← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11281

ضمانات حقوق المرأة الزوجية

محمد يعقوب الدهلوي

Полный текст (175 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ضمانات حقوق المرأة الزوجية تأليف: محمد يعقوب الدهلوي ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤.

стр. 2

كما يزداد المؤمن بصيرة ويقيناً، ويعلم الجاهل ما شرع الله للمؤمنات من ضمانات لحقوقهن، ويفحم المكابر بذلك، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.

стр. 3

خطة البحث: قسمت بحثي إلى مقدمة، ومدخل، وفصلين، وخاتمة. أما المقدمة: فقد اشتملت على بيان أهمية الموضوع، وخطة البحث، ومنهجه. المدخل: وفيه تعريف الضمانات لغة واصطلاحاً. الفصل الأول: الضمانات العامة لحقوق المرأة الزوجية، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: (الضمان الأول) أن حقوق المرأة الزوجية ثابتة بأحكام شرعية، توعد الله من اعتدى عليها أو قصّر في أدائها. المبحث الثاني: (الضمان الثاني) أن من الحقوق الزوجية ما لا يمكن التنازل عنه شرعاً. المبحث الثالث: (الضمان الثالث) أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية في حال الإكراه والغرر. المبحث الرابع: (الضمان الرابع) أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية مسبقاً. المبحث الخامس: (الضمان الخامس) أن الشريعة حرّمت الأنكحة التي فيها ضرر مادي أو معنوي للمرأة.

стр. 4

المبحث السادس: (الضمان السادس) أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائداً في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار والإيلاء. الفصل الثاني: الضمانات الخاصة لحقوق زوجية معينة. وفيه أحد عشر مبحثاً. المبحث الأول: (الضمان السابع) أن الشريعة منعت الولي من عضل موليته إذا أرادت أن تنكح. المبحث الثاني: (الضمان الثامن) أن الولاية تتحول من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد في حالة عضله أو غيابه. المبحث الثالث: (الضمان التاسع) أن الشريعة جعلت للمرأة الحق في أن تشترط من الحقوق المادية والمعنوية ما فيه مصلحتها. المبحث الرابع: (الضمان العاشر) لو زوجت المرأة بغير رضاها كان لها حق الفسخ. المبحث الخامس: (الضمان الحادي عشر) أن الشريعة الإسلامية ضمنت للمرأة مهرها بأوجه عِدَّة. المبحث السادس: (الضمان الثاني عشر) أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيد الرجل. المبحث السابع: (الضمان الثالث عشر) أن الشريعة جعلت أمر الطلاق بيدها بالاشتراط.

стр. 5

لقد كثر الحديث عن حقوق المرأة السياسية والاجتماعية والزوجية، وتشدق المتشدقون بالحديث عن الضمانات القانونية لحقوق المرأة الزوجية، في الأنظمة الوضعية، وتحامل أعداء الإسلام على التشريع الإلهي في صيانة حقوق المرأة، مدعين أن الإسلام هضم المرأة حقوقها المختلفة، بحجزها في بيتها، وحبسها في الحجاب، ومنعها من مواكبة التقدم بالسير مع الرجل جنبا إلى جنب، وجعل أمرها في يد الرجل؛ ليضطهدها، ويظلمها كيف يشاء، وتركت في المقابل العنان للرجل يتزوج من يشاء، ويترك من يشاء، إلى غير ذلك من التهم التي لا تخفى على ذي بصيرة تفاهتها، وزيفها، والمقاصد الدنيئة من ورائها، أو جهل المتشدقين بها، بل إنهم نقضوا شعاراتهم التي كانوا يرفعونها من قبل، والتي زعموا فيها عدم تعرضهم للحرية الفردية، وامتناعهم عن التدخل في الأمور الشخصية، نقضوا شعاراتهم تلك، في سبيل الحملة القذرة على الأخلاق الإسلامية، والأحكام الشرعية، فصاروا يكيلون الانتقادات للباس الإسلامي المحتشم، بل ويمنعون المرأة المحتشمة من دخول المراكز العلمية، لمجرد أنها محجبة محتشمة، وغضوا الطرف عن المترجلة العارية من بنات جنسهم، بحجة عدم المساس بالحريات الشخصية، والشئون الفردية، كما حاولوا بشتى الوسائل، مضايقة المسلمة العفيفة، في سبيل أن تصبح كاسية عارية،

стр. 6

ولأهوائهم ملبية، كما أرادوا ذلك لبنات جلدتهم ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل﴾ ١. ومن المؤسف أنه نهجَ نهجَهم بعضُ أبناء الإسلام الذين تأثروا بالثقافات الغربية، والتقاليد المتبعة لديهم، والتي جعلت من المرأة سلعة رخيصة تتداولها الأيدي الآثمة، والمقاصد المغرضة، والأهواء الدنيئة، فصاروا يرددون تلك الشعارات البراقة الزائفة، ظنا منهم أنهم بذلك يحسنون صنعا إلى النساء، بإخراجهن إلى جحيم الأهواء والشهوات، ونسوا أو تناسوا أنهن مصونات بأنوثتهن، وحيائهن في ظل أدب الإسلام وحشمته. وغض أولئك القومُ أبصارهم عما آل إليه أمر المرأة المسكينة في المجتمعات الأجنبية، من انحطاط في السلوك والمكانة، وبعد عن دورها الرائد في تربية الأجيال، وتنشئة القادة والعلماء، وتقاعسٍ عن وظيفتها الأساسية، فأساءوا إليها، وامتهنوا كرامتها، أولم يعلموا أن الله قد جعل للمرأة حقوقاً، وألزمها واجبات، وجعل للرجل حقوقاً، وألزمه واجبات، لتنتظم بذلك الحياة، وتستقر المجتمعات، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.

стр. 7

هذا وقد ضمنت الشريعة الإسلامية للمرأة حقوقها الزوجية – كغيرها من الحقوق – أيما ضمان، وشرعت لذلك من الأحكام التي تكفل للمرأة حصولها على حقوقها الطبيعية، مما يجعلها في مأمن من الضياع، والاضطهاد. كما حفظ لها كرامتها، وشخصيتها المستقلة، ومكانتها الإنسانية الرفيعة، وألزم الرجال - بتشريع تلك الأحكام - أن يؤدوا حقوقها. وحيث أن أعداء الإسلام حاولوا، ويحاولون على الدوام إلصاق التهم بالإسلام، بأنه هضم المرأة حقوقها، وأنهم هم الذين ضمنوا حقوقها بسن القوانين التي تحفظ لها تلك الحقوق، أحببت أن أبرز الأحكام الشرعية التي شرعها الله ضمانا لحقوق المرأة الزوجية، والتي توضح بجلاء الخطوات التشريعية التي أقرتها الشريعة الإسلامية لصيانة تلك الحقوق الهامة، والمؤثرة في حياة المرأة تأثيرا مباشراً، وحتى تعلم المرأة المسلمة، وغير المسلمة أن ما شرع الله تعالى من أحكام ضمانا لحقوقها، اشتملت على ما يحقق لها خير الدنيا والآخرة، وأنها بتلك الأحكام غنية عما يدعيه أولئك الذين يرفعون شعارات حقوق المرأة، دون أن يكون تحت تلك الشعارات سوى الخراب والدمار لها؛ لأن ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ١.

стр. 8

المبحث الثامن: (الضمان الرابع عشر) أن الشريعة جعلت للمرأة الخيار إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي من قبل الزوج. المبحث التاسع: (الضمان الخامس عشر) أن الشريعة أباحت للمرأة طلب الخلع إن لم تطق العيش مع زوجها. المبحث العاشر: (الضمان السادس عشر) أن الشريعة أمرت ببعث الحكمين للإصلاح بين الزوجين. المبحث الحادي عشر: (الضمان السابع عشر) أن الشريعة فرضت للمرأة الميراث ولو طُلقت طلاقاً بائناً إذا اتهم زوجها بقصد حرمانها من الميراث. الخاتمة: وتضمنت أهم نتائج البحث. الفهارس: ١ – فهرس الآيات. ٢ – فهرس الأحاديث. ٣ – فهرس الأعلام المترجم لهم. ٤ – فهرس القواعد الفقهية والأصولية.

стр. 9

منهج البحث: سرت بعون الله في بحثي هذا على النهج التالي: ١ – بدأت بالنظر في كل موضوع ومسألة، من غير تصور سابق للحكم، وشرعت في البحث عن الأحكام في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال السلف الصالح، ثم أقوال العلماء المعاصرين، فإن كانت المسألة خلافية، اخترت من هذه الأقوال، ما هو أقرب إلى الكتاب والسنة فرجحته؛ لقربه من الصواب في نظري. ٢ – بدأت بمدخل لكل موضوع لربطه بما قبله، ليسهل تصوره. ٣ – عرفت الموضوع لغة واصطلاحاً، بالرجوع إلى كتب اللغة للتعريف اللغوي، وكتب التعريفات للتعريف الاصطلاحي. ٤ – بدأت بذكر ما ورد في ذلك الموضوع من حكم شرعي؛ كالوجوب والندب والكراهة والحرمة، والإباحة، وبيان أهميته في نظر الشريعة، أو التحذير منه - إن كان -، ثم ذكر ما يتعلق منه بضمانات حقوق المرأة. ٥ – ركزت على المسائل الفقهية الواردة في الكتاب دون الخوض في النواحي التاريخية، أو الاجتماعية، لاختصاص الكتاب بالفقه. ٦ – اعتنيت بتفصيل المواضيع التي تتعلق بضمانات حقوق المرأة. ٧ – التزمت بالمذاهب الأربعة في معرفة الخلاف؛ لما لهذه المذاهب من أهمية لدى المسلمين، ولاستنادها على أصول ثابتة تمكن الباحث من

стр. 10

الوقوف على معرفة سبب الخلاف، والوصول إلى القول الراجح، ولسهولة الحصول على الأحكام في كتب هذه المذاهب، وقد أذكر قول الظاهرية وغيرهم. ٨ – رتبت الأقوال - في الغالب - ترتيباً زمنياً، بذكر المذهب الحنفي أولاً، ثم المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، إلا إذا كان الأول في الترتيب الزمني، يخالف قول الجمهور، فأؤخره أو أقدمه، حسب ظروف المسألة، دون التقيد بالترتيب الزمني. ٩ – رجعت في ذكر الأقوال في المذاهب إلى مصادرها المعتمدة في المذهب، ولم أكتف بنقلها من كتب الخلاف، إلا إذا أتت المسألة ضمنياً – وذكرتها في الهامش – فإنني أكتفي بنقل المسألة من كتب الخلاف، كالمغني، وبداية المجتهد، وغيرهما. ١٠ – حاولت أن أجد لكل مسألة أو قول دليلاً من الكتاب والسنة والإجماع، إن وجد، وإلا اكتفيت بذكر قاعدة أصولية يستند عليها ذلك القول أو المسألة. ١١ – حاولت أن أصل إلى الراجح من الأقوال المختلفة، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، إلا إذا كانت المسألة اجتهادية بحتة، ولا تستند في خلافها على أدلة، فإني أتركها على خلافها، لكون المجال فيها متسع.

стр. 11

١٢ – ذكرت أرقام الآيات وأسماء السور التي وردت فيها في موضع ورودها في البحث، فإن كان الاستدلال بكامل الآية قلت: الآية كذا، وإن كان بجزء من آية قلت: من الآية كذا. ١٣ – رجعت في تفسير الآيات التي احتجت إلى تفسيرها إلى أقوال للمفسرين، كالقرطبي وابن كثير والشوكاني وغيرهم، لأنهم أولى بفهم الآية. ١٤ – وكذلك فعلت بالنسبة لشرح الأحاديث بالرجوع إلى كتب الشروح، كفتح الباري، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرهما. ١٥ – خرجت الأحاديث الواردة في البحث، بعزوها إلى مظانها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بتخريجه منهما، أو من أحدهما، بذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث والكتاب والباب، ونقلت أحاديث البخاري من كتاب فتح الباري، دون الرجوع إلى المتن المجرّد. وإن كان في غيرهما، خرجته من مظانه، من كتب السنن والمسانيد والجوامع والمستدرك، وحاولت الوصول إلى الحكم على الحديث من حيث الصحة والحسن والضعف في كتب التخريج التي تعنى بهذا المجال. ١٦ – عزوت آثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إلى مظانها من كتب السنن والخلاف.

стр. 12

١٧ – شرحت الألفاظ الغريبة في الهامش. ١٨ – ترجمت لبعض الأعلام الواردة في الكتاب ممن لهم رأي في المسألة أو قول في تفسير آية، أو شرح حديث، دون التقيد بتراجم الرواة واللغويين والكتاب المعاصرين. ١٩_ ختمت البحث بذكر ملخص له، على هيئة مواد؛ ليسهل على القارئ غير المختص فهم الأحكام الواردة فيه، والاستفادة من مكنوناته، دون الحاجة إلى الغوص في أعماق الخلافات الفقهية. وأخيراً، أشكر الله الذي وفقني ولإكمال هذا البحث، ولولا فضله لما تمكنت، فما كان فيه من صواب، فهو محض توفيق من الله تعالى، وما كان فيه من خطأ فمني، وأستغفر الله من ذلك. اللهم ألهمني شكرك بالقول والعمل، وأسبغ عليّ عفوك ورضاك، وتجاوز عما وقعت فيه من خطأ وزلات، إنك أنت الغفور الرحيم. كما أشكر كل من أسدى إليّ معروفاً، وأعانني على إتمام هذا البحث، إما ببذل كتاب، أو نصح، أو إعانة على جمع المادة، أو النسخ، أو التعديل، أو الدعاء لي بالتوفيق، أسأله جلت قدرته أن يجزيهم عني خير الجزاء. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وعن

стр. 13

التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن أئمة الإسلام والمسلمين، الذين حملوا هذا العلم إلينا مصوناً محفوظاً، واغفر لنا ولوالدينا، وارحمهما كما ربياني صغيراً، وأدّباني كبيراً، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. وكتبه الراجي عفو ربه: محمد يعقوب محمد يوسف الدهلوي المدينة المنورة: ٢٥/١٢/١٤١٨هـ

стр. 14

المدخل في تعريف الضمانات في اللغة والاصطلاح أولاً: تعريف الضمانات في اللغة. ثانياً: تعريف الضمانات في الاصطلاح.

стр. 15

أولا: تعريف الضمانات في اللغة: الضمانات:١، جمع ضمان، والضمان: مأخوذ من ضمنت المال، ضمانا، وضمْنا: التزمت به، وأنا ضامن وضمين: كفيل، (وهو الجاعل الشيء في ضمانه) ٢، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: ضمَّنته المال: ألزمته إياه. ويأتي الضمان لمعان، منها: الالتزام، والاحتواء، والكفالة، والحفظ والرعاية، والصون. وجاء الضمان بمعنى الالتزام والكفالة في الحديث الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلا يَجِدُونَ سَعَةً

стр. 16

وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ" ١. كما جاء المعنى الآخر للضمان الذي هو: الحفظ والرعاية، والصون، في الحديث الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ" ٢. قال ابن الأثير ٣ في شرح هذا الحديث: "أراد بالضمان هاهنا الحفظ والرعاية، لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم"٤. وأقرب المعاني اللغوية إلى المعنى المراد في هذا البحث، هو: الحفظ، والرعاية، والصون؛ لأن القصد هنا، معرفة الأحكام التي أقرتها الشريعة

стр. 17

الإسلامية لحفظ وصون حقوق المرأة الزوجية، لا معرفة من يكفل تلك الحقوق. ثانيا: تعريف الضمانات في الاصطلاح: للضمان عند الفقهاء معنيان: المعنى الأول: وهو المشهور لدى الفقهاء، وهو المعنى الأخص للضمان١ بمعنى: الكفالة، وهي: ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة٢. وفي طِلبة الطَلبة، الكفالة: الضمان،، والتكفيل: التضمين. فالكفالة: ضم ذمة في التزام المطالبة بالدين٣. هذا والمعنى الذي قصده الزركشي عند الكلام على الضمان، هو: الالتزام، بمعناه العام، فذكر أسباب الضمان الأربعة: عقد، ويد، وإتلاف، وحيلولة٤. والمعنى الثاني: وهو الأعم في الدلالة، بمعنى الحفظ، والصون الموجب تركه للغرم، كقولنا: ضمان الرهن، وضمان البيع٥.

стр. 18

فضمان البيع: أن المبيع يبقى في ضمان البائع، حتى يسلمه للمشتري، أو يخلي بينه وبين المبيع، بحيث لو تلف فهو من ضمانه، أي: خسارته، وتلفه عليه. والضمانة: كل ما يضمن الحق من الضياع١. فضمانات الحقوق: هي الأمور التي تؤدي إلى: حفظ وصون الحقوق، وإيصالها إلى أصحابها على الوجه المطلوب. والمراد من ضمانات الحقوق في بحثنا هذا: الأحكام الشرعية التي شرعت لحفظ وصيانة حقوق المرأة الزوجية، وإيصالها إليها. وهي أحكام بمثابة أوامر شرعية مساندة، لتتمكن بها المرأة من الحصول على حقوقها الزوجية، وينتفي بها وقوع الظلم عليها.

стр. 19

الفصل الأول الضمانات العامة لحقوق المراة الزوجية أقرت الشريعة الإسلامية أحكاما، هي ضمانات لحقوق المرأة الزوجية، وتعد هذه الضمانات أحكاما مُلزمة من قِبل الشارع، وبمثابة حدود، يحرم تجاوزها، وذلك للمحافظة على حقوق المرأة الزوجية، ولدفع الظلم عنها إذا وقع، أو وُجد احتمال وقوعه، أو كان ثمة احتمال للتهاون في أدائها، سواء كان ذلك من أجنبي، أو من قِبل الزوج، أو من ولي أمرها، أو من قِبلها هي. وقد أكدت الشريعة تلك الحدود بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وسأذكر - بعون الله تعالى - في هذا الفصل الضمانات العامة التي وضعتها الشريعة لحقوق المرأة الزوجية عامة، دون النص على حقوق معينة، كثبوت الحقوق الزوجية للمرأة بأوامر شرعية، وعدم صحة التنازل عن بعضها، وعدم صحة التنازل عن الحقوق مع الإكراه والغرر، أو كونه قبل وجوبها، وإبطال عقود الأنكحة المشتملة على غرر للمرأة أو ضرر عليها، وإلغاء تصرفات الزوج المضرة مما كان سائداً في الجاهلية، وإعطائها

стр. 20

المجال في أن تشترط من الحقوق المادية والمعنوية فيما فيه مصلحتها، وبعث الحكمين للصلح بين الزوجين عند النزاع. وفيما يلي هذه الضمانات والأوجه الواردة تحت كل ضمان إن وجدت.

стр. 21

المبحث الأول: (الضمان الأول) : أن حقوق المرأة الزوجية ثابتة بأحكام شرعية، توعد الله من اعتدى عليها، أو قصر في أدائها. من أقوى ضمانات المرأة لحقوقها الزوجية، أنها تتصف بالصفة الشرعية، وأن أغلب تلك الحقوق ثبت وجوبها بأحكام شرعية منصوص عليها، وما يجب لها من الحقوق بالاشتراط، متسم كذلك بالصفة الشرعية، لوجوب الوفاء بالشروط المتفق عليها عند عقد النكاح، ما لم تخالف شرعا، أو تناقض مقتضى عقد النكاح، فكان أداؤها واجبا لوجوبها شرعا، في كلا الصنفين من الحقوق، ويثاب من يؤدي ما وجب عليه، كما يعاقب من فرط في أدائها. وتلك ميزة هامة لضمان الحقوق الزوجية للمرأة، لا يضاهيه أي ضمان في الأنظمة والقوانين الوضعية الأخرى، لأن من يجب عليه أداء الحقوق الزوجية للمرأة، إذا علم أن ذلك واجب عليه شرعا، وأن الله مطلع عليه في السر والعلن، وأنه سوف يجازيه بالحسنى على أدائها، كما يعاقبه على تقاعسه عن أدائها، وأن حقوق العباد، التي هي بمثابة ديون، لا تغفر للشهيد١ فضلا عن غيره، كان ذلك حافزاً قوياً ١ وللفقهاء فيه كلام.

стр. 22

له على أداء الحقوق الزوجية للمرأة، أما الأنظمة الوضعية الأخرى الموجبة للحقوق الزوجية للمرأة، فإنها لا تتسم بتلك القوة الدافعة للأداء، ولذا نجد أن ما توجبه الأنظمة من حقوق للمرأة، يتهرب عن أدائها من تجب عليه، عند حدوث نزاع أو خلاف في أدائها، أو حصول نزاع بين الزوجين، لعدم وجود مخافة الله في أدائها. هذا وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة توجب أداء الحقوق عامة، كما تأمر بأداء الحقوق الزوجية خاصة، وتعد بالثواب على أدائها، كما تتوعد بالعقاب من أخل بها. وفيما يلي ذكر لبعض الأدلة الواردة في الكتاب والسنة على وجوب أداء الحقوق الزوجية للمرأة: أولاً: أدلة وجوب أداء الحقوق الزوجية: فمن النصوص الدالة على وجوب أداء الحقوق عامة، والحقوق الزوجية خاصة، آيات منها: قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ٢.

стр. 23

وجُل الحقوق الزوجية ثبتت بصيغة الأمر١، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ٧. فنجد أن حقوق المرأة الزوجية مطالب بها بصيغة الأمر مما يفيد تأكيد أدائها. ومن الأحاديث الدالة على وجوب أداء الأمانات، - والحقوق الزوجية منها - والتحذير من الخيانة فيها:

стр. 24

ما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" ١. كما وردت أحاديث كثيرة أوجبت أداء الحقوق الزوجية منها: ما رواه مسلم من حديث جابر، قوله ﷺ : "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" ٢. ومنها ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، أنه ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيراً" ٣. ثانياً: أدلة تحريم منع الحقوق: وردت آيات تنص على النهي عن ظلم المرأة وهضم حقوقها، منها: قول الحق ﵎: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُن﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ٥، وقوله

стр. 25

تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣. ثالثاً: نصوص توجب ثواب أداء الحقوق وعقاب منعها: قرنت النصوص الشرعية الثواب بأداء الحقوق الزوجية، وتوعدت بالعقاب على هضمها. فأما النصوص الدالة على الثواب على أداء الحقوق الزوجية، فمنها: قول الحق ﵎ عند منعه العضل ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ٤. وما رواه مسلم، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً

стр. 26

وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا"١. وما رواه البخاري من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ ..." الحديث٢. وأما ما يتعلق بالوعيد بالعقاب على ظلم المرأة، فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣.

стр. 27

وقال في آية أخرى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ ١. وفي كل تلك النصوص تخويف وعظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. ومن الأحاديث الدالة على التحذير من ظلم المرأة: ما رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا"٣. ومن الأصول المؤكدة لوجوب الحقوق الزوجية، أن منها حقوقا مشتملة على حق الله وحق العبد كإيجاب المهر، ومنها ما هي حقوق خالصة للعبد، كحق النفقة.

стр. 28

فما كان من الحقوق مشتملة على حق الله، فواضح أنها تتصف بوجوب أدائها، لاشتمالها على حق الله تعالى، وما كان منها خالصاً للعبد، فهي كذلك مشتملة على حق الله؛"لأن ما هو للعبد إنما ثبت كونه حقا له بإثبات الشرع ذلك له"١، فوجب أداؤها شرعا لذلك.

стр. 29

الفصل الأول: الصمانات العامة لحقوق المرأة الزوجية المبحث الأول: (الضمان الأول) : أن حقوق المرأة الزوجية ثابتة بأحكام شرعية توعد الله من اعتدى عليها، أو قصر في أدائها . ... المبحث الأول: (الضمان الأول) : أن حقوق المرأة الزوجية ثابتة بأحكام شرعية، توعد الله من اعتدى عليها، أو قصر في أدائها. من أقوى ضمانات المرأة لحقوقها الزوجية، أنها تتصف بالصفة الشرعية، وأن أغلب تلك الحقوق ثبت وجوبها بأحكام شرعية منصوص عليها، وما يجب لها من الحقوق بالاشتراط، متسم كذلك بالصفة الشرعية، لوجوب الوفاء بالشروط المتفق عليها عند عقد النكاح، ما لم تخالف شرعا، أو تناقض مقتضى عقد النكاح، فكان أداؤها واجبا لوجوبها شرعا، في كلا الصنفين من الحقوق، ويثاب من يؤدي ما وجب عليه، كما يعاقب من فرط في أدائها. وتلك ميزة هامة لضمان الحقوق الزوجية للمرأة، لا يضاهيه أي ضمان في الأنظمة والقوانين الوضعية الأخرى، لأن من يجب عليه أداء الحقوق الزوجية للمرأة، إذا علم أن ذلك واجب عليه شرعا، وأن الله مطلع عليه في السر والعلن، وأنه سوف يجازيه بالحسنى على أدائها، كما يعاقبه على تقاعسه عن أدائها، وأن حقوق العباد، التي هي بمثابة ديون، لا تغفر للشهيد١ فضلا عن غيره، كان ذلك حافزاً قوياً

стр. 30

المبحث الثاني: (الضمان الثاني) : أن من الحقوق الزوجية، ما لا يمكن التنازل عنه شرعا الحقوق الزوجية التي أقرتها الشريعة الإسلامية للمرأة، منها ما هي حقوق مشتركة من حيث العقيدة، ومنها ما هي حقوق خالصة للعبد، وهذه الأخيرة منها ما هي للمرأة خالصة، ومنها ما تشترك فيه مع غيرها كالولي أو الولد. وبالنظر في الحقوق الزوجية التي أقرتها الشريعة الإسلامية على التقسيم السابق الذِكْر، نجد أنَّ منها ما يمكن التنازل عنه، ومنها ما لا يمكن التنازل عنه، لكونها تشتمل على أمور لابد من تحققها حفاظا على مصلحة المرأة المادية والمعنوية، خاصة، أو صيانة لحقوق الآخرين، الذين يتضررون بإسقاط تلك الحقوق - في نظر الشريعة الإسلامية - فمنعت لذلك التنازل عنها. هذا ويلاحظ أن من هذه الحقوق، حق المرأة في المهر، حيث لا يجوز إسقاطه أو نفيه ابتداء، لكونه متسما بصفة شرعية، لا يجوز التغاضي عنها، وليمنع بذلك وقوع الظلم عليها من قبل ولي أمرها، الذي ربما يتنازلَ عن مهرها، لمصلحته الشخصية، مما يؤدي إلى لحقوق الضرر بها، وأما إسقاطه بعد وجوبه وثبوته في ذمة الزوج، فللمرأة أن تتنازل عنه إن شاءت، من باب التفضل والإحسان.

стр. 31

كما أن من تلك الحقوق، حق الزوجة في انتساب الولد إلى أبيه، وما يتبع ذلك من مكثها في بيت الزوجية حال العدة، فإنه لا يجوز التنازل عنه، صيانة لنسل الرجل، وحفاظا على نسب الولد، المأمور به شرعاً، وحفاظاً عليها حتى لا تهتم وترمى بكون الولد من غير أبيه؛ إذ إن حفظ النسل من الأمور الخمسة الضرورية التي يجب ضبطها وصونها شرعاً. هذا ولم أذكر هنا الأدلة على أحكام المسائل المذكورة، كما لم أذكر بقية الحقوق الأخرى، التي لا يمكن التنازل عنها، فهناك حقوق أخرى منعت الشريعة الإسلامية التنازل عنها لأسباب متعددة مذكورة في مظانها١، وإنما أردت هنا التمثيل فقط للحقوق التي لا يمكن التنازل عنها لمانع شرعي، دون الدخول في التفاصيل.

стр. 32

المبحث الثالث: (الضمان الثالث) : أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية إذا كان مشتملا على الإكراه أو الغرر هناك حقوق زوجية للمرأة يمكن أن تتنازل عنها، إن شاءت ذلك، فلها أن تتنازل - مثلا - عن حقها في القسم، أو حقها في النفقة، إذا تحقق فيه شروط التنازل، إلا أن تصرفها ذلك لا يكون معتبرا إلا إذا خلا من الإكراه والغرر،؛ لأن تنازلها حينئذ يكون صادرا من غير رضاها حقيقة، فلا يصح. وسأذكر فيما يلي - بعون الله تعالى - ما ذكره الفقهاء عن أثر الإكراه والغرر في التصرفات القولية والفعلية، ليتضح بذلك أثر الإكراه والغرر في التنازل عموماً، وأثرهما في تنازل المرأة عن حقوقها خصوصاً. أولا: أثر الإكراه١ في التنازل: اتفق الفقهاء٢ على أن الإكراه الملجئ والذي تتحقق

стр. 33

فيه شروطه١، يبطل التصرف القولي والفعلي الذي يقع عليه الإكراه، من حيث الجملة، وأنه لا يلزم المكرَه ما صدر منه بالإكراه، من إقرار أو إسقاط، وإن كانوا اختلفوا بعد ذلك في الصور التي يكون للإكراه فيها تأثير من غيرها، وذلك بحسب ما يرد عليه الإكراه. ومستند اتفاق العلماء على عدم صحة تصرف المكرَه، ما رواه ابن ماجه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"٢. وبناء عليه إذا أكرهت المرأة على التنازل عن حق من حقوقها الزوجية، لم يصح تصرفها، واعتبر تنازلها عن الحق المتنازَل عنه باطلا، ويستمر ثبوت حقها فيما تنازلت عنه، كما لو لم تتنازل. وذلك لأن إقرارها بالتنازل وإسقاط حقها، لم يكن بإرادتها المعتبرة في الإسقاط، لخلوها عن الرضا، فلم ينفذ. يقول ابن القيم ﵀:"من أقر أو حلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه، ولكن مُنع حقه إلا بذلك، فهو بالمكرَه أشبه منه بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود"٣.

стр. 34

ثانيا: حكم التغرير١ وأثره في التنازل: حكم التغرير: التغرير في المعاملات والتصرفات والعقود محرم، وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر. فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ "٢. قال النووي ﵀: "وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع...٣. ولأن الحصول على تنازل عن الحق بالتغرير من أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه. وقد قال تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ ٤.

стр. 35

قال القرطبي ﵀:"الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي، وحلوان الكاهن..."١ أثر التغرير في التنازل: يختلف أثر التغرير في تصرف المغرور، بحسب ما غُرر فيه، وحيث إن موضوعنا هو أثر التغرير في التنازل، والتنازل لا يخلو من كونه عقدا بالتبرع، أو تصرفا محضا به، وعلى كل فهو تبرع بالحق، فمن غُرر به حتى تنازل عن حقه، لم يكن لتنازله أثر، لأن الذي غرر صاحبَ الحق حتى تنازل عنه، لم يأخذ بوجه الشرع، وإنما أكله بالباطل، فاندرج تحت النهي الوارد في الآية المذكورة.٢

стр. 36

المبحث الرابع: (الضمان الرابع) : أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية مسبقا قد ترى المرأة أن تتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، فتسارع إلى التنازل عنها قبل وجوبها، أو حتى قبل وجود سببها، وحيث أن هذا التصرف منها بإسقاط حق من حقوقها، قد لا يكون مبنيا على تأن وترو وبصيرة، فيؤدي إلى لحوق الضرر بمصالحها مستقبلا، ولذا أبطلت الشريعة ذلك التصرف ضماناً لحقوقها. هذا وتنازل المرأة عن حقوقها مسبقاً له صورتان: الصورة الأولى: أن تتنازل المرأة عن حق من حقوقها قبل وجود سببه، كأن تتنازل عن نفقتها أو حقها في المبيت قبل عقد النكاح، فإن هذه الصورة اتفق العلماء١ على عدم صحتها، وأنه لا اعتبار لإبرائها ذلك، ولها أن ترجع عن تنازلها متى شاءت، لعدم صحة وقوعه إذ لم يصادف تنازلها محله.

стр. 37

وقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة، ثم رجعت وقالت: لا أرضى إلا ليلة وليلة، فقال: لها أن تتنازل بطيب نفس منها، فإن ذلك جائز، وإن قالت: لا أرضى إلا بالمقاسمة، كان ذلك حقا لها، تطالبه إن شاءت، ونقل عنه الأثرم١ في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام: يجوز الشرط، فإن شاءت رجعت٢؛ وعدم صحة تصرفها يندرج تحت قاعدة"أن ما لم يوجد سبب الاستحقاق فيه، ساقط أصلا بالكلية، فلا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلا".٣ الصورة الثانية: أن تتنازل عن حق من حقوقها بعد وجود سببه وقبل وجوبه، كما لو أبرأت الزوجة زوجها -بعد العقد- من نفقة المستقبل، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

стр. 38

القول الأول: أن الإبراء غير صحيح، ولا اعتبار له، لأن وجوب الحق شرط في الإبراء، فلا يصح بدونه وإن انعقد السبب. وهو قول الجمهور (الحنفية، وقول للمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة) ١. القول الثاني: إن الإبراء يقع صحيحا، فلو أبرأته عما وجد سببه ولم يجب صح الإبراء، ولزمها ذلك. وهو القول الراجح عند المالكية.٢ والراجح: الذي يعضده المنقول والمعقول هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم صحة إسقاط الحق قبل وجوبه. لأن الحق الذي لم يجب لم يملك ولم يستحق أصلا، فالتصرف فيه بالإبراء والإسقاط تصرف فيما لا يملك كما هو تصرف في المعدوم، فلم يصح. ولأن من موانع إسقاط الحق أن يتم قبل وجوبه ولو بعد وجود سببه.

стр. 39

وقياسا على بيع ما لم يخلق المنهي عنه، فعن عبد الله بن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع آجل بعاجل" ١. والمجر ما في الأرحام. وبناء عليه، لو أبرأت الزوجة زوجها من حق يثبت لها في زمن المستقبل لم يقع الإبراء صحيحا، فلو أرادت بعدُ، أن ترجع في المطالبة به كان لها ذلك، وليس للزوج أن يمتنع عن أدائه بحجة إبرائها له، لعدم صحة تصرفها فيما سبق٢.

стр. 40

المبحث الخامس: (الضمان الخامس) : أن الشريعة حرمت الأنكحة التي فيها ضرر مادي أو معنوي للمرأة . من الأمور المعلومة بالضرورة أن ميل الذكر والأنثى بعضهما إلى بعض ميل طبيعي وفطري، فيرغب كل من الجنسين في الاتصال بالآخر، وقد لا يتقيد هذا الميل والاتصال برعاية المصالح أو درء المفاسد المترتبة عليه، مما قد يؤدي إلى لحوق الضرر بهما، أو بأحدهما، ويكون للأنثى - في الغالب - النصيب الأكبر من هذا الضرر، وهو ما يعلمه الجميع، ويعتبر به أولو النهى، وحسب المرء ما يسمعه من أخبار وحوادث مؤسفة، ومؤلمة بسبب العلاقات غير الشرعية، والمشبوهة التي تقوم بين الرجال والنساء، في المجتمعات التي تنادي بالاختلاط والاندماج بين الذكور والإناث، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١. ولمعالجة هذه العلاقة الطبيعية بين الذكر والأنثى، وتنظيمها لتكون صالحة في تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النسل والعرض، وعمارة الكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، شرع الله عقد النكاح؛ ليكون رابطة شرعية تنشئ العلاقة السليمة بين الذكر والأنثى،
следующие страницы →