بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فهذا سفر جديد ومؤلف نفيس ينشر لأول مرة، للعلامة القرآني والمجاهد المرابط الرباني، شيخ الإسلام والمسلمين أبي العباس أحمد بن تيمية ﵀، نقدمه للمسلمين في وقت هم أحوج ما يكونون فيه للشجاعة والتضحية والإقدام والثبات في مواجهة الهجمة الشرسة للصهيونية البغيضة على الإسلام والمسلمين.
وشيخ الإسلام الذي جاهد "التتار" بسيفه وقلمه لا يألو جهدا في تعليم المسلمين ما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم لا سيما ما يتعلق بأمور الجهاد والمجاهدين، وذروة سنام الدين.
فالمجاهد الحق: هو المتبع المهتدي ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩) ، فلا يقدم على أي عمل بغير علم؛ حتى لا يفسد أكثر مما يصلح.
стр. 2
فالدخول في أمور الجهاد بجهل يحول الجهاد إلى إفساد، ويجر الفتن والشرور على الإسلام والمسلمين.
والمجاهد المخلص: الذي لا يريد علوا في الأرض ولا فسادا لا يظلم ولا يعتدي ولا يبغي ولا يغدر، فكل من البغي والغدر سبب لانتصار المبغي عليه على الباغي؛ قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ (الحج: من الآية٦٠) .
والمجاهد المسلم: لا يجاهد في سبيل الله تشهيا في القتل وسفك الدماء وإهلاك الآخرين فهو يجمع في لقائه بعدوه لقصدين: بين إظهار كلمة التوحيد والغلظة على من خالفها ومنع المسلمين من إقامتها، وبين الإشفاق على الكفار من السيف أولا ومن عقبى النار آخرا بحيث يكون حبه وفرحه بإسلامهم أشد من الظفر بهم قتلى وأسرى؛ فإنهم عباد الله، قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: من الآية٩٤) ١.
وأما تحقيق نسبة الكتاب للمؤلف:
فقد أشار المصنف ﵀ إليه عند كلامه على نفس المسألة؛ حيث يقول: "ولهذا جوز الأئمة الأربعة: أن ينغمس المسلم في صف
стр. 3
الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه؛ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر"١.
وهذا الموضع الآخر هو كتابنا هذا.
وقد ذكره العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في "العقود الدرية"٢ بعنوان: "قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح؟ ".
وهو ما اعتمدته هنا.
وقد ذكر المصنف ﵀ في أوله أن هذه المسألة هي: "في الرجل أو الطائفة يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم إذا كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم أنهم يقتلون".
وصف النسخة:
فقد اعتمدت على نسخة وحيدة تقع ضمن "مجموع" لشيخ الإسلام، محفوظ بـ"دار الكتب المصرية" برقم ٤٤٤ فقه تيمور.
وتقع هذه النسخة في ٤٨ صفحة، كما هو مرقم بالأصل.
كل صفحة بها ١٣ سطر. وهي مكتوبة بخط رقعة جميل.
وتم نسخها سنة ١٣١٩هـ، ولا يعرف ناسخها.
стр. 4
وأما عملنا في التحقيق:
فقد اتخذت هذه النسخة أصلا؛ وصوبت ما فيها من أخطاء بالرجوع إلى كلام المصنف في كتبه الأخرى.
كما قمت بضبط فقرات الكتاب كلها، ونسقت عباراتها ورقمت فقراتها برقم مسلسل ووضعت لها عناوين جانبية.
كما قمت بعزو الآيات ووضع العزو بجوار الآيات، وخرجت الأحاديث والآثار وبينت مرتبتها من حيث القبول والرد.
كما وضعت بعض التعليقات المهمة وأكثرها من كلام شيخ الإسلام من كتبه الأخرى، وبعض المصادر من كتب الفقه.
كما صنعت له فهارس للآيات والأحاديث والآثار والموضوعات.
هذا وقد اجتهدت في ذلك حسب الوسع والطاقة.
والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الإسماعيلية في ١١محرم ١٤٢٢هـ
أبو محمد أشرف بن عبد المقصود غفر الله له
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المصنف
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل الله ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
الحاجة إلى هذه المسألة.
١- فهذه مسألة يحتاج إليها المؤمنون عموما، والمجاهدون منهم خصوصا، وإن كان١ الإيمان لا يتم إلا بالجهاد٢.
٢- وكما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: من الآية١٥) .
٣- ولكن الجهاد يكون للكفار والمنافقين أيضا.
٤- كما قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية٧٣) .
стр. 6
جهاد النفس والمال
٥- ويكون الجهاد بـ: النفس والمال١.
٦- كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية٤١) ٢.
٧- ويكون بـ: غير ذلك وبنفقة.
٨- لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال:" من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" ٣.
стр. 7
جهاد اليد والقلب واللسان
٩- ويكون الجهاد بـ: اليد والقلب واللسان.
١٠- كما قال ﷺ : "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم" ١.
١١- وكما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" ٢.
стр. 8
١٢- فهؤلاء كان جهادهم بقلوبهم ودعائهم.
١٣- وقد قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:٩٥) .
١٤- وقال النبي ﷺ : "الساعي١ على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله" ٢.
стр. 9
١٥- وقال أيضا: "المجاهد من جاهد نفسه في الله"١.
١٦- كما قال: "المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٢.
١٧- والجهاد في سبيل الله أنواع متعددة ... ٣
стр. 10
١٨- ... سبيل الله، ويفرق بينهما النية وإتباع الشريعة.
الغزو غزوان
١٩- كما في "السنن" عن معاذ عن رسول الله ﷺ قال: "الغزو غزوان:
فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة واجتنب الفساد؛ كان نومه [ونبهه] ١ كله أجر.
وأما من غزا فخر ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض؛ فإنه لم يرجع بالكفاف" ٢.
стр. 11
٢٠- وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية؟ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ١.
٢١- وقد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١٩٣) .
стр. 12
عنوان المسألة وصور لها:
٢٢- وهذه المسألة هي في: "الرجل أو الطائفة يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم٢ إذا كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم أنهم يقتلون".
الصورة الأولى
٢٣- كالرجل: يحمل وحده على صف الكفار ويدخل فيهم.
ويسمي العلماء ذلك: "الانغماس في العدو"؛ فإنه يغيب فيهم كالشيء ينغمس فيه فيما يغمره.
стр. 13
الصورة الثانية
٢٤- وكذلك الرجل: يقتل بعض رؤساء الكفار بين أصحابه.
مثل أن يثب عليه جهرة إذا اختلسه، ويرى أنه يقتله ويغتفل١ بعد ذلك.
الصورة الثالثة
٢٥- والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية٢ في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون.
٢٦- فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم٣.
اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة
٢٧- وليس في ذلك إلا خلافا شاذا٤.
стр. 14
نص الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك على الجواز
٢٨- وأما الأئمة المتبعون كـ: "الشافعي"١ و"أحمد"٢ وغيرهما٣ فقد نصوا على جوز ذلك.
٢٩- وكذلك: هو مذهب:
- "أبي حنيفة"٤.
стр. 15
٣٠- و"ملك"١ وغيرهما.
стр. 16
أدلة الكتاب والسنة والإجماع
٣١- ودليل ذلك: الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة
стр. 17
أدلة من الكتاب
...
الآية الأولى
٣٢- فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة:٢٠٧) .
سبب النزول
٣٣- وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية١:
أن صهيبا خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة إلى النبي ﷺ . فلحقه المشركون وهو وحده.
فنشل كنانته، وقال: والله لا يأتي رجل منكم إلا رميته.
فأراد قتالهم وحده، وقال: إن أحببتم أن تأخذوا مالي بمكة فخذوه، وأنا أدلكم عليه.
ثم قدم على النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : "ربح البيع أبا يحي".
стр. 18
٣٤- وروى أحمد بإسناده: أن رجلا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: كلا بل هذا ممن قال الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة:٢٠٧) .١
٣٥- وقوله تعالى: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي يبيع نفسه، فيقال شراه وبيعه سواء، واشتراه وابتاعه سواء، ومنه قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: من الآية٢٠) أي باعوه.
فقوله: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته وذلك يكون بأن يبذل نفسه فيما يحبه الله ويرضاه، وإن قتل أو غلب على ظنه أنه يقتل.
стр. 19
الآية الثانية
٣٦- كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١١١-١١٢) .
٣٧- وهذه الآية وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ يدل على ذلك أيضا.
أفضل الشهادة
٣٨- فإن المشتري يسلم إليه ما اشتراه، وذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله وطاعته، وإن غلب على ظنه أن النفس تقتل والجواد يعقر، فهذا من أفضل الشهادة.
٣٩- لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيها [أحب] ١ إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم
стр. 20
لم يرجع من ذلك بشيء" ١.
٤٠- وفي رواية: "يعقر جواده وأهريق دمه" ٢.
٤١- وفي "السنن" عن عبد الله بن حبشي أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ قال: طول القيام.
قيل: أي الصدقة أفضل؟ قال جهد المقل.
قيل: فأي الهجرة [أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عليه.
قيل: فأي الجهاد أفضل؟] ٣ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله.
قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه، وعقر جواده٤.
стр. 21
الآية الثالثة
٤٢- وأيضا: فإن الله سبحانه قد أخبر١ أنه أمر خليله بذبح ابنه ليبتليه هل يقتل ولده في محبة الله وطاعته؟!
٤٣- وقتل الإنسان ولده قد يكون أشق عليه من تعريضه نفسه للقتل، والقتال في سبيل الله أحب إلى الله مما ليس كذلك.
امتحان إبراهيم بذبح ابنه
٤٤- والله أمر إبراهيم بذبح ابنه قربانا؛ ليمتحنه بذلك ولذلك نسخ ذلك عنه لما علم صدق عزمه في قتله؛ فإن المقود لم يكن ذبحه لكن ابتلاء إبراهيم٢.
стр. 22
ابتلاء الله للمؤمنين ببذل أنفسهم
٤٥- والله تعالى يبتلي المؤمنين ببذل أنفسهم، ليقتلوا في سبيل الله ومحبة رسوله؛ فإن قتلوا كانوا شهداء، وإن عاشوا كانوا سعداء.
٤٦- كما قال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة: من الآية٥٢) .
стр. 23
الآية الرابعة
٤٧- وقد قال لبني إسرائيل: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٥٤) .
٤٨- أي: ليقتل بعضكم بعضا.
٤٩- فألقى عليهم ظلمة، حتى جعل الذين لم يعبدوا العجل يقتلون الذين عبدوه.
٥٠- هذا الذي كان في شرع من قبلنا من أمره بقتل بعضهم بعضا١ قد عوضنا الله بخير منه وأنفع، وهو جهاد المؤمنين عدو الله وعدوهم وتعريضهم أنفسهم لأن يقتلوا في سبيله بأيدي عدوهم لا بأيدي بعضهم بعضا، وذلك أعظم درجة وأكثر أجرا.
ذم الفرار من الموت
٥٢- وأيضا: فإن الله أمر بالجهاد في سبيله بالنفس والمال مع أن الجهاد مظنة القتل بل لا بد منه في العادة من القتل.
الآية الخامسة
٥٣- فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ النساء:٧٧-٧٨) .
الآية السادسة
٥٤- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ (الأحزاب:١٥-١٧) .
٥٥- فأخبر سبحانه:
* أن الفرار من الموت أو القتل لا ينفع بل لا بد أن يموت العبد وما أكثر من يفر فيموت أو يقتل، وما أكثر من ثبت فلا يقتل١.
* ثم قال: ولو عشتم لم تمتعوا إلا قليلا ثم تموتوا.
* ثم أخبر أنه لا أحد يعصمهم من الله؛ إن أراد أن يرحمهم أو يعذبهم، فالفرار من طاعته لا ينجيهم.
стр. 26
* وأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير.
مايوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر
٥٦- وقد بين في كتابه: أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة للنار١، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال:١٥-١٦) .
стр. 27
٥٧- فأخبر أن الذين يخافون العدو خوفا منعهم من الجهاد منافقون فقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) (التوبة:٥٦-٥٧) .
٥٨- وفي "الصحيحين" عن النبي أنه عد الكبائر؛ فذكر: "الشرك بالله وعقوق الوالدين، والسحر واليمين الغموس وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وذكر منها: "الفرار من الزحف في الصفين"١.
٥٩- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "شر ما في المرء: شح هالع، أو جبن خالع"٢.
стр. 28
أدلة من السنة
...
فمن وجوه كثيرة:
عدد الكفار في بدر بقدر المسلمين ثلاث مرات
٦٠- أن المسلمين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدوهم بقدرهم ثلاث مرات أو أكثر١، وبدر أفضل الغزوات وأعظمها.
٦١- فعلم: أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم، ولا فرق في ذلك بين الواحد والعدد، فمقاتلة الواحد لثلاثة كمقاتلة الثلاثة للعشرة.
المسلمون في أحد كانوا ربع الكفار
٦٢- وأيضا: فالمسلمون يوم أحد كانوا نحو من ربع العدو؛ فإن العدو كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها٢، وكان المسلمون نحو السبعمائة أو قريبا منها٣.
стр. 29
المسلمون في الخندق دون الألفين والأحزاب عشرة آلاف
٦٣- وأيضا: فالمسلمون يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، كان أكثر من عشرة آلاف١، وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها وأحزابها الذين كانوا حول مكة وغطفان٢ وأهل نجد واليهود الذين نقضوا العهد وهم بنو قريظة جيران٣ أهل المدينة، وكان المسلمون بالمدينة دون الألفين.
حمل الرجل وحده على العدو وبمرأى النبي ﷺ
٦٤- وأيضا: فقد كان الرجل وحده على عهد النبي صلى الله عليه وسلم٤ يحمل على العدو بمرأى من النبي ﷺ ، وينغمس فيهم، فيقاتل حتى يقتل وهذا كان مشهورا بين المسلمين على عهد النبي ﷺ وخلفائه.
стр. 30
قصة خبيب بن عدي وأصحابه
٦٥- وقد روى البخاري في صحيحه١ عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب٢.
فنطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة ٣ بين عسفان٤ ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان٥.
فنهذوا إليهم بقريب من مائة رجل رام. وفي رواية: مائتي رجل. فاقتفوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا: هذا تمر يثرب ٦.
стр. 31
فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى موضع.
وفي رواية: إلى فدفد١- أي: مكان مرتفع - وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا أيديكم ولكم العهد والميثاق، لا يقتل منكم أحد.
مقتل عاصم بن ثابت في جملة سبعة من أصحابه
فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم! أما أنا فو الله فلا أنزل على ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك ﷺ .
فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة٢.
فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نفر على الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وزيد َابْنُ الدَثِنَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ.
غدر الكفار بالثلاثة الآخرين
فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ٣ فربطوهم بها.
قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ لِي بهَؤُلاَءِ أسْوَةً؛ يُرِيدُ الْقَتْلَى.
فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ، فأبى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُو
стр. 32
وقوع خبيب وزيد بن الدثنة في الأسر
بِخُبَيْبٍ وَزيد ابْنِ الدَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ.
فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عمرو يَوْمَ بَدْرٍ.
وَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حتى أجمعوا على قتله.
تورع خبيب عن الغدر وقتل أولاد المشركين
فاسْتَعَارَ مِنْ بعض بنات الحارث مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا١، فَأَعَارَتْهُ فدرج بنيلها وهي غافلة حتى أتاه٢ مجلسه على فخذه والموسى بيده؛ قالت: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ.
فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ، مَا كُنْتُ لأفعل ذَلِكَ؟
كرامة لخبيب
قالت: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، فوَ اللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفِا من عِنَبٍ٣ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ٤ مِنْ ثَمَرٍ.
وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رزقه اللَّهِ خُبَيْبًا.
стр. 33
فَلَمَّا خَرَجُوا به مِنْ الْحَرَمِ١ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ.
خبيب أول من سن الركعتين عند القتل
قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دعوني أصلي رَكْعَتَيْنِ.
فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ.
فقَالَ: والله لَوْلاَ أَنْ تحسبوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لزدت، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، واقتلهم بددا٢ ولا تبقي منهم أحدا. قال:
فلست أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا
... عَلَى أَيِّ جنب كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ٣
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة ابْنُ الْحَارِثِ فقتله، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصلاة٤.
стр. 34
وأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ يوم أصيبوا خَبَرَهُمْ.
وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قد قُتِلَ أن يؤتى بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ.
حماية الله لجسد عاصم ابن ثابت من المشركين
فَبُعِثَ الله لعَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ [مِنْ الدَّبْرِ] فَحَمَتْهُ١ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا٢"٣.
стр. 35
وجه الدلالة من قصة خبيب وأصحابه
٦٦- فهؤلاء عشرة أنفس قاتلوا أولئك المائة أو المائتين، ولم يستأسروا لهم حتى قتلوا منهم سبعة. ثم لما استأسروا الثلاثة امتنع الواحد من إتباعهم حتى قتلوه.
من فضائل عاصم
٦٧- وهؤلاء من فضلاء المؤمنين وخيارهم؛ وعاصم هذا هو جد عاصم بن عمر ١، وعاصم بن محمد جد عمر بن عبد العزيز؛ فإن عمر بن الخطاب كان قد نهى الناس أن يشوب أحد اللبن بالماء للبيع٢.
٦٨- كذلك في مراسيل الحسن: أن النبي ﷺ نهى عن ذلك٣.
стр. 36
٦٩- لأنه يفضي إلى غش لا يعلم به المشتري؛ فإن البائع وإن أخبر المشتري بأنه مغشوش؛ ولكنه لا يتميز قدر الغش ولهذا نهى العلماء عن مثل ذلك١.
٧٠- فبينما عمر ذات ليلة يعس٢ إذ سمع امرأة تقول لأخرى: قومي فشوبي اللبن.
فقالت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك؟!
فقالت: وما يدري أمير المؤمنين؟
فقالت: لا والله لا نطيعه في العلانية ونعصيه في السر.
فعلم عمر على [الباب] ٣ فلما أصبح سأل عن أهل ذلك البيت فإذا به "أهل بيت عاصم" هذا أمير المؤمنين المستشهد والمرأة المطيعة إبنته فخطبها وتزوجها٤.
٧١- وقد روي: أنه زوجها ابنه عاصم هذا. وإن كان عمر قبل ذلك تزوج ابنة عاصم هذا فولدت له عاصم ابنه، وصدق عمر بن عبد العزيز من ذرية عاصم.
стр. 37
دليل آخر من السنة
٧٢- وأيضا: ففي السنن عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من رجلين:
رجل ثار عن وطائه من بين حيه أهله إلى صلاته.
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه ومن أهله وحيه إلى صلاته، رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي.
ورجل غزا في سبيل الله ، فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه.
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه" ١.
٧٣- فهذا رجل انهزم هو وأصحابه ثم رجع وحده فقاتل حتى قتل.
стр. 38
وجه الدلالة من الحديث
٧٤- وقد أخبر النبي ﷺ : أن الله يعجب منه؛ [و] ١ عجب الله من الشيء يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته.
٧٥- وهذا يدل على: أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي لا يكتفى فيه بمجرد الإباحة والجواز؛ حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حيث يغلب على ظنه أنه يقتل فترك ذلك أفضل.
٧٦- بل الحديث يدل على: أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه ومعلوم أن مثل هذا الفعل يقتل الرجل فيه كثيرا أو غالبا، وإن كان ذلك لتوبته من الفرار المحرم؛ فإنه مع هذه التوبة جاهد هذه المجاهدة الحسنة.
٧٧- قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل:١١٠) .
٧٨- وقد قال النبي ﷺ : "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" ٢.
стр. 39
٧٩- فمن فتنه الشيطان عن طاعة الله ثم هجر ما نهى الله عنه وجاهد وصبر كان داخلا في هذه الآية.
٨٠- وقد يكون هذا في شريعتنا عوضا عما أمر به بنو اسرائيل في شريعتهم لما فتنوا بعبادة العجل بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٥٤) .
٨١- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (النساء: ٦٤-٦٦) .
٨٢- وذلك يدل على: أن التائب قد يؤمر بجهاد تعرض به نفسه للشهادة.
شبهات وجوابها وتوضيح لمعاني بعض الآيات
٨٣- فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ (لأنفال: ٦٥، ٦٦)
стр. 40
٨٤- وقد قالوا: إن ما أمر به من مصابرة الضعف١ في هذه الآية ناسخ لما أمر به قبل ذلك من مصابرة عشرة الأمثال٢.
٨٥- قيل: هذا أكثر ما فيه أنه لا تجب المصابرة لما زاد على الضعف ليس في الآية أن ذلك لا يستحب ولا يجوز.