← Акыда

Акыда · id 11282

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

محمد خليل ملكاوي

Полный текст (427 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فهو يرى نفسه إذن أنه لم يخلق عبثًا لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١، إنما خلق لعبادة الله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢. وغير المؤمن محتار في الأسئلة السابقة, ممزق النفس، نظره ضيق، وهدفه غير واضح، يمثل هذا عمر الخيام في قصيدته التي يقول فيها: لبست ثوب العمر لم أُستَشر ... وجرت فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ولم ... أدر لماذا جئت أين المفر؟ ٦- والعقيدة توقظ الضمير فتجعله مراقبًا لله دائمًا لا يعتريه ضعف ولا يتبدل بالأمكنة والأزمنة؛ لأنه مستند لعقيدة سليمة، فهو في حذر دائم ضد الشر وبواعثه, وضد النفس وشهواتها, وضد الشيطان ونزغاته, لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا﴾ ٣. لذلك عندما عمرت العقيدة الضمائر والقلوب، صلح الظاهر والباطن حتى كأن على كل إنسان شرطيًّا يراقبه لإيمانهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ ٤، وبقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء﴾ ٦، وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ

стр. 37

رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، فضمير المسلم إذن لا يعتمد على المراقبة الخارجية، بل هو نفسه مراقبة داخلية وحراسة مستمرة تمنع صاحبها عن اقتراب المعاصي ولو أتيحت له بعيدًا عن الأنظار. ٧- يمتاز رجل العقيدة عن غيره بأنه مطمئن البال, مستريح الفكر, غير قلق على المستقبل ولا تمزق الأوهام نفسه؛ لأن له هدفًا يسعى إليه ومثلًا أعلى يطلبه، ألا وهو نيل رضوان الله وجنته. وهو واثق أنه على الحق ولن يتسرب اليأس والقنوط إلى نفسه مهما واجهته من أخطار؛ لإيمانه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ ٢، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّون﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ٤. هذه الطمأنينة والثقة يفقدها غير المؤمن ولا يعوضها الغنى والترف لما نرى من كثرة حوادث الانتحار والتمزق النفسي في أكثر الدول غنى ورفاهية. ٨- رجل العقيدة عنده قيم وموازين ثابتة يزن بها الناس وهي موازين عقيدته الثابتة، فالحق فيها حق والباطل باطل، والرذيلة فيها رذيلة والفضيلة فضيلة من عهد آدم إلى يومنا هذا, لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٥.

стр. 38

فالمؤمن إذن ذو شخصية ثابتة, ومن موازينه في الناس قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ ١، ومن موازينه في الخسارة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٢. ومن موازينه في الربح قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٣. ٩- رجل العقيدة يوالي ويعادي لله، ويحب ويبغض لله، فلن يوالي عدو الله ولو كان أباه أو ابنه، ولن يعادي ولي الله ولو كان بعيدًا منه، ولن يحب من أبغضه الله، كما أنه لن يعادي من أحبه الله، كل ذلك لإيمانه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ﴾ ٥. ١٠- رجل العقيدة تتوازن فيه الروح والعقل والجسم, فلا يطغى فيه جانب على جانب، فلا هو مفرط في الروحانية المعذبة لجسده والملغية لعقله، ولا هو مفرط في العقل حتى يحكِّمه في الوحي والشرع، ولا هو مفرط في التربية الجسمية حتى يرتد كبهيمة هدفها الطعام والشراب كما تعتبره المذاهب المادية, وشعارهم في ذلك: إنما الدنيا طعام وشراب ومنام ... فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام

стр. 39

وهم في هذا كما وصفهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم﴾ ١. فالعقيدة توازن في الإنسان بين عقله وروحه وجسمه، فتجعله إنسانًا سويًّا، والمذاهب المادية التي ألغت اعتبار الروح جعلته نصف إنسان، ومن هنا يحصل القلق والاضطراب والحيرة والتمزق النفسي.

стр. 40

د- أثر العقيدة في سلوك المجتمع ١ إن ما تقدم من تأثير العقيدة في سلوك الفرد هو كذلك تأثير للعقيدة في المجتمع، لأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فصلاحهم صلاحه وفسادهم فساده، وكل جهد لتربية الفرد الصالح على العقيدة، هو جهد أصيل لتكوين المجتمع الصالح, لما يوجد من علاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع. وليس من السهل أن تؤثر عقيدة ما في الفرد دون أن ينعكس ذلك على المجتمع ولو على المدى البعيد؛ ولذلك كان صلاح المجتمع بعد تطهير العقيدة من الشوائب الدخيلة عليها معتمدًا على تطهيره مما شانه من أعمال يقوم بها أفراده مناقضة للعقيدة. والآن نلخص أبرز آثار العقيدة في المجتمع:- ١- أمة العقيدة أعرق أمة في التاريخ، وتاريخها حافل بالوقائع والتجارب، قادتها الرسل، وقد بين الله للمؤمنين أمتهم الواحدة من اتباع الرسل بقوله تعالى

стр. 41

في نهاية عرض قصص الأنبياء مع أقوامهم المكذبين: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وأول قائد لهذه الأمة العريقة هو آدم ﵇ وآخر قادتها وأجلهم محمد ﷺ ثم من سار على نهجه إلى يوم الدين. هذا التراث الكبير والتجارب العميقة تشكل الذخيرة الحية لأمة العقيدة، وهي الحضارة التي تملك الأمة أن تقدمها للإنسانية وهي واثقة ومطمئنة أنها ليست بحاجة لاستيراد القيم والأخلاق والعقائد من الأمم الكافرة؛ لأنها أمة متبوعة لا تابعة لغيرها. ٢- أمة العقيدة تتلقى للتنفيذ، لا مجال عندها للتردد ومخالفة الأوامر, فإذا نزل القرآن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء انقلب كل رجل إلى أهله يتلو عليهم ما أنزل الله تعالى، فيبادر الجميع لامتثال المأمور به واجتناب المنهي عنه. ٣- إن أمة العقيدة أمة لا تعيش لذاتها ومصالحها فقط، بل هي أمة ترى على عاتقها مسئولية إنقاذ البشرية مما هي فيه من الضلال، لأنها تشعر بنعمة اهتدائها إلى الله, لذلك تحب أن تهدي غيرها من الأمم. إن أمة العقيدة تشعر بخيريتها على سائر الأمم، لا خيرية الجنس واللون، لكن خيرية الدين والعقيدة انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٣. فأمة العقيدة تتعامل مع غيرها على هذا الأساس، وهذا هو الذي

стр. 42

أخرج الصحابة -رضوان الله عليهم- من ديارهم وأموالهم يطوفون مشارق الأرض ومغاربها يهدون للنور الذي هداهم الله إليه، لا كما يزعم أعداء الله أنهم خرجوا طلبًا للقوت واستعمار الأمم والشعوب. ٤- أمة العقيدة هي الأمة الوحيدة التي يستوي فيها الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم، ويستطيع الفرد العادي فيها أن ينصح الحاكم دون هيبة من سلطانه؛ لأنه يعلم أن الحاكم منفذ للدين وحارس للشريعة، ولذلك كان علماء الإسلام يناقشون الحكام وينصحونهم وإن زلوا يحاكمونهم إلى الشرع. ٥- أمة العقيدة أمة عزيزة الجانب مصونة لا تقيم حربًا أو سلمًا إلا على أساس عقيدتها كما كان عمل الرسول ﷺ أول مقدمه إلى المدينة مع مختلف الطوائف داخل المدينة وخارجها من الممالك والإمارات، وإذا جاهدت أمة العقيدة فليس هدفها من الجهاد إراقة الدماء ونهب الأموال، إنما هدفها تحرير الإنسانية من الحكام الكفرة، الذين يحولون بين أممهم وبين الدين الحق. إن أمة العقيدة تعلل كل وقائعها وانتصاراتها على ضوء عقيدتها، وكذلك إذا هزمت فإنها تقيس ذلك بميزان عقيدتها لتتعرف على عوامل هزيمتها مؤمنة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ ١. ٦- أمة العقيدة تقوم الروابط بين أفرادها على العقيدة؛ لأن الروابط الأرضية من الجنس واللون واللغة والأرض والمصالح المشتركة، روابط ليس للإنسان فيها اختيار، فهو لن يستطيع اختيار جنسه ولونه ولغة قومه والأرض التي

стр. 43

يولد فيها، وهذه الروابط الأرضية لا تدوم, فسَرعان ما يدب الخلاف بين أصحابها، أما رابطة العقيدة فهي أقوى وأقوم، ولذلك كان المجتمع الإسلامي الأول يضم العربي والفارسي والرومي والحبشي والهندي، هذه الجنسيات كلها يجمعها اسم الأمة الإسلامية، بدون فوارق عرقية أو طبقية. لقد قامت الإمبراطورية الرومانية قديمًا على أساس طبقي: العبيد والأشراف, وتقوم الشيوعية حاليًا بالتفريق بين العمال وأصحاب رءوس الأموال، وكذلك المجتمعات الغربية تفرق على أساس العرق واللون، وهذا ما يؤكد أنه ليس هناك مجتمع عالمي إنساني مفتوح لكل أبناء البشرية غير مجتمع العقيدة الإسلامية. لذلك لما شعر أعداء الأمة الإسلامية بالخطر، وتنبهوا لسر قوتها، لجأوا لتحطيم هذه القوة بإقامة أصنام سموها الوطن والقوم والجنس وهي التي ظهرت على مدى التاريخ باسم الجنسية الطورانية أو القومية الفرعونية والفنيقية والفارسية والعربية، وغيرها من الأسماء والشعارات التي لم تلق رواجًا إلا عندما ضعفت العقيدة في النفوس، فأصبحت هذه الأصنام والشعارات مقدسات ويعتبر الخارج عليها كافرًا بوطنه وقوميته خائنًا لبلده يجب محاربته والقضاء عليه. ٧- مجتمع العقيدة مجتمع يفتخر بأصله ويعتز بانتسابه لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكل ما في الكون مسخر لخدمته ونفعه لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ

стр. 44

فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ, وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٢. هذا المجتمع لا تساويه المجتمعات التي تعلم أفرادها أن أصلهم قرد أو حيوان أحط من القرد، وأن كل ما في الكون عدو له ويقف ضده, فهو في صراع مع الكون ويعتبر أن أي اكتشاف علمي إنما هو تغلب على الكون وقهر للطبيعة، بينما مجتمع العقيدة يرى أن من واجبه الاهتداء لهذه السنن والاستفادة منها, وأن الإنسان مهما بلغ في العلم فهو من تعليم الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم. ٨- مجتمع العقيدة مجتمع قوى متماسك يشد أفراده على أيدي بعضهم بعضًا كأنهم بنيان مرصوص, آمالهم وآلامهم واحدة؛ لأنها نابعة من عقيدتهم, وكلهم يسعون لتحقيق العدل والمحبة والأخوة، ليعيش كل فرد في هذا المجتمع آمنًا على دينه وروحه وعقله وماله وعرضه, ولكل فرد في المجتمع العقيدة حق العمل، وإلا فالدولة توفر الضروريات للعاجزين عن العمل وللذين لا يجدون ما يكفيهم.

стр. 45

هـ- أمثلة لآثار العقيدة نذكر فيما يلي أمثلة من أبرز آثار العقيدة على سبيل الاختصار فنبدؤها: ١- سحرة فرعون يقولون له بعد أن هددهم لما آمنوا بموسى ما قاله تعالى عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا, إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، ويصبرون للصلب والتقطيع حتى الموت, ونالوا الشهادة صابرين.

стр. 46

٢- أصحاب الأخدود يلقون الموحدين في النار فيموتون فيها، حتى لا يكفروا وقد ذكرهم القرآن بالثناء عليهم وذم من عذبوهم فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ, الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ, إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ, إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ١. ٣- عندما استشار يهود بني قريظة أثناء الحصار أبا لبابة فأشار لهم بأنه الذبح قال: "والله مازالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ﷺ "، ثم انطلق إلى المسجد فربط نفسه بعموده حتى نزلت توبة الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. ٤- عمير بن سعد في حجر زوج أمه جلاس بن سويد بن الصامت، فقال جلاس في حق رسول الله ﷺ كلمة نابية, فقال عمير: "يا جلاس, إنك لأحب الناس إليّ وأحسنه عندي يدًا, وأعزه أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك, ولئن صمت ليهلكن ديني ولأحدهما أيسر على من الآخر، ثم أخبر الرسول ﷺ "٣. ٥- الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يطلب منه المأمون أن يقول بخلق القرآن فيرفض، فيسجنه ببغداد مقيدًا بالسلاسل، ويأتي المعتصم بعد المأمون فيزيد البلاء بالضرب والسحب ويتناوب عليه الجلادون وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين: دمه في عنقي ليغريه بقتله، ولا يزيد الإمام أحمد

стр. 47

على قوله: "أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ "، ويبقي في السجن ثلاثين شهرًا يقاوم السلطان، حتى انتصر ﵀ عليهم بغير جيش ولا سلاح، إلا سلاح الإيمان والصبر والتمسك بالعقيدة الصحيحة، فكانت فتنته ﵀ نهاية لهذا المذهب، فمن زمانه دفنت هذه العقيدة في بطون الكتب فأصبح حب أحمد شعار أهل السنة١. ٦- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحاسب غازان التتري رابع ملك مسلم من التتار الذي احتل دمشق حتى شرد أهلها وبقي شيخ الإسلام بفئة قليلة فخرج إليه وقال له: "أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمام ومؤذن، فعلام تغزو بلادنا؟ أبوك وجدودك كانوا كافرين وما ؤغزونا بعد أن عاهدونا وأنت عاهدت فغدرت". ولما قدم له غازان الطعام رفض أكله قائلًا: "نهبتم أغنام الناس وطبختموها بأشجار الناس".. ودار بينه وبين غازان جدال طويل لم يخش فيه سلطانه وهيبته٣.

стр. 48

ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات مدخل ... الفصل الخامس: ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات لقد شاعت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر آراء تقول بأن كل شيء في هذا العالم متطور، وهذا التطور يشمل العلوم والصناعات والأخلاق والعقائد وكل شيء، وبناء عليه ظهرت عدة تفسيرات لنشأة العقيدة الدينية تبين مراحل تطوراها خلال التاريخ من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد. وسأقوم في هذا الفصل بإذن الله تعالى ببيان مذاهب التطوريين والرد عليها، ثم بيان أسباب القول بفكرة التطور، ثم بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه، ثم ختمت الفصل برد إجمالي على نظرية التطور.

стр. 49

مذاهب التطوريين والرد عليها مدخل ... أ- مذاهب التطوريين والرد عليها تعددت مذاهب علماء الأديان المقارنة في نشأة العقيدة، وأستطيع حصرها في ثلاثة مذاهب رئيسية هي:

стр. 50

١- المذهب الطبيعي: وقد نادى به "ماكس مولر" سنة ١٨٥٦م و"كوهن" سنة ١٨٥٩م و"شغارتز" سنة ١٨٦٣م، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو

стр. 51

تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها. ورد العالمان جيفونس ودريكايم على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة، لأنه مع الزمن يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها١.

стр. 52

٢- المذهب الروحي: وقد نادى به سبنسر وتيلور، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده. ورد دور كايم على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولي ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلم يكف هذا لتفسير نشأة العقيدة١.

стр. 53

٣- المذهب التوتمي: قال به "دور كايم"، والتوتم عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة

стр. 54

هذا التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر. وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا وعندها يحرم أكله وقتله. وقد رد كل من "لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشمت" على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا وإن كان رمزًا لها١. هذا هو ملخص أقوال أصحاب المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة العقيدة الدينية، واعتقد كل فريق منهم أن تفسيره هو الصحيح وأن باقي المذاهب الأخرى تابعة من حيث الزمن لمذهبه، وأخذ يرد على مذاهب غيره ويبطل صحتها، ولكنهم جميعًا متفقون على أن العقيدة الدينية من إنتاج البشر وتخيلاتهم، وأن تعدد الآلهة هو الأصل وأن التوحيد مرحلة متأخرة جدًّا، وذلك بعد أن أخذت الأمم تترقى في عقائدها وتقلل من عدد المعبودات، وكانت الأمة الغالبة في الحرب تخضع إله الأمة المغلوبة لإلهها، وهكذا حتى انتهى عدد الآلهة لإلهين, ثم آل الأمر إلى الاعتقاد بوحدانية الإله , إذن فالتوحيد حادث ومتطور عن التعدد. وقد تأثر كثير من الكتاب المعاصرين بهذه الفكرة التطورية وألفوا مؤلفات - إما عن خبث وإما عن جهالة وانخداع- يؤيدون فيها فكرة التطور هذه، ومن هؤلاء الكتاب عباس محمود العقاد، ويظهر ذلك واضحًا في كتابه الذي سماه الله، فقد افتتح الكتاب بالعبارة التالية:

стр. 55

"ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلوم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات.." ١. وكتابه كله ينم عن تأييده لفكرة التطور، وهو وإن كان لا يرجح مذهبًا بعينه من المذاهب التطورية، إلا أنه لا يمانع أن تكون التفسيرات التطورية كلها أسبابًا مختلفة لنشأة العقيدة الدينية، فهو يقول في كتابه: "وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضًا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره، ومسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معًا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات ... ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة لا عن فرض واحد، فنحن لا نهمل سببًا يخطر على البال.." ٢ انتهى باختصار. ويعتقد العقاد أن عبادة الشمس هي أرقى مرحلة توصل إليها العقل البشري، وأنها هي المرحلة السابقة لمرحلة التوحيد مستدلًا بقصة إبراهيم فيقول: "وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية واستعدت بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات.. فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة.. ولنا أن نقول إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد" ٣ انتهى باختصار.

стр. 56

ويعتبر أن العرب مروا بهذه الأطوار, ثم يختم بحثه بقوله: "فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه.. هذا التاريخ الطويل هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد" ١ انتهى باختصار. ويعتبر العقاد أن التوحيد ليس نهاية التطور؛ حيث يقول عن العقل: "فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه" ٢، فعلى رأيه هذا سيكون هناك مرحلة بعد مرحلة التوحيد. ثم تَبِعَت العقاد في ذلك ثريا منقوش في كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي" تؤيد فيه آراء العقاد وتزيد عليها حيث تقول: "فتاريخ التوحيد ليس سوى تتابع لمختلف التطورات التي حدثت في تاريخ الفكر العقائدي, ابتداء بالكثرة الكثيرة إلى التعدد الثلاثي ثم إلى الوحدانية المتجسدة ممثلة بإله سماوي أي طبيعي مرئي ثم بمفهوم للواحد مجرد كلي القدرة والفعالية.." ٣. وتَعتبر أن الظروف المختلفة في الجزيرة واليمن أدت إلى فكرة التوحيد, وأن اليهود أخذوا التوحيد من السبأيين, وتأثر المسلمون باليهود فقالوا بعقيدة التوحيد، فهي تقول في ذلك: "لقد دفع اليمنيون التوحيد القومي إلى شمال الجزيرة واحتضنه اليهود وأضافوا عليه مفاهيم ذلك العصر الفلسفية التجريدية ونقلوه بدروهم إلى الفكر الديني الذي يليهم وبخاصة الإسلام.."٤ انتهى بلفظه. وسنعرض فيما يلي الأسباب التي دفعت الكثيرين للقول بفكرة التطور.

стр. 57

أسباب القول بفكرة التطور مدخل ... ب- أسباب القول بفكرة التطور ١ نذكر فيما يلي ثلاثة مصادر للأسباب الدافعة للقول بفكرة التطور هي:

стр. 58

١- المصدر الأول: الكنيسة: كانت الكنائس الأوروبية في القرنين المنصرمين مصدرًا لفكرة التطور لعدة نواحي: أ- كانت الكنائس تفرض على أتباعها ضرائب باهظة. ب- كانت الكنائس تمنع تفسير الإنجيل إلا للباباوات والقساوسة. جـ- الانحلال الخلقي عند رجال الكنسية. د- كانت الكنائس تحارب العلم والاكتشافات العلمية. كل هذه الأسباب مجتمعة، أدت لنتائج سيئة، حيث ثار الشعب على الكنيسة وكفر بالدين وبكل ما تقوله الكنيسة، ونادى بالفكرة القائلة: الدين أفيون الشعوب، معتبرًا الدين من اختراع رجال الكنيسة ليخدروا الشعوب وتتم لهم السيطرة عليهم.

стр. 59

٢- المصدر الثاني: المبشرون: وهناك طائفة من علماء الأجناس والأديان المقارنة كانوا مبشرين بالنصرانية، وممهدين لدولهم للسيطرة العسكرية والاقتصادية، مدفوعين بدافع الحقد الصليبي، ولا يتم لهم ذلك إلا بتشويه عقيدة الإسلام الصافية وشريعته النقية، فلذلك كثر تهجمهم على التوحيد والوحي والرسول ﷺ والهجرة والجهاد والحدود وغيرها، وأخذوا يبثون الشبه على

стр. 60

الإسلام وعقائده الصافية، وكان من جملة هذه الشبه وأخطرها شبهة فكرة تطور عقيدة التوحيد.

стр. 61

٣- المصدر الثالث: الكتاب المعاصرون: هناك طائفة من الكتاب الجهلة الذين خدعهم بريق التقدم العلمي فظنوا أن كل ما يأتي من الغرب صحيح ومخالفته لا تجوز, ليس في العلوم والصناعات فحسب بل في العقائد والأخلاق.

стр. 62

جـ- بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه ١ لقد أخطأ علماء الأديان المقارنة في المنهاج الذي سلكوه فترتب على ذلك خطؤهم في النتائج التي توصلوا إليها, وتتركز أسباب خطئهم في النقاط الأتية: ١- عدم إيمانهم ببعثة الرسل وإنزال الكتب عليهم؛ لأن ذلك يستلزم إيمانهم بالوحي، ولو تم ذلك لكان فيه هدم لمذهبهم من أساسه، ولذلك فهم يصفون الأنبياء بأنهم عباقرة ملهمين استطاعوا أن يبرزوا على غيرهم. ٢- عدم تمييزهم بين العقائد الإسلامية الموحي بها إلى الرسل، والعقائد الوثنية والأساطير الهمجية، بدليل أنهم يعتبرون عقائد الإسلام على قدم المساواة مع غيرهم في مقارنتهم فلا يميزون بين دين الله ودين البشر. ٣- يعتبرون المفهوم الإسلامي للدين والعقائد الإسلامية الصحيحة نوعًا من التعصب وانعدام الروح العلمية في البحث. ونحن وإن كنا لا نلوم الباحثين غير المسلمين في هذا لأنهم يعبرون بذلك عن

стр. 63

أحقادهم ضد الإسلام وأهله، إلا أننا لا نعفي الكتاب المسلمين الذين تأثروا بتلك النظريات مبهورين بهذه الاكتشافات الخاطئة، ونلوم كذلك الذين يحاولون الدفاع عن خاتمة الرسالات فيقولون بأنها أول رسالة جاءت بالتوحيد الصحيح، ونسوا أن القرآن أخبرنا بأن التوحيد هو دين الأنبياء جميعًا على مرور الزمان.

стр. 64

د- الرد الإجمالي على نظرية التطور سبق أن بينا الرد على كل قول من الأقوال في نظرية التطور, ولما لهذه النظرية من الخطورة أعقبتُ هذا الرد المفصل برد إجمالي للنظرية وبيانه في الكتاب والسنة وأبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، وفيما يلي بيان ذلك: ١- الرد من الكتاب والسنة: وقد جمعت بينهما لارتباط الكلام عن الآيات والأحاديث ببعضه, ولأن الأحاديث الواردة هي تفسير للآيات الواردة في هذه النقطة, فنقول: أ- أخبر الله في كتابة أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٢.

стр. 65

فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد, وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام١. قال الطبري: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : "واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به.. عن ابن عباس: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة" ٢، انتهى باختصار. عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" ٣. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٤.

стр. 66

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحديث: "فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة.. وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ "١. انتهى باختصار. وقال ابن القيم ﵀: "فجمع ﵊ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة" ٢. ويقول كذلك: "فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة" ٣. وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرة في النفوس لذلك لما شك الأقوام المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد الله استغرب الرسل هذا الشك فقالوا: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٤.

стр. 67

ب- بين الله سبحانه أن البشرية كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ٢. وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: "وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة.. وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس وكما قاله قتادة" ٣ انتهى باختصار. وعن ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ٤. وعن قتادة قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عليهما

стр. 68

السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحًا وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"١. ورجح ابن كثير قول ابن عباس وقتادة معللًا ترجيحه بقوله: "لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض٢"، ويقول: ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام"٣. (ج) بين الله في كتابه أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٧، وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة

стр. 69

إلى عبادة الله فقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ١.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوهم لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخرى.. فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه.. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين لما كانت النماردة والفراعنة, فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.. فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل.. ثم بعث الله عيسى المسيح ابن مريم.."٢ انتهى باختصار.

стр. 70

من هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك. ٢- وأما ردنا على نظرية التطور من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور فنقول: أ- انقسم علماء الأجناس والأديان المقارنة إلى فريقين: فريق قال بنظرية التطور وقد سبق ذكرها، وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، من أمثال هؤلاء العلماء: لانج وشريدر، وفريزر، وشميدت، وبتا تزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم نظرية فطرية التوحيد وأصالته١، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تكن تعرف تعدد الآلهة وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد. ب- ونرد عليهم كذلك بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارناتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية، التي كانت منتشرة

стр. 71

عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، جعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية والمجوسية والبوذية والهندوكية وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى. ج- ونرد عليهم كذلك بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج١. وبهذا بتبين لنا أن القائلين بنظرية التطور كانوا في أحكامهم مخطئين في الهدف الذي دفعهم لهذه النتائج وفي الوسيلة التي سلكوها في أبحاثهم، وبالتالي فلا قيمة علمية لأبحاثهم تلك. وبهذا تبطل نظرية التطور التي نادى بها هؤلاء، ونحن لا ننفي أن عبادة الأسلاف والكواكب وسائر مظاهر الطبيعة والحيوانات كانت موجودة في بعض الأمم والشعوب، ولكن الذي ننفيه هو ادعاؤهم أن هذه العبادة للآلهة المتعددة كانت هي أصل نشأة العقيدة، وأن التوحيد لاحق لهذه المرحلة؛ لأن هذا معناه أن الدين من اختراع البشر أولًّا، وأن التوحيد طارئ على البشرية ثانيًا، وأن عقيدة التوحيد لا مانع أن تتطور إلى مرتبة أرقى كما زعم العقاد وغيره، ولا أرى هذه المرتبة التالية للتوحيد في نظرهم إلا الإلحاد، وهذا ما يريده أعداء الله لهذه الأمة.

стр. 72

حقيقة التوحيد تمهيد الباب ... تمهيد إن كثيرًا من الناس في مختلف أقطار العالم الإسلامي في عصرنا هذا قد غفلوا عن حقيقة التوحيد الذي طالبهم به رب العالمين وبعث به رسله وأنزل به كتبه، فيعملون أعمالًا ويعتقدون عقائد تدخلهم في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون، وما ذلك إلا أنهم غفلوا عن معاني الكلمات الأربع وهي كلمات: الإله والرب والدين والعبادة، ولم يفرقوا بين توحيد الألوهية والربوبية، فيؤمنون بالخالق ويحسبون أنهم بذلك وحدوا الله، وهم في الواقع يعبدون غيره. وسأتناول في هذا الباب ثلاثة فصول: الأول: أذكر فيه معنى الكلمات الأربع وهي: الإله والرب والدين والعبادة. والثاني: أبين فيه أنواع التوحيد وفي أيها وقع النزاع بين الرسل وأممهم. والثالث: أوضح فيه الضرورة إلى عقيدة التوحيد.

стр. 73

معنى كلمة الإله، الرب، الدين، العبادة مدخل ... تمهيد إن كثيرًا من الناس في مختلف أقطار العالم الإسلامي في عصرنا هذا قد غفلوا عن حقيقة التوحيد الذي طالبهم به رب العالمين وبعث به رسله وأنزل به كتبه، فيعملون أعمالًا ويعتقدون عقائد تدخلهم في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون، وما ذلك إلا أنهم غفلوا عن معاني الكلمات الأربع وهي كلمات: الإله والرب والدين والعبادة، ولم يفرقوا بين توحيد الألوهية والربوبية، فيؤمنون بالخالق ويحسبون أنهم بذلك وحدوا الله، وهم في الواقع يعبدون غيره. وسأتناول في هذا الباب ثلاثة فصول: الأول: أذكر فيه معنى الكلمات الأربع وهي: الإله والرب والدين والعبادة. والثاني: أبين فيه أنواع التوحيد وفي أيها وقع النزاع بين الرسل وأممهم. والثالث: أوضح فيه الضرورة إلى عقيدة التوحيد.

стр. 74

"١" معنى كلمة "الإله " تمهيد: أذكر في هذه النقطة: أ- الله علم الذات الواجب الوجود. ب- أصل لفظ الجلالة "الله" هل هو جامد أو مشتق. ج- معنى لفظ الجلالة والاشتقاقات التي يرجع إليها. د- سبب تسمية الأصنام آلهة.

стр. 75

أ- " الله" علم على الذات الواجب الوجود اسم "الله": علم على الذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال الإلهية, المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، فهو اسم للموجود الحق الواجب الوجود المستحق للعبادة١. وهذا الاسم أعظم أسمائه سبحانه وأجمعها حتى قال بعض العلماء بأنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثنَّ ولم يجمع، وهو أحد تأويلي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢، أي هل تعلم من تسمى باسمه الذي هو "الله". ولأن اسم الله علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لجميع الأسماء الحسنى، فهو يوصف بجميع الصفات ولا يوصف به غيره، لأنه الغاية لجميع الأسماء، فكل اسم بعده لا يتعرف إلا به كما قال تعالى: ﴿ُهوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ
следующие страницы →