← Акыда

Акыда · id 1127

رسم الوداد في إيضاح تحفة الأولاد في توحيد رب العباد

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بَابُ التَّوَسُّلِ ٥٣ - ثُمَّ التَّوَسُّلُ عَلَى نَوْعَيْنِ … أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ دُونَ مَيْنِ ٥٤ - بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ … أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ وَالطَّاعَاتِ ٥٥ - وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ … بِأَيِّ مَخْلُوقٍ وَلَوْ نَبِيُّ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] قال الحافظ المفسر ابن جرير الطبري ﵀: يعني جل ثناؤه بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. و"الوسيلة": هي"الفعيلة" من قول القائل: "توسلت إلى فلان بكذا"، بمعنى: تقرَّبت إليه، … ثم أسند عن أبي وائل وعطاء والحسن ومجاهد قولهم: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة في الأعمال. وعن قتادة أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه ا. هـ وقال الجوهري في صحاحه: (الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير. والجمع: الوسيل؛ والوسائل والتوسل واحد وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل). والتوسل شرعاً: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه.

стр. 107

وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات، وأعلاها: إخلاص الدين له، والتقرب إليه بمحبته، ومحبة رسوله، ومحبة دينه، ومحبة من شرع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع. وتأمل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ففي تقديم الجار والمجرور "إليه" إفادة اختصاص الوسائل بالله، لا يشركه معه فيها أحد كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال العلامة الشنقيطي ﵀ في "تفسيره" (٩٨/ ٢): " التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْوَسِيلَةِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ، عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ دَاخِلٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ وَالِابْتِهَالَ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى نَيْلِ رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الْجُهَّالِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، أَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى وَضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ أَصُولِ كُفْرِ الْكَفَّارِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى رِضَى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ هِيَ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ ﷺ وَمَنْ حَادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] الْآيَةَ ا. هـ

стр. 108

وقوله: عَلَى نَوْعَيْنِ: يعني نوع جائز ونوع غير جائز كما سيأتي. بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: يعني التوسل بالله تعالى وأسمائه وصفاته وهو من التوسل الصحيح كما سيأتي. أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ: أي طلب الدعاء من الصالحين بشرطه كما سيأتي وَالطَّاعَاتِ: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وهو من التوسل المشروع. وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ وفي نسخة (الشِّرِكِيُّ) بِأَيِّ مَخْلُوقٍ: من الأحياء أو الأموات بما لم يرد بجوازه الشرع المطهر، أو ورد فيه ما يدل على منعه. وَلَوْ نَبِيُّ: يعني ولو كان المتوسل به نبيا يعني التوسل بذاته بعد وفاته قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في مجموع الفتاوى والرسائل: التوسل: مصدر توسل يتوسل؛ أي اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله طلب الوصول إلى الغاية المقصودة. و ينقسم التوسل إلى قسمين: (١) القسم الأول: قسم صحيح، وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب؛ وهو على أنواع نذكر منها: ١ - النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى وذلك على وجهين: الوجه الأول: أن يكون ذلك على سبيل العموم، ومثاله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في دعاء الهم والغم قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللهم بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ،

стр. 109

أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي [وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي] … » "إلخ؛ فهنا توسل بأسماء الله -تعالى - على سبيل العموم " «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ». الوجه الثاني: أن يكون ذلك على سبيل الخصوص بأن يتوسل الإنسان باسم خاص لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر ﵁ حيث طلب من النبي ﷺ دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» فطلب المغفرة والرحمة وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب وهما "الغفور" و"الرحيم". وهذا النوع من التوسل: داخل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة. ٢ - النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، وهو أيضًا كالتوسل بأسمائه على وجهين: الوجه الأول: أن يكون عامًّا كأن تقول: "اللهمَّ إني أسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وصِفَاتِكَ العُلْيَا" ثم تذكر مطلوبك. الوجه الثاني: أن يكون خاصًّا، كأن تتوسل إلى الله -تعالى- بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى

стр. 110

الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» فهنا توسل لله تعالى بصفة "العلم" و"القدرة" وهما مناسبتان للمطلوب. ومن ذلك أن يتوسل بصفة فعلية مثل: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». ٣ - النوع الثالث: أن يتوسل الإنسان إلى الله بالإيمان به، وبرسوله ﷺ : فيقول: "اللهم إني آمنت بك، وبرسولك فاغفر لي أو وفقني"، أو يقول: "اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٣] فتوسلوا إلى الله - تعالى - بالإيمان به أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، ويتوفاهم مع الأبرار. ٤ - النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح ؛ ومنه قصة النفر الثلاثة الذين أووا إلى غار ليبيتوا فيه، فانطبق عليهم الغار بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله؛ فأحدهم توسل إلى الله - تعالى - ببره بوالديه؛ والثاني بعفته التامة؛ والثالث بوفائه لأجيره، قال كل منهم «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح. ٥ - النوع الخامس: أن يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله ؛

стр. 111

يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة، ومنه قول موسى ﵍: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله أن ينزل إليه الخير. ويقرب من ذلك قول زكريا ﵍: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة؛ لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها. ٦ - النوع السادس: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، فإن الصحابة ﵃ كانوا يسألون النبي ﷺ أن يدعو الله لهم بدعاءٍ عام، ودعاءٍ خاص؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ «أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعًا كاملًا، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله، غرق المال، وتهدم البناء فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس». وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي ﵃ أن يدعو لهم على وجه الخصوص ومن ذلك: «أن النبي ﷺ ذكر أن في أمته سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون،

стр. 112

فقام عكاشة بن محصن ﵁ وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنت منهم» فهذا أيضًا من التوسل الجائز وهو أن يطلب الإنسان من شخص ترجى إجابته أن يدعو الله -تعالى- له؛ إلا أن الذي ينبغي أن يكون السائل يريد بذلك نفع نفسه، ونفع أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة؛ لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك صار في هذا إحسان إليه؛ فإن الإنسان إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: " آمين ولك بمثل " وهو كذلك يكون من المحسنين بهذا الدعاء والله يحب المحسنين. (٢) القسم الثاني: التوسل غير الصحيح وهو: أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بما ليس بوسيلة؛ أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة؛ لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو، والباطل المخالف للمعقول والمنقول؛ ومن ذلك: ١ - أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بدعاء ميت: يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له؛ لأن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة؛ بل من سفه الإنسان أن يطلب من الميت أن يدعو الله له؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن لأحد أن يدعو لأحد بعد موته، حتى النبي ﷺ لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته؛ ولهذا لم يتوسل الصحابة ﵃ إلى الله بطلب الدعاء من رسوله ﷺ بعد موته؛ فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر ﵁ قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فقام العباس ﵁ فدعا الله -تعالى-. ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغًا،

стр. 113

ووسيلة صحيحة لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله ﷺ ؛ لأن إجابة دعائه ﷺ أقرب من إجابة دعاء العباس ﵁ فالمهم أن التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من ميت توسل باطل لا يحل، ولا يجوز. ٢ - ومن التوسل الذي ليس بصحيح: أن يتوسل الإنسان بجاه النبي ﷺ - وذلك أن جاه الرسول ﷺ ليس مفيدًا بالنسبة إلى الداعي؛ لأنه لا يفيد إلا الرسول ﷺ أما بالنسبة للداعي فليس بمفيد حتى يتوسل إلى الله به، وقد تقدم أن التوسل اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر. فما فائدتك أنت من كون الرسول ﷺ له جاه عند الله؟! وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح فقل: اللهم بإيماني بك وبرسولك، أو بمحبتي لرسولك، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا الوسيلة الصحيحة النافعة ا. هـ وسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧): هل يجوز التوسل بجاه فلان أو حق فلان … ؟ فقال: هذا من البدع التي لم يشرعها الله عند جمهور أهل العلم، وإنما المشروع التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وتوحيده ومحبته والإيمان به، وبالأعمال الصالحات … إلخ وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٥): لم يرد في الأدلة الشرعية ما يدل على مشروعية التوسل بجاه أحد من الناس ولا بحق أحد من الناس ولا بذاته، ولكن ليس ذلك من الشرك، بل هو من البدع ومن وسائل الشرك عند أكثر أهل العلم، والنبي ﷺ له حق عظيم ومنزلة عظيمة عند الله وعند المؤمنين. ولا إسلام لأحد ولا إيمان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولكن لا يجوز التقرب إلى الله سبحانه ولا التوسل إليه إلا بما

стр. 114

شرع من القول والعمل لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالواجب على المسلمين جميعا تعظيم النبي ﷺ بما شرعه الله في حقه من اتباعه ومحبته وتعظيم سنته والدعوة إليها والتحذير مما يخالفها مع الإكثار من الصلاة والسلام عليه، ﵊ ا. هـ وقال الشيخ صالح آل الشيخ: التوسل بغير الله في الدعاء له قسمان: (١) الأول: • أن يسأل الله بذات فلان، [أو] أن يسأل الله بجاهه؛ يعني: يقول: اللهم إني أسألك -في دعاء في المسجد أو في بيت أو في أي مكان- اللهم إني أسألك بمحمد ﷺ ، أسألك برسولك محمد، أسألك بأبي بكر، أسألك بعمر، أسألك اللهم بعثمان أن تعطيني كذا وكذا، فيكون هو قد سأل الله؛ ولكن جعل وسيلته فلان يعني عمل فلان وعمل فلان له، وعمل النبي ﷺ له، [و] عمل أبي بكر له، [و] عمل عمر له، فلا مناسبة بين سؤالك وسؤاله، والنبي ﷺ ما أرشد إلى هذا، لهذا نقول: هذا النوع بدعة، ولا يجوز لأنه لا مناسبة بين عمل فلان وعمله، وما بين ما عمله وقدمه وما بين ما عملت. • أو يسأله بجاهه فيقول: أسألك اللهم بجاه نبيك، [أو] بحرمة نبيك، [أو] بجاه أبي بكر، [أو] بجاه فلان من الصالحين أن تعطيني كذا وكذا، هذا أيضا بدعة واعتداء في الدعاء، ووسيلة إلى الشرك … (٢) القسم الثاني: الذي هو شرك أكبر أن يكون معنى التوسل أن يسأل الله متوسطا بأولئك، ما يقول الله أعطني بفلان، لا، يقول:

стр. 115

• يا فلان اشفع لي عند الله اللهم اعطني كذا وكذا بشفاعة فلان لي؛ هذا التركيب جميعا، • أو يقول يا نبي الله اسأل الله لي كذا وكذا، • يا حسين اشفع لي عند الله بكذا وكذا، • يا عبد القادر أسألك أن تسأل لي الله كذا اشفع لي بكذا، يكون قد صلى مثلا عند قبته أو عند قبره ركعتين تقربا أو طاف أو ذبح أو نذر أو من دون ذلك، فهذا معنى الوساطة، الوساطة يعني أنه طلب منهم الوساطة، طلب منهم الزُّلفى، طلب منهم الشفاعة، ففرق بين أن يسأل الله بهم وما بين أن يتوسَّط عند الله بهؤلاء، فالسؤال بهم أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك أسألك بأبي بكر هذا بدعة ووسيلة للشرك واعتداء في الدعاء، أما لو سأل هذا أن يشفع له عند الله أو تقرب إليه بشيء من العبادات ليشفع له عند الله فهذا هو الشرك الأكبر ا. هـ

стр. 116

بَابُ تَحْرِيمِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَالأُمراءِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ ٥٦ - وَمَنْ أَطَاعَ السَّادَةَ الأَعْلامَا … فِيْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ أَوِ الْحُكَّامَا ٥٧ - يَجْعَلُهُمْ آَلِهَةً كَالَصُّوفِي … وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ٥٨ - فِيْ آَيَةِ الْتَّوْبَةِ وَهْيَ "اتَّخَذُوا" … دَلِيْلُ مَا أَقُولُ فِيمَا أَخَذُوْا من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله أن يكون العبد مطيعا لله جل وعلا فيما أحل وما حرم، فيحل الحلال ويحرم الحرام، لا يتحاكم إلا إليه ولا يحكم في الدين إلا بما شرع الله جل وعلا. وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. قال النووي: قَوْلُهُ (وَحَرَّمْتَ الْحَرَامَ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَمْرَيْنِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ حَرَامًا وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ بِخِلَافِ تَحْلِيلِ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ اعْتِقَادِهِ حَلَالًا ا. هـ وربنا جل وعلا أمر بطاعة الأمراء والعلماء تبعا لطاعته لا استقلالا فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] قال الحافظ ابن كثير ﵀: -بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على أن المقصود بأولي الأمر هم الأمراء والولاة-: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي: أَهَّلَ الْفِقْهِ وَالدِّينِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو

стр. 117

الْعَالِيَةِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الْعُلَمَاءُ. وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْآيَةَ فِي جَمِيعِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ .... وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: اتَّبِعُوا كِتَابَهُ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أَيْ: خُذُوا بِسُنَّتِهِ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرُوكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ا. هـ فوظيفة الأمراء إنما هي إلزام الناس بشرع الله وتطبيقه والعمل به والتحاكم إليه. مع ما أوجب الله عليهم من حفظ الأعراض والنفوس والمحافظة على الأمن. ووظيفة العلماء تبيين معاني ما أنزل الله - جل وعلا - على رسوله ﷺ وليست وظيفتهم -العلماء أو الأمراء- أن يحللوا ما يشاءون، أو يحرموا ما يشاءون. والمقصود أن الله لم يجعل طاعتهم استقلالا بل كانت طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله، يطاعون فيما فيه طاعة لله ولرسوله. يَجْعَلُهُمْ آَلِهَةً: يعني إذا أطاعهم استقلالا. فالطاعة الاستقلالية نوع من أنواع العبادة، فيجب إفراد الله - جل وعلا - بها، وغير الله - جل وعلا - إنما يطاع لأن الله - جل وعلا - أذن بطاعته، وإنما يطاع فيما أذن الله به في طاعته، فالمخلوق لا يطاع في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن أن يطاع مخلوق في معصية الخالق سبحانه. ومن أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا من دون الله لأنه اعتبرهم مشرعين، واعتبر تشريعهم شرعا يعمل به.

стр. 118

كالصوفي: نسبة إلى الصوف لأنه غالب لبس الزهاد، وقيل نسبة إلى أهل الصفة وقيل نسبة إلى الصف لأنهم في الصف الأول بين يدي الله لارتفاع هممهم وقيل نسبة إلى الصفاء والصحيح القول الأول، أنه نسبة إلى لبس الصوف. والصوفية من الفرق المخالفة لأهل السنة لوجود البدعة في طريقتهم الخارجة عن السنة في العبادة والاتباع. وهم فرق متعددة. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١١/ ٥): الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا لَفْظُ " الصُّوفِيَّةِ " فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ التَّكَلُّمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ نُقِلَ التَّكَلُّمُ بِهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَتَنَازَعُوا فِي " الْمَعْنَى " الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الصُّوفِيُّ - فَإِنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ النَّسَبِ: كَالْقُرَشِيِّ وَالْمَدَنِيِّ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. • فَقِيلَ: إنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى " أَهْلِ الصُّفَّةِ " وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: صفي. • وَقِيلَ نِسْبَةٌ إلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَهُوَ أَيْضًا غَلَطٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: صفي. • وَقِيلَ نِسْبَةٌ إلَى الصَّفْوَةِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: صفوي • وَقِيلَ: نِسْبَةٌ إلَى صُوفَةَ بْنِ مر بْنِ أد بْنِ طانجة قَبِيلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يُجَاوِرُونَ بِمَكَّةَ مِنْ الزَّمَنِ الْقَدِيمِ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ النُّسَّاكُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلنَّسَبِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَشْهُورِينَ وَلَا مَعْرُوفِينَ عِنْدَ أَكْثَرِ النُّسَّاكِ وَلِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ النُّسَّاكُ إلَى هَؤُلَاءِ لَكَانَ هَذَا النَّسَبُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ

стр. 119

وَتَابِعِيهِمْ أَوْلَى وَلِأَنَّ غَالِبَ مَنْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ " الصُّوفِيِّ " لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْقَبِيلَةَ وَلَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى قَبِيلَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ. • وَقِيلَ: - وَهُوَ الْمَعْرُوفُ - إنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى لُبْسِ الصُّوفِ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ الصُّوفِيَّةُ مِنْ الْبَصْرَةِ وَأَوَّلُ مَنْ بَنَى دويرة الصُّوفِيَّةِ بَعْضُ أَصْحَابِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ وَكَانَ فِي الْبَصْرَةِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ا. هـ وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ: هذا لفظ حديث رواه البخاري ومسلم عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» وعَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» وفي رواية: فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ

стр. 120

يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» فِيْ آَيَةِ الْتَّوْبَةِ وَهْيَ اتَّخَذُوا … إلخ المراد قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] الأحبار: جمع حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها؛ وهو العالم الواسع العلم، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد. فقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مشاركين لله في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع. وقوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: اتخذوه إلها مع الله، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التسبيح: التنزيه، أي: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص أو مماثلة المخلوقين. وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: مما سواه؛ من المسيح ابن مريم، والأحبار والرهبان، فهو متنزه عن كل شرك، وعن كل مشرك به. وروى الترمذي والطبراني واللفظ له عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: " يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قوله: " إنا لسنا نعبدهم ": أي: لا نعبد الأحبار

стр. 121

والرهبان، ولا نسجد لهم، ولا نركع ولا نذبح ولا ننذر لهم، وهذا صحيح بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل قوله: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! فإن هذا الوصف لا ينطبق على عيسى أبدا؛ لأنه رسول الله، فما أحله؛ فقد أحله الله، وما حرمه؛ فقد حرمه الله، … ويجاب عن التعليل المذكور بأن قول عدي: "لسنا نعبدهم" يعود على الأحبار والرهبان، أما عيسى ابن مريم؛ فالمعروف أنهم يعبدونه. وقوله: " فتلك عبادتهم ": ووجه كونها عبادة: أن من معنى العبادة الطاعة، وطاعة غير الله عبادة للمطاع، ولكن بشرط أن تكون في غير طاعة الله، أما إذا كانت في طاعة الله؛ فهي عبادة لله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله، كما لو أمرك أبوك بالصلاة فصليت؛ فلا تكون قد عبدت أباك بطاعتك له، ولكن عبدت الله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله؛ ولأن أمر غير الله بطاعة الله وامتثال أمره؛ هو امتثال لأمر الله. ويستفاد من الحديث: • أن الطاعة بمعنى العبادة عبودية مقيدة. • أن الطاعة في مخالفة شرع الله من عبادة المطاع، أما في عبادة الله، فهي عبادة لله. • أن اتباع العلماء والعباد في مخالفة شرع الله من اتخاذهم أربابا. واعلم أن اتباع العلماء أو الأمراء، في تحليل ما حرم الله أو العكس، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيا بقولهم، مقدما له، ساخطا لحكم الله؛ فهو كافر لأنه كره ما أنزل الله، فأحبط الله عمله، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله؛ فهو كافر.

стр. 122

الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيا بحكم الله وعالما بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه اختاره، كأنه يريد مثلا وظيفة؛ فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق، وله حكم غيره من العصاة. الثالث: أن يتابعهم جاهلا، فيظن أن ذلك حكم الله؛ فينقسم إلى قسمين: أ- أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه؛ فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم. ب- أن لا يكون عالما ولا يمكنه التعلم فيتابعهم تقليدا ويظن أن هذا هو الحق؛ فهذا لا شيء عليه لأنه فعل ما أمر به وكان معذورا بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أفتي بغير علم؛ فإنما إثمه على من أفتاه) فلو قلنا: بإثمه بخطأ غيره؛ للزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه ا. هـ وفي ذكر الرهبان في الآية: التنبيه على أن الطاعة في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، جاءت أيضا من جهة الرهبان العباد، وهذا موجود عند المتصوفة وأهل الغلو في التصوف، والغلاة في تعظيم رؤساء الصوفية، فإنهم أطاعوا مشايخهم والأولياء الذين زعموا أنهم أولياء، أطاعوهم في تغيير الملة، فهم يعلمون أن السنة هي كذا وكذا، وأن خلافها بدعة، ومع ذلك أطاعوهم تعظيما للشيخ، وتقديسا للولي، أو يعلمون أن هذا شرك والدلائل عليه من القرآن والسنة ظاهرة، لكن تركوه وأباحوا ذلك الشرك وأحلوه؛ لأن شيخهم ومقدمهم ورئيس طريقتهم أحله، وهذا موجود في كثير من الأمصار، وهو نوع من اتخاذ أولئك العباد أربابا من دون الله - جل وعلا.

стр. 123

بَابُ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ الجاهلية، نسبة إلى الجهل، والجهل عدم العلم، والجاهلية هي التي ليس فيها رسول وليس فيها كتاب. والمراد بها: ما كان قبل بعثة النبي ﷺ . قال الشيخ ابن عثيمين: والمراد بالجاهلية: ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن. لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فهذه منة عظيمة؛ أن بعث فيهم النبي ﷺ لهذه الأمور السامية: يتلو عليهم آيات الله. ويزكيهم؛ فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها. ويعلمهم الكتاب. والحكمة. هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، و"إن" هذه ليست نافية، بل مؤكدة؛ فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين. إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر ا. هـ وأمور الجاهلية أي خصالها التي يجب الابتعاد عنها؛ لأن خصال أهل الجاهلية مذمومة، كما جاء في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 124

«أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» فكل خصلة من خصال أهل الجاهلية إذا ظهر من يعيدها إلى أهل الإسلام بعد أن أنقذهم الله من ذلك ببعثة النبي ﷺ وظهور القرآن والسنة وبيان الأحكام فإنه مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وهو من أبغض الرجال إلى الله . وقد ذكر الناظم من هذه الخصال ثمان خصال فبدأ بالأربع المجموعة في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ فقال: ٥٩ - وَأَرْبَعٌ فِي أُمَّةِ الْمَعْصُومِ … مِنْهُنَّ الاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ٦٠ - وَالنَّوْحُ ثُمَّ الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ … وَمِثْلُهُنَّ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ ودليله ما رواه مسلم عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ» وَقَالَ ﷺ : «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ ما ملخصه: قوله: "أربع" ليس للحصر؛ لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي ﷺ ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد؛ لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ .... وقوله: " من أمر الجاهلية ": … أي: من شأن الجاهلية … وإضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال

стр. 125

الجاهلية؛ فالغرض من الإضافة هنا أمران: التنفير. وبيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان. قوله: "لا يتركونهن": المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر من الصادق المصدوق ﷺ والمراد بهذا الخبر التنفير؛ لأنه ﷺ قد يخبر بأشياء تقع، وليس غرضه أن يؤخذ بها. الفخر بالأحساب قوله: " الفخر بالأحساب": الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية؛ أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه. والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق. وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية؛ فلا يجوز لنا أن نفعله، لأن كل ما ينسب إلى الجاهلية؛ فهو مذموم ومنهي عنه. الطعن في الأنساب قوله: "الطعن في الأنساب ": الطعن: العيب؛ لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون

стр. 126

في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا. والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدبَّاغ، الاستسقاء بالنجوم قوله: " والاستسقاء بالنجوم ": أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر؛ فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة. النياحة على الميت قوله: " والنياحة على الميت ": هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح؛ كنوح الحمام. والندب: تعداد محاسن الميت. والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية؛ إما من الجهل الذي هو ضد العلم. أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة. وإنما كانت كذلك لأمور، هي: • أنها لا تزيد النائح إلا شدة، وحزنا، وعذابا. • أنها تسخط من قضاء الله وقدره، واعتراض عليه. • أنها تهيج أحزان غيره. • أنه مع هذه المفاسد لا يرد القضاء، ولا يرفع ما نزل. والنياحة تشمل ما إذا كانت من رجل أو امرأة، لكن الغالب وقوعها من النساء، ولهذا قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها " أي: إن تابت قبل الموت؛ تاب الله

стр. 127

عليها، وظاهر الحديث أن هذا الذنب لا تكفره إلا التوبة، وأن الحسنات لا تمحوه؛ لأنه من كبائر الذنوب، والكبائر لا تمحى بالحسنات؛ فلا يمحوها إلا التوبة. قوله: " تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران "، أي: تقام من قبرها، والسربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف، ويسمى "الزفت"، وقيل: إنه النحاس المذاب. قوله: " ودرع من جرب ": الجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به؛ فكيف ومعه قطران؟! والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب؛ فكانت العقوبة من جنس العمل. ويستفاد من الحديث: ١ - ثبوت رسالته ﷺ لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر. ٢ - التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت. ٣ - أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة؛ فهو من الكبائر. ٤ - أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح؛ لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها ". ٥ - أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت؛ لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها" ٦ - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة:

стр. 128

فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية. ٧ - ثبوت الجزاء والبعث. ٨ - أن الجزاء من جنس العمل. الحكم بغير ما أنزل الله ٦١ - وَكُلُّهَا أُمُورُ جَاهِلِيَّهْ … كَالْحُكْمِ وَالظَّنِّ مَعَ الْحَمِيَّهْ كَالْحُكْمِ: وهذه الخصلة الخامسة في كلام الناظم، أي الحكم بغير ما أنزل الله كما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] واختلف أهل العلم في ذلك: فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر ظالم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، أي: كفروا. وقيل: إنها لِمَوصُوفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.

стр. 129

فيكون كافرا في ثلاثة أحوال: أ- إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، فكل ما خالف حكم الله؛ فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله فالمحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن. ب- إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله. ج- إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما وهو أحكم الحاكمين: فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن: فهو كافر لأنه مكذب للقرآن. ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو ظالم. ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه؛ أي: محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه؛ فهذا فاسق، وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.

стр. 130

أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله؛ فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر؛ فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر. ولكن قد يكون الواضع له معذورا، مثل أن يغرر به كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس. فيوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكا للربا أو ضرائب على الناس؛ فهذا لا شيء فيه. وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من علماء الدولة لا علماء الملة … وليعلم أنه يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام؛ فلا يتسرع في البت بها خصوصا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا، ولم يكن الشخص أهلا له؛ عاد ذلك إلى قائله، وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة؛ فيكون مباح الدم والمال، ويترتب عليه جميع أحكام الكفر، وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين؛ فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين: ١ - ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر.

стр. 131

٢ - انطباق شروط التكفير عليه، وأهمها العلم بأن هذا مكفر، فإن كان جاهلا؛ فإنه لا يكفر، ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد: أن يكون عالما بالتحريم، هذا وهو إقامة حد وليس بتكفير، والتحرز من التكفير أولى وأحرى … ولا بد مع توفر الشروط من عدم الموانع، فلو قام الشخص بما يقتضي الكفر إكراها أو ذهولا لم يكفر … ا. هـ الظن بالله ظن السوء وَالظَّنِّ: وهذه الخصلة السادسة في كلام الناظم، قال الله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] لما كان الله - جل وعلا - موصوف بصفات الكمال، فهو سبحانه كامل في أسمائه، كامل في صفاته، كامل في ربوبيته، ومن كماله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته أنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة بالغة، والحكمة هي: أنه - جل وعلا - يضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، فلهذا وجب لكماله - جل وعلا - أن يظن به ظن الحق، وأن لا يظن به ظن السوء، وأن يعتقد فيه ما يجب لجلاله - جل وعلا - من تمام الحكمة، وكمال العدل، وكمال الرحمة، فالذي يظن به - جل وعلا - أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظن السوء الذي ظنه أهل الجاهلية فالواجب - تحقيقا للتوحيد - أن يظن

стр. 132

العبد بالله - جل وعلا - ظن الحق. وأما ظن السوء فهو ظن الجاهلية، الذي هو مناف لأصل التوحيد في بعض أحواله، أو مناف لكمال التوحيد، وظن السوء بالله - جل وعلا - من خصال أهل الجاهلية. قال ابن القيم في الزاد عن قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: وَقَدْ فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ: • بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وَأَنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ، • وَقَدْ فُسِّرَ بِظَنِّهِمْ أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ، وَيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوْءِ الَّذِي ظَنَّهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِهِ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوْءِ، وَظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَنْسُوبَ إِلَى أَهْلِ الْجَهْلِ، وَظَنَّ غَيْرِ الْحَقِّ لِأَنّهُ ظَنُّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَذَاتِهِ الْمُبَرَّأَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ، بِخِلَافِ مَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّهِ، وَمَا يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ الَّذِي لَا يُخْلِفُهُ وَبِكَلِمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُمْ وَلَا يَخْذُلُهُمْ، وَلِجُنْدِهِ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ؛ فَمَنْ ظَنَّ: بِأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَلَا يُتِمُّ أَمْرَهُ، وَلَا يُؤَيِّدُهُ وَيُؤَيِّدُ حِزْبَهُ، وَيُعْلِيهِمْ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَكِتَابَهُ، وَأَنّهُ يُدِيلُ الشِّرْكَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ إدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا التَّوْحِيدُ وَالْحَقُّ اضْمِحْلَالًا لَا يَقُومُ

стр. 133

بَعْدَهُ أَبَدًا، فَقَدْ ظَنَّ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَنَسَبَهُ إِلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ، فَإِنَّ حَمْدَهُ وَعِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَإِلَهِيَّتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَتَأْبَى أَنْ يُذَلَّ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ، وَأَنْ تَكُونَ النُّصْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَالظَّفَرُ الدَّائِمُ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَادِلِينَ بِهِ، فَمَنْ ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ أَسَمَاءَهُ وَلَا عَرَفَ صِفَاتَهُ وَكَمَالَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ رُبُوبِيَّتَهُ وَمُلْكَهُ وَعَظَمَتَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ فَوْتِهَا، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ الْمَكْرُوهَةَ الْمُفْضِيَةَ إِلَيْهَا لَا يَخْرُجُ تَقْدِيرُهَا عَنِ الْحِكْمَةِ لِإِفْضَائِهَا إِلَى مَا يُحِبُّ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَمَا قَدَّرَهَا سُدًى، وَلَا أَنْشَأَهَا عَبَثًا، وَلَا خَلَقَهَا بَاطِلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ، • فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَأَيِسَ مِنْ رَوْحِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. • وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذِّبَ أَوْلِيَاءَهُ مَعَ إحْسَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. • وَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلِينَ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، وَلَا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَلَا يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، بَلْ يَتْرُكُهُمْ هَمَلًا كَالْأَنْعَامِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. • وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي دَارٍ يُجَازِي الْمُحْسِنَ فِيهَا بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، وَيُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ،

стр. 134

وَيُظْهِرَ لِلْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ صِدْقَهُ وَصِدْقَ رُسُلِهِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَهُ كَانُوا هُمُ الْكَاذِبِينَ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. • وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُضَيِّعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصَّالِحَ الَّذِي عَمِلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ بِمَا لَا صُنْعَ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا إرَادَةَ فِي حُصُولِهِ، بَلْ يُعَاقِبُهُ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهِ … إلخ فليراجع فإنه كلام نفيس جدا حمية الجاهلية مَعَ الْحَمِيَّهْ: وهذه الخصلة السابعة من خصال الجاهلية المذمومة في كلام الناظم، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] قال الحافظ ابن كثير: وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وَذَلِكَ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وَأَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" ا. هـ وقال القرطبي: الْحَمِيَّةَ" فَعِيلَةُ وَهِيَ الْأَنَفَةُ. يُقَالُ: حَمِيتُ عَنْ كَذَا حَمِيَّةً (بِالتَّشْدِيدِ) وَمَحْمِيَّةً إِذَا أَنِفْتَ مِنْهُ وَدَاخَلَكَ عَارٌ وَأَنَفَةٌ أَنْ تَفْعَلَهُ .... قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَمِيَّتُهُمْ أَنَفَتُهُمْ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرِّسَالَةِ وَالِاسْتِفْتَاحِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ … وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَمِيَّتُهُمْ عَصَبِيَّتُهُمْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَنَفَةُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهَا. وَقِيلَ: " حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ" إِنَّهُمْ قَالُوا: قَتَلُوا أَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا ثُمَّ يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي مَنَازِلِنَا، وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا" ا. هـ يعني فمَنَعُوكُمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ

стр. 135

أَصْحَابِهِ بِعُمْرَةٍ، وَمَنَعُوا الْهَدْي وَحَبَسُوهُ عَنْ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. وَهَذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَتْهُمُ الْأَنَفَةُ وَدَعَتْهُمْ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَدْخَلَ الْأُنْسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَيَانِهِ وَوَعْدِهِ. وفي الصحيحين عن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ ﵄ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فهذا أيضا من حمية الجاهلية المذمومة. التبرج ٦٢ - ثُمَّ التَّبَرُّجُ أَوِ السُّفُورُ … قَدْ أَفْلَحَ الدَّاعِيَةُ الصَّبُورُ التَّبَرُّجُ: وهذه الخصلة الثامنة من خصال الجاهلية المذمومة في كلام الناظم. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] نهى الله تعالى نساء النبي ﷺ عن التبرج، وهو إظهار الزينة في الأسواق، وأمام الناس؛ لأن أهل الجاهلية كانت نساؤهم تتبرج، بل تكشف عن عوراتها، كما في الطواف عندهم، يرون أن هذا من المفاخر. وليس هذا خاصا بهن بل هو لجميع نساء الأمة فإنه إذا كان نساء النبي ﷺ وهنَّ أكمل النساء عفة وأقومهن في دين الله، ومع ذلك قال الله لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فغيرهن من باب أولى. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح رياض الصالحين -بتصرف-: فإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى خروج المرأة من بيتها، فلتخرج كما أمرها الرسول ﷺ غير

стр. 136

متطيبة ولا متبرجة. وكذلك أمر باحتجاب المرأة إذا خرجت عن كل رجل ليس من محارمها، والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة، وأهمه الوجه، فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم. ولا عبرة بقول من يقول: إنه يجوز كشف الوجه؛ لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض. كيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها؟ أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى: أن تكشف المرأة وجهها أو تكشف قدميها؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول، يقول: إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف وجهها. ومن ذلك أيضا: ألا تخرج المرأة متطيبة، فإن خرجت متطيبة فقد أتت بوسيلة الفتنة منها وبها، فيفتن الناس بها، وهي تفتتن أيضا حيث تمشي في الأسواق وهي متطيبة. نسأل الله العافية. ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبدا، وعليه أن يتفقدهم، سواء كانت الزوجة أو البنت، أو الأخت، أو الأم، او غير ذلك، ولا يجوز لأحد ان يمكن أهله من الخروج على غير الوجه الشرعي ا. هـ ويراجع للاستزادة في هذا الباب: • "مسائل الجاهلية" للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي ﵀ فقد ذكر نحوا من (١٣١) من مسائل الجاهلية-. • "فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية" للعلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي ﵀. • "الزوائد على مسائل الجاهلية"-بلغت ٢١١ مسألة-، للشيخ عبد الله الدويش ﵀.

стр. 137

قَدْ أَفْلَحَ الدَّاعِيَةُ الصَّبُورُ: قال العلامة ابن باز ﵀: الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى ما خلقوا له من أفضل القربات وأهم الواجبات و هي سبيل الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة كما قال الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣] وقال النبي ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أخرجه مسلم عن أبي مسعود ﵁. وقال لعلي ﵁: «فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» متفق عليه فحقيق بأهل العلم والإيمان أن يضاعفوا جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ولا سيما في هذا العصر الذي غلبت فيه الأهواء وانتشرت فيه المبادئ الهدامة والشعارات المضللة وقل فيه دعاة الهدى وكثر فيه دعاة الإلحاد والإباحية فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ا. هـ بتصرف يسير ٦٣ - إِذْ لا تَزَالُ فِرْقَةٌ مَنْصُورَهْ … مِنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ فِي الْمَعْمُورَهْ يشير إلى قول النبي ﷺ : «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» متفق عليه. قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: وهذه الطائفة هي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة، كما استثناها النبي ﷺ من تلك الفرق بقوله: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وفي رواية قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ا. هـ

стр. 138

بَابُ السِّحْرِ قال العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز كما في مجموع الفتاوى (٨/ ٦٥/ بتصرف): السحر من الجرائم العظيمة، ومن أنواع الكفر، ومما يبتلى به الناس قديما وحديثا في الأمم الماضية، وفي الجاهلية، وفي هذه الأمة، وعلى حسب كثرة الجهل، وقلة العلم، وقلة الوازع الإيماني والسلطاني - يكثر أهل السحر والشعوذة، وينتشرون في البلاد للطمع في أموال الناس والتلبيس عليهم، ولأسباب أخرى، وعندما يظهر العلم ويكثر الإيمان، ويقوى السلطان الإسلامي يقل هؤلاء الخبثاء وينكمشون، وينتفلون من بلاد إلى بلاد لالتماس المحل الذي يروج فيه باطلهم، ويتمكنون فيه من الشعوذة والفساد. وقد بين الكتاب والسنة أنواع السحر وحكمها. فالسحر سمي سحرا؛ لأن أسبابه خفية، ولأن السحرة يتعاطون أشياء خفية يتمكنون بها من التخييل على الناس والتلبيس عليهم، والتزوير على عيونهم، وإدخال الضرر عليهم، وسلب أموالهم إلى غير ذلك، بطرق خفية لا يفطن لها في الأغلب، ولهذا يسمى آخر الليل: سحرا؛ لأنه يكون في آخره عند غفلة الناس وقلة حركتهم، ويقال للرئة: سحر؛ لأنها في داخل الجسم وخفية. ومعناه في الشرع: ما يتعاطاه السحرة من التخييل والتلبيس الذي يعتقده المشاهد حقيقة وهو ليس بحقيقة، كما قال الله سبحانه عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]

стр. 139

وقد يكون السحر من أشياء يفعلها السحرة مع عقد ينفثون فيها، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وقد يكون من أعمال أخرى يتوصلون إليها من طريق الشياطين فيعملون أعمالا قد تغير عقل الإنسان، وقد تسبب مرضا له، وقد تسبب تفريقا بينه وبين زوجته فتقبح عنده، ويقبح منظرها فيكرهها، وهكذا هي قد يعمل معها الساحر ما يبغض زوجها إليها، وينفرها من زوجها، وهو كفر صريح بنص القرآن، حيث قال : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فأخبر سبحانه عن كفرهم بتعليمهم الناس السحر، وقال بعدها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: هذا السحر وما يقع منه من الشر كله بقدر سابق بمشيئة الله، فربنا جل وعلا لا يغلب، ولا يقع في ملكه ما لا يريد، بل لا يقع شيء في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا بقدر سابق؛ لحكمة بالغة شاءها ، ففد يبتلى هؤلاء بالسحر، ويبتلى هؤلاء بالمرض، ويبتلى هؤلاء بالقتل … إلى غير ذلك، … وهؤلاء السحرة قد يتعاطون أشياء تخييلية، … وهو: أن يعمل الساحر أشياء تجعل الإنسان لا يشعر بالحقيقة على ما هي عليه، فيكون بصره لا يدرك الحقيقة فقد يؤخذ من حانوته أو منزله ما فيه ولا يشعر بذلك، يعني: أنه لم يعرف الحقيقة، فقد يرى الحجر دجاجة، أو يرى الحجر بيضة، أو ما

стр. 140

أشبه ذلك؛ لأن الواقع تغير في عينيه؛ بسبب عمل الساحر وتلبيسه، فسحرت عيناه، وجعل هناك من الأشياء التي يتعاطاها السحرة من المواد ما تجعل عينيه لا تريان الحقيقة على ما هي عليه، هذا من السحر الذي سماه الله: عظيما في قوله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ٦٤ - وَالْجِبْتُ وَالسِّحْرُ هُمَا سِيَّانِ … وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ ٦٥ - دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ … وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرَهْ وَالْجِبْتُ: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] روى الطبري في تفسيره (٨/ ٤٦٢) عن حسان بن فائد قال: قال عمر ﵁: "الجبت" السحر، و"الطاغوت" الشيطان. قال ابن كثير: وهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، والسدي … وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح": "الجبت" كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك ا. هـ وقال الشيخ صالح آل الشيخ: الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله- جل وعلا- وأمر رسوله ﷺ في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحرا- وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت الكاهن، وقد يكون الجبت

стр. 141

الشيء المرذول الذي يضر صاحبه. ومعنى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-. ا. هـ وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ: أي وفي كفر مستعمل السحر وهو الساحر قولان لأهل العلم. قال العلامة سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صِفْ لنا سحرك، فإن وَصَفَ ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر. وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يُكَفِّر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك، وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ … قال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: وذلك أنهما علّماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر. وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا ا. هـ

стр. 142

وقال العلامة ابن عثيمين: السحر نوعان نوع كفر ونوع عدوان وظلم أما الكفر فهو الذي يكون متلقى من الشياطين فالذي يتلقى من الشياطين هذا كفر ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا النوع من السحر كفر مخرج عن الملة يقتل متعاطيه … النوع الثاني من السحر سحر لا يكون بأمر الشياطين لكنه بأدوية وعقاقير وأشياء حسية فهذا النوع لا يُكفِّر ولكن يجب أن يقتل فاعله درءا لفساده وإفساده ا. هـ دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ: يشير للآية المتقدمة ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو … ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرهْ: قال العلامة ابن باز ﵀: الصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضررا عظيما؛ فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله. ولهذا ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقى شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر)، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، وهكذا صح عن حفصة ﵂ أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب

стр. 143

بن عبد الله ﵁ الصحابي الجليل لما رأى ساحرا يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقا). والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم؛ ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم ا. هـ ٦٦ - وَهْوَ حَقِيقَةٌ وَبِالإِجْمَاعِ … كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ وَهْوَ حَقِيقَةٌ: يعني أن السحر له حقيقة وتأثير مشاهد وملموس على المسحور. ولا يمنع ذلك أن يكون بعض أنواعه تخييل. وقد دل قوله الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] على أن للسحر حقيقة، وإلا، لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهذه الآية تدل عل أن للسحر حقيقة تكون سبباً للتفريق بين المرء وزوجه. وهذا القول هو قول أهل السنة وقال قوم من أهل البدع السحر كله تخييل وتمويه وتخيل وإيهام لكون الشيء ولا حقيقة له. قال العلامة ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد قالوا وإنما ذلك تخيل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث ا. هـ وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس

стр. 144

حقيقة. وانظر إلى قول الله ﵎ في قصة السحرة في آل فرعون، يقول الله : ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين متحرك، هذا ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور، حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، هذا أثره ظاهر جداً، إذا فله حقيقة، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه، وربما يهلكه. ا. هـ كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ: إشارة إلى بعض أنواع السحر وهي الصرف والعطف فالصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها. والعطف: عمل سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.

стр. 145

النشرة ٦٧ - وَالنُّشْرَةُ اعْلَمْهَا فَحَلُّ السِّحْرِ … تَجُوزُ إِنْ كَانَتْ بِآيِ الذِّكْرِ ٦٨ - وَإِنْ تَكُنْ بِالْسِّحْرِ لا تَحِلُّ … فَإِنَّهَا شِرْكٌ فَلا تَضِلُّوا النشرة حل السحر عن المسحور فإن كانت بالسحر أو الذهاب إلى الساحر فإنها لا تجوز لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: «هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني قال الشيخ ابن باز ﵀: ومن أصيب بالسحر ليس له أن يتداوى بالسحر، فإن الشر لا يزال بالشر، والكفر لا يزال بالكفر، وإنما يزال الشر بالخير؛ ولهذا لما سئل ﷺ عن النشرة قال: «هي من عمل الشيطان» والنشرة المذكورة في الحديث: هي حل السحر عن المسحور بالسحر. أما إن كان بالقرآن الكريم والأدوية المباحة والرقية الطيبة فهذا لا بأس به، وأما بالسحر فلا يجوز كما تقدم؛ لأن السحر عبادة للشياطين، فالساحر إنما يسحر ويعرف السحر بعد عبادته للشياطين، وبعد خدمته للشياطين، وتقربه إليهم بما يريدون، وبعد ذلك يعلمونه ما يحصل به السحر، لكن لا مانع والحمد لله من علاج المسحور بالقراءة وبالتعوذات الشرعية، بالأدوية المباحة، كما يعالج المريض من أنواع المرض من جهة الأطباء، وليس من اللازم أن يشفى؛ لأنه ما كل مريض يشفى، فقد يعالج المريض فيشفى إذا كان الأجل مؤخرا، وقد لا يشفى ويموت في هذا المرض، ولو عرض على أحذق الأطباء وأعلم الأطباء؛ لأنه متى نزل الأجل لم ينفع الدواء ولا العلاج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] وإنما ينفع الطب،
следующие страницы →