وعلا -، فالتوحيد يوجب ألا يتسمى بذلك أحد، وألا يرضى بتسمية أحد بذلك، حتى لو وجد في بعض الكتب لا ينقل كما هو، وقد
стр. 179
يغلط بعض الباحثين وبعض طلبة العلم فينقل قولا عن بعض أهل العلم المتقدمين، ممن يتجوزون في مثل هذه الألفاظ وفيه: " وقال: قاضي القضاة كذا "، " وكان قاضي القضاة كذا "، ولا يغيره، والواجب أن يغيره تعظيما لله - جل وعلا -، وأمانة النقل التي يدعون هي في مرتبة دون توحيد الله - جل وعلا - بكثير كثير، فالواجب تغيير ذلك، وهذا من توحيد الله وتغيير اشتراك الخلق مع الله - جل وعلا - في حقه فيما يزعمه بعض الخلق ا. هـ "مستفاد من كتاب التمهيد لشرح كتاب التوحيد"
٩٢ - قَدْ غَيَّرَ الْنَّبِيُّ مِنْ أَبِي الْحَكَمْ … وَكُلُّ مَا عُبِّدَ لِلْخَلْقِ حَرُمْ
دليله في سنن أبي داود عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟» قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» وفي الحديث الإرشاد إلى الأدب الذي يجب أن يصدر من قلب الموحد ومن لسانه، مع الله- ﷻ ، و مع أسمائه، وصفاته، فلا يسمي أحدا بأسماء الله- جل وعلا- ويغير الاسم لأجل هذا، فأسماء الله- جل وعلا- يجب احترامها، وتعظيمها، ومن احترامها أن يجعل ما لا يصلح إلا لله منها لله وحده، وألا يسمى به البشر. وهذا الاحترام قد يكون مستحبا من جهة الأدب، وقد يكون واجبا، فأسماء الله تعالى يجب احترامها، بمعنى يجب ألا تمتهن، ويستحب احترامها أيضا فيما كان من الأدب ألا يوصف به غير الرب جل وعلا.
стр. 180
حكم ما عبد لغير الله من الأسماء
وَكُلُّ مَا عُبِّدَ لِلْخَلْقِ حَرُمْ: التعبيد لغير الله لا يجوز، فلا يجوز أن يقال:
عبد النبي ولا عبد الرسول ولا عبد علي، ولا عبد الحسين ولا عبد المسيح وقد نقل ابن حزم ﵀ اتفاق العلماء على ذلك إلا "عبد المطلب" فليس في تحريمه اتفاق قال ابن عثيمين ﵀: قال بعض أهل العلم: لا يمكن أن نقول بالتحريم والرسول ﷺ قال: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب. فالنبي ﷺ لا يفعل حراما؛ فيجوز أن يعَبَّدَ للمطلب إلا إذا وجد ناسخ، وهذا تقرير ابن حزم ﵀، ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب؛ فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب، وأما قوله ﷺ : " أنا ابن عبد المطلب" فهو من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فالنبي ﷺ أخبر أن له جدا اسمه عبد المطلب، ولم يرد عنه ﷺ أنه سمى عبد المطلب، أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك، ولا أنه أقر أحدا على تسميته عبد المطلب ا. هـ
٩٣ - وَرَبُّنَا الْعَظِيمُ وَالسَّلامُ … فَلا تَقُلْ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ
فيه التنبيه على ترك قول: السلام على الله، وهو من تعظيم الأسماء الحسنى، ومن العلم بها، ذلك أن السلام هو الله- ﷻ ، والسلام من أسمائه ، فهو المتصف بالسلامة الكاملة من كل نقص وعيب، وهو المنزه والمبعد عن كل آفة ونقص وعيب، فله الكمال المطلق في ذاته، وصفاته الذاتية، وصفاته الفعلية- جل وعلا-، ودليله ما في الصحيحين عن عَبْد اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: