المبحث الرابع: (الضمان الرابع) : أن الشريعة أبطلت التنازل عن الحقوق الزوجية مسبقا
قد ترى المرأة أن تتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، فتسارع إلى التنازل عنها قبل وجوبها، أو حتى قبل وجود سببها، وحيث أن هذا التصرف منها بإسقاط حق من حقوقها، قد لا يكون مبنيا على تأن وترو وبصيرة، فيؤدي إلى لحوق الضرر بمصالحها مستقبلا، ولذا أبطلت الشريعة ذلك التصرف ضماناً لحقوقها.
هذا وتنازل المرأة عن حقوقها مسبقاً له صورتان:
الصورة الأولى:
أن تتنازل المرأة عن حق من حقوقها قبل وجود سببه، كأن تتنازل عن نفقتها أو حقها في المبيت قبل عقد النكاح، فإن هذه الصورة اتفق العلماء١ على عدم صحتها، وأنه لا اعتبار لإبرائها ذلك، ولها أن ترجع عن تنازلها متى شاءت، لعدم صحة وقوعه إذ لم يصادف تنازلها محله.
стр. 37
وقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة، ثم رجعت وقالت: لا أرضى إلا ليلة وليلة، فقال: لها أن تتنازل بطيب نفس منها، فإن ذلك جائز، وإن قالت: لا أرضى إلا بالمقاسمة، كان ذلك حقا لها، تطالبه إن شاءت، ونقل عنه الأثرم١ في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام: يجوز الشرط، فإن شاءت رجعت٢؛ وعدم صحة تصرفها يندرج تحت قاعدة"أن ما لم يوجد سبب الاستحقاق فيه، ساقط أصلا بالكلية، فلا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلا".٣
الصورة الثانية:
أن تتنازل عن حق من حقوقها بعد وجود سببه وقبل وجوبه، كما لو أبرأت الزوجة زوجها -بعد العقد- من نفقة المستقبل، فقد اختلف
الفقهاء في ذلك على قولين:
стр. 38
القول الأول: أن الإبراء غير صحيح، ولا اعتبار له، لأن وجوب الحق شرط في الإبراء، فلا يصح بدونه وإن انعقد السبب.
وهو قول الجمهور (الحنفية، وقول للمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة) ١.
القول الثاني: إن الإبراء يقع صحيحا، فلو أبرأته عما وجد سببه ولم يجب صح الإبراء، ولزمها ذلك.
وهو القول الراجح عند المالكية.٢
والراجح: الذي يعضده المنقول والمعقول هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم صحة إسقاط الحق قبل وجوبه.
لأن الحق الذي لم يجب لم يملك ولم يستحق أصلا، فالتصرف فيه بالإبراء والإسقاط تصرف فيما لا يملك كما هو تصرف في المعدوم، فلم يصح.
ولأن من موانع إسقاط الحق أن يتم قبل وجوبه ولو بعد وجود سببه.
стр. 39
وقياسا على بيع ما لم يخلق المنهي عنه، فعن عبد الله بن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع آجل بعاجل" ١. والمجر ما في الأرحام.
وبناء عليه، لو أبرأت الزوجة زوجها من حق يثبت لها في زمن المستقبل لم يقع الإبراء صحيحا، فلو أرادت بعدُ، أن ترجع في المطالبة به كان لها ذلك، وليس للزوج أن يمتنع عن أدائه بحجة إبرائها له، لعدم صحة تصرفها فيما سبق٢.
стр. 40
المبحث الخامس: (الضمان الخامس) : أن الشريعة حرمت الأنكحة التي فيها ضرر مادي أو معنوي للمرأة .
من الأمور المعلومة بالضرورة أن ميل الذكر والأنثى بعضهما إلى بعض ميل طبيعي وفطري، فيرغب كل من الجنسين في الاتصال بالآخر، وقد لا يتقيد هذا الميل والاتصال برعاية المصالح أو درء المفاسد المترتبة عليه، مما قد يؤدي إلى لحوق الضرر بهما، أو بأحدهما، ويكون للأنثى - في الغالب - النصيب الأكبر من هذا الضرر، وهو ما يعلمه الجميع، ويعتبر به أولو النهى، وحسب المرء ما يسمعه من أخبار وحوادث مؤسفة، ومؤلمة بسبب العلاقات غير الشرعية، والمشبوهة التي تقوم بين الرجال والنساء، في المجتمعات التي تنادي بالاختلاط والاندماج بين الذكور والإناث، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١.
ولمعالجة هذه العلاقة الطبيعية بين الذكر والأنثى، وتنظيمها لتكون صالحة في تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النسل والعرض، وعمارة الكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، شرع الله عقد النكاح؛ ليكون رابطة شرعية تنشئ العلاقة السليمة بين الذكر والأنثى،
стр. 41
على أساس تبادل المصالح الفردية والمشتركة بينهما، وليقضي كل منهما وطره الفطري مع الآخر بالمودة والمحبة، والسكينة والرحمة، والاحتفاظ بالشرف والعزة، على سبيل الدوام والاستقرار.
ولتحقيق المصلحة المرجوة من النكاح، حرمت الشريعة بعض صور النكاح التي كانت معروفة في الجاهلية، والتي كانت مشتملة على أمور تضر بالحياة الزوجية، وفيها منافاة لمقصد النكاح الصحيح، كنكاح المتعة، ونكاح الشغار، ونكاح التحليل، ونكاح الاستبضاع، ونحو ذلك من الأنكحة التي ما كانت تفي بالغرض الصحيح المقصود من النكاح، فجاء الإسلام وحرم تلك الأنكحة، ضماناً لحقوق المرأة المشروعة مع الإبقاء على اتصالها بالرجل بالطريقة الصحيحة السليمة عبر عقد النكاح الشرعي المعروف بشروطه المعتبرة.
فمن أهم ضمانات حقوق المرأة الزوجية في الشريعة، أنها منعت تلك الأنكحة الفاسدة المشتملة على الضرر للمرأة من الناحية المادية أو المعنوية، بل إننا نجد أن الشريعة الإسلامية تمنع وجود صفات، أو شروط في عقد النكاح، قد تلحق الضرر بحقوق المرأة عامة والزوجية خاصة، فإن اشتمل العقد على شروط باطلة، أو فاسدة تضر بالمرأة، كالتأقيت، أو نفي المهر، ونحو ذلك، كان العقد ممنوعاً.
وسأذكر - بعون الله تعالى - ضمن هذا الوجه من الضمان، بعض الأنكحة الباطلة، أو الفاسدة،، كنكاح المتعة، ونكاح الشغار، ونكاح
стр. 42
التحليل، لتكون نماذج للتمثيل، مع بيان تعريفها وحكمها، والإشارة إلى ما فيها من الضرر الذي يلحق بالمرأة، إذ إن في تحريمها ضمان لحقوقها.
فمن الأنكحة الممنوعة شرعاً:
١- نكاح المتعة:
تعريفه:
قال الجرجاني ﵀: هو أن يقول الرجل لامرأة: خذي هذه العشرة وأتمتع بك مدة معلومة، فقبلته١، فالحاصل لا بد من لفظ التمتع٢.
وفي القاموس الفقهي: نكاح المتعة عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: هو نكاح المرأة إلى أجل معلوم، أو مجهول٣.
وهو عند الجعفرية، أصحاب هذا النوع من النكاح: هو عقد الرجل الزواج على امرأة مدة معلومة بمهر معلوم.
والمدة، هي ما تراضيا عليه طالت هذه المدة أم قصرت كالسنة والشهر واليوم. وينتهي هذا العقد بانتهاء مدته، إذ لا يقع فيه طلاق٤.
стр. 43
حكمه:
اتفق الفقهاء من المسلمين من أهل السنة والجماعة على تحريم نكاح المتعة، وأنه نكاح باطل١.
قال ابن رشد ﵀: وأما نكاح المتعة: فإنه وإن تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بتحريمه، إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم ... وأكثر الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها٢.
ويدل على تحريم نكاح المتعة في آخر الأمر إلى يوم القيامة، ما رواه مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَقَالَ أَلا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ"٣.
قال النووي ﵀ مبيناً ومعقباً على الروايات الواردة في إباحة المتعة وتحريمها، ووقوع التكرار فيهما، قال: والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالاً قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم
стр. 44
أبيحت يوم فتح مكة، ... ثم حرمت بعد ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، واستمر التحريم...اهـ١.
حكمة تحريمه:
لا يخفى ما في هذا العقد من مضادة لقصد الشريعة من عقد النكاح، وضرر على المرأة، وضياع لحقوقها.
فلا يقصد بهذا النكاح الدوام في الحياة الزوجية، ولا العشرة بالمعروف المطلوب شرعا، ولا الولد المراد الأول من الزواج؛ ولا النفقة والسكنى الواجبة ديانة ومعاوضة، ولا التوارث بينهما، والذي يعد من مظاهر ديمومة عقد النكاح.
فالذين أباحوا نكاح المتعة، اشترطوا فيه التأقيت، بل أجازوا نكاح المرأة بالاتفاق على تحديد مرات الجماع، ودون الإشهاد، أو إعلان النكاح، أو التأكد من كونها متزوجة أم لا، ودون التقيد كذلك بعدد من النساء اللاتي يمكن نكاحهن نكاح متعة، في وقت واحد، ومن غير إيجاب للنفقة أو الميراث، ولا حاجةٍ إلى الطلاق للتفريق، بل يفترقان بمجرد انتهاء الأجل، كما صُرح بذلك في كتبهم٢.
стр. 45
فإذا انتفى كل ذلك وهو من الأمور المعتبرة، والمطلوبة شرعا بعقد النكاح، فما الذي بقي بعد ذلك للتفريق بين هذا النوع من النكاح والسفاح.
ومما يجب ملاحظته، أن المتعة التي أبيحت في أول الإسلام، كانت إباحتها لوقت من الزمن، ولظروف مرت بالأمة و"إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين ونهى عنها"١، وبتحريمه انتهى أمره، ووجب على الأمة اجتنابه.
٢- نكاح الشغار:
تعريفه:
الشغار: مأخوذ من شَغَر البلد، شُغورا من باب قعد: إذا خلا عن حافظ يمنعه.
وشغر الكلب شَغْراً: من باب نفع، رفع إحدى رجليه ليبول، وشغرت المرأة: رفعت رجلها للنكاح.
وشاغر الرجلُ الرجلَ شغاراً، من باب قاتل: زوَّج كل واحد صاحبه حريمته على أن بضع كل واحدة صداق الأخرى، ولا مهر سوى ذلك٢.
стр. 46
قال ابن الأثير ﵀: وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي: زوجني أختك، أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي، أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى، وقيل له الشغار لارتفاع المهر بينهما، ولأن كل واحد منهما يسفر، أي: يرفع الرِجل للوطء، من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول١.
وقد اتفق العلماء على هذا المعنى لنكاح الشغار٢.
قال ابن قدامة ﵀: "إنما سمي شغاراً لقبحه، تشبيها برفع الكلب رجله ليبول، في القبح"٣.
حكمه:
أجمع العلماء على تحريم نكاح الشغار، قال النووي ﵀: "وأجمع العلماء على أنه منهي عنه"٤.
стр. 47
ولكنهم اختلفوا بعد ذلك في حكم هذا النكاح إذا وقع، هل النهي الوارد يقتضي إبطال النكاح أم لا؟ اختلفوا في ذلك إلى قولين:
القول الأول: أن نكاح الشغار لا يصح، ويفسخ قبل الدخول وبعده.
وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة١.
وقد استدل الجمهور على بطلان نكاح الشغار، بأدلة منها:
١ - ما رواه البخاري عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ"٢.
٢ - وما رواه مسلم عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ "٣.
٣ - وما رواه مسلم أيضا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
"لا شِغَارَ فِي الإِسْلامِ"٤.
стр. 48
ووجه الاستدلال من الحديث: أن الحديث ورد فيه النهي عن الشغار، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فكان نكاح الشغار فاسداً١.
القول الثاني: يصح نكاح الشغار، ويفرض لكل منهما صداق المثل.
وهو قول الحنفية٢.
وقد علل الحنفية لتصحيح نكاح الشغار مع فرض صداق المثل، بما ذكره ابن عابدين ﵀: بأن"متعلق النهي مسمى الشغار المأخوذ في مفهومه خلوّه عن المهر، وكون البضع صداقاً، ونحن قائلون بنفي هذه الماهية وما يصدق عليها شرعاً، فلا نثبت النكاح كذلك بل نبطله، فيبقى نكاحا مسمى فيه ما لا يصلح مهرا فينعقد موجبا لمهر المثل كالمسمى فيه خمر أو خنزير، لأن ما هو متعلق النهي به لم نثبته، وما أثبتناه لم يتعلق به، بل اقتضت العمومات صحته..." اهـ٣.
وقد رد ابن قدامة ﵀ على هذا التعليل بأن المفسد في نكاح الشغار ليس عدم التسوية، بدليل نكاح المفوضة، فدل على أن المفسد هو الشرط، وقد وُجد، ولأنه سلف في عقد، فلم يصح٤.
стр. 49
وقريب من قول الحنفية ما حاء في تكملة المجموع: "فأما إذا قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك صح النكاحان، لأنه لم يحصل التشريك في البضع، وإنما حصل الفساد في الصداق، وهو أنه جعل الصداق أن يزوجه ابنته فبطل الصداق وصح النكاح"١.
حكمة تحريمه:
ولا يخفى ما في تحريم نكاح الشغار من حكمة؛ لأن المتلبس لنكاح الشغار إنما يقصد بهذا النكاح - في الغالب - التخفيف في المهر بتعويض الآخر ببضع موليته بدل مهر المثل، ويفعل الثاني مثل ذلك معه، فيلحق الضرر بالمرأتين، بهضم حقهما في مهر المثل، فكان في تحريم نكاح الشغار ضمان حق المرأة في مهرها.
وكذلك لأن الشغار يؤثر على سير الحياة الزوجية لكل منهما، تأثيرا سلبيا، لكون كل واحدة منهما قوبلت بالآخر في النكاح، فيلحق بإحداها الضرر إذا لحق ذلك الأخرى، وذلك معلوم لدى المطلعين على مثل هذا النكاح، والمفروض في الحياة الزوجية أن تكون مستقلة بنفسها بعيدة عن كل ما من شأنه أن يلحق بها الضرر، فكان هذا النوع من النكاح محرما، وفي ذلك ضمان لحقوق المرأة الزوجية.
стр. 50
٣- نكاح التحليل
تعريفه:
المقصود من نكاح التحليل: أن ينكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، وأن يتزوجها على أن يحللها للزوج الأول١.حكمه:
نكاح المحلل حرام، عند عامة أهل العلم٢، في الجملة، وله صور عدة.
وقد دل على تحريمه أدلة منها:
ما رواه الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" ٣.
стр. 51
قال الصنعاني ﵀ مبينا حكم نكاح التحليل، وصوره: "والحديث دليل على تحريم التحليل؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقد،، واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه عُلق بوصف يصح أن يكون علة الحكم.
وذكروا للتحليل صوراً منها:
- أن يقول له في العقد إذا أحللتها فلا نكاح وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت.
- ومنها: أن يقول في العقد إذا أحللتها طلقتها.
- ومنها أن يكون مضمراً عند العقد، بأن يتواطئا على التحليل، ولا يكون الدائم هو المقصود، وظاهر شمول اللعن فساد العقد لجميع الصور، وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض فلا يُشتغل بها"١.
وقد اختلف العلماء في فسخه إذا تم، على قولين:
القول الأول: أنه يفسخ وهو قول مالك٢، وأحمد٣ رحمهما الله.
وتعليلهم لذلك أن النهي يقتضي الفساد، فهو نكاح فاسد للعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له.
القول الثاني: هو نكاح صحيح، ولا يفسخ.
стр. 52
وهو قول أبو حنيفة١ والشافعي٢ رحمهما الله.
وتعليلهم لذلك، أن النكاح وُجد مكتملا لأركانه وشروطه، فصح، وأما النية فغير مؤثرة في النكاح.
وأما اللعن فالمقصود به التأثيم فقط.
الراجح:
والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنه يفسخ، وأنه نكاح باطل أصلاً؛ لكثرة الروايات الواردة عن الصحابة من التصريح بأن ذلك كان يعدّ في زمن النبي ﷺ سفاحاً.
فقد روى الطبراني في الأوسط، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلاً قال له: تزوجتها أحلُّها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم، قال: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها، فارقتها، قال: وإن كنّا نعدّه على عهد رسول الله ﷺ سفاحاً، وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه يريد أن يحلّها٣.
стр. 53
حكمة تحريمه:
إن حكمة تحريم نكاح المحلل لها وجهان، وكلا الوجهين فيه ضمان لحقوق المرأة:
فأما الوجه الأول: فهو أن تحريم نكاح المحلل يؤدي إلى التقليل من حالات وقوع الطلاق.
وذلك لأن الزوج إذا علم أنه لن يتمكن من إعادة زوجته إذا طلقها الطلقة الثالثة؛ لأنها لن تحل له بعد ذلك، حتى تنكح زوجا غيره، ويبني بها، ويذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته، ومع ذلك لن تعود إليه، إذا قصد ذلك المحلل، لكون نكاح التحليل حرام، وأن المحلل لن يحل له المرأة، لو قصد التحليل، أقول: لو علم ذلك كان أشد زجرا له، وأدعى لعدم تهوره في إيقاع الطلاق، وتريثه في الأمر قبل الإقدام على ما فيه ضرر لحياتهما الزوجية، وانفصام عراها، ولا يخفى ما في ذلك من ضمان للمرأة لحياتها الزوجية.
وقد دل على أن المرأة لن ترجع إلى الأول إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره على الصفة المذكورة، قول الحق تبارك تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ
стр. 54
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وما رواه البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لا َيأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلا مِثْلُ هُدْبَةٍ٢ فَقَالَ: "لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"٣.
وأما الوجه الثاني: فإن الشريعة بتحريم نكاح المحلل، حرصت على ضمان وصيانة شرف المرأة، والحفاظ على كرامتها؛ إذ لا يخفى ما في نكاح التحليل من تعريض المرأة للابتذال، وتشهير بسمعتها، وجعلها متقلبة بين الرجال، وينتفي كل ذلك إذا كان القصد من الزواج صحيحا سليما ولو طلقت بعد ذلك وعادت إلى الزوج الأول، لأنه لا حياء في الدين، ولا غضاضة في الامتثال لأوامر الشرع الحكيم.
стр. 55
قال الإمام ولي الله الدهلوي ﵀، مبينا حكمة تحريم نكاح التحليل: "أقول: لما كان من الناس من ينكح لمجرد التحليل من غير أن يقصد منها تعاونا في المعيشة، ولا يتم بذلك المصلحة المقصودة، وأيضا ففيه وقاحة وإهمال غيرة، وتسويغ ازدحام على الموطوءة، من غير أن يدخل في تضاعيف المعاونة، نهي عنه" اهـ١.
стр. 56
المبحث السادس: الضمان السادس) : أن الشريعة ألغت تصرفات الزوج الضارة بالمرأة مما كان سائداً في الجاهلية، وعاقبت عليها، كالظهار، والإيلاء .
تمهيد:
من ضمانات حقوق المرأة الزوجية أن الشريعة أبطلت التصرفات القولية للزوج والتي كانت معروفة في الجاهلية، لما اشتملت عليه من ضرر بمصالح المرأة، بجعلها معلقة، أو ممنوعة من حقوقها.
ومن تلك التصرفات الضارة، الظهار، والإيلاء، إذ كان الرجل في الجاهلية إذا غضب على زوجته ظاهر منها، أو حلف على ترك وطئها، فتبقى محرومة من أهم حق من حقوقها الزوجية، وكانوا يعتبرون ذلك طلاقا، فتحرم عليه تحريما مؤبدا، ومع ذلك لا يحق لها أن تتزوج بغيره،١ فعالجت الشريعة ذلك التصرف السيئ من الزوج بإلغائه، وفرض العقوبة المناسبة على المظاهر والمولي، مع الإبقاء على النكاح، فكان في ذلك ضمان لحقوق المرأة.
стр. 57
وسأذكر - بعون الله تعالى - فيما يلي ما يتعلق بضمان حقوق المرأة بمعالجة الشريعة لحالتي الظهار والإيلاء، وفرض الكفارة على المظاهر، والمولي خروجا له من تصرفه السيئ، وذلك في فرعين:
стр. 58
الفرع الأول: تعريف الظهار وحكمه:
أولا: الظهار لغة واصطلاحا:
الظهار لغة: الظهر من كل شيء خلاف البطن، والظهر من الإنسان، من لدن مؤخر الكاهل إلى أدنى العجز عند آخره، و (ظهر) الشيء (يظهر) (ظهورا) : برز بعد الخفاء.
و (ظاهر) من امرأته (ظهارا) ، مثل قاتل قتالا، و (تظهر) : إذا قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي.، وكان في الجاهلية طلاقا، قيل: إنما خص ذلك بذكر الظهر دون البطن والفرج؛ لأن الظهر من الدابة موضع الركوب، والمرأة مركوبة وقت الغشيان، فأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح راكب، فركوب الزوجة مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الأم الذي هو ممتنع، وهو استعارة لطيفة، فكأنه قال: ركوبك للنكاح حرام عليَّ، وقيل: إنهم أرادوا: أنت عليَّ كبطن أمي، أي: كجماعها، فكنوا بالظهر عن البطن للمجاورة. ١
واصطلاحا: هو: "تشبيه الزوجة، أو جزء منها شائع، أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه، من المحرمة على التأبيد، ولو برضاع، أو
стр. 59
صهرية.١ وأن صريحه بالإجماع: "أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي"٢.
ثانيا: حكم الظهار وما يجب فيه على المظاهر
١- حكم الظهار
الظهار محرم؛ لأنه منكر من القول وزور، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة: فأما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ٣.
وأما السنة فأحاديث منها:
ما رواه الترمذي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصَارِيِّ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلا قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي
وقد نزلت سورة المجادلة في خولة بنت حكيم؛ ففي مسند أحمد عن خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ وَاللَّهِ فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ ..." الحديث١. وهو قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٢.
٢- ما يجب فيه على المظاهر:
أ - من ظاهر من امرأته حرم عليه وطؤها إجماعا،٣ ووجب عليه إن أراد أن يرجع إليها، أن يكفر كفارة ظهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
стр. 62
وهي كفارة على الترتيب المذكور في الآية، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان١.
قال القرطبي ﵀: "ذكر الله الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان بمد النبي ﷺ .٢
فإن وطئ قبل أن يكفر كان عاصيا، وعليه الكفارة، في قول أكثر أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة ﵀.٣
ب - إن امتنع المظاهر عن الكفارة كان للزوجة مطالبته بها، والعود إلى الوطء، فإن امتنع عن التكفير كان لها أن ترفع الأمر إلى القاضي ليأمره بأداء الكفارة، فإن امتنع أجبره على أدائها، أو أن يطلق٤.
وفي ذلك رفع للضرر الواقع على المرأة بسبب الظهار ومعاقبة للمظاهر.
стр. 63
الفرع الثاني: تعريف الإيلاء وحكمه:
هذا هو النوع الثاني من أنواع التصرفات التي كانت تصدر من الزوج في الجاهلية، ويقصد به إيقاع الضرر بزوجته وإيذائها عند المساءة إظهارا لغضبه، فكان الرجل إذا غضب على زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين، أو أن لا يطأها أبدا، فتمضي زوجته تلك المدة دون أن يقربها زوجها، أو يطلقها حتى تتزوج من آخر، فتبقى معلقة، لا هي مستمتعة بحقوقها الزوجية، ولا هي مطلقة، فتتزوج بغيره، فرفع الإسلام الظلم الواقع عليها بفرض أحكام الإيلاء.
وسأذكر فيما يلي بعض تلك الأحكام المتعلقة برفع معاناة الزوجة في حالة الإيلاء، وذلك بعد
تعريف الإيلاء لغة واصطلاحا.
أولا: الإيلاء لغة واصطلاحا:
لغة: الإيلاء من (آلى) (إيلاء) ، مثل آتى إيتاء: إذا حلف، وهو رباعي، فالإيلاء: مطلق الحلف.١
واصطلاحا: اختلف الفقهاء في تعريف الإيلاء، وذلك بناء على اختلافهم في مدة الإيلاء.
فالإيلاء عند الحنفية: هو الحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر.٢
стр. 64
والإيلاء عند الجمهور: هو الحلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، أو بإطلاق.١
ثانيا: حكم الإيلاء وما يجب فيه على المولي:
حكم الإيلاء:
الإيلاء يمين على ترك واجب، ولذا كان حراما.٢
والأصل في الإيلاء هو قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وما رواه البخاري، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: " آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَجَلَسَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ".٤
стр. 65
هذا ويلاحظ أن العلماء يذكرون أن ما آلى به النبي ﷺ غير الإيلاء المعروف لدى الفقهاء؛ لأنه ﷺ إنما حلف أن لا يدخل بيت أزواجه، لا أنه لا يجامعهن١.
ما يجب فيه على المولي:
إذا حلف الرجل بالله ، أو بصفة من صفاته أن لن يطأ زوجته، فإن حاله لا يخلو من أن يكون قد حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر، أو يكون قد حلف أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، أو حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر٢ فها هنا ثلاث حالات:
стр. 66
فأما الأولى: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ زوجته أقل من أربعة أشهر، فإنه لن يكون موليا اتفاقا، وله أن يفي بيمينه، فلا يقرب زوجته تلك المدة، ولا شيء عليه في ذلك، أو أن يرجع في حلفه، فتجب عليه حينئذ كفارة يمين.
وذلك لما رُوي من حديث ابن عباس: "لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر"، ولابن أبي شيبة من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله
стр. 67
عنهما: "إذا آلى من امرأته شهراً أو شهرين أو ثلاثة - ما لم يبلغ الحد - فليس بإيلاء"١.
وأما الثانية: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ امرأته أبدا، أو أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، بقصد الإضرار بها، فإن الشريعة الإسلامية تتدخل في مثل ذلك برفع الضرر عنها، وذلك بإمهاله أربعة أشهر ليرجع عن حلفه، فإن رجع عن حلفه، ووطئ، كان حانثا في يمينه، إذ لم يف بما حلف عليه، وعليه في ذلك أن يكفر كفارة يمين.
وأما إن أصر على إيلائه، فإنه يؤمر بإزالة الضرر عن زوجته بالفيء، أي: بالرجوع عن الحلف، ووطء زوجته، فإن فاء، تحقق الحنث، ووجبت عليه كفارة يمين.
وإن لم يفيء فإنه يؤمر بطلاقها، فإن طلق، وإلا طلق القاضي عليه.
وأما الثالثة: وهي أن يكون قد حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، فقد اختلف الفقهاء في حكمه٢.
فيرى جمهور العلماء من (المالكية والشافعية والحنابلة) أن من حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، أنه لا يكون موليا، وأن مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر. ٣
стр. 68
ويرى الحنفية أن مدة الإيلاء أربعة أشهر فأكثر، وهي رواية عن الإمام أحمد.١
وسبب الخلاف بين الجمهور والحنفية، هو اختلافهم في (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، هل هو للترتيب الزمني، أو هو للترتيب الذكري؟ والجمهور على أنه للترتيب الزمني، والفرق بين القولين، أنه على رأي الحنفية تطلق المرأة بمضي أربعة أشهر من دون تطليقة، وعلى قول الجمهور إذا مضت أربعة أشهر أوقف، وأمر بالفيء فإن فاء، وإلا طلق عليه.
ويرجح ما ذهب إليه الجمهور ما رواه البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر"إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق"، وقال البخاري ﵀: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ .٣
وروى الدارقطني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل يولي من امرأته، قالوا: "ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق"٤.
стр. 69
الفصل الثاني: الضمانات الخاصة لحقوق زوجية معينة
المبحث الأول: (الضمان السابع) : أن الشريعة منعت الولي من عضل موليته إن أرادت أن تنكح
...
الفصل الثاني: الضمانات الخاصة لحقوق زوجتة خاصة
تمهيد:
ذكرت بحمد الله في الفصل السابق، الضمانات الشرعية المتعلقة بحقوق المرأة الزوجية العامة، ويتضمن هذا الفصل الأحكام التي هي بمثابة ضمانات تقدمها الشريعة الإسلامية للمرأة، والتي تتعلق بحقوق بعينها، كالضمانات المتعلقة بحق المرأة في الزواج، والرضا بمن تتزوجه، والضمانات المتعلقة بحقها في المهر، والميراث، وكذلك ضمانات أخرى متعلقة ببعض الحقوق المشتملة على مصالح ومنافع للمرأة، وحقوق أخرى فيها دفع للضرر عنها، فإن وجدت حصلت للمرأة منافعها، وإن انتفت لحق بالمرأة ضرر وأذى، والعكس بالعكس فيما فيه ضرر عليها، فأوجبت الشريعة الإسلامية ضمانات للمرأة صيانة لحقوقها تلك، ودفعا لما قد يشوب تحقيقها من شوائب.
والضمانات الشرعية في هذا الفصل كالضمانات في الفصل السابق، هي عبارة عن أحكام شرعية وضعت للتأكيد على حقوق المرأة الزوجية، وصيانة لها من الاعتداء، أو التهاون في أدائها.
والفرق بين الضمانات التي تذكر في هذا الفصل، والمذكورة في الفصل الأول، أن المذكورة في الفصل السابق ضمانات عامة تتعلق بمجمل الحقوق الزوجية، وأما المذكورة في هذا الفصل، فهي ضمانات خاصة بحقوق معينة، كالضمانات المتعلقة بحق المرأة في النكاح، والضمانات المتعلقة بإزالة الضرر عن المرأة وجعل الخيار لها، والضمانات المتعلقة
стр. 70
بالإصلاح بين الزوجين إبقاء للحياة الزوجة، وما يتعلق بضمان حقوقها المالية لميراثها من زوجها.
وقد ناسب ذكر هذه الضمانات الخاصة لحقوق بعينها، بعد ذكر الضمانات العامة في الفصل السابق.
وسأذكر ذلك - بعون الله تعالى - في المباحث الآتية، متابعا في ذلك تسلسلها الرقمي للضمان من الفصل السابق:
стр. 71
المبحث الأول: (الضمان السابع) : أن الشريعة منعت الولي من عضل موليته إن أرادت أن تنكح.
من حقوق المرأة الأساسية حقها في الزواج، وبما أن الولي هو الذي يقوم بإجراء عقد النكاح، فإنه يخشى منه أن يعتدي على حقها في ذلك بمنعها من الزواج، لأسباب شخصية، كطمعه في ميراثها، أو قصده تزويجها ممن ينال منه مصلحة شخصية، أو عنادا وضرارا، فضمنت الشريعة الإسلامية هذا الحق الأساسي للمرأة بمنع الولي من عضلها.
وسأذكر - بعون الله تعالى - فيما يلي تعريف العضل، وحكمه موضحا ضمان الشريعة لحق المرأة في الزواج.
تعريف العضل وحكمه
أولا: تعريف العضل:
والعضل: من عضَل الرجل حرمته، عضلا، من بابي قتل وضرب:
منعها التزويج١، وقال القرطبي ﵀: ﴿تعضلوهن﴾ ، معناه: تحبسوهن...، وعضل فلان أيِّمه، أي: منعها٢.
стр. 72
قال ابن قدامة ﵀: ومعنى العضل: منع المرأةِ من الزواج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه١.
ثانيا: حكم العضل:
عضل الولي موليته، حرام، وظلم للمرأة، لما يشتمل عليه العضل من إضرار بها، بمنعها من حقها في الزواج بمن ترضاه من الرجال الأكفاء؛ لأن العاضل بعضله بمثابة من كان عليه دين فامتنع من قضائه، ويفسق به٢.
وقد ثبت تحريم العضل، بقوله ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وسبب نزول الآية، أن معقل بن يسار منع أخته من الزواج من مطلقها أبي البداح، فنزلت الآية بمنعه من العضل.
стр. 73
روى البخاري، عَنِ الْحَسَنِ في قوله: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطِبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطِبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ"١.
ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نقلا عن ابن جرير ﵀ وغيره، قال: اتفق أهل التفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء. وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي في الرجل يطلق امرأته فتنقضي عدتها، فيبدو له أن يراجعها وتريد المرأة ذلك، فيمنعها وليها٢.
أقول: والآية وإن كانت قد نزلت في واقعة اشتملت على منع الولي من العضل في حالة رغبة المرأة في الرجوع إلى زوجها السابق بنكاح جديد، إلا أن عموم اللفظ دليل على منع العضل في الجملة.
стр. 74
وذكر ابن رشد١ ﵀، اتفاق العلماء على منع الولي من العضل، فقال: "واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء"٢.
ففي منع الولي من عضل موليته ضمان لحق المرأة في الحصول على أهم حق من حقوقها المتعلقة بالنكاح.
стр. 75
المبحث الثاني: (الضمان الثامن) : أن الولاية تتحول من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد
في حالة عضله أو غيابه
هذا الوجه من الضمان بمثابة تكملة للوجه السابق، أقرته الشريعة إمعانا في حفظ حق المرأة في الزواج، وتحاشيا لتخلفها عنه، لِما للوقت والسن من أهمية بالغة في نيلها حظَّها من النكاح؛ لأن تأخرها عن الوقت المناسب للزواج، وعدم تزويجها بالكفء المتقدم لها، قد يفوتها فرصة لا تعوض.
فمن أجل ذلك أقرت الشريعة، أن الولي إذا منع موليته من النكاح من كفء، أو غاب غيبة طويلة، سقطت ولايته، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، أو السلطان، على خلاف بين الفقهاء، كما سيأتي.
وسأذكر ذلك في فرعين:
الفرع الأول: انتقال ولاية التزويج بسبب العضل.
الفرع الثاني: انتقال ولاية التزويج بسبب الغيبة.