ال مقدمة
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فإن عقيدة التوحيد هي العقيدة التي بعث الله بها رسله، وأنزل بها كتبه من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، وقد كان كل رسول يدعو قومه إلى التوحيد الخالص بأقرب الطرق وأيسرها على أفهام الناس، بحيث كان القوم كلهم يفهمون ما يريده رسولهم منهم بكل وضوح ويسر. حتى جاء آخر الرسل ونبي الإنسانية كافة محمد ﷺ الذي أنزل الله عليه القرآن هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، وداعيا إلى عقيدة التوحيد متبعًا في ذلك منهجًا خاصًّا يناسب جميع الناس ومختلف الفئات.
وكان الصحابة ﵃ يفهمون هذه العقيدة من القرآن الكريم مباشرة، ومن النبي ﷺ دون أن ينهجوا طرق الجدل العقيم الذي سلكته طوائف من بعدهم ودون أن يعرفوا شيئا من فلسفة اليونان.
فلما كانت حركة الترجمة للكتب اليونانية وترجمت كتب الفلاسفة وأبحاثهم في الإلهيات تأثر كثير من المدافعين عن عقيدة الإسلام ضد الزنادقة بالفلاسفة ظانين أن طرقهم الجدلية طرق صحيحة ولا يكون الانتصار على الخصم إلا بسلوكهم هذه الطرق، مما أدى إلى تعقيد مسائل العقيدة وخروجها عن طابعها السهل الواضح الذي تلقاه الصحابة من القرآن والسنة.
стр. 2
وقد فكرت طويلًا في الموضوع الذي أختاره لنيل درجة الماجستير في العقيدة إلا أنني لما كانت طريقة القرآن في تقريره لعقيدة التوحيد ومحاربة الشرك قد بهرتني وأنا أطالع آيات الكتاب الكريم لبساطتها ووضوحها وملاءمتها للفطرة، ولم أجد فيها ذلك التعقيد الذي يشمئز منه الدارس لكتب الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين -لما كان الأمر كذلك- رأيت أن يكون عنوان الرسالة: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم.
هذا وبعد أن انتهيت مع جمع مادة البحث واتضحت لي أكثر مسائلة رأيت من المناسب أن يكون الموضوع مشتملًا على مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة فجاء على الصورة التالية:
الباب الأول:
العقيدة ومكانتها وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: تعريف العقيدة: وقد عرفت فيه العقيدة لغة وشرعًا.
الفصل الثاني: مصدر العقيدة الإسلامية: وقد بينت فيه أن العقيدة الإسلامية عقيدة توفيقية تعتمد على الكتاب والسنة.
الفصل الثالث: مميزات العقيدة الإسلامية: وقد بينت فيه ما تمتاز به العقيدة الإسلامية من مميزات على غيرها من العقائد.
الفصل الرابع: أثر العقيدة الإسلامية في سلوك الفرد والمجتمع وجاء الكلام فيه بخمس نقاط:
أ- سلطان العقيدة على النفوس.
ب- حالة العرب قبل الإسلام.
جـ- أثر العقيدة في سلوك الفرد.
د- أثر العقيدة في سلوك المجتمع.
هـ- أمثلة لآثار العقيدة.
الفصل الخامس: ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات: وفيه أربع نقاط:
стр. 3
أ- مذاهب التطوريين والدر عليها.
ب- أسباب القول بفكرة التطور.
جـ- خطأ التطوريين في منهاجهم الذي سلكوه وأسباب هذا الخطأ.
د- الرد الإجمالي على نظرية التطور.
الباب الثاني:
حقيقة التوحيد وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول:
وقد بينت فيه معنى كلمات الإله والرب والدين والعبادة.
الفصل الثاني:
أنواع التوحيد وفي أيها وقع النزاع بين الرسل وأممهم وفيه أربع مسائل:
أ- أقسام التوحيد.
ب- شبهة المنكرين لهذا التقسيم والرد عليها.
جـ- معاني أنواع التوحيد الثلاثة.
د- العلاقة بين أنواع التوحيد.
الفصل الثالث:
الضرورة إلى عقيدة التوحيد، وقد تكلمت فيه عن الحاجة إلى التوحيد في الدنيا والآخرة.
الباب الثالث:
المنهج القرآني في تقرير عقيدة التوحيد وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول:
تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة الكونية وفيه أربع نقاط:
أ- اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية.
ب- آية السماوات والأرض.
جـ- آية الشمس والقمر والليل والنهار.
د- آية الرياح والمطر والنبات.
الفصل الثاني:
تقرير القرآن للتوحيد بضرب الأمثال: والأمثال التي ذكرتها في هذا الفصل:
стр. 4
١- إما أن تكون مضروبة لله ولما يعبد من دونه.
٢- وإما أن تكون مضروبة لكلمة التوحيد وكلمة الشرك.
٣- وإما أن تكون مضروبة للحق والباطل.
٤- وإما أن تكون مضروبة لعجز آلهة المشركين.
٥- وإما أن تكون مضروبة لوصف حالة المشرك وحالة الموحد.
٦- وإما أن تكون مضروبة لقلب الموحد وقلب المشرك.
٧- وإما أن تكون مضروبة لحواس الموحد وحواس المشرك.
٨- وإما أن تكون مضروبة لبيان فساد أعمال المشركين.
الفصل الثالث: تقرير القرآن للتوحيد بالقصص القرآني وفيه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل:
هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈.
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولي العزم هم: هود وصالح وشعيب ويونس ويوسف وسليمان ﵈.
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين وهما قصة أصحاب الكهف وقصة أصحاب الأخدود مع الموحدين.
стр. 5
الفصل الرابع:
تقرير القرآن للتوحيد بالتذكير بنعم الله، والكلام فيه على سبع نعم هي:
١- نعمة الشمس والقمر والليل والنهار.
٢- نعمة الأرض والجبال.
٣- نعمة البحر.
٤- نعمة الرياح والمطر والنبات.
٥- نعمة الأنعام.
٦- نعمة السمع والبصر.
٧- نعمة الأمن.
الفصل الخامس:
تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة العقلية: والكلام فيه بمبحثين:
المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله وفيه خمسة أدلة:
١- دليل الخلق والملك.
٢- دليل عدم فساد الكون.
٣- دليل نفي الولد عن الله.
٤- دليل الرزق.
٥- دليل النوائب.
المبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام وفيه دليلان:
١- دليل النقص.
٢- دليل العجز.
الباب الرابع:
مميزات طريقة القرآن الكريم على طريقة المتكلمين والفلاسفة في تقرير عقيدة التوحيد.
والكلام فيه بثلاثة فصول.
стр. 6
الفصل الأول: ميزة طريقة المتكلمين.
الفصل الثاني: ميزة طريقة الفلاسفة.
الفصل الثالث: ميزة طريقة القرآن الكريم.
الخاتمة: وفيها خلاصة البحث.
وقد حاولت منذ بداية البحث أن أسير مع النصوص القرآنية حيث سارت دون محاولة للي أعناقها فكنت حريصا على أن أبقى في دائرة النص القرآني مستشهدا لما أقول بالآيات وأقوال المفسرين فيها، لذلك اعتمدت بالدرجة الأولى على أمهات كتب التفسير كالطبري وابن كثير والقرطبي والكشاف والبحر المحيط، كما أنني اعتمدت كثيرًا على كتب العقيدة لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرها من المراجع مما نجده موضحا في آخر البحث.
وأحب أن أشير إلى أنني لا اعلم أن أحدًا سبقني إلى الكتابة في هذا الموضوع على هذا المنهج المبوب وما تحت كل باب من الفصول.
كذلك أحب أن أنبه إلى أن المادة التي دونت تحت كل فصل منها ما هو منقول عن العلماء نصا وأشير في الحاشية إلى نفس المرجع الذي أخذت منه، ومنها ما أختصره وأشير إلى المواضع المحذوفة منه بوضع نقط وأذكر بعد نهايته "انتهى بتصرف أو باختصار"، وأذكر في الهامش اسم المرجع الذي نقلت منه، ومنها ما يكون معناه من غيري وأصوغه بلفظي وهذا أعبر عنه في الهامش بكلمة "انظر كذا"، ومنها ما يكون إنشاؤه مني وهذا يبقى بدون إشارة.
وأحب أن أشير إلى أنني لم أفهرس للآيات القرآنية لكثرتها واكتفيت بفهرس للمراجع والموضوعات.
على أنني لا أبرئ نفسي من النقص والعيوب والأخطاء فأن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان.
стр. 7
وفي الختام أحمد الله تعالى الذي أعانني على إتمام هذا المبحث وأقدم شكري لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان عضو هيئة كبار العلماء بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذي تكرم بالإشراف على هذا البحث. كما أقدم شكري لكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض حيث أتاحت لي فرصة تقديم هذا البحث لنيل درجة الماجستير، أسأل الله أن يجزي الجميع خير الجزاء وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
стр. 8
العقيدة ومكانتها
تمهيد الباب
...
تمهيد الباب
إن للعقيدة الصحيحة مكانتها العظمى في إصلاح حياة الناس ونشر الطمأنينة والإستقرار في جوانب النفس وفي ربوع الأرض.
ولما كانت العقيدة تتعرض دائمًا إلى هجوم مستمر من أعداء الله على مدى الأيام حتى أثرت هذه الهجمات على كثير من الشباب في مختلف أقطار العالم الإسلامي، فأضعفت العقيدة في نفوسهم -وبدا ذلك واضحا في انحراف الشباب إلى الاقتداء بالغرب والارتواء من عقائدهم الفاسدة- اشتمل هذا الباب على فصول خمسة:
أولها: عرفت فيه العقيدة لغة وشرعًا.
وثانيها: بينت فيه أن العقيدة الإسلامية توقيفية لاعتمادها على الكتاب الكريم والسنة النبوية.
وثالثها: وضحت فيه مميزات العقيدة الإسلامية على غيرها من العقائد.
ورابعها: بينت فيه أثر العقيدة الإسلامية في سلوك الفرد والمجتمع.
وخامسها: بينت فيه أن عقيدة التوحيد ثابتة لا متطورة.
وقد مهدت لكل فصل منها عند افتتاحه بمزيد من البيان لمحتوياته.
стр. 9
تعريف العقيدة
تعريف العقيدة لغة
تمهيد
...
الفصل الأول: تعريف العقيدة
تمهيد
اعتمدت في هذا الفصل على كتب اللغة وغيرها من الكتب العلمية لتعريف العقيدة لغة وشرعًا.
أ- تعريف العقيدة لغة
كلمة العقيدة في اللغة مأخوذة من العقد، وهو نقيض الحل، وهو يدل على الشدة والوثوق، ومنه: عقد الشيء يعقده عقدا وانعقد وتعقد، والمعاقد: هي مواضع العقد، والعقدة: القلادة، والعقد: الخيط ينظم فيه الخرز وجمعه عقود، ويقال: اعتقد الدر والخرز وغيره وغيره: إذا اتخذ منه عقدا، وعقدت الحبل اعقده عقدا وقد انعقد، ومعقد الحبل مثل مجلس، وهو موضع عقده يقال له: عقده، وجمعها عقد، لأنها تمسكه وتوثقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ ١: أي السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن فيها٢.
هذا هو أصل العقد: وهو أنه نقيض الحل، وهو وصل الشيء بغيره كما تعقد الحبل بالحبل، ثم استعمل في جميع أنواع العقود في المعاني والأجسام٣، فمن
стр. 10
استعمالاته في المعاني أن يقال: عقد العهد واليمين يعقدهما عقدا وعقدهما: أي أكدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم﴾ ١ وقرئ بالتشديد ومعناه التوكيد والتغليظ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ٢، ومنه قول الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا٣
فجعلوا العناج والكرب مثلين لتأكيد الوفاء بالعهد٤.
والمعاقدة: المعاهدة، وفي قراءة ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٥، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَان﴾ ٦، ويجوز أن تقرأ بالتخفيف.
ثم أطلق العقد على العهد وجمعه عقود، وهي أوكد العهود، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٧، فإذا قلت: عاقدت فلانا وعقدت عليه، فتأويله: عاهدته وألزمته ذلك باستيثاق.
كذلك استعمل العقد في البيع والنكاح وغيره فيقال: عقد البيع وعقد النكاح، وعقدته: أي إبرامه وإحكامه ووجوبه، ومنه: اعتقد الأمر: أي صدقه، واعتقد
стр. 11
الأخاء: ثبت، واعتقد كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: هي ما يدين الإنسان به١.
ومن استعمالاته في الأجسام كأن نقول: اعتقد الشيء: أي صلب، وعقد العسل: أي اشتد، وإذا أطبق الوادي على قوم فأهلهكهم يقال: عقد عليهم، وعقد الحبل أو الخيط: إذا شده.
إذن فلفظ العقد أصل وضعه: نقيض الحل، قال في تاج العروس عند لفظ عقد: "والذي صرح به أئمة الاشتقاق: أن أصل العقد نقيض الحل، ثم استعمل في جميع أنواع العقود في البيوعات وغيرها، ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم".
والمعتقد: مصدر ميمي بمعنى الاعتقاد: أي ما يعتقده الإنسان.
بناء على ما تقدم في كلمة عقد واشتقاقها، يتبين لنا أن كلمة العقيدة لغة: فعيلة، من عقد بمعنى معقودة "أي بمعنى اسم المفعول" فهي تطلق لغة على الأمر الذي يعتقده الإنسان ويعقد عليه قلبه وضميره، بحيث يصير عنده حكمًا لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، فاعتقد كذا بقلبه: أي صار له عقيدة؛ لأنه لما كان العقد لغة: هو الجمع بين أطراف الشيء، فكأن المعتقد قد جمع أطراف قلبه وعقد ضميره على معتقده فأحكم وثاقه بالأدلة القاطعة لديه والبراهين التي قامت على معتقده حتى يكون لانعقاد القلب عليه أثر ظاهر من الإذعان والخضوع له، فأشبهت العقيدة العهد المشدود والعروة الوثقى لاستقرارها في القلب ورسوخها في الأعماق٢.
стр. 12
ب- تعريف العقيدة شرعًا
والعقيدة شرعًا: هي ما يدين به الإنسان ربه وجمعها عقائد، والعقيدة الإسلامية مجموعة الأمور الدينية التي تجب على المسلم أن يصدق بها قلبه، وتطمئن إليها نفسه، وتكون يقينًا عنده لا يمازجه شك ولا يخالطه ريب، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنًّا لا عقيدة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٣
فالعقيدة إذًا ليست أمورًا عملية، إنما هي الأمور الدينية العلمية التي تجب على المسلم اعتقادها في قلبه لإخبار الله تعالى بها بكتابه أو بسنة رسوله ﷺ ، يقول صاحب لسان العرب: "والعقيدة في الدين ما يقصد به الإعتقاد دون العمل كعقيدة وجود الله وبعثه الرسل وجمعها عقائد"٤.
وزاد هذا المعنى كذلك إيضاحًا محمود خطاب فقال: "العقيدة هي مثل عليا يؤمن بها الإنسان فيضحي من أجلها بالأموال والنفس؛ لأنها عنده أغلى من الأموال والنفس"٥.
стр. 13
الفصل الثاني: مصدر العقيدة الإسلامية
العقيدة الإسلامية من الأمور التوقيفية التي لا يجوز الاجتهاد فيها، لذلك كان السلف الصالح ﵃ يكتفون بما ورد في القرآن والسنة وأقوال الصحابة ﵃، ويوضح ذلك منهج الإمام أحمد ﵀ في العقائد، كما في رسالته لعبيد الله بن يحيى، فقد روي ابن الجوزي بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود"١.
هذا النص يبين لنا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، التزم في كلامه بالعقائد بهذين الأصلين الجليلين، الكتاب والسنة، فطريقته هي طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، مبتعدًا عن الجدل والفروض والفلسفات العقيمة، مثبتًا لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقص، ولذلك ذم الإمام أحمد ﵀ علم الكلام والمتكلمين؛ لأنهم يقدمون العقل على النص، ويجعلونه حاكمًا على الكتاب والسنة، فإن كان المنقول -يعني النص- موافقًا لعقولهم قبلوه، وإلا فتحوا باب التأويل لكي يجمعوا بين النقل والعقل، بدعوى أن العقل أصل يرجع إليه في كل نقل يتعرضون له، حتى جانبوا الصواب وحادوا عن منهج القرآن لمناهج فلاسفة اليونان.
تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٢.
وهكذا نجد أن مسائل العقيدة الإسلامية توقيفية، لا تؤخذ من آراء البشر لورود أكثرها في القرآن بكلمة "قل" التلقينية.
стр. 16
مزايا العقيدة الإسلامية
مدخل
...
الفصل الثالث: مزايا العقيدة الإسلامية
سبق أن بينا أن العقيدة الإسلامية عقيدة توقيفية بمعنى أنها موحى بها من عند الله تعاالى، ولم تكن نتاج عقل بشري، ولا تستمد من غير الوحي، وذلك تمييز لها عن الفلسفة التي ينشئها الفكر البشري حول الإله، وتمييز لها كذلك عن المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية.
وهذه العقيدة الإسلامية هي العقيدة الوحيدة التي سلم أصلها من التحريف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ ١. بينما العقائد السماوية التي جاءت بها الديانات السابقة، قد دخلها التحريف في كل صورة من صورها، وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة شروح وتأويلات وزيادات ومعلومات بشرية، وأدمجت في صلبها حتى صار الحق فيها باطلًا، وبقي الإسلام وحده محفوظ الأصول، ولم يشب نبعه الأصيل كدر، ولم يلبس فيه الحق بالباطل، قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
وبما أن العقيدة الإسلامية امتازت عن غيرها من العقائد بالميزة الكبرى، حيث
стр. 17
إن أصولها سلمت من التحريف وأن مسائلها توقيفية، لذلك كان لها مميزات أخرى نجملها فيما يلي١:-
стр. 18
١- أنها عقيدة واضحة سهلة بعيدة عن تعقيدات المذاهب الأخرى،
وليس فيها أشياء غامضة ولا جوانب محتكرة لرجال الدين كما في بعض العقائد جوانب مقصور حق فهمها على رجال الدين، وتنادي بالمبدأ القائل: "اعتقد وأنت أعمى"١.
إن العقيدة الإسلامية يستوى في فهمها وحق العلم بها كل مسلم، سواء أكان متعلمًا أو أميًّا؛ وذلك لأنها خالية من تعقيدات المذاهب الأخرى، كالتثليث والمثنوية والبرهمية وغيرها، فهي تتلخص بأنه يجب على كل مسلم أن يعتقد أن لهذا الكون خالقًا أحكم صنعه وقدر كل شيء فيه تقديرًا، وهذا الخالق هو الإله الواحد الذي ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحب ولا ولد, ويتصف بجميع صفات الكمال, منزه عن جميع صفات النقص.
وما دامت هذه العقيدة توقيفية، فهي مبرأة من كل نقص, سالمة من كل عيب, بعيدة عن الحيف والظلم؛ لأن الله له المثل الأعلى في السموات والأرض: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرًا﴾ ٢.
стр. 19
٢- ومن مزايا العقيدة الإسلامية أنها عقيدة فطرية
، بمعنى أنها ليست غريبة
عن الفطرة أو مغايرة لها، بل هي تلائم الفطرة وتنميها ولا تصادمها، وهي عقيدة تشبع الجوعة الفطرية التي لا تشبعها النظم الفلسفية, ولا المذاهب الوثنية, ولا السلطان السياسي, ولا الثراء المالي، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ " ٢.
والفطرة هنا هي دين الإسلام وعقيدته، ولم يقل في الحديث: أو يسلمانه؛ لأن الإسلام فطرة مركوزة في النفس الإنسانية، وهو الوضع الطبيعي لها، فلا يحتاج إذن لتأثير الأبوين، أما باقي المذاهب الإلحادية فهي تغطي الفطرة وتنكسها وتصادمها، لذلك فهي لا تأتي على النفس من داخلها، إنما تأتي بمؤثر خارجي كما بان لنا من الحديث السابق.
стр. 20
٣- ومن مزايا هذه العقيدة الإسلامية أنها عقيدة ثابتة محددة ،
بمعنى أنها لا تتغير ولا تتطور بمرور الأزمان وتعاقب الأجيال، فلا مجال فيها للزيادة والنقص, ولا تقبل التحريف والتبديل، فلن يستطيع حاكم أو مجمع أو مؤتمر أن يضيف إليها ما ليس منها أو ينقص منها ما هو داخل فيها، وكل محاولة في ذلك يوصف صاحبها بالكفر، لأن الوحي قد انقطع بالتحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، وبقيت النصوص ثابتة إلى يوم الدين لا ينسخها ناسخ ولا يبدلها إلا كافر.
стр. 21
أما غيرها من العقائد فقد زيد فيها ونقص منها؛ لأنها كانت تخضع لأهواء الحكام والمجامع الدينية، ثم يجبر الناس على ما يتخذه هؤلاء من القرارات في أمر دينهم وعقيدتهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
فالعقيدة اليهودية، والعقيدة النصرانية كذلك، رغم أن أصلهما وحي من عند الله، إلا أن التحريف قد دخلهما حتى أصبح وصف الإله فيهما لا يختلف كثيرًا عن أوصاف البشر، بل قد تضمنت كتبهم المحرفة أوصافًا لله لا ترتفع كثيرًا على أوصاف الإغريق لآلهتهم الوثنية، فاليهود يصفون الإله بالأكل والشرب والنوم والراحة والتعب وما إلى ذلك من النقائص التي لا تليق بالله سبحانه، وأما العقيدة النصرانية فكانت حالتها أدهى وأمرّ، حيث اختلطت مبادؤها بالوثنية اليونانية، ونشأ من هذا الخلط دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء، واختلاف النصارى في طبيعة المسيح وتفرقهم إلى طوائف عديدة، يبين لنا بوضوح مدى التلاعب والتحريف بعقيدتهم، ومدى التخبط الذي يعيشونه.
إن أي مسلم عادي ولو كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، يرد بكل بساطة واطمئنان على كل من يحاول أن ينحرف في مفهومه لهذه العقيدة.
وقد قيض الله على مدار القرون من العلماء الأثبات والفحول الثقات من يرد على زيغ المنحرفين، ويظهر باطلهم ويزهقه، ويبين ما في كتبهم من البدع والخرافات، كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
- في القرن الثالث الهجري. وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- في القرن الثامن الهجري.
стр. 22
٤- ومن مميزات العقيدة الإسلامية أنها عقيدة مبرهنة ،
بمعنى أنها تقيم البراهين الساطعة والحجج الباهرة على كل مسألة فيها، ولا تلزم الناس بالتسليم الأعمى كما في بعض العقائد الأخرى: "اعتقد وأنت أعمى" أو "أغمض عينيك ثم اتبعني"، بل كان القرآن الكريم يقيم الدليل على كل مسألة من مسائل العقيدة، ثم يطلب من خصومه إقامة الدليل على ما يعتقدون بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين﴾ ١. ولا يقول عالم مسلم بأن هذه العقيدة تكتفي بإثارة العواطف ومخاطبة القلب والوجدان، بل إنها تخاطب العقل بالحجج الدامغة، ثم تأخذ طريقها إلى القلوب والأفئدة؛ لأن العقل الصريح يوافق المنقول الصحيح.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كتابًا اسمه: "درء تعارض العقل والنقل" وهو مشتهر باسم آخر وهو: "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول"، وقد بين ﵀ في هذا الكتاب أنه لا يوجد قط نص صحيح يخالف العقل، وإذا وجدت المخالفة، فإما أن تكون مخالفة ظاهرية وإمكانية الجمع بينهما حاصلة، وإما أن تكون المخالفة ناشئة عن علة في العقل، كأن يكون صاحبه من أهل البدع والأهواء، فيحاول أن يلوي النص ليوافق عقله؛ لأنه من الذين يقدمون العقل على النص، وإما أن تكون المخالفة من جهة أن نسبة النقل إلى النبي ﷺ غير صحيحة.
إن القرآن الكريم يقيم الأدلة من الكون والنفس والتاريخ على ربوبية الله وألوهيته وكماله، ويقيم الأدلة على البعث كذلك بخلق الإنسان أول مرة, وخلق السموات والأرض, وإحياء الأرض بعد موتها، ولن تجد مسألة واحدة من مسائل العقيدة الإسلامية إلا وهي مبرهنة وفيها أدلة كافية لمن كان له قلب يفقه به ويتذكر، ولنضرب بعض الأمثلة:-
٥- ومن مميزات العقيدة الإسلامية كذلك أنها عقيدة وسط ،
لا إفراط فيها ولا تفريط، فهي وسط بين العقائد التي تنكر الخالق وتنكر كل ما وراء الطبيعة المحسوسة، وبين العقائد التي تزعم أن للعالم أكثر من إله وتقول بالتعدد وتدعى حلول الإلهية في الملوك والحكام والأنبياء والأشياء والحيوانات.
إن عقيدة الإسلام بريئة من الإلحاد وإنكار وجود الله، كما هي بريئة من الشرك والوثنية، إنها عقيدة تفرد الله سبحانه بالربوبية والألوهية لأنه لا يستحق ذلك غيره، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنٍِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ, قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ, قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ, بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ, مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ, عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وهذه العقيدة الإسلامية وسط في صفات الله تعالى، فلا مغالاة في التجريد الذي يجعل صفات الله بلا معنى كالجهمية المعطلة وأساتذتهم من فلاسفة اليونان، إنما تقول هذه العقيدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢، فإجمال في النفي وتفصيل في الإثبات.
وقد خلت العقيدة الإسلامية كذلك من التشبيه والتمثيل الذي لجأت إليه اليهودية والنصرانية والرافضة وغيرهم من المشبهة الذين وصفوا الله
стр. 25
بصفات المخلوقين، كوصفه بالتعب والراحة والنوم والمحاباة والقسوة وغير ذلك مما لا يليق بجلال الله .
إن عقيدة الإسلام وسط بين المقلدين لآبائهم تقليدًا أعمى، كما حكى القرآن أنهم قالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ, وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١، وبين الذين يبحثون عن كنه ذات الله تعالى, وهم بعدُ لم يعرفوا حقيقة أنفسهم كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ٢، لكنها عقيدة تفتح الباب للنظر في هذا الكون المفتوح للتفكير في مخلوقات الله تعالى، قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ, وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٥.
стр. 26
أثر العقيدة في سلوك الفرد والمجتمع
مدخل
...
الفصل الرابع: أثر العقيدة في سلوك الفرد والمجتمع
تمهيد
لا ريب في أن للعقيدة التي يحملها الإنسان أثرًا في توجيه سلوكه وتصرفاته, وأن أي انحراف في هذه العقيدة، يبدو واضحًا في حياة الإنسان العملية والخلقية، ومن ثم يؤثر ذلك بشكل ملموس في حياة المجتمع؛ لأننا لا نستطيع الفصل بين المجتمع وأفراده، لذلك سأقوم في هذا الفصل ببيان سلطان العقيدة على النفوس، ثم بيان حالة العرب قبل الإسلام، ثم أثر العقيدة في حياة الفرد ثم أثرها في حياة المجتمع، وسأضرب أمثلة لآثار هذه العقيدة في حياة الناس.
وأحب أن أشير إلى أنني لن أطيل في هذا الفصل؛ لأنني لو أردت استقصاء كل جزئيات الحياة لطال بي البحث، ولكني أشير كذلك إلى قاعدة عامة، وهي أننا نستطيع أن نعزو كل فضيلة قام بها الفرد أو حث عليها المجتمع إلى العقيدة، وكل رذيلة أتاها الفرد وأغضى عنها المجتمع إلى ضعف العقيدة في النفوس لا في ذاتها.
стр. 27
أ- سلطان العقيدة على النفوس
كل عقيدة يحملها الفرد وتدين بها الأمة سواء أكانت صحيحة أم باطلة لا يقتصر أثرها على الناحية الفكرية استقامةً وانحرافًا، هدًى وضلالًا، بل لا بد وأن يظهر أثر هذه العقائد في جوانب الحياة المختلفة، ومن هنا جاءت الضرورة للعقيدة السليمة؛ لأنها الغذاء الروحي والضروري لسير الفرد والمجتمع في مضمار التقدم والحضارة.
وبمقدار تمسك الأمة وأفرادها بالعقيدة السليمة، بمقدار ما يكتب لهذه الأمة البقاء بشخصيتها المستقلة دون الذوبان في الأمم الأخرى.
وليس هناك عقيدة تحرر الإنسان من الشرك والعبودية لغير الله، كالعقيدة الإسلامية؛ لأنها عقيدة تصدر عن الله أولًّا، ولأنها تسيطر على جميع مجالات الحياة وعلى النفس الإنسانية بقوة أكثر من قوة القانون وسلطته، وبتكاليف أقل من تكاليف تنفيذ القانون.
والقانون وحده ما لم يستند إلى العقيدة فإنه يعتبر فاقدًا للقوة الروحية التي ينشأ عنها احترامه، فهو لن يضبط السلوك الإنساني في كل وقت ومكان، لإمكانية التحايل عليه والهرب من العقاب.
والعقيدة سارية المفعول على الحاكم والمحكوم؛ لأنها مستندة إلى سلطان الله، وأما القانون المستند لسلطان الحاكم فلا يسري عليه؛ لأنه هو منفذ هذا القانون ويفسره كما يشاء.
والعقيدة تمتاز عن القانون كذلك بأنها تنبع من الداخل, وتمتزج بضمير الإنسان ولا تفرض عليه من خارجه كالقانون، فهي تحكم التصرفات الظاهرة
стр. 28
والباطنة التي تقع خفية عن القانون، ولهذا فهي تملك أن تورث الأخلاق والفضائل، وتملك أن تقول للإنسان: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ١، ولا يملك ذلك القانون إن لم يكن مستندًا إلى العقيدة والإيمان بالجزاء الآخروي؛ لأن سلطانه وجزاءه دنيوي جسدي، وسلطان العقيدة روحي وأخروي: روحي؛ لأنه ينفذ إلى روح الإنسان ويحكمه داخليًّا، وأخروي؛ لأنه يدفع صاحب العقيدة عند الزلل للتوبة والاستغفار وإن وجب عليه حد يدفعه ليكشف نفسه للحاكم ليقيم عليه الحد ولو كان حد الرجم حتى الموت، وهو مطمئن لهذا الحكم خوفًا من سخط الله وعقوبته في الآخرة، كما فعل ذلك ماعز الأسلمي والغامدية زمن الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
ومن هنا تبرز قيمة العقيدة كدافع وباعث نفسي داخلي للفرد لسلوك المسلك العملي والخلقي الصحيح؛ لأن صاحب العقيدة الصحيحة لا يخالف بعمله عقيدته، وإذا انفلت المرء من هذه العقيدة يكون قد ارتكس في حمأة الشهوات البهيمية التي لا يضبطها ضابط، ويضعف عقله وقوته باستمرار أمام نزواته وأهوائه؛ لأنه ليس له ركن شديد يأوى إليه.
وإذا استقرت العقيدة في النفوس أصبحت مستعدة للتلقى للتنفيذ في الشرائع والأعمال، ولذلك نجد القرآن دائمًا يربط بين العقيدة والتشريع في كل آياته، وعلى سبيل المثال لا الحصر: يقول تعالى في مسائل التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، فربط تحريم الربا بالإيمان، ويقول تعالى في
ب- حالة العرب قبل الإسلام ١
كانت الفوضى والاضطراب الصبغة العامة لحياة العرب في جاهليتهم، من جميع النواحي الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والداخلية، والخارجية.
فمن الناحية الدينية: كانوا يدينون لأكثر من إله، ويعبدون الأصنام ويقدمون لها النذور والقرابين، ويحرمون ويحللون كما يشاءون، وقد نسبوا إلى الله الولد فاعتقدوا أن الملائكة بنات الله، واستغربوا الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢، وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ, لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ, وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ, أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ, مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٥، والقرآن ينبه على عقائد العرب في معظم سوره.
стр. 31
ومن الناحية الاجتماعية: فكانت حياتهم مليئة بالمآسي والظلم والفواحش، ويقتلون الأولاد خشية الفقر أو العار، ويأكلون الربا، ولا حق عندهم للضعيف كاليتيمات والنساء والرقيق.
ومن الناحية الاقتصادية: فلقد كان الفقر طابَعًا عامًّا لكل الجزيرة إلا بقاعًا محدودة مثل مكة، بفضل ما سخر الله لهم من موسم الحج ورحلتي الشتاء والصيف، وكان المصدر الرئيسي للرزق عندهم الرعي، ويغزون بعضهم للنهب والسلب، وكان قطاع الطريق منتشرين يخيفون الآمنين والمسافرين.
ومن الناحية الداخلية: فقد كانت الحروب الداخلية تستنفد جهودهم وطاقاتهم بسبب التعصب للقبيلة، وكانت تثار الحروب أيامًا وسنين لسبب يسير كنزاع على الشرب والمرعى أو لكلمة طائشة، وشعارهم في ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذِد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقول لبيد بن ربيعة:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
ومن الناحية الخارجية: فقد كان العرب في الجاهلية لا يحسب حسابهم في ميزان القوى، فقد كان عرب المناذرة تحت حكم الفرس، وعرب الغساسنة تحت حكم الروم، وعرب اليمن تحت حكم الحبشة.
وأما حالة شعوب الأرض يومئذ فلم تكن بأحسن حالًا في معظم النواحي من حالة العرب، فكانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة وخارجها, وقد خيم الشرك والوثنية عليهما وعلى من دان بهما لما حكاه الله تعالى عن اتباع الملتين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ, اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
стр. 32
أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وبعبارة أخرى لقد أطبق ليل الجهل وظلام الشرك على الأرض كلها فكانت الزندقة الشهوانية، والمجوسية النارية، والصابئية الكواكبية، والبراهمية والبوذية والوثنية، تعم مختلف مناطق العالم، فكانت الحاجة ماسة لظهور النور الجديد ليرتفع بالبشرية الضالة عن حقيقة التوحيد، الغارقة في بحار الشرك والشهوة والجهالة، إلى القمة الصافية في العقائد والسلوك ونظم الحياة، فكانت بعثة محمد ﷺ بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا.
وبقي القرآن يتنزل خلال ثلاث وعشرين سنة يبين للناس حقائق العقيدة والعمل؛ ليستنقذهم من هاوية الضلال والردى إلى الإيمان والهدى، فما أن تلقَّوا هذا القرآن وجرت تعاليمه في دمائهم وأرواحهم حتى تغيرت حياتهم، فأخلصوا التوحيد والعبادة لله الذي لا شريك له، ثم انطلقوا بعد ذلك إلى البشرية جمعاء ليفيضوا عليها الهدى والنور، مشفقين على شعوب الأرض مما هي فيه من الظلام والجهل والشرك.
стр. 33
جـ- أثر هذه العقيدة في سلوك الفرد ١
يمتاز رجل العقيدة عن غيره بمحافظته على جميع ما أمر به الله واجتنابه جميع ما نهى عنه الله، وإذا خالف لله أمرًا أو نهيًا فسَرعان ما يؤنبه ضميره ويرجع إلى ربه تائبًا مستغفرًا، ولذلك لن أتناول أثر العقيدة على الفرد في محافظته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والصدق والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرحمة
стр. 34
والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل، ولن أتناول كذلك أثر العقيدة على الفرد من ناحية بعده عن الربا والزنا والسكر والكذب والظلم والعقوق والأنانية والحسد والحقد والسرقة والغش والخداع وغيرها من الرذائل؛ لأن تحلي رجل العقيدة بالفضائل وتخليه عن الرذائل أمر بدهي لمن استقام على عقيدته وتفاعل معها تفاعلًا إيجابيًّا، ولأن كل آية في القرآن إنما هي دعوة لفضيلة أو نهي عن رذيلة، ولو أردت استقصاء ذلك لطال بي البحث, ولذلك أكتفي بذكر أهم المميزات التي يمتاز بها رجل العقيدة غير ما تقدم وهي:
١- العقيدة تهب صاحبها عزة النفس؛ لما يشعر به من معية الله تعالى، لقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ ١، ومن كانت هذه عقيدته فلن يستكين ولن يستعبد لغير الله تعالى.
وهذه الأنفة من الخضوع والعبودية لغير الله تعالى يصاحبها التواضع والرحمة لعبادة المؤمنين انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ ٢، والمؤمن يعلم أن واهب العزة هو الله ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ ٣.
فعزة المؤمن عزة إيمان وحق، وعزة غيره عزة غرور وفجور وكبرياء.
٢- رجل العقيدة رجل يحتكم إلى كتاب الله ولا يستبدل به حكمًا آخر، ويرضى بحكم الله ولو كان الحق عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤.
стр. 35
وغير المؤمن يحتكم لقانون البشر الجائر قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
٣- رجل العقيدة رجل نشيط عامل منتج, لا يتكاسل ولا يتواكل, حريص على الوقت, لعلمه أن الله سائله عن عمره وعمله، فهو يعبد ربه باتقانه عمله كما يعبد ربه بالصلاة والصيام, لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه﴾ ٢.
٤- رجل العقيدة عنده إيثار وتضحية وشجاعة، لا يخاف من بذل الروح والمال؛ لأنه يرى أن ذلك عبادة لله، وغيره يحسب أن دفع الزكاة ضريبة، وأن الجهاد بالمال خسارة وبالنفس إلقاء في التهلكة، فيحسب أن الرزق والأجل بيده، فالبذل يفقر والجهاد يقصر العمر.
والمؤمن يعلم أن كل ذلك بيد الله وأن روحه وماله ملك لدينه وعقيدته، يبذلهما عند الطلب، لإيمانه بقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون﴾ ٥.
٥- رجل العقيدة عنده سعة نظر ووضوح في الهدف؛ لأن عقيدته الصحيحة تجبيه على كل سؤال من الأسئلة التالية: من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟
стр. 36
فهو يرى نفسه إذن أنه لم يخلق عبثًا لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١، إنما خلق لعبادة الله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢.
وغير المؤمن محتار في الأسئلة السابقة, ممزق النفس، نظره ضيق، وهدفه غير واضح، يمثل هذا عمر الخيام في قصيدته التي يقول فيها:
لبست ثوب العمر لم أُستَشر ... وجرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم ... أدر لماذا جئت أين المفر؟
٦- والعقيدة توقظ الضمير فتجعله مراقبًا لله دائمًا لا يعتريه ضعف ولا يتبدل بالأمكنة والأزمنة؛ لأنه مستند لعقيدة سليمة، فهو في حذر دائم ضد الشر وبواعثه, وضد النفس وشهواتها, وضد الشيطان ونزغاته, لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا﴾ ٣.
لذلك عندما عمرت العقيدة الضمائر والقلوب، صلح الظاهر والباطن حتى كأن على كل إنسان شرطيًّا يراقبه لإيمانهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ ٤، وبقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء﴾ ٦، وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ
стр. 37
رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، فضمير المسلم إذن لا يعتمد على المراقبة الخارجية، بل هو نفسه مراقبة داخلية وحراسة مستمرة تمنع صاحبها عن اقتراب المعاصي ولو أتيحت له بعيدًا عن الأنظار.
٧- يمتاز رجل العقيدة عن غيره بأنه مطمئن البال, مستريح الفكر, غير قلق على المستقبل ولا تمزق الأوهام نفسه؛ لأن له هدفًا يسعى إليه ومثلًا أعلى يطلبه، ألا وهو نيل رضوان الله وجنته.
وهو واثق أنه على الحق ولن يتسرب اليأس والقنوط إلى نفسه مهما واجهته من أخطار؛ لإيمانه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ ٢، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّون﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ٤.
هذه الطمأنينة والثقة يفقدها غير المؤمن ولا يعوضها الغنى والترف لما نرى من كثرة حوادث الانتحار والتمزق النفسي في أكثر الدول غنى ورفاهية.
٨- رجل العقيدة عنده قيم وموازين ثابتة يزن بها الناس وهي موازين عقيدته الثابتة، فالحق فيها حق والباطل باطل، والرذيلة فيها رذيلة والفضيلة فضيلة من عهد آدم إلى يومنا هذا, لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٥.
стр. 38
فالمؤمن إذن ذو شخصية ثابتة, ومن موازينه في الناس قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ ١، ومن موازينه في الخسارة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٢. ومن موازينه في الربح قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٣.
٩- رجل العقيدة يوالي ويعادي لله، ويحب ويبغض لله، فلن يوالي عدو الله ولو كان أباه أو ابنه، ولن يعادي ولي الله ولو كان بعيدًا منه، ولن يحب من أبغضه الله، كما أنه لن يعادي من أحبه الله، كل ذلك لإيمانه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ﴾ ٥.
١٠- رجل العقيدة تتوازن فيه الروح والعقل والجسم, فلا يطغى فيه جانب على جانب، فلا هو مفرط في الروحانية المعذبة لجسده والملغية لعقله، ولا هو مفرط في العقل حتى يحكِّمه في الوحي والشرع، ولا هو مفرط في التربية الجسمية حتى يرتد كبهيمة هدفها الطعام والشراب كما تعتبره المذاهب المادية, وشعارهم في ذلك:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام ... فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
стр. 39
وهم في هذا كما وصفهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم﴾ ١.
فالعقيدة توازن في الإنسان بين عقله وروحه وجسمه، فتجعله إنسانًا سويًّا، والمذاهب المادية التي ألغت اعتبار الروح جعلته نصف إنسان، ومن هنا يحصل القلق والاضطراب والحيرة والتمزق النفسي.
стр. 40
د- أثر العقيدة في سلوك المجتمع ١
إن ما تقدم من تأثير العقيدة في سلوك الفرد هو كذلك تأثير للعقيدة في المجتمع، لأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فصلاحهم صلاحه وفسادهم فساده، وكل جهد لتربية الفرد الصالح على العقيدة، هو جهد أصيل لتكوين المجتمع الصالح, لما يوجد من علاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع.
وليس من السهل أن تؤثر عقيدة ما في الفرد دون أن ينعكس ذلك على المجتمع ولو على المدى البعيد؛ ولذلك كان صلاح المجتمع بعد تطهير العقيدة من الشوائب الدخيلة عليها معتمدًا على تطهيره مما شانه من أعمال يقوم بها أفراده مناقضة للعقيدة.
والآن نلخص أبرز آثار العقيدة في المجتمع:-
١- أمة العقيدة أعرق أمة في التاريخ، وتاريخها حافل بالوقائع والتجارب، قادتها الرسل، وقد بين الله للمؤمنين أمتهم الواحدة من اتباع الرسل بقوله تعالى