← Акыда

Акыда · id 1127

رسم الوداد في إيضاح تحفة الأولاد في توحيد رب العباد

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (189 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لم يشركوا معه في محبته أحداً كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه. فأهل (لا إله إلا الله) يحبون الله حبا خالصا وأهل الشرك يحبونه ويحبون معه غيره وهذا ينافي مقتضى (لا إله إلا الله). قال الحافظ ابن رجب ﵀: قول لا إله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه فإن (الإله) هو: الذي يطاع فلا يعصي محبة وخوفا ورجاء. ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله؛ قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] قال الليث عن مجاهد في قوله ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] قال: لا يحبون غيري (١) .... إلخ (٢). (٨) الكفر بالطاغوت: والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. وتقدم الكلام عليه في البيت الخامس عشر ودليل هذا الشرط: قول الله : ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] ومعنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ أي ينكر عبادة غير الله ويتبرأ منها ويجحدها ويبين أنها باطلة. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾

стр. 37

يعني يؤمن بأن الله هو المعبود بالحق وأنه هو المستحق للعبادة. فلا يتم الإيمان ولا يصح إلا بالبراءة من عبادة غير الله وإنكارها واعتقاد بطلانها، والإيمان بأن الله هو المستحق للعبادة ، وهذا هو معنى قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقوله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ وهو: سَعْدُ بنُ طَارِقِ بنِ أَشْيَمَ عَنْ أَبِيهِ (طارق بن أشيم) ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وفي رواية: (مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ … ). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله)، • فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، • بل ولا معرفة معناها مع لفظها، • بل ولا الإقرار بذلك، • بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، • بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله؛ فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها! وياله من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!) ا. هـ (١)

стр. 38

تفسير العبادة وذكر بعض أنواعها ١٧ - وَكُلُّ مَا يُحِبُّه وَيَرْضَى … عِبَادَةٌ إِنْ سُنَّةً أَوْ فَرْضَا ١٨ - كَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ وَكَالدُّعَاءِ … وَالْبِّرِّ وَالْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "العبودية" (ص: ٤٤): الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة. وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله. وَذَلِكَ أَنْ الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] وَكَذَلِكَ قَالَ هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم لقومهم … والدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة … ا. هـ كالنذر: النذر: هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّة صيغة كانت، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه مكروه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء

стр. 39

بنذره؛ لثناء الله على الموفين في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ولقول النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» رواه البخاري. والنذر عبادة لا يجوز صرفه لغير الله؛ فمن نذر لغير الله بشيء تقرباً فإنه قد وقع في الشرك وخرج من الإسلام. والذبح: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله. وهذا مثل ما يذبح من الأضاحي، أو يذبح من الهدي فذلك مما يذبحه المرء تعظيما لله - جل وعلا - مما أمر به شرعا، فهذا الذي تذبحه لله: تقصد التقرب به إليه. ودليل الذبح قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] والذبح بقصد اللحم أو لإكرام ضيف ونحوه مما لا يقصد به التقرب لله ولا لغيره جائز لأن هذا من المأذون به شرعا. وكالدعاء: وهو العبادة كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد. فمن دعا غير الله لجلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك.

стр. 40

والبر: كلمة جامعة قال ابن رجب ﵀ الْبَرُّ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ: أحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا خُصَّ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيُقَالُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ عُمُومًا، … وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ا. هـ والخوف: دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والمراد به هنا: • خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع، وهو ما يسمى بخوف السر؛ وهذا لا يصلح إلا لله - سبحانه -، فمن أشرك فيه مع الله غيره، فهو مشرك شركا أكبر، وذلك مثل: من يخاف من الأصنام أو الأموات، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم، كما يفعله بعض عباد القبور: يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله. • أما الخوف الطبيعي والجبلي، فهذا في الأصل مباح؛ لقوله تعالى عن موسى ﵍: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]. • لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم؛ فهو محرم.

стр. 41

مع الرجاء: ودليل الرجاء قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. والناظم ذكر الرجاء بعد الخوف؛ لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما: الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن، قال شيخ الإسلام ﵀: وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَاحِدًا، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ هَلَكَ صَاحِبُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ خَوْفُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْيَأْسِ، وَمَنْ غَلَبَ رَجَاؤُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. ا. هـ وقال الحافظ ابن رجب في كتاب "استنشاق نسيم الأنس": العبادةَ إنما تُبنى على ثلاثةِ أصول: الخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ. وكلٌّ منهما فرضٌ لازِم، والجمعُ بين الثلاثةِ حتم واجب، فلهذا كانَ السلفُ يذمونَ من تعبَّدَ بواحدٍ منها وأهملَ الآخَرَينِ، فإن بدعَ الخوارج ومن أشبهَهُم إنما حدثتْ من التشديدِ في الخوفِ والإعراضِ عن المحبةِ والرجاءِ. وبدعُ المرجئةِ نشأتْ من التعلقِ بالرجاءِ وحدَهُ والإعراض عن الخوفِ، وبدعُ كثيرٍ من أهلِ الإباحةِ والحلول ممن يُنسبُ إلى التعبدِ نشأتْ من إفرادِ المحبةِ والإعراضِ عن الخوفِ والرجاءِ. ا. هـ وقال ابن رجب أيضا في كتاب "التخويف من النار": وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان، … إلخ.

стр. 42

القسم الثاني من أقسام التوحيد ١٩ - وَبِالرُّبُوبِيَّةِ قِسْمٌ آَخَرُ … بِأَنَّهُ لِلْخَلْقِ رَبٌّ فَاطِرُ وبالربوبية … : النوع الثاني من أنواع التوحيد: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله في أفعاله. وأفعال الله كثيرة، منها: الخَلْق، والرِّزْق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضُّر، والشفاء، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية. فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله - جل وعلا- فتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله - سبحانه-. أي الإيمان بأنه هو وحده الخالق والمالك الذي يدبر الأمر … إلخ وتقدم عند البيت (١٣) أن توحيد الربوبية لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بل كانوا مقرين به. القسم الثالث من أقسام التوحيد ٢٠ - وَالثَّالِثُ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ … سَبِيِلُهُ التَّنْزِيهُ وَالإِثْبَاتُ النوع الثالث من أنواع التوحيد هو: توحيد الأسماء والصفات وهو: الإيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم، أو الأحاديث الصحيحة من أسماء الله وصفاته، وإثباتها لله وحده على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؛ عملا بقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والتحريف: صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل ومثاله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش أي استقر عليه، وعلا عليه،

стр. 43

فإذا قال قائل: معنى ﴿اسْتَوَى﴾ استولى على العرش، كما يقوله طائفة من المبتدعة فنقول: هذا تحريف لأنه صرف اللفظ عن ظاهره، بلا حجة صحيحة والدليل على خلافه. والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات. والتكييف: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله، أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا. والتمثيل: إثبات مماثل له والتشبيه: إثبات مشابه له. فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة، وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر. سبيله التنزيه والإثبات: أي القاعدة في هذا الباب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ . قال العلامة ابن عثيمين في القواعد المثلى: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية. وسلبية. فالثبوتية: ما أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك. فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، … والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب. فيجب نفيها عن الله تعالى … مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، … ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته. مثال آخر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله ا. هـ

стр. 44

من صفات الله الحسنى ٢١ - فَاللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى … وَوَجْهُهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ يُرَى الدليل قول الله تعالى في ستة مواضع من كتابه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فيجب أن نؤمن بأنه : ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. واستواؤه على العرش، علوه عليه بذاته، علوا خاصا، يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو. ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه، وهو على عرشه، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر أمورهم، يرزق الفقير ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ولا نقول كما تقول الحلولية، من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض. فمن قال ذلك، فهو كافر أو ضال لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص. ومن جميل ما قيل في ذلك قول بعض أهل العلم: عَلىَ عرْشِهِ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ اسْتَوىَ … كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ وَالمُصْطَفَى رَوَى وَذَاكَ اسْتِواءٌ لَائِقٌ بِجَلَالِهِ … وَأَبْرَأُ مِنْ قَوْلِي لَهُ العرْشُ قَدْ حَوَى فَمَنْ قَالَ مِثْلَ الفُلْكِ كَانَ اسْتِواَؤُهُ … عَلَى جَبَلِ الجودِي مِنْ شَاهِقٍ هَوَى وَمَنْ يَتَّبِعْ مَا قَدْ تَشاَبَهَ يَبْتَغِي … بِهِ فِتْنَةً أَوْ يَبْغِي تَأْوِيلَهُ غَوَى فَلَمْ أَقُلِ اسْتَوْلَى وَلَسْتُ مُكَلَّفًا … بِتَأْوِيِلِهِ كَلَّا وَلَمْ أَقُلِ احْتَوَى ومَنْ قَالَ لي كَيْفَ اسْتَوَى لَا أُجِيبُهُ … بِشَيء سِوَى أَنِّي أَقُولُ لَهُ اسْتَوَى

стр. 45

ووجهه في جنة الخلد يرى: فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ » ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وفي الصحيحين عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ البجلي ﵁ قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» ٢٢ - فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ يَنْزِلُ … تُعْطِي يَدَاهُ كَرَمًا مَنْ يَسْأَلُ دليله: ما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» وقال الإمام ابن أبي داود ﵀ في حائيته: وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ في كُلِّ لَيْلَةٍ … بِلا كَيْف جَلَّ الواحدُ المتَمَدِّحُ إلى طَبَقِ الدُّنيا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ … فَتُفْرَجُ أَبْوابُ السَّماءِ وتُفْتحُ يَقولُ: ألا مُسْتغفِرٌ يَلْقَ غَافِرًا … ومُسْتَمنِحٌ خَيْرًا ورِزقًا فأمْنَحُ رَوَى ذَاكَ قَومٌ لا يُرَدُّ حَدِيثَهم … ألا خَابَ قَوْمٌ كذَّبوهُم وقُبِّحُوا

стр. 46

فهذا وما أشبهه مما صح نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه. تعطي يداه كرما من يسأل: فيه التنبيه على إثبات صفة اليدين لله . ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ" ٢٣ - كَلامُهُ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِهِ … كَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ حَيَاتِهِ مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] ومعنى قولهم: " منه بدأ " أن الله تكلم به ابتداء، وفيه رد على أهل البدع القائلين بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: "وإليه يعود" فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه بمعنى أن أحدا لا يوصف بأنه تكلم به غير الله، لأنه هو المتكلم به، والكلام صفة للمتكلم. الثاني: أنه يرفع إلى الله تعالى كما جاء في سنن ابن ماجة عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « …

стр. 47

وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ … » الحديث وذلك إنما يقع - والله أعلم - حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن إعراضا كليا فيرفع عنهم تكريما له والله المستعان. كعلمه وسمعه حياته: وهذه من صفات الله تعالى نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته وأدلة ذلك كثيرة معلومة. ولما كان الأشعرية-وهي من فرق أهل البدع المخالفين لأهل السنة- لا يثبتون من الصفات إلا سبعاً زعموا أن العقل دل عيها ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت: حي عليم قدير والكلام له * إرادة وكذاك السمع والبصر فبين الناظم أنهم لما أقروا بإثبات هذه الصفات لزمهم إثبات صفة الكلام، فإنهم يثبتون لله كلاما نفسيا وينكرون أن يكون الله يتكلم حقيقة وزعموا أن إثبات ذلك يؤدي إلى التشبيه. وهذا باطل فإننا إذا اتفقنا وسائر المسلمين على أنه تعالى: حي عليم قدير، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين، فنقول: وكذلك الرحمة والمحبة والكلام وسائر الصفات المثبتة في الكتاب والسنة التي نثبتها لله - تعالى - ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق وهكذا. ٢٤ - وَكُلُّ وَصْفٍ جَاءَ فِي الْقُرْآَنِ … أَوْ صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ الْعَدْنَاني ٢٥ - نُثْبِتُ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ كَيْفِ … وَغَيْرِ تَعْطِيلٍ وَغَيْرِ زَيْفِ هذه قاعدة تقدم بيانها وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ الْعَدْنَاني: نِسبَةً إلى عدنان، فإنه ﷺ : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن

стр. 48

مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وقد أجمع المؤرخون على أن عدنان من ولد نبي الله إسماعيل ﵍ لكن الأسماء النَّسَبِيَّة من عدنان إلى إسماعيل ﵍ لم يتفقوا عليها. وقوله: بغير كيف … إلخ سبق بيانه.

стр. 49

باب الإسلام بَابُ الإِسْلامِ ٢٦ - مِنْ خَمْسَةٍ قَدْ بُنِيَ الإِسْلامُ … شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَالصِّيَامُ ٢٧ - وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ والصَّلاةُ … تَكَاسُلاً يَتْرُكَهَا الْعُصَاةُ الإسلام لغة: الانقياد والاستسلام والخضوع. وشرعا: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك ومعاداة أهله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وأركان الإسلام خمسة كما في حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) متفق عليه. شهادة التوحيد: "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" تكاسلا يتركها العصاة: أي من ترك الصلاة تكاسلا فهو عاص، وليس بكافر كفرا مخرجا من الملة بل هو كفر عملي فترك الصلاة يسمى كفرا كما جاءت به النصوص الشرعية لكنه كفر عملي لا يخرج صاحبه من دائرة الإسلام والكفر ينقسم إلى كفر عملي وكفر اعتقادي. والكفر العملي ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، ويخرج من الدين وإلى ما لا يضاده. فليس كلُّ كفرٍ عمليٍّ لا يخرج من ملَّة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملَّة الإسلام. فالذَّبحُ لغيرِ الله، والسُّجود لغير الله، كفرٌ عمليٌّ مُخرجٌ من الملَّة، وهكذا لو صلَّى لغير الله أو سجد لغيره سبحانه، فإنَّه يكفر كفراً عمليَّاً أكبر- والعياذ بالله - وهكذا إذا سبَّ الدِّين، أو سبَّ

стр. 50

الرَّسول، أو استهزأ بالله ورسوله، فإنَّ ذلك كفرٌ عمليٌّ أكبر عند جميع أهل السُّنَّة والجماعة. قال العلامة ابن باز ﵀: من أتى بالكفر قولاً أو عملاً أو اعتقاداً كفر، هذا هو المعروف عند أهل العلم في باب حكم المرتد، إلا المكره. فإذا سب الدين، أو سب الله، أو سب الرسول، أو ترك الصلاة، أو سجد لغير الله، أو دعا غير الله؛ فقد كفر، ولو قال: إني لا أستبيحها، متى فعلها كفر، فمن يدعو الأموات ويستغيث بالأموات ولو قال: لا أستحلها؛ فهو كافر، … وهكذا من سب الله وسب الرسول، أو استهزأ بالدين كفر، ولو قال: ما أستحلها فلا يصدق، بل حكمه حكم الكفر كما صرح العلماء بذلك، وليس في هذا نزاع بين أهل العلم ا. هـ ٢٨ - وَكُفْرهُ الرَّاجِحُ دُونَ الرِّدَّةِ … وَأَجْمَعُوا رِدَّتَهُ بِالْجَحْدَةِ تضمن الإشارة إلى أن من الكفر العملي ترك الصلاة. وهل كفره مخرج من الملة أم غير مخرج من الملة؟ رجح الناظم أن كفر تارك الصلاة لا يخرج من الملة. والتحقيق في هذا يتبين مما يلي: قال العلامة ابن قدامة ﵀ في المغني-: تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو: • إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، • أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، (١) فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ: • فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، - كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ-، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. • وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ … وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ

стр. 51

الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. (٢) وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا: قِيلَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ. (٣) وَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا: دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا، وَقِيلَ لَهُ: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ. ا. هـ وقد دلت الأدلة الشرعية على كفر تاركها كسلا وتهاونا ومن ذلك: حديث جَابِرِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رواه مسلم. وعن بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رواه الترمذي. والقول بتكفير تارك الصلاة هو مذهب عامة أصحاب النبي ﷺ كما قال التابعي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵀: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رواه الترمذي. وفي لفظ: مَا كَانُوا يَقُولُونَ لِعَمَلٍ تَرَكَهُ رَجُلٌ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ، فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُهَا كُفْرٌ رواه ابن أبي شيبة. وفي السنة لأبي بكر بن الخلال بسند صحيح عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُشْرِكَ فَيَكْفُرَ أَنْ يَدَعَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ» وقال شيخ الإسلام ﵀: "وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين" واختلف العلماء في حقيقة الترك الذي يكون معه التارك للصلاة كافرا:

стр. 52

• فقيل يكفر بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها متعمدا؛ • وقيل يكفر بترك صلاتين؛ • وقيل يكفر بترك ثلاث صلوات فصاعدا حتى تخرج أوقاتها. • وقيل إنما يكفر بتركها بالكلية وهو الصحيح ودليله: حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». فقوله: «وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ … » دليل على أنه إنما يكفر من لم يحافظ على الصلوات كلها وأما من ترك بعضها فإنه لا يكفر حيث أخبر النبي ﷺ أنه تحت المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. قال شيخ الإسلام ﵀: (مَنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى تَرْكِهَا لَا يُصَلِّي قَطُّ، وَيَمُوتُ عَلَى هَذَا الْإِصْرَارِ وَالتَّرْكِ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُصَلُّونَ تَارَةً، وَيَتْرُكُونَهَا تَارَةً، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا، وَهَؤُلَاءِ تَحْتَ الْوَعِيدِ، وَهُمْ الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمْ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ حَدِيثُ عُبَادَةَ … إلخ). ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: (والذي يظهر من الأدلَّة: أنَّه لا يكفر إلا بترك الصَّلاة دائماً؛ بمعنى أنَّه وطَّنَ نفسَه على ترك الصَّلاة؛ فلا يُصلِّي ظُهراً، ولا عَصراً، ولا مَغرباً، ولا عِشاء، ولا فَجراً، فهذا هو الذي يكفر. فإن كان يُصلِّي فرضاً أو فرضين فإنَّه لا يكفر؛ لأنَّ هذا لا يَصْدُقُ عليه أنه ترك الصَّلاة؛ وقد قال النبيُّ

стр. 53

- ﷺ : «بين الرَّجُلِ وبين الشِّركِ والكفرِ تَرْكُ الصَّلاة»، ولم يقل: «تَرَكَ صلاةً» … ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأنَّ ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فأصل هذا الرَّجُل المُعَيَّن أنَّه مسلمٌ؛ فلا نخرجه من الإسلام المتيقَّن إلا بدليل يخرجه إلى الكفر بيقين) ا. هـ

стр. 54

بَابُ الإِيمَانِ ٢٩ - وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي الإِيْمَانِ … قَوْلٌ وَأَعْمَالٌ عَلَى أَرْكَانِ أهل الحق: هم أهل السنة والجماعة المتبعون للسلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان فلا يدخل فيهم الخوارج ولا الأشاعرة ولا المرجئة ولا غيرهم من فرق أهل البدع. في الإيمان: يعني في تفسير الإيمان وبيان معناه والناظم نبه بهذا؛ إلى خطأ أهل البدع في الإيمان وتعريفهم إياه بتفسيرات مخالفة للكتاب والسنة ولما عليه أهل الحق والهدى وهم فرق شتى، ومنهم: "المرجئة" وهم على مذاهب: • فمنهم الذين يقولون: "الإيمان هو اعتقاد القلب فقط"، فمتى اعترف الإنسان بقلبه بالله فهو مؤمن سواءٌ عمل أم لم يعمل. • ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان" والعمل عندهم ليس من الإيمان. فاتفقوا على إخراج العمل من مسمى الإيمان وهذا ضلال مبين. لكن قول أهل الحق أن الإيمان: قول وأعمال على أركان: فالأمر المجمع عليه عند أهل السنةِ والجماعةِ: أنَّ الإيمانَ: قولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان (الجوارح)، واعتقادٌ بالجَنان (القلب)، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأهله يتفاضلون فيه ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]

стр. 55

أركان الإيمان ٣٠ - بِاللَّهِ وَالْمَلائِكِ الأَبْرَارِ … وَالْكُتْبِ وَالْرُّسْلِ وَبِالأَقْدَارِ ٣١ - وَالسَّادِسُ الإِيمَانُ بِالْقِيَامَهْ … فَاعْلَمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ الاسْتِقَامَهْ أركان الإيمان ستة ودليلها قول النبي ﷺ لما قال له جبريل ﵍: «أخبرني عن الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ ورواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁. فالإيمان بالله يتضمن: (١) الإيمان بوجوده … (٢) وبربوبيته (٣) وبألوهيته … (٤) وبأسمائه وصفاته قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فمن لم يؤمن بوجود الله، فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله لا بانفراده بالربوبية؛ فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية لا بالألوهية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته؛ فليس بمؤمن، وإن كان الأخير فيه من يسلب عنه الإيمان بالكلية وفيه من يسلب عنه كمال الإيمان ا. هـ والإيمان بالملائكة: أن نؤمن بأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور مكلفون بما كلفهم الله به من العبادات. وهم خاضعون لله أتم الخضوع؛ فلا يُدْعَونَ من دون الله سبحانه. بل هم كما قال الله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ

стр. 56

وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ويتضمن الإيمان بالملائكة: (١) الإيمان بوجودهم … (٢) الإيمان باسم من عُلِمَ اسمه كجبريل (٣) الإيمان بصفة من علم وصْفه كجبريل أيضًا (٤) والإيمان بأعمالهم ووظائفهم، مثل عمل جبريل ينزل بالوحي، ومالك خازن النار. والإيمان بالكتب: معناه: التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله ، وأن الله تكلم بها حقيقة، فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده، ويتضمن الإيمان بالكتب: (١) تصديق كونها من عند الله … (٢) تصديق ما أخبرت به (٣) التزام أحكامها إذا لم تنسخ (٤) الإيمان بأسماء ما علم منها كالتوراة وما لم يعلم منها فيؤمن به إجمالًا وقد سمى الله منها في القرآن: (القرآن)، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وذكر الباقي جملة. وكل الكتب منسوخة بالقرآن والقرآن يجب القيام بحقه ومن ذلك: حفظه وتلاوته والقيام به آناء الليل والنهار وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والوقوف عند

стр. 57

حدوده، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إلى ذلك على بصيرة. والإيمان بالرسل يتضمن: (١) الإيمان بأنهم صادقون في رسالتهم … (٢) تصديق ما أخبروا به (٣) الإيمان بأسماء من علمت أسماؤه منهم وما لم يعلم فيؤمن به إجمالًا (٤) التزام أحكام شرائعهم غير المنسوخة والشرائع السابقة كلها منسوخة بشريعة محمد ﷺ فيجب التصديق الجازم: • بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه، • وأن جميعهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، • وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا، ولم يغيروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، • وأنهم كلهم على الحق المبين، • وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم ﵍ خليلا، واتخذ محمدا ﷺ خليلا وكلم موسى ﵍ تكليما، ورفع إدريس ﵍ مكانا عليا، • وأن عيسى ﵍ عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الله فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات. والإيمان باليوم الآخر: معناه: التصديق الجازم بإتيانه لا محالة، والعمل بموجب ذلك

стр. 58

ويتضمن الإيمان باليوم الآخر: (١) الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة. (٢) الإيمان بالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور (٣) الإيمان بما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر: نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها (٤) الإيمان بالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ، (٥) الإيمان بالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم . والإيمان بالقدر: القدر: هو تقدير الله ، وذلك أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومعنى الإيمان بالقدر: (١) أن تؤمن بأن الله علم الأشياء جميعا قبل وقوعها وقبل كونها، (٢) وكتب مقاديرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، (٣) وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، (٤) وأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء من الخير والشر، فإنه واقع بقضاء الله وقدره خلقه الله وعلمه وشاءه وقدره.

стр. 59

مراتب الإيمان بالقدر ولذا فإن الإيمان بالقدر هو الإيمان بهذه المراتب الأربع: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم وأسرارهم وعلانيتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن، وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح والقلم. المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهما متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن؛ فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة وما لم يشأ الله تعالى لم يكن المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا فيما بينهما إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه.

стр. 60

شعب الإيمان ٣٢ - بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْخِصَالِ … أَعْظَمُهَا شَهَادَةُ الْجَلالِ البضع في اللغة: قال ابن منظور: والبَضْع والبِضْعُ، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلى الْعَشْرِ، … وَقِيلَ: الْبِضْعُ مِنَ الثَّلَاثِ إِلى التِّسْعِ، وَقِيلَ مِنْ أَربع إِلى تِسْعٍ … إلخ والإيمان له بضع وسبعون شعبة كلها من خصال الإيمان. لأن الإيمان إذا أُفرد ذكره في النصوص شمل الدين كله. والدليل حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) وفي رواية له: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ). قال الشيخ حافظ الحكمي في أعلام السنة المنشورة: عدها جماعة من شراح الحديث وصنفوا فيها التصانيف فأجادوا وأفادوا، ولكن ليس معرفة تعدادها شرطا في الإيمان بل يكفي الإيمان بها جملة، وهي لا تخرج عن الكتاب والسنة، فعلى العبد امتثال أوامرهما واجتناب زواجرهما وتصديق أخبارهما، وقد استكمل شعب الإيمان، والذي عددوه حق كله من (أمور الإيمان)، ولكن القطع بأنه هو مراد النبي ﷺ بهذا الحديث يحتاج إلى توقيف ا. هـ

стр. 61

زيادة الإيمان ونقصانه ٣٣ - يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ فِي الْقُلُوبِ … كَذَلِكُمْ يَنْقُصُ بِالذُّنُوبِ الإيمان يزيد وينقص فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأدلة ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وسبب زيادته: الطاعة وهي امتثال أمر الله واجتناب نهيه وسبب نقصه: معصية الله بالخروج عن طاعته. ٣٤ - وَيُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنَ النِّيرَانِ … مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيْمَانِ دليله ما جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدْ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ». وهذا الحديث دليل على: زيادة الإيمان ونقصانه وعلى تفاضل الناس في الإيمان. وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالمعصية ويقولون إن صاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار. والمعتقد الصحيح الواجب على كل مسلم اعتقاده هو: أن جميع الذنوب - سوى الإشراك بالله تعالى- لاتُخْرِج المسلم من دين الإسلام، إلا إن استحلها. وكل مادون الشرك من الذنوب لايخلد صاحبها في نار جهنم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فنصت الآية على أن صاحب الذنوب إلى مشيئة الله جل علا، إن شاء تعالى عفا عنه بمنه وكرمه، وإن شاء أدخله النار بقدر ذنوبه، ليطهره بها، ثم يخرجه منها بتوحيده فيدخل الجنة.

стр. 62

بَابُ الْخَوْفِ مِنَ الشِّرْكِ ٣٥ - وَالشِّرْكُ يَا بَنِيَّ لَيْسَ يُغْفَرُ … أَقْبَحُ ذَنْبٍ فِي الْوَرَى وَأَكْبَرُ ينبغي للمؤمن الموحد أن يجعل "الخوف من الشرك" نصب عينيه، فيحذره ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه. (١) وإن من دواعي "الخوف من الشرك" أنه أكبر الكبائر وأنه: " لَيْسَ يُغْفَرُ" للعبد إذا لقي الله عليه ولم يتب منه. لأنه: "أَقْبَحُ ذَنْبٍ فِي الْوَرَى" يعني الخلق، وأعظم ذنب عُصِيَ الله به، ولهذا رتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فأخبر أنه لا يغفر أن يشرك به وهذا محمول على من لم يتب من الشرك ولقي الله مشركا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ عِبَادِهِ. فأصحاب الكبائر تحت المشيئة، إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم. وهذا في حق من لم يتب من فعل الكبيرة ولقي الله عليها. وأما مع التوبة النصوح فإن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فهذه الآية في حق التائبين، والآية السابقة في حق من لقي الله مشركا لم يتب منه. قال الحافظ ابن كثير في تفسير "آية سورة الزمر": هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَعْوَةٌ لِجَمِيعِ الْعُصَاةِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ

стр. 63

تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ ا. هـ (٢) ومن دواعي الخوف من الشرك أيضا قول الناظم: ٣٦ - أَوُّلُّ مَا عَنْهُ الإِلَهُ قَدْ نَهَى … أَخْوَفُ مَا يَخَافُهُ أُولُو النُّهَى أَوُّلُّ مَا عَنْهُ الإِلَهُ قَدْ نَهَى: فأعظم أمْرٍ أمرَ الله تعالى به هو قبل كل شيء هو التوحيد وأعظم نَهيٍ نهى الله تعالى عنه أولا هو الشرك به. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ لما أرسله إلى أهل اليمن «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» رواه البخاري بهذا اللفظ، وفي رواية لمسلم «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ » ورواه البخاري ومسلم في رواية أخرى بلفظ: «فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» وهذا يدل على أن التوحيد وعبادة الله هو تفسير الشهادتين. (٣) ومن دواعي الخوف من الشرك أيضا أنه: أَخْوَفُ مَا يَخَافُهُ أُولُو النُّهَى: -أي أَصْحَاب الْعُقُول جَمْع نُهْيَة سُمِّيَ بِهِ الْعَقْل لِأَنَّهُ يَنْهَى صَاحِبه عَنْ ارْتِكَاب الْقَبَائِح-. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] قال الطبري: وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَبْعِدْنِي وَبَنِيَّ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ثم قال: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ يَقُصُّ، وَيَقُولُ فِي قَصَصِهِ:

стр. 64

"مَنْ يَأْمَنُ مِنَ الْبَلَاءِ بَعْدَ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، حِينَ يَقُولُ: رَبِّ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] " وقد اشتد خوف رسول الله، ﷺ ، على الصحابة من الشرك وهم أفضل هذه الأمة فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " رواه أحمد وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ ﷺ : الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ. رواه ابن ماجه قال العلامة ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد: والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين: الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه … الثاني: أن يكون الرياء طارئا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره. مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء؛ بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه؛ فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.

стр. 65

القسم الثاني: أن يسترسل معه؛ فكل عمل ينشأ عن الرياء، فهو باطل؛ كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى؛ فهذا كل عمله حابط … إلخ. (٤) ومن دواعي الخوف من الشرك أيضا قول الناظم: ٣٧ - وَمُوجِبٌ لِلْخُلْدِ فِي جَهَنَّمَا … وَمُحْبِطُ الأَعْمَالِ عَنْ بَابِ السَّمَا قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]

стр. 66

بَابُ تَعْرِيفِ الشِّرْكِ ٣٨ - وَالشِّرْكُ أَنْ تَدْعُوَ غَيْرَ الْلَّهِ … سُبْحَانَ مَنْ جَلَّ عَنِ الأَشْبَاهِ ٣٩ - أَوْ صَرْفُ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ عِبَادَهْ … لِغَيْرِهِ أَوْ كَانَ بِالإرَادَهْ الشرك: ضد التوحيد وهو نوعان: شرك أكبر ينافيه بالكلية، ويخرج صاحبه من الملة. وشرك أصغر ينافي كماله ولا يخرج به صاحبه من الملة لكنه أكبر من أكبر الكبائر. فالشرك الأكبر: هو اتخاذ العبد من دون الله ندا يسويه برب العالمين يحبه كحب الله ويخشاه كخشية الله ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه ويرجوه ويرغب إليه ويتوكل عليه، أو يطيعه في معصية الله، أو يتبعه على غير مرضاة الله، وغير ذلك. ومن الشرك الأكبر: أن يعتقد أن غير الله يخلق، أو يرزق، أو يحيي، أو يميت، أو يعلم الغيب، أو يتصرف في الكون، أو أن يصرف إنسان نوعاً من أنواع العبادة لغير الله كالركوع والسجود، والذبح، والنذر، والدعاء، إلى غير ذلك. والشرك الأصغر: مثل يسير الرياء الداخل في تحسين العمل المراد به الله تعالى، ومن ذلك الحلف بغير الله كالحلف بالآباء والأنداد والكعبة والأمانة وغيرها. قال الله تعالى عن أهل النار إذا دخلوها: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] قال ابن كثير: وَيَقُولُونَ وَقَدْ عَادُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: نَجْعَلُ أَمْرَكُمْ مُطَاعًا كَمَا يُطَاعُ أَمْرُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَبَدْنَاكُمْ مَعَ ربِ الْعَالَمِينَ ا. هـ

стр. 67

أو كان بالإرادة: أي النية. والمعنى أن من الشرك إرادة المرء بعمله غير الله. فالمرء إن كان الباعث على عمله ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإن كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة فصاحبه متعرض لمقت الله وعقابه، مثل من صلى يرائي، أو حج يرائي، أو تصدق يرائي. وفي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ نَوْعٌ مِنَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، … وَالنِّيَّةُ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ تَقَعُ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى: • تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، كَتَمْيِيزِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَثَلًا، وَتَمْيِيزِ صِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ صِيَامِ غَيْرِهِ، • أَوْ تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْعَادَاتِ، كَتَمْيِيزِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: بِمَعْنَى تَمْيِيزِ الْمَقْصُودِ بِالْعَمَلِ، وَهَلْ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمْ غَيْرُهُ، أَمِ اللَّهُ وَغَيْرُهُ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْعَارِفُونَ فِي كُتُبِهِمْ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَتَوَابِعِهِ، وَهِيَ الَّتِي تُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ … وَهِيَ النِّيَّةُ الَّتِي يَتَكَرَّرُ ذِكْرُهَا فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ تَارَةً بِلَفْظِ النِّيَّةِ، وَتَارَةً بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ، وَتَارَةً بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ لِذَلِكَ، … وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] … إلخ

стр. 68

ولأهمية القصد والنية تأمل قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] فشرط طمأنينة قلبه فلم يستثن الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، لأن الإكراه لا يكون على العقيدة بل على القول والفعل، فقد صرح بأن من قال المكفِّر أو فَعَلَه فقد كفر، إلا المكره بالشرط المذكور. لبسة الحلقة والخيط ونحوهما ٤٠ - أَوْ لُبْسُ حَلْقَةٍ وَخَيْطٍ لِلشِّفَا … أَوْ وَدْعَةٍ دَعَا عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. لأن كل من أثبت سببا لم يجعله الله سببا شرعيا ولا قدريا؛ فقد جعل نفسه شريكا مع الله. فمثلا: قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء. وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن، وهو قدري؛ لأنه يعلم بالتجارب. والحلقة: تكون من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف. ولبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه: قد يكون شركا أصغر وقد يكون شركا أكبر بحسب اعتقاد لابسها: • فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله؛ فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقا غيره. • وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرا بنفسه؛ فهو مشرك شركا أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببا؛ فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببا.

стр. 69

وقد روى الإمام أحمد بسند حسن عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ ﷺ : " إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً " فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: ﷺ (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) وقال عُقْبَة بن عَامِرٍ ﵁ فِي التَّمَائِمِ: إِنَّهَا أَيْنَمَا وُضِعَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ مَوْضِعَهَا شِرْكٌ. رواه ابن وهب في الجامع بسند صحيح وقوله: " فقد أشرك ": هذا الشرك يكون أكبر؛ إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا؛ فهو أصغر كما تقدم. وفي الصحيحين عَنْ أبي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ ﵁: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَسُولًا: (أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ) وعَنْ رَجُلٍ مِنْ صُدًا ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فَبَايَعْنَا، وَتَرَكَ مِنَّا رَجُلاً لَمْ يُبَايِعْهُ، فَقُلْنَا: بَايِعْهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: لَنْ أُبَايِعَهُ حَتَّى يَنْزِعَ الَّذِي عَلَيْهِ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ مِنَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ كَانَ مُشْرِكًا، مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَنَظَرْنَا، فَإِذَا فِي عَضُدِهِ سَيْرٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ لِحَا شَجَرَةٍ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ شَجَرَةٍ. رواه عبد الله بن وهب في الجامع بسند حسن ومن طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار أو ودعة: الودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين، ويزعمون أن الإنسان إذا علق هذه الودعة؛ لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن. دعا عليه المصطفى: دليله حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ) أخرجه أحمد وابن عبد الحكم في فتوح مصر وهو حديث حسن لغيره.

стр. 70

وقوله: " لا ودع الله له ": أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم. وقيل: لا ترك الله له خيرا؛ فعومل بنقيض قصده ومما انتشر اليوم: تعليق (المعضد أو الأسورة المغناطيسية) وهو: سوار من خيط أو نحاس يعتقد أصحابه أن في لبسه فائدة للجسد فيستخدمونه لتنظيم الدورة الدموية أو لعلاج الروماتيزم أو نحو ذلك من الأمور المتوهمة وهي لا تختلف في الحكم عما سبق كما أفتى بذلك جمع من كبار العلماء (١)، ومنهم: سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀: وقد سئل عن ذلك فقال ﵀: ( … مسألة المعضد: هل تلحق بالأسباب الجائزة كالإبر والحبوب، أو المكروهة كالكي ونحوه؟ أو تلحق بالأسباب المحرمة، كتعليق التمائم والحلقات والخيوط والودع، على الأولاد عن العين أو الجن أو بعض الأمراض؟ وكتعليق الأوتار على الدواب كما كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، وقد زجرهم النبي ﵌ عن ذلك وأخبر أنه من الشرك (٢)، مع أنهم يعتقدون أن الله سبحانه هو النافع الضار، وهو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يكشف الضر ويجلب

стр. 71

النفع، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] فهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه ﷺ أن يسأل المشركين عن هذه الأشياء وأخبر أنهم سيقولون أن فاعلها هو الله وحده ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ المعنى أفلا تتقون الله في ترك الشرك به، وأنتم تعلمون أنه سبحانه هو المتصرف في هذه الأمور والمدبر لها. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] … قال ﵀: … والأقرب إلحاقه بالأسباب الأخيرة المحرمة؛ لأنه من جنس الحلقات والتمائم والأوتار التي جاء فيها النهي؛ (١) وقال أيضا: في إجابة سائل عن خصائص الأسورة النحاسية التي حدثت أخيرا لمكافحة (الروماتيزم)، قال ﵀: أفيدكم أني درست موضوعها كثيرا، وعرضت ذلك على جماعة كثيرة من أساتذة الجامعة ومدرسيها، وتبادلنا جميعا وجهات النظر في حكمها، فاختلف الرأي: … والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة، وعدم استعمالها: • سدا لذريعة الشرك، • وحسما لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها،

стр. 72

• ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به، واعتمادا عليه • واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك … إلخ وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ وقد سئل عن حكم لبس السوار لعلاج الروماتيزم؟ فأجاب: اعلم أن الدواء سبب للشفاء، والمسبب هو الله تعالى فلا سبب إلا ما جعله الله تعالى سببا، والأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابا نوعان: النوع الأول: أسباب شرعية كالقرآن الكريم والدعاء كما قال النبي ﷺ في سورة الفاتحة: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، وكما كان النبي ﷺ يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله تعالى بدعائه من أراد شفاءه به النوع الثاني: أسباب حسية كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية وهذا النوع لا بد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صح أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله تعالى. أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه ولا إثبات كونه دواء؛ لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات، ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه؛ لأن ذلك ليس سببا شرعيا ولا حسيا، وما لم يثبت كونه سببا شرعيا ولا حسيا لم يجز أن يجعل سببا فإن جعله سببا نوع من منازعة الله تعالى في ملكه وإشراك به حيث شارك الله تعالى في وضع الأسباب لمسبباتها، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه) وما أظن السوار الذي أعطاه الصيدلي لصاحب الروماتيزم

стр. 73

الذي ذكر في السؤال إلا من هذا النوع، إذ ليس ذلك السوار سببا شرعيا ولا حسيا تعلم مباشرته لمرض الروماتيزم حتى يبرئه فلا ينبغي للمصاب أن يستعمل ذلك السوار حتى يعلم وجه كونه سببا، والله الموفق ا. هـ (١)

стр. 74

التبرك بالقبور ٤١ - وَمَنْ بِقَبْرِ صَالِحٍ تَبَرَّكَا … أَوْ طَافَ حَوْلَهُ يَكُنْ قَدْ أَشْرَكَا قال الشيخ الوزير صالح آل الشيخ ما ملخصه: "تبرك": تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، والتبرك: طلب البركة، والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا، هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، فالذي يبارك هو الله جل وعلا، فلا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت على الشيء، أو أبارك فعلكم؛ لأن البركة وكثرة الخير ولزومه، وثباته، إنما ذلك من الذي بيده الأمر، وهو الله . وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على أن الأشياء التي أحل الله - جل وعلا - البركة فيها قد تكون: • أمكنة أو أزمنة؛ • وقد تكون مخلوقات آدمية، فهذان قسمان: القسم الأول: أن الله - تعالى - بارك بعض الأماكن كبيت الله الحرام، فهو مبارك لا من جهة ذاته، يعني: ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة وإنما هو مبارك من جهة المعنى، يعني: اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في هذه البنية، من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد عندها، وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة، يعني أن من استلمه تعبدا مطيعا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنه يناله به بركة الاتباع. وقد قال عمر ﵁ لما قبّل الحجر: " إني

стр. 75

لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر " فقوله: لا تنفع ولا تضر، يعني لا يجلب لمن قبله شيئا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء، تعبدا لله، ولذلك قال: " .. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة. وأما معنى كون الزمان مباركا - مثل شهر رمضان، أو بعض أيام الله الفاضلة- فيعني: أن من تعبد فيها، ورام الخير فيها، فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة. والقسم الثاني: البركة المنوطة ببني آدم، وهي: البركة التي جعلها الله - جل وعلا - في المؤمنين من الناس، وعلى رأسهم: سادة المؤمنين: من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله - جل وعلا - هو الذي جعل جسد آدم ﵈ مباركا وجعل جسد إبراهيم ﵈ مباركا، وجعل جسد نوح ﵈ مباركا، وهكذا جسد عيسى، وموسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام جعل أجسادهم جميعا مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو التبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز؛ لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد ﷺ جسده أيضا جسد مبارك؛ ولهذا ورد في السنة أن الصحابة كانوا يتبركون بعرقه، ويتبركون بشعره، وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه، إلى آخر ما ورد في ذلك؛ وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل، أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل مَنْ بركتهم بركة ذاتية، حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄ فقد جاء بالتواتر القطعي: أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر، وعمر،
следующие страницы →