← Акыда

Акыда · id 1127

رسم الوداد في إيضاح تحفة الأولاد في توحيد رب العباد

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (189 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته، ومن اهتدى بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فإنه لا صلاح للعباد ولا فلاح، ولا فوز لهم ولا نجاح، إلا بمعرفة أول مفروض عليهم والعمل به؛ وهو الأمر الذي خلقهم الله له وأخذ عليهم الميثاق به، وأرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم، ولأجله خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وبه حقت الحاقة ووقعت الواقعة، وفي شأنه تنصب الموازين وتتطاير الصحف، وفيه تكون الشقاوة والسعادة، وعلى حسب ذلك تقسم الأنوار ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وذلك الأمر هو: • معرفة الله بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وتوحيده بذلك. • ومعرفة ما يناقضه أو بعضه من الشرك والتعطيل، واجتناب ذلك • والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، • وتوحيد الطريق إلى الله بمتابعة كتابه ورسوله والعمل وفق ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، • ومعرفة ما يناقضها من البدع المضلة ويميل بالعبد عنها فيجانبها كل المجانبة ويعوذ بالله منها

стр. 2

وبين يديك أخي المسلم حاشية على منظومة في هذا العلم المبارك "علم التوحيد" وهي منظومة "تحفة الأولاد في توحيد رب العباد" كتبت حاشيتها هذه لتكون تذكرة للمعلم حين تدريسه هذه المنظومة لطلابه. وقد أخذت جملة كثيرة من فوائدها وتقريراتها من كتب العلامة محمد بن صالح ابن عثيمين لا سيما كتابه "القول المفيد شرح كتاب التوحيد" ومن كتب العلامة الوزير الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ لا سيما كتابه "التمهيد لشرح كتاب التوحيد" كما رجعت إلى كتب أخرى تتعلق بشرح كتاب التوحيد للمجدد الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من كتب الاعتقاد، وأنا أنصح بالرجوع إلى شروح العلماء لكتاب التوحيد لمن أراد التوسع في فهم المسائل والوقوف على الأدلة والله الهادي وما توفيقي إلا بالله وكتبه أبو حمزة غازي بن سالم أفلح الخميس ٢١ صفر ١٤٣٤ ٣/ ١/ ٢٠١٣

стр. 3

نبذة عن الناظم اسمه ومولده: هو الشيخ المقرئ محمد بن عبد العظيم بن عيد بن محمود بن شعبان المعروف بـ (محمد بن عيد الشعباني) لقوله في نظمه للتوحيد: يقول راجي رحمة الرحمن * محمد بن عيد الشعباني ولد في قرية من قرى الريف المصري التابعة لمدينة بنها بمحافظة القليوبية: يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب سنة ١٣٩٤ هـ الموافق ٢٤/ ٧/ ١٩٧٤ م وأقبل على تعلم القرآن من صغره بتوجيه من والده في كتاب القرية ثم انتقل مع أبيه إلى القاهرة واستمر في تدارس القرآن وحفظه حتى أتمه عند الخامسة عشر من عمره. بعض مشايخه: ١ - الشيخ أحمد حامد آل طعيمة حفظه الله قرأ عليه ختمة برواية حفص عن عاصم وأجازه من قراءته على الشيخ عبد الحليم بدر عن الشيخ عامر السيد عثمان. ومن طريق الشيخ عبد العزيز عبد الحفيظ عن الشيخ الزيات ٢ - الشيخ عبد الرازق السيد البكري ﵀ قرأ عليه ختمة كاملة برواية حفص من طريق الشاطبية وأجازه بقراءته على الشيخ عبد المنعم مصطفى الأشموني عن الشيخ الزيات. ٣ - الشيخ محمد الفرماوي قطب حماد ﵀ قرأ عليه القراءات العشر من طريقي الشاطبية والدرة ولازمه كثيرا وتخرج به

стр. 4

قال الناظم: قرأتها عليه في حولين كاملين آية آية ووجها وجها بالتحريرات والوقف على الهمزات وأجازني من قراءته على الشيخ عامر، وقراءته على الشيخ حسن إبراهيم دعادر الشموتي، وإجازته من الشيخ إبراهيم مرسي بكر. ٤ - الدكتور عبد العزيز عبد الحفيظ قال الناظم: تلقيت عليه شرح كتاب التحفة السنية في شرح المقدمة الآجرومية في علم النحو. ٥ - الدكتور محمد عبد المعطي: قال الناظم: تلقيت عليه من شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك في النحو قدرا حسنا من شرحها يقارب ربعها وكذلك تلقيت عليه من شرح الزوزني على المعلقات السبع. أعماله ووظائفه: • عمل محفظا للقرآن الكريم في المملكة العربية السعودية بالمجمعة سبع سنوات قال الناظم: • ثم التحقت بمعهد قراءات بنها ولما أعلنت وزارة الأوقاف عن مسابقة شيوخ المقارئ تقدمت للاختبار وكنت من الخمسة الناجحين على مستوى القليوبية. • ثم انتقلت منه إلى معهد قراءات شبرا بخوم بعد أن انتقلت إلى عرب الرمل التابعة لقويسنا واشتريت أرضا بها وبنيت لي بيتا فيها • وأنهيت دراستي في معهد القراءات ولله الحمد بعد حصولي على إجازة التجويد والشهادة العالية وشهادة التخصص. • ثم التحقت بكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر بطنطا

стр. 5

• وحصلت على الإجازة العالية (الليسانس) في القراءات وعلومها بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف. • وأنا الآن أعمل محفظا للقرآن الكريم وإمام وخطيبا بوزارة الأوقاف وشيخا لمقرأة مسجد المساعي بقويسنا وشيخا لمقرأة المسجد الشرقي بعرب الرمل. • وأقرئ طلبة العلم القرآءات كما أخطب الجمعة وأدرس الدروس الشرعية من فضل ربي ا. هـ بعض مؤلفاته: ١. إتحاف الصحبة في رواية شعبة (متن مع شرحه) ٢. الإتحاف في الراجح من مسائل الخلاف ٣. اتساع النقاب بين التبرج والحجاب. ٤. أيسر الكلام في وقف حمزة وهشام متن وشرح ٥. تحذير الإخوان من القراءة بالألحان. ٦. تحفة الأولاد في توحيد رب العباد الجزء الأول، وهي هذه المنظومة. ٧. تحفة الأولاد في توحيد رب العباد الجزء الثاني. ٨. تحفة السعيد في علم التجويد. ٩. جمع الشمل في القراءات العشر (ألفية شاملة مع شرحها) ١٠. حكم الإجارة على القرآن ١١. حكم الله في تارك الصلاة ١٢. ديوان أهل القرآن أكثر من خمسين قصيدة. ١٣. سلسلة تيسير النحو. ١٤. شرح التحريرات الشعبانية على متن الشاطبية

стр. 6

١٥. شرح فتح الكريم في متشابه القرآن العظيم. ١٦. شرح منحة مولي البر فيما زادته طيبة النشر. ١٧. فتح الرحمن في حكم تجويد القرآن ١٨. فتح الولي الحميد في أصول التجويد (متن مع شرحه) ١٩. المتحف في حكم مس المصحف ٢٠. المجموعة القيمة في الجمع بين التحفة والمقدمة. ٢١. مختصر سبيل الرشاد في شرح الجزء الأول من تحفة الأولاد. ٢٢. المزن الغياثة في القراءات الثلاثة (متن مستقل للقراءات الثلاثة مع الشرح) ٢٣. هداية الأحباب في تجويد فاتحة الكتاب ومعه بحث عن الضاد والظاء. ٢٤. ولي الخير في القراءات العشر لتحضير القراءة. نسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والثبات على السنة. (١)

стр. 7

نبذة عن المنظومة هذه المنظومة هي الجزء الأول من النظم المشتمل على خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد. سار فيه الناظم على سنن كتاب شيخ الإسلام المجدد: محمد بن عبد الوهاب ﵀ المشهور بـ (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد). وقد طبعت هذه المنظومة بعناية الناظم طبعات عدة، وله شرح مختصر عليها وآخر مطول، وهي متداولة لاسيما في البلاد المصرية. ولم أعلم بشرح الناظم إلا بعد الانتهاء من شرحي المنظومة. وتفضل -وفقه الله- فأرسل لي صورة من الشرح المختصر. ثم قام على تصحيح النظم وتعديل بعض المواضع وكتب إلي بالنظم مصححا وطبعناه مفردا. والآن نضم إليه هذه الحاشية لتكتمل الفائدة واللهَ نسألُ الإخلاص في القول والعمل.

стр. 8

نص المنظومة قال الشيخ المقرئ: "محمد بن عيد الشعباني" -حفظه الله-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْمُقَدِّمَةِ ١ - يَقُولُ رَاجِي رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ … مُحَمَّدُ بْنُ عِيدٍ الشَّعْبَانِي ٢ - الْحَمْدُ للهِ عَلَى الإِنْعَامِ … لاسِيَّمَا بِنِعْمَةِ الإِسْلامِ ٣ - ثُمَّ صَلاةُ الله مَعْ سَلامِهِ … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ ٤ - وَبَعْدُ هَذَا النَّظْمُ فِي التَّوْحِيدِ … أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ ٥ - مِفْتَاحُ بَابِ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ … لِذَاكَ قَدَّمُوهُ عِنْدَ الدَّرْسِ ٦ - سَمَّيْتُهُ بِـ "تُحْفَةِ الأَوْلادِ" … لِيُصْبِحُوا مِنْ خِيرَةِ الْعُبَّادِ ٧ - أَرْجُو بِهِ التَّيْسِيْرَ وَالْقَبُولا … وَأَنْ يَكُونَ لَلْهُدَى سَبِيْلا بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ ٨ - أَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ التَّوحِيدُ … وَمَنْ يُحَقِّقْهُ هُوَ السَّعِيدُ ٩ - يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جُنَّهْ … وَهْوَ سَبِيلُ مَنْ يُرِيدُ الْجَنَّهْ ١٠ - شَرْطُ الْقَبُولِ يَا بَنِيَّ لِلْعَمَلْ … دَعَا إِلَيْهِ قَوْمَهُمْ كُلُّ الْرُّسُلْ ١١ - وَيَغْفِرُ اللَّهُ بِهِ الذُنُوبَا … سُبْحَانَ مَنْ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَا

стр. 9

بَابُ أَقْسَامِ التَّوْحِيْدِ ١٢ - يَنْقَسِمُ التَّوْحِيدُ فِي الإِسْلامِ … إِلَىَ ثَلاثَةٍ مِنَ الأَقْسَامِ ١٣ - أَوَّلُهَا التَّوْحِيدُ فِي الْعِبَادَهْ … وَهْوَ أَهَمُّهَا بِهِ الشَّهَادَهْ ١٤ - وَرُكْنُهَا النَّفْيُ مَعَ الإِثْبَاتِ … فَاعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلثَّبَاتِ ١٥ - وَحَقُّهَا الْوَلاءُ وَالْبَرَاءُ … وَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يَا أَبْنَاءُ ١٦ - فَلَيْسَ غَيْرُ الْلَّهِ يَسْتَحِقُّ … عِبَادَةً وَالْلَّهُ فَهْوَ الْحَقُّ ١٧ - وَكُلُّ مَا يُحِبُّه وَيَرْضَى … عِبَادَةٌ إِنْ سُنَّةً أَوْ فَرْضَا ١٨ - كَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ وَكَالدُّعَاءِ … وَالْبِّرِّ وَالْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ ١٩ - وَبِالرُّبُوبِيَّةِ قِسْمٌ آَخَرُ … بِأَنَّهُ لِلْخَلْقِ رَبٌّ فَاطِرُ ٢٠ - وَالثَّالِثُ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ … سَبِيِلُهُ التَّنْزِيهُ وَالإِثْبَاتُ ٢١ - فَاللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى … وَوَجْهُهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ يُرَى ٢٢ - فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ يَنْزِلُ … تُعْطِي يَدَاهُ كَرَمًا مَنْ يَسْأَلُ ٢٣ - كَلامُهُ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِهِ … كَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ حَيَاتِهِ ٢٤ - وَكُلُّ وَصْفٍ جَاءَ فِي الْقُرْآَنِ … أَوْ صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ الْعَدْنَاني ٢٥ - نُثْبِتُ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ كَيْفِ … وَغَيْرِ تَعْطِيلٍ وَغَيْرِ زَيْفِ

стр. 10

بَابُ الإِسْلامِ ٢٦ - مِنْ خَمْسَةٍ قَدْ بُنِيَ الإِسْلامُ … شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَالصِّيَامُ ٢٧ - وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ والصَّلاةُ … تَكَاسُلاً يَتْرُكَهَا الْعُصَاةُ ٢٨ - وَكُفْرهُ الرَّاجِحُ دُونَ الرِّدَّةِ … وَأَجْمَعُوا رِدَّتَهُ بِالْجَحْدَةِ بَابُ الإِيمَانِ ٢٩ - وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي الإِيْمَانِ … قَوْلٌ وَأَعْمَالٌ عَلَى أَرْكَانِ ٣٠ - بِاللَّهِ وَالْمَلائِكِ الأَبْرَارِ … وَالْكُتْبِ وَالْرُّسْلِ وَبِالأَقْدَارِ ٣١ - وَالسَّادِسُ الإِيمَانُ بِالْقِيَامَهْ … فَاعْلَمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ الاسْتِقَامَهْ ٣٢ - بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْخِصَالِ … أَعْظَمُهَا شَهَادَةُ الْجَلالِ ٣٣ - يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ فِي الْقُلُوبِ … كَذَلِكُمْ يَنْقُصُ بِالذُّنُوبِ ٣٤ - وَيُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنَ النِّيرَانِ … مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيْمَانِ بَابُ الْخَوْفِ مِنَ الشِّرْكِ ٣٥ - وَالشِّرْكُ يَا بَنِيَّ لَيْسَ يُغْفَرُ … أَقْبَحُ ذَنْبٍ فِي الْوَرَى وَأَكْبَرُ ٣٦ - أَوُّلُّ مَا عَنْهُ الإِلَهُ قَدْ نَهَى … أَخْوَفُ مَا يَخَافُهُ أُولُو النُّهَى ٣٧ - وَمُوجِبٌ لِلْخُلْدِ فِي جَهَنَّمَا … وَمُحْبِطُ الأَعْمَالِ عَنْ بَابِ السَّمَا

стр. 11

بَابُ تَعْرِيفِ الشِّرْكِ ٣٨ - وَالشِّرْكُ أَنْ تَدْعُوَ غَيْرَ الْلَّهِ … سُبْحَانَ مَنْ جَلَّ عَنِ الأَشْبَاهِ ٣٩ - أَوْ صَرْفُ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ عِبَادَهْ … لِغَيْرِهِ أَوْ كَانَ بِالإرَادَهْ ٤٠ - أَوْ لُبْسُ حَلْقَةٍ وَخَيْطٍ لِلشِّفَا … أَوْ وَدْعَةٍ دَعَا عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى ٤١ - وَمَنْ بِقَبْرِ صَالِحٍ تَبَرَّكَا … أَوْ طَافَ حَوْلَهُ يَكُنْ قَدْ أَشْرَكَا ٤٢ - أَوْ كَانَ هَازِءًا بِحُكْمِ الْلَّهِ … أَوْ سَاخِرًا مِنْ عَابِدٍ أَوَّاهِ ٤٣ - أَوْ ذَابِحًا أو مُوفِيًا بِنَذْرِ … أَوْ مُسْتَعِيذاً غَيْرَهُ مِنْ ضُرِّ ٤٤ - أَوْ كَانَ رَاقِيًا بِمَا لا يُفْهَمُ … كَذَاكَ يَا أَوْلادِيَ التَّمَائِمُ بَابُ سَبَبِ الشِّرْكِ ٤٥ - وَسَبَبُ الشِّرْكِ هُوَ الْغُلُوُّ … فَذُو الصَّلاحِ عِنْدَهُمْ مَدْعُوُّ ٤٦ - أَوْ يَعْبُدُونَ الْلَّهَ عِنْدَ قَبْرِهِ … تَبَرُّكًا فِي زَعْمِهِمْ بِسِرِّهِ ٤٧ - وِيَبْتَنُونَ فَوْقَهَا الْمَسَاجِدَا … وَيَفْعَلُونَ فِعْلَ مِنْ تَهَوَّدَا ٤٨ - وَذَاكَ إِخْبَارٌ مِنَ الْمَصْدُوقِ … مُحَذِّرًا بِمَنْطِقِ الشَّفوقِ ٤٩ - حَيْثُ نَهَانَا عَنْ تَتَبُّعِ السَّنَنْ … قِيَلَ الْيَهُوْدُ وَالْنَّصَارَى قَالَ مَنْ؟ بَابُ التَّوَكُّلِ ٥٠ - وَعَمَلُ الْقَلْبِ هُوَ التَّوَكُّلُ … عَلَى الإِلَهِ الْحَقِّ يَا مَنْ يَعْقِلُ ٥١ - وَغَيْرُهُ شِرْكٌ، فَشِرْكٌ أَصْغَرُ … عَلَى الَّذِي يَعِيْشُ فِيمَا يَقْدِرُ ٥٢ - وَالأَكْبَرُ الثَّانِي عَلَى الأَمْوَاتِ … فَعَوِّدِ الْقَلْبَ عَلَى الإِخْبَاتِ

стр. 12

بَابُ التَّوَسُّلِ ٥٣ - ثُمَّ التَّوَسُّلُ عَلَى نَوْعَيْنِ … أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ دُونَ مَيْنِ ٥٤ - بِاللَّهِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ … أَوْ دَعْوَةِ الْحَاضِرِ وَالطَّاعَاتِ ٥٥ - وَالثَّانِ فِي التَّوَسُّلِ البِدْعِيُّ … بِأَيِّ مَخْلُوقٍ وَلَوْ نَبِيُّ بَابُ تَحْرِيمِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَالأُمراءِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ ٥٦ - وَمَنْ أَطَاعَ السَّادَةَ الأَعْلامَا … فِيْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ أَوِ الْحُكَّامَا ٥٧ - يَجْعَلُهُمْ آَلِهَةً كَالَصُّوفِي … وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ٥٨ - فِيْ آَيَةِ الْتَّوْبَةِ وَهْيَ "اتَّخَذُوا" … دَلِيْلُ مَا أَقُولُ فِيمَا أَخَذُوْا بَابُ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ ٥٩ - وَأَرْبَعٌ فِي أُمَّةِ الْمَعْصُومِ … مِنْهُنَّ الاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ٦٠ - وَالنَّوْحُ ثُمَّ الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ … وَمِثْلُهُنَّ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ ٦١ - وَكُلُّهَا أُمُورُ جَاهِلِيَّهْ … كَالْحُكْمِ وَالظَّنِّ مَعَ الْحَمِيَّهْ ٦٢ - ثُمَّ التَّبَرُّجُ أَوِ السُّفُورُ … قَدْ أَفْلَحَ الدَّاعِيَةُ الصَّبُورُ ٦٣ - إِذْ لا تَزَالُ فِرْقَةٌ مَنْصُورَهْ … مِنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ فِي الْمَعْمُورَهْ

стр. 13

بَابُ السِّحْرِ ٦٤ - وَالْجِبْتُ وَالسِّحْرُ هُمَا سِيَّانِ … وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ ٦٥ - دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ … وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرَهْ ٦٦ - وَهْوَ حَقِيقَةٌ وَبِالإِجْمَاعِ … كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ ٦٧ - وَالنُّشْرَةُ اعْلَمْهَا فَحَلُّ السِّحْرِ … تَجُوزُ إِنْ كَانَتْ بِآيِ الذِّكْرِ ٦٨ - وَإِنْ تَكُنْ بِالْسِّحْرِ لا تَحِلُّ … فَإِنَّهَا شِرْكٌ فَلا تَضِلُّوا ٦٩ - وَالْلَّهُ يَخْتَصُّ بِعِلْمِ الْغَيْبِ … وَمُدَّعِيهِ كَافِرٌ بِالْكُتْبِ ٧٠ - وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا اوْ عَرَّافَا … صَلاتُهُ مَرْدُودَةٌ لَوْ طَافَا بِابُ التَّطَيُّرِ ٧١ - وَتَحْرُمُ الطِّيَرَةُ وَالتَّشَاؤُمُ … وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا بَلْ يُقْدِمُ ٧٢ - مُرَدِّدًا دُعَاءَهَا يُهَلِّلُ … وَإِنَّمَا يُذْهِبُهَا التَّوَكُّلُ ٧٣ - وَشِرْكُ مَنْ تَرُدُّهُ قَدْ قَالُوا … وَيُعْجِبُ الرَّسُولَ مِنْهَا الْفَالُ بَابُ الْتَّنْجِيْمِ ٧٤ - ثُمَّ النُّجُومُ زِينَةُ السَّمَاءِ … وَرَجْمُ شَيْطَانٍ عَنِ الأَنْبَاءِ ٧٥ - وَلِلْهُدَى عَلامَةٌ عَلَى الطُّرُقْ … فَمَنْ يُحَاوِلْ غَيْرَهُ فَمَا صَدَقْ ٧٦ - وَعِلْمُهَا نَوْعَانِ فَالتَّسْيِيرُ … أَجَازَ مَا نَحْتَاجُهُ الْجُمْهُورُ ٧٧ - وَالثَّانِ عِلْمٌ بَاطِلٌ مُحَرَّمُ … يُعْرَفُ بِالْتَّأْثِيرِ فِيمَا يُزْعَمُ

стр. 14

بَابُ الشَّفَاعَةِ ٧٨ - ثُمَّ الشَّفَاعَةُ لهَا قِسْمَانِ … كِلاهُمَا فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ ٧٩ - مَنْفِيَّةٌ وَهْيَ عَنَ اهْلِ الشِّرْكِ … وَلَيْسَ فِي بُطلانِهَا مِنَ شَكِّ ٨٠ - ثَانِيهِمَا شَفَاعَةٌ بِإِذْنِهِ … لِمَنْ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِدِينِهِ ٨١ - دَلِيلُهَا فِي آَيَةِ الْكُرْسِيِّ … مِثَالُهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ٨٢ - لَهُ شَفَاعَاتٌ كَفَضِّ الْمَوْقِفِ … لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ كُلُّ مُقْتَفٍ بَابُ الْهِدَايَةِ ٨٣ - ثُمَّ الْهِدَايَةُ هِدايَتَانِ … هِدَايَةُ الْتَّوْفِيقِ لِلإِحْسَانِ ٨٤ - وَتِلْكَ يَخْتَصُّ بِهَا الْحَمِيدُ … يَهْدِي بِهَا لِلْحَقِّ مِنْ يُرِيدُ ٨٥ - وَبَعْدَهَا هِدَايَةُ الإِرْشَادِ … فِي سُورَةِ الشُّورَى أَتَتْ وَصَادِ بَابُ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ ٨٦ - وَالدِّينُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِخْلاصِ … وَضِدُّهُ الْشِّرْكُ بِلا مَنَاصِ ٨٧ - مِثْلُ صَلاةِ ذَلِكَ الْمُرَائِي … يُطِيلُ حُسْنَهَا لأَجْلِ الرَّائِي ٨٨ - وَمِثْلُ إِقْسَامٍ بِغَيْرِ الْلَّهِ … وَقَوْلِ "لَوْلا الْكَلَبُ" وَالأَشْبَاهِ ٨٩ - وَقَوْلُ "شَاءَ الْلَّهُ ثُمَّ شِئْتَا" … تَجُوزُ لا كَالْوَاوِ إِذْ رَتَّبْتَا

стр. 15

بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللَّهِ ٩٠ - وَمَنْ تَسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ … أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ ٩١ - يَنْفِي كَمَالَ الذُّلِّ وَالتَّوْحِيدِ … وَأَخْنَعُ الأَسْمَاءِ لِلْعَبِيدِ ٩٢ - قَدْ غَيَّرَ الْنَّبِيُّ مِنْ أَبِي الْحَكَمْ … وَكُلُّ مَا عُبِّدَ لِلْخَلْقِ حَرُمْ ٩٣ - وَرَبُّنَا الْعَظِيمُ وَالسَّلامُ … فَلا تَقُلْ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ ٩٤ - وَلا يُقَالُ اغْفِرْ لِي إِنْ أَرَدتَّا … سُبْحَانَهُ وَاَعْزِمْ إِذَا سَأَلْتَا ٩٥ - وَلا تَقُلْ عَبْدِي لِمَنْ مَلَكْتَهُ … وَلا تَقُلْ رَبِّي لِمَنْ خَدَمْتَهُ ٩٦ - وَلا يُرَدُّ بِاللهِ السُّؤَّالُ … بِوَجْهِهِ فِي الْجَنَّةِ السُّؤَالُ [الخاتمة] ٩٧ - فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَسَّرَهْ … وَالْلَّهَ أَسْأَل رَّاجِيًا أَنْ يَنْشُرَهْ ٩٨ - وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ … وَنَافِعًا مُخْتَصَرًا فِي وَجْهِهِ ٩٩ - وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّسْلِيمِ … عَلَىَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ ١٠٠ - مُحَمَّدٍ وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ … وَكُلِّ تَابِعٍ وَمُؤْمِنٍ بِهِ

стр. 16

شرح المقدمة قال الشيخ المقرئ: "محمد بن عيد الشعباني" -حفظه الله-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْمُقَدِّمَةِ ١ - يَقُولُ رَاجِي رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ … مُحَمَّدُ بْنُ عِيدٍ الشَّعْبَانِي ٢ - الْحَمْدُ للهِ عَلَى الإِنْعَامِ … لاسِيَّمَا بِنِعْمَةِ الإِسْلامِ ٣ - ثُمَّ صَلاةُ الله مَعْ سَلامِهِ … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ ٤ - وَبَعْدُ هَذَا النَّظْمُ فِي التَّوْحِيدِ … أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ ٥ - مِفْتَاحُ بَابِ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ … لِذَاكَ قَدَّمُوهُ عِنْدَ الدَّرْسِ ٦ - سَمَّيْتُهُ بِـ "تُحْفَةِ الأَوْلادِ" … لِيُصْبِحُوا مِنْ خِيرَةِ الْعُبَّادِ ٧ - أَرْجُو بِهِ التَّيْسِيْرَ وَالْقَبُولا … وَأَنْ يَكُونَ لَلْهُدَى سَبِيْلا بسم الله الرحمن الرحيم: بدأ الناظم بها قبل النظم: • تبركا باسم الله تعالى. • واقتداءً بالكتاب العزيز المفتتح بالبسملة والتحميد والتمجيد. • واقتداء برسول الله ﷺ في مراسلاته إلى الملوك والأمراء يدعوهم للإسلام. و"بسم": الْبَاء هنا للمصاحبة أَوْ الِاسْتِعَانَة مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف مقدر مؤخر؛ وَتَقْدِيره فعلا أولى لِأَن الأَصْل فِي الْعَمَل للأفعال؛ وكونه مؤخرا أولى لفائدتين: الأولى: التبرُّكُ بالبَداءة باسم الله .

стр. 17

الثانية: إفادةُ الحصر؛ لأن تقديم المتعلِّق يُفيد الحصر والتقدير هنا: " بسم الله أنظم … " و اسم الجلالة: (الله) اسم للرب الإله الحق؛ وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وهو الاسم الجامع لمعانيها. قال ابن كثير ﵀: وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ ﵎ ا. هـ. و"الرحمن الرَّحِيم" وصفان لله تَعَالَى مشتقان من الرَّحْمَة، والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى غَالِبا. المقدمة: بكسر الدال المهملة على الأفصح اسم فاعل من قدم بمعنى تقدم، ومقدمة الكتاب تقال لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود منه، لارتباط له بها وانتفاع بها فيه. وقد اشتملت بعد الحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله ﷺ على معرفة اسم هذا النظم ووصفه وموضوعه وفضله. راجي: أي طالب والرجاء: التوقع والأمل وهو مضاف غير منون. رَحْمَةِ مضاف إليه. محمد بن عيد الشعباني: اسم الناظم وقد سبقت ترجمته الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. لاسيما: معناها (بخاصّة)، وهي مركّبة من (لا) النَّافية للجنس، و (سِيّ) التي بمعنى مثل، و (ما)، وتستعمل لترجيح ما بعدها على ما قبلها، والمشهور استعمالها مع الواو ويأتي الاسم بعدها مرفوعًا أو مجرورًا أو منصوبًا صلاة الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى

стр. 18

وسلامه: هُوَ التَّحِيَّة أَوْ السَّلامَة من النقائص والرذائل. وهو دعاء للنبي ﷺ بالسلامة من النقص والآفات وهو اسم مصدر سَلَّمَ بمعنى التَّسليم كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وجَمْعُ الناظم بين الصلاة والسلام دون الاقتصار على أحدهما هو الأولى فقد نقل الإمام النووي ﵀ كراهة إفراد الصلاة عن السلام وعكسه لاقتران الأمر بهما في هذه الآية. وفسر بعض العلماء الكراهة في كلام النووي بالكراهة التنزيهية التي هي بمعنى خلاف الأولى ورد ذلك الشيخ علي قاري وقال: لا يلتفت إلى ذلك … فإنه حينئذ لا يحتاج إلى الاستدلال ولا ينسب إليه بالاستقلال ا. هـ ومراده أن النووي قصد التحريم لا الكراهة التنزيهية ذلك لأنه بالغ في الإنكار على الإمام مسلم وغيره لمخالفة ذلك. ولأنه لو كان قصده الكراهة التنزيهية لما كان لنسبة هذا القول إليه من أهل العلم مزية فإنه لا خلاف في أفضلية ذلك. وممن اختار الجواز الحافظ ابن الجزري كما في مفتاح الحصن الحصين والحافظ ابن حجر وكذا العيني في شرحيهما على البخاري وألف العلامة ملا علي القاري في ذلك رسالة مستقلة رد بها على الإمام النووي. (١) المصطفى: المختار

стр. 19

وآله: قرابته من مؤمني بني هَاشم وَبني الْمطلب، ومنهم أزواجه ﵃. وقيل هم: أَتْبَاعه ﷺ على دينه. وبعد: الواو في أوله نائبة عن (أما) الشرطية و «أما» بمعنى مهما يكن من شيء، و " بعدُ " ظرف متعلِّق بـ «يكن» المحذوفة مع شرطها؛ مبني على الضمِّ في محلِّ نصبٍ، لأنه حُذف المضافُ إليه، ونُوِيَ معناه، والتَّقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد ذلك فهذا … إلخ وهي كلمة يُؤتى بها عند الدُّخول في الموضوع الذي يُقْصَدُ. والنظم: مصدر نظَمَ وهو كلام موزون، يقابله النثر. التوحيد: إفراد الله بالعبادة لا تشركُ به شيئا. أول: بالجر بدل من التوحيد أو عطف بيان؛ ويجوز بالرفع خبرا لمبتدأ محذوف والتقدير (هو أول) ويجوز النصب على المفعولية والتقدير (أعني أول) أول واجب: قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في منظومته "سلم الوصول" أوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ … مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة هو "أَوَّلُ وَاجِبٍ" فَرَضَهُ اللَّهُ "عَلَى الْعَبِيدِ" وهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ لَهُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِهِ ثُمَّ فَطَرَهُمْ شَاهِدِينَ مُقِرِّينَ بِهِ ثُمَّ أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ إِلَيْهِمْ وأنزل به كتبهم عَلَيْهِمْ وَهُوَ "أَعْظَمُ الأوامر التي أمر الله به عباده كَمَا أَنَّ ضِدَّهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ هُوَ أَعْظَمُ الْمَنَاهِي وَلَمْ تَدْعُ الرُّسُلُ إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ ضِدِّهِ. قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ لما أرسله إلى أهل اليمن «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» رواه البخاري بهذا اللفظ، وفي رواية لمسلم «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا

стр. 20

تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ » ورواه البخاري ومسلم في رواية أخرى بلفظ: «فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» وهذا يدل على أن التوحيد وعبادة الله هو تفسير الشهادتين. مفتاح: بالرفع خبر لمبتدأ محذوف والتقدير (وهو -أي التوحيد- مفتاح … ) وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا بِضِدِّهِ وَلَا يُزَحْزَح عَنِ النَّارِ وَيَدْخُل الْجَنَّةَ إِلَّا بِهِ. وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَيُحْرَمُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِضِدِّهِ. الفردوس: اسم جنَّة من أعلى جنّات النَّعيم في الآخرة وأفضلها، قال ﷺ : "وَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". تحفة: هدية ذات قيمة تقدم لمن يحب. الْعُبَّادِ: تضبط على وجهين: بكسر العين وتخفيف الباء جمع عبد أو بضم العين وتشديد الباء جمع عابد وهذا هو الغاية من هذا العلم وغيره وهو العمل بالعلم. -أفاده الناظم في شرحه-.

стр. 21

بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ لما نبه الناظم في المقدمة على أن التوحيد هو الفرض الأعظم على جميع العبيد، عقد هذا الباب لبيان فضله، وهو آثاره الحميدة ونتائجه الجميلة، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة مثل التوحيد. فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله. (١) ومن أجل فوائده: أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل. (٢) وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية. (٣) وهو: سبب عظيم لمغفرة الذنوب (٤) وسبب لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما. (٥) ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة (٦) ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت. (٧) ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه. (٨) ومنها: أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين. (٩) ومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام.

стр. 22

(١٠) فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة. (١١) ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه. (١٢) ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب. (١٣) ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال. (١٤) ومنها: أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره، وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم. ٨ - أَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ التَّوحِيدُ … وَمَنْ يُحَقِّقْهُ هُوَ السَّعِيدُ ٩ - يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جُنَّهْ … وَهْوَ سَبِيلُ مَنْ يُرِيدُ الْجَنَّهْ ١٠ - شَرْطُ الْقَبُولِ يَا بَنِيَّ لِلْعَمَلْ … دَعَا إِلَيْهِ قَوْمَهُمْ كُلُّ الْرُّسُلْ ١١ - وَيَغْفِرُ اللَّهُ بِهِ الذُنُوبَا … سُبْحَانَ مَنْ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَا أول واجب: تقدم في البيت (٤) ومن يحققه: تحقيق التوحيد: تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي.

стр. 23

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن ﵀ في كتاب قرة العيون: وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه كما قال تعالى في يوسف ﵍: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] بفتح اللام، وفي قراءة ﴿المخلِصين﴾ بكسرها، وهم في صدر هذه الأمة كثيرون وفي آخرها هم الغرباء، وقد قلوا، وهم الأعظمون قدرا عند الله .... وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]. قال العماد ابن كثير ﵀ في الآية: يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأوامره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي في عمله واتباع ما أمر به وترك ما عنه زجر. فدلت هذه الآية العظيمة على أن كمال الإخلاص إنما يوجد بترك الشرك والبراءة منه وممن فعله ا. هـ هو السعيد: ومن سعادة المحققين للتوحيد أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، … فذكر الحديث وفيه: قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " … ثم قَالَ ﷺ في وصفهم «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» متفق عليه. ومن سعادة الموحدين أن التوحيد لهم جُنَّة ولذا قال: ٩ - يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جُنَّهْ … وَهْوَ سَبِيلُ مَنْ يُرِيدُ الْجَنَّهْ جُنَّة: أي وقاية من عذاب الله تعالى وهو سبيل: أي طريق من يريد الجنة بل لا يدخل الجنةَ إلا الموحدون ولذا قال هنا:

стр. 24

١٠ - شَرْطُ الْقَبُولِ يَا بَنِيَّ لِلْعَمَلْ … دَعَا إِلَيْهِ قَوْمَهُمْ كُلُّ الْرُّسُلْ فلَا يُزَحْزَح العبد عَنِ النَّارِ وَيَدْخُل الْجَنَّةَ إِلَّا بِهِ. وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَيُحْرَمُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِضِدِّهِ. ودليله قوله ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " والمعنى أن شهادة أن لا إله إلا الله، تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلاص. دعا إليه … إلخ: دليله قول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] والمعنى أن الله تعالى بَعَثَ فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٍ رَسُولًا وَكُلُّهُمْ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ: فَلَمْ يَزَلْ تَعَالَى يُرْسِلُ إِلَى النَّاسِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، مُنْذُ حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ، فِي قَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ ﵍، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ خَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي طَبَّقَتْ دَعْوَتُهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَكُلُّهمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ١١ - وَيَغْفِرُ اللَّهُ بِهِ الذُنُوبَا … سُبْحَانَ مَنْ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَا المغفرة هي ستر الذنب ومحوه والتجاوز عنه، وإذا قلت: أستغفر الله يعني أسأله تعالى أن يستر علي ذنوبي وأن يقيني عذابها. وهذا من فضائل التوحيد فإن المغفرة لا تكون لمن أشرك فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وبهذا يتبين فضل التوحيد والموحدين. وقد روى الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ﵎: « … يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» فقوله: «ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا

стр. 25

تُشْرِكُ بِي شَيْئًا» شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك: كثيره وقليله، صغيره وكبيره. ولا يسلم من ذلك إلا من سلم الله تعالى، وذلك هو القلب السليم كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] سبحان: التسبيح تنزيه الله جل وعلا عن النقائص في ربوبيته وإلهيته، وأسمائه وصفاته، وشرعه ودينه، وفي أمره الكوني وقدره. والكون كله يسبح بحمد الله، كما قال تعالى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] ومن الواجب أن يُنَزَّهْ الله عما لا يليق بجلاله وعظمته. من يقلب القلوب: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالتَّقْلِيبُ التَّصَرُّفُ وَتَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رَسُولُ اللهِ ﷺ «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» رواه مسلم وعن النَّوَّاس بْن سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ قَلْبٍ إِلاَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَانِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. رواه ابن ماجه.

стр. 26

بَابُ أَقْسَامِ التَّوْحِيْدِ ١٢ - يَنْقَسِمُ التَّوْحِيدُ فِي الإِسْلامِ … إِلَىَ ثَلاثَةٍ مِنَ الأَقْسَامِ أقسام التوحيد ثلاثة: (١) توحيد الربوبية. (٢) توحيد الألوهية ويسمى توحيد العبادة. (٣) توحيد الأسماء والصفات قال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد: (التوحيد): مصدر وحد يوحد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، وسمي دين الإسلام توحيدًا؛ لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء، والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ا. هـ والمؤلف بدأ بتوحيد الألوهية لأنه أهمها وسماه توحيد العبادة فقال: ١٣ - أَوَّلُهَا التَّوْحِيدُ فِي الْعِبَادَهْ … وَهْوَ أَهَمُّهَا بِهِ الشَّهَادَهْ أولها: التوحيد في العبادة: وهو توحيد الألوهية: والألوهية مأخوذة من: ألَه يأْلَه إِلهة وأُلُوهةً: إذا عُبد مع المحبة والتعظيم. يقال: تَأَلَّه إذا عُبد مُعَظَّمًا مُحَبًّا، ففرقٌ بين العبادة والألوهة، فإن الألوهة عبادة فيها المحبة، والتعظيم، والرضا بالحال، والرجاء، والرغب، والرهب، فمصدر أَلَه يأْلَه: أُلُوهة وإلهة؛ ولهذا قيل: توحيد الإلهية، وقيل توحيد الألوهية، وهما مصدران لأَلَه يأْلَه. ومعنى (أَلَه) في لغة العرب:

стр. 27

عبد مع المحبة، والتعظيم. والتأَلُّه: العبادة على ذاك النحو، فتوحيد الإلاهية، أو توحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، يعني: جَعْل العبادة لواحد، وهو الله ﷻ . والعبادة التي يفعلها العبد أنواع، والله - جل وعلا - هو المستحق للألوهة وللعبادة، فهو ذو الألوهة، وهو ذو العبادة على خلقه أجمعين. و"توحيد الألوهية ": هو أيضا توحيد الله بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرب، فإذا توجه بها لواحد وهو الله- جل وعلا- كان موحدا إياه توحيد الإلاهية، وإذا توجه العبد بها لله ولغيره كان مشركا في هذه العبادة. وبدأ به الناظم لأنه أهم الأنواع الثلاثة ولذا قال: وهو أهمها: فحاجة الناس إلى بيان هذا النوع من التوحيد عظيمة ويجهله كثير من الناس فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وأما توحيد الربوبية فلم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بل كانوا مقرين به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض. ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم، إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره مكابرة، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: من الآية ٣٨]. وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الاسراء: ١٠٢] فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله- .

стр. 28

وقول الناظم: به الشهادة: أي شهادة "ألا إله إلا الله" وهي كلمة التوحيد ومعناها متضمن لتوحيد الألوهية فمعناها الصحيح "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ "، وَالتَّقْيِيدُ بِـ"حَقٍّ" يُخْرِجُ بِهِ الْآلِهَةَ الْمَعْبُودَةَ بِبَاطِلٍ. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] ١٤ - وَرُكْنُهَا النَّفْيُ مَعَ الإِثْبَاتِ … فَاعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلثَّبَاتِ وركنها أي ركن شهادة " ألا إله إلا الله" ولها ركنان هما: النفي مع الإثبات: وبيانه: أن: "لَا إِلَهَ" نَافِي جَمِيع مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، و "إِلَّا اللَّهُ" إِثْبَات الْعِبَادَةِ لِلَّهِ فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ فلا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه. ١٥ - وَحَقُّهَا الْوَلاءُ وَالْبَرَاءُ … وَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يَا أَبْنَاءُ وحقها: "الحق" هو الشيء الثابت اللازم. والمراد: تفسيرها اللازم الثابت لها وهو: الولاء والبراء: فالولاء: أن يحب التوحيد ويوالي الموحدين ويحبهم كما في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ". قال ابن رجب: فلا يكملُ التوحيدُ الواجبُ إلا بمحبةِ ما يحبُّه اللَّه وبغضِ ما يبغضه اللَّهُ، وكذلك لا يتمُّ الإيمانُ الواجبُ إلا بذلك. ومن هنا يُعلمُ أنَّ الإخلال ببعضِ الواجباتِ وارتكابِ بعضِ المحرَّماتِ ينقصُ به الإيمانُ الواجبُ بحسبِ ذلك ا. هـ

стр. 29

والبراء: يعني أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدا، لا ملَكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل هم واقعون فيه. ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] فهذه الجملة فيها البراءة، وفيها الإثبات، فالبراءة: مما يعبدون، قال بعض أهل العلم: تبرأ من العبادة ومن المعبودين قبل أن يتبرأ من العابدين؛ لأنه إذا تبرأ من أولئك: فقد بلغ به الكراهة، والبغضاء، والكفر بتلك العبادة مبلغها الأعظم، وقد جاء تفصيل ذلك في آية الممتحنة في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ اشتملت على نفي وإثبات، فهي مساوية لكلمة التوحيد بل هي التوحيد، ففي هذه الآية تفسير شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا قال - جل وعلا - بعدها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] فما هذه الكلمة؟ قال قتادة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ شهادة (أن لا إله إلا الله)، والتوحيد لا يزال في ذرية من يقولها من بعده: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: يتوبون أو يذكرون. فقوله - جلا وعلا -: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ فيه النفي الذي نعلمه من قوله (لا إله)، وقوله ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه الإثبات الذي نفهمه من قولنا (إلا الله). ففي آية سورة الزخرف هذه: أن إبراهيم ﵈ شرح لهم معنى كلمة التوحيد بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والبراءة هي: الكفر، والبغضاء، والمعاداة. وتبرَّأ من عبادة غير الله. فهذه البراءة لا بد منها، ولا يصح إسلام أحد حتى تقوم هذه البراءة في قلبه؛ لأنه

стр. 30

إن لم تقم هذه البراءة في قلبه، فلا يكون موحدا، والبراءة هي: أن يكون مبغضا لعبادة غير الله، كافرا بعبادة غير الله، معاديا لعبادة غير الله، كما قال في الآية هنا: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. فليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون. ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته. والكفر بالطاغوت: أي ومن حق كلمة التوحيد: "الكفر بالطاغوت" والدليل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ " فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله. ويتبرأ من عبادة غير الله؛ وينكرها، ويعتقد بطلانها. ومن رضي دين النصارى دينا يدينون الله به، فهو كافر؛ ومن صحح دين النصارى أو اليهود أو غيرهم من ملل الكفر، ولم يعتقد كفرهم فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام، فقد كذَّب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وبهذا يكون كافرا. ومن صحح دين النصارى كان مكذِّبا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد. فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين؛ ويعرف ابن القيم ﵀ الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ".

стр. 31

ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، مثل توجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه: يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله- جل وعلا-، ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون. والمقصود بقوله: " أو متبوع " أي أنهم صاروا يتبعون بعض الناس مثل القادة أو العلماء، في كل ما قالوا، وإن أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين: أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو حرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقر بأنه طاغوت، واتخذه كذلك. وقوله: " أو مطاع " يشمل الأمراء، والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر. ١٦ - فَلَيْسَ غَيْرُ الْلَّهِ يَسْتَحِقُّ … عِبَادَةً وَالْلَّهُ فَهْوَ الْحَقُّ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] قال الحافظ ابن كثير ﵀: شَرَعَ ﵎ فِي بَيَانِ وَحْدَانِيَّةِ أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عَبيده، بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَإِسْبَاغِهِ عَلَيْهِمُ النعمَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، أَيْ: مَهْدًا كَالْفِرَاشِ مُقَرّرَة مُوَطَّأَةً مُثَبَّتَةً بِالرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وَهُوَ

стр. 32

السَّقْفُ، … وَأَنْزَلَ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً -وَالْمُرَادُ بِهِ السَّحَابُ هَاهُنَا-فِي وَقْتِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ؛ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، كَمَا قَرَّرَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ … وَمَضْمُونُهُ: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ مَالِكُ الدَّارِ، وَسَاكِنِيهَا، وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرَك بِهِ غَيره؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شروط لا إله إلا الله وشروط (لا إله إلا الله) سبعة شروط، مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة. وقد جاءت منظومة في قول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ في منظومته (سلم الوصول إلى علم الأصول) قال: وَبِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ قَدْ قُيِّدَتْ … وَفِي نُصُوصِ الْوَحْيِ حَقًّا وَرَدَتْ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ قَائِلُهَا … بِالنُّطْقِ إِلَّا حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ وَالْقَبُولُ … وَالِانْقِيَادُ فَادْرِ مَا أَقُولُ وَالصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْمَحَبَّهْ … وَفَّقَكَ اللَّهُ لِمَا أَحَبَّهْ وقد نظمها بعضهم في بيت واحد فقال: عِلْمٌ يَقِيْنٌ وَإِخْلاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ … مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَها وزاد بعضهم شرطا ثامنا. ونظمه بعضهم فقال: وَزِيدَ ثامِنُها الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا … سِوَى الإِلهِ مِنْ الأَشْيَاءِ قَدْ أُلِها وإليك توضيحا يسيرا لهذه الشروط وذكر بعض الأدلة:

стр. 33

(١) العلم: بمعناها نفياً وإثباتاً علما منافيا للجهل: ومعناها كما تقدم: البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده باللسان والقلب وسائر الجوارح. ودليل هذا الشرط: قول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وفي الصحيح عَنْ عُثْمَانَ بن عفان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) (١). (٢) اليقين: المنافي للشك: وذلك بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً. قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ ﵌: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ). وفيه أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ). فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقناً بها قلبه غير شاك فيها. (٣) القبول: لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه المنافي للرد: فالمشركون لم ينفوا ما نفته هذه الكلمة ولم يثبتوا ما أثبتته بل قالوا: إنكاراً واستكباراً ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].

стр. 34

وقال تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٤) الانقياد: لما دلت عليه هذه الكلمة المنافي للترك: والمراد هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لما جاء به الرسول ﷺ عن ربه بالطاعة، وذلك بالعمل بما فرضه الله وترك ما حرمه والتزام ذلك. ولا ينتفع قائل لا اله إلا الله بها إلا بهذا الانقياد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي بلا إله إلا الله ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢]. ومعنى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ينقاد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحد، وتمام الانقياد وغايته ومعناه تقديم محاب الله وإن خالفت الهوى وبغض ما يبغضه الله وإن مال إليه الهوى وكما أن الاستسلام لله واجب فكذلك الاستسلام لرسوله ﷺ واجب، فلا يسمى الإنسان مؤمناً إلا به ولذا أقسم الحق بنفسه مؤكداً هذا الواجب. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. (٥) الصدق فيها المنافي للكذب: وهو أن يقولها صدقاً من قلبه يواطئ قلبه لسانه. جاء في الصحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: (يَا مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ). قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ (يَا مُعَاذُ) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ

стр. 35

تَأَثُّمًا. (١). فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقاً من قلبه فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب. (٦) الإخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، ولا يكون له من وراء الشهادتين غرض آخر غير قصده لربه، فتارك الإخلاص لم يستكمل شروط لا إله إلا الله ولو كان منقاداً صادقاً مستيقناً. ومن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله. قال الله سبحانه تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصَاً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ. (٧) المحبة: والمراد بها: المودة والرغبة لـ (لا إله إلا الله)، ولما اقتضته ودلت عليه من الأقوال والأفعال محبة منافية لضدها. ومن ذلك: أن يكون الله سبحانه ورسوله أحب إليه مما سواهما، والمحبة لأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبغض من ناقض ذلك فإنه لا يحصل لقائلها معرفة وقبول إلا بالمحبة، لأن المحبة تدل على الإخلاص المنافي للشرك، ومن أحب الله تعالى أحب دينه قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فأخبر الله أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم

стр. 36

لم يشركوا معه في محبته أحداً كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه. فأهل (لا إله إلا الله) يحبون الله حبا خالصا وأهل الشرك يحبونه ويحبون معه غيره وهذا ينافي مقتضى (لا إله إلا الله). قال الحافظ ابن رجب ﵀: قول لا إله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه فإن (الإله) هو: الذي يطاع فلا يعصي محبة وخوفا ورجاء. ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله؛ قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] قال الليث عن مجاهد في قوله ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] قال: لا يحبون غيري (١) .... إلخ (٢). (٨) الكفر بالطاغوت: والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. وتقدم الكلام عليه في البيت الخامس عشر ودليل هذا الشرط: قول الله : ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] ومعنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ أي ينكر عبادة غير الله ويتبرأ منها ويجحدها ويبين أنها باطلة. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾

стр. 37

يعني يؤمن بأن الله هو المعبود بالحق وأنه هو المستحق للعبادة. فلا يتم الإيمان ولا يصح إلا بالبراءة من عبادة غير الله وإنكارها واعتقاد بطلانها، والإيمان بأن الله هو المستحق للعبادة ، وهذا هو معنى قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقوله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ وهو: سَعْدُ بنُ طَارِقِ بنِ أَشْيَمَ عَنْ أَبِيهِ (طارق بن أشيم) ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وفي رواية: (مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ … ). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله)، • فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، • بل ولا معرفة معناها مع لفظها، • بل ولا الإقرار بذلك، • بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، • بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله؛ فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها! وياله من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!) ا. هـ (١)

стр. 38

تفسير العبادة وذكر بعض أنواعها ١٧ - وَكُلُّ مَا يُحِبُّه وَيَرْضَى … عِبَادَةٌ إِنْ سُنَّةً أَوْ فَرْضَا ١٨ - كَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ وَكَالدُّعَاءِ … وَالْبِّرِّ وَالْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "العبودية" (ص: ٤٤): الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة. وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله. وَذَلِكَ أَنْ الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] وَكَذَلِكَ قَالَ هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم لقومهم … والدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة … ا. هـ كالنذر: النذر: هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّة صيغة كانت، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه مكروه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء

стр. 39

بنذره؛ لثناء الله على الموفين في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ولقول النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» رواه البخاري. والنذر عبادة لا يجوز صرفه لغير الله؛ فمن نذر لغير الله بشيء تقرباً فإنه قد وقع في الشرك وخرج من الإسلام. والذبح: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله. وهذا مثل ما يذبح من الأضاحي، أو يذبح من الهدي فذلك مما يذبحه المرء تعظيما لله - جل وعلا - مما أمر به شرعا، فهذا الذي تذبحه لله: تقصد التقرب به إليه. ودليل الذبح قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] والذبح بقصد اللحم أو لإكرام ضيف ونحوه مما لا يقصد به التقرب لله ولا لغيره جائز لأن هذا من المأذون به شرعا. وكالدعاء: وهو العبادة كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد. فمن دعا غير الله لجلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك.

стр. 40

والبر: كلمة جامعة قال ابن رجب ﵀ الْبَرُّ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ: أحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا خُصَّ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيُقَالُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ عُمُومًا، … وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ا. هـ والخوف: دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والمراد به هنا: • خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع، وهو ما يسمى بخوف السر؛ وهذا لا يصلح إلا لله - سبحانه -، فمن أشرك فيه مع الله غيره، فهو مشرك شركا أكبر، وذلك مثل: من يخاف من الأصنام أو الأموات، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم، كما يفعله بعض عباد القبور: يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله. • أما الخوف الطبيعي والجبلي، فهذا في الأصل مباح؛ لقوله تعالى عن موسى ﵍: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]. • لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم؛ فهو محرم.
следующие страницы →