أسماء الله وصفاته في سورة الفاتحة:
وهذه السورة المباركة التي تُتلى في كل ركعة من ركعات الصلاة اشتملت من أسماء لله وصفاته على: أسمائه ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة].
فاسم الجلالة (١): ﴿الله﴾ هو اسم للرب الإله الحق؛ وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وهو الاسم الجامع لمعانيها.
قال ابن كثير ﵀: وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ ﵎ ا. هـ (٢).
وهو اسم عربي، وأصله الإله كما قال سيبويه وغيره، فهو مشتق من (أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلاهَةً وأُلوهِيةً) بِمَعْنَى: عبدَ عِبَادةً. فَهُوَ إلهٌ؛ بِمَعْنَى مأْلوهٍ؛ أَيْ: مَعْبُودٍ (٣).
وقد روي عن عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قال: «اللهُ ذُو الإلهيةِ والعُبوديةُ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ» (٤). والألوهية التعبد بحب وتعظيم. فاسم الجلالة: ﴿الله﴾ دال على صفةٍ له -تعالى-، وهي الإلهية؛ فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، بما فيه من المعنى الموضوع له وهو عَلَمِيتَّه على ذي الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين …
واسمه ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ هو وصف له تعالى بأنه اتصف بغاية الرحمة ومنتهاها. ومَنْ هذا وصفه وهذا رحمته فقصْدُ غيره وعبادةُ سواه ورجاؤه من أضل الضلال وأبطل الباطل وأسفه السفه، …
واسمه ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ معناه: الذي أوصل ويوصل إلى عباده غاية الرحمة ومنتهاها، وكل ما في الموجودات من أنواع النعم والهداية والخيرات فمن رحمته وفضله وإحسانه. فمن هذا فعله بعبيده، وهذه رحمته لهم هو الذي يستحق ويجب أن يعبد ويقصد ويرجى ويناب إليه، والعدول إلى غيره ضلال بعيد، وجهل عظيم، وشرك وخيم.
стр. 142
سورة الإخلاص:
وقول النبي ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». معناه كما قال شيخ الإسلام ﵀: القرآن باعتبار معانيه ثلاث أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي؛ لأن القرآن كلام الله. والكلام: إما إنشاء، وإما إخبار، والإخبار: إما عن الخالق، وإما عن المخلوق. والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن الخالق، وقد قال ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن» وعَدل الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه، … وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما. ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص. وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] ا. هـ (١)
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا «الْأَحَدُ الصَّمَدُ» لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمام الْمعرفَة بِصِفَات الذَّات وصفات الْفِعْل ثناءا ا. هـ (٢)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ … وَقِيلَ الْمُرَادُ: مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ من الْإِخْلَاص والتوحيد كَانَ كمن قرأ ثلث الْقُرْآنِ … وَقَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ .... وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ؛ وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ ا. هـ (١)
من التأمل في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى:
فهذا كله يدلنا على أهمية العناية بتعلم أسماء الله وصفاته والتدبر والتفكر فيها؛ فهذا يعود على المسلم بالإيمان الصحيح. ويعود عليه بقوة الإيمان، فيزداد إيمانًا.
الغني الحميد:
فحينما يتأمل في أسماء الله -جل وعلا- وفي صفاته، ويعلم مثلا: أن الله ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، فإنه يزداد ثقةً بربه -جل وعلا-. فلله الغنى التام والحمدُ التام. والغنى صفة كمال لله والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء سبحانه من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما (٢)، ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، وهو الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه الغني في حمده. (٣)
الحميد المجيد:
وتأمل مثلًا في اسمه ﴿الْحَمِيدُ﴾ و ﴿الْمَجِيدُ﴾:
قال ابن القيم ﵀: فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدًى مهملًا معطَّلًا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب. وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه
стр. 145
الملك … وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغفرة الزلّات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيِّئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحقِّ والعلمِ منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحِلمُه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزّته وحكمته، كما قال المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ليستْ كمن يغفر عجزًا ويسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقِّك، قادرٌ على استيفائه، حكيمٌ في الأخذ به. فمن تأمّل سريان آثار الأسماء والصِّفات في العالَم وفي الأمر، تبيَّن له أنَّ مصدر قضاءِ هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصِّفات والأفعال، وغاياتُها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيَّته وإلهيَّته ا. هـ (١)
الحكيم:
وكذلك تأمَّلْ في اسمه ﴿الْحَكِيمُ﴾ فإنك تعرف بذلك أنَّ الله -جل وعلا- له حكمة عظيمة في خلقه، وفي أمره، وفي شرعه، لم يخلق شيئًا هملًا، ولم يترك شيئًا سدًى .
السميع البصير العليم المحيط:
وإذا علم العبد أنَّ ربَّه ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
وأنه سبحانه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]
وأنه سبحانه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]
стр. 146
﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]
فمَن عَلِمَ باطلاع الله عليه ورؤيته له وإحاطته به فإنَّ ذلك يُثمِر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات القلب عن كل ما لا يُرضِي الله.
وتأمل قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق].
فمن وضع هذه الآية نُصْبَ عينيه؛ حجز نفسه عن الغفلة ولزم المراقبة لله. لأنَّ العلم بأسماء الله وصفاته، يمنع المؤمنَ الصادقَ الموفقَ من الوقوع فيما حرَّم الله.
وتأمل قوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات].
ففي ذكر الاسمين الكريمين؛ بعد الأمر بتقواه، حث على الامتثال للأمر، وترهيب عن عدم الامتثال.
وتأملوا قوله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت]
فإن في قوله تعالى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ تهديدًا ووعيدًا لأعدائه ويؤكده ختم الآية ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ فالله مطَّلِع على أعمالكم من خير أو شر.
الغني الكريم البر الرحيم:
وهكذا إذا علم العبد بأن الله: ﴿غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]،
وأنه ﴿الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] الذي شمل الكائنات بأسرها ببِرِّه ومَنِّهِ وعطائه؛
فهو مغني النعم؛ وهو واسع الإحسان، وأنه ﵎ مع غناه عن عباده فهو محسن إليهم، رحيم بهم، يريد بهم الخير، ويكشف عنهم الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا دفع مضرة بل رحمة منه وإحسانًا، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليعتز بهم من ذلة ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا يدفعوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات].
الحق المبين:
وهكذا حين تعلم ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور]
فتسأل نفسك: ما معنى اسم الله -جل وعلا- الحق؟ وما معنى المبين؟
стр. 147
فالحق هو الذي لا شكَّ فيه ولا ريب، لا في ذاته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في ألوهيته؛ فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني والجزائي حق، ورسله حق. وهو لا يظلم أحدا مثقال ذرة. فكل هذا، يعينك على فهم أسماء الله الحسنى ويعينك على التدبر والتفكر والتأمل.
فإذا علم العبد ذلك أحبَّ ربه -سبحانه- وأقبل على ربه -جل وعلا- بكُلِّيَّته متعبِّدًا ذاكرًا لربه بلسانه، ومطيعًا لربه بجوارحه.
إذا علم العبد ذلك أثمر عنده قوةَ رجاءٍ بالله، وأثمر عنده الطمعَ فيما عند الله وإنزالَ جميع حوائجه به وإظهارَ افتقاره إليه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
كذلك إذا تأمل العبد في عدل الله وانتقامه، وغضبه، سبحانه وسخطه، وعقوبته، أثمر عنده الخشية، والخوف، والحذر، والبُعد عن مساخط الربِّ -جل وعلا-.
ولهذا يقول ربنا : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر].
إن التأمل في ذلك يدعوك -أيها المؤمن- إلى أن تعيش بين الخوف والرجاء.
ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة].
وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة].
وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة].
وهكذا كلَّما تأمل الإنسان في أسماء الله وصفاته زاده ذلك إيمانًا، وزاده ذلك رفعة وقربًا من الله -جل وعلا-.
стр. 148
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: راود رجل امرأة في فلاة ليلًا، فأَبَتْ، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب. قالت: فأين مكوكبها؟! (١).
أي: أين الله؟! ألا يرانا؟!
فمنعها هذا العلم من اقتراف الذنب والوقوع في الخطيئة.
وكذلك جاء في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار: قال ﷺ «فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهِ إِذْ وَقَعَ حَجَرٌ مِنَ الْجَبَلِ مِمَّا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ -جل وعلا-» (٢)، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذا العمل إلا أن تسألوا الله -جل وعلا- بصالح أعمالكم. فاستحضارهم:
• أن الله مطلع عليهم،
• وأن الله -جل وعلا- لن يخذلهم
• وأن الله لطيف بعباده،
• وأنه سبحانه رؤوف رحيم
هو الذي جعلهم يستحضرون أعمالهم الصالحة؛ ليتوسلوا بها إلى ربهم -جل وعلا-.
وفي نبأ هؤلاء الثلاثة: أن أحدهم ذكر أنه راود ابنة عم له على الزنا بها على أن يعطيها مائة دينار أو مائة وعشرين، وأنها ألمَّت بها سنة من السنين ثم إنها وافقت، فلما جلس منها مجلسَ الرجل من امرأته، قالت: له: «اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ» (٣). فتذكرَ عظمة الله -جل وعلا- وتذكرَ اطلاع الله -جل وعلا- عليه، فمنعه ذلك من الوقوع فيما حرَّم الله -جل وعلا-.
стр. 149
أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها صفات عليا وكلها كمال:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن: "أَسْمَاءَ الله سُبْحَانَهُ كُلَّهَا حُسْنَى؛ وَأَفْعَالَهُ كُلَّهَا جَمِيْلَةٌ، وخَيْرٌ (١)، وَحِكْمَة، ومَصْلَحَة، وَإِحْسَانٌ، وَصِدْقٌ، وَعدْلٌ، وَرَحْمَة؛
وَصِفَاتُهُ: كُلُّهَا كَمَالٌ؛ وكلُّها صفاتُ مدْحٍ، ليْسَ فيهَا نَقْصٌ بوجْهٍ مِنْ الوجُوه " (٢)
وقولنا: "حسنى: أي: بالغة في الحسن غايته؛ لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
قال ابن القيم ﵀: وهى مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها فهو المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه ا هـ (٣).
فإذا تأملت في اسم الله -جل وعلا- ﴿الحي﴾ عرفت أنه دالٌّ على صفة الحياة لله -جل وعلا- وأنها صفة كاملة لم تُسبَق بعدم، ولا يلحقها نقص بخلاف الصفة للإنسان؛ فالإنسان يُوصَف بأنه "حي" لكنَّ حياتَه حياةٌ تليق بضعفه وعجزه وفقره؛ فإنها حياة سبقها عَدَمٌ كما قال -جل وعلا-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان] وحياة يعقبها موت؛ فالله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر] ويقول : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران]. وأما ربنا -جل وعلا- فهو الحيُّ ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] (٤).
стр. 150
قال شيخ الإسلام ﵀: … الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك … وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى … ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شيء ا. هـ (١)
أسماء الله غير محصورة بعدد:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله -جل وعلا- غيرُ محصورة بعدد كما ورد في الحديث المشهور: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» (٢).
قال الخطابي ﵀: فَهَذا يَدُلُّكَ على أن لله أسماء لم يُنَزِّلْهَا في كِتَابِهِ، حَجَبَهَا عَنْ خَلْقِهِ، وَلم يُظْهِرْهَا لَهُمْ ا. هـ (٣). وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي
стр. 151
ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (١)
قال شيخ الإسلام ﵀: فأخبر أنه لا يحصي ثناء عليه ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصي الثناء عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه (٢).
فنؤمن بما ورد في الكتاب والسنة، وبما استأثر الله -جل وعلا- بعلمه عنا مما لا يمكن حصره ولا الإحاطة به.
وأما قوله ﷺ : «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلَّا واحِدًا، مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» (٣). فقوله: «مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» صفة لا خبر مستقل، أي له أسماء متعددة موصوفة بأن «مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها؛ كما تقول لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة ومائة فرس أعدها للجهاد فهذا لا ينفي أن يكون له سواهم معدون لغير الجهاد؛ وهذا قول الجمهور؛ (٤) وخالفهم: ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد. (٥)
أسماء الله وصفاته توقيفية:
ثم اعلموا أن أسماء الله لا تثبت بالعقل، وكذلك صفاته، وإنما تثبت بالوحي، فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء والصفات، فوجب الوقوف في ذلك على النص، فإذا أثبت المسلم لله اسمًا أو صفةً فيجب أن يكون على ذلك دليلٌ من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ . (٦)
стр. 152
بعض الكتب النافعة في هذا الباب:
وأدلكم على بعض الكتب النافعة في هذا الباب ومنها:
"كتاب القواعد المثلى" للشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-،
وهو كتاب نافع جدًّا وسهل في فهم هذا الباب.
وكذلك كتابُ شيخنا وابن شيخنا: الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر "فقه الأسماء الحسنى"
فهو من الكتب العظيمة النافعة التي أحُثُّ إخواني وأحُثُّ السامعين على مراجعتها والعيش معها؛ فإنه تكلم فيه عن أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، فذكر الأسماء اسمًا اسمًا، وتكلم عمَّا فيها من المعاني، بأسلوب سهل واضح.
وهذا يعيننا على التفكر والتأمل والتدبر.
والخلاصة: أنَّ الشعبة الأولى من شعب الإيمان هي شعبة الإيمان بالله -سبحانه- وهي أعظم الشعب، والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجود الله. وبربوبيته. وبألوهيته. وبأسمائه وصفاته.
وهذا الباب باب عظيم واسع، لكن نقتصر منه على ما تيسر ذكره في هذه المجالس. والله أعلم
انتهى الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني:
الإيمان بالرسل الكرام ﵈-
стр. 153
سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٢)
الإِيْمَانُ بالرسلِ
﵈
تأليف
أبي حمزة غازي بن سالم أفلح
عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين
تقديم
الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي
الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى
الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر
стр. 154
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار
١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م
(مزيدة ومنقحة)
رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي
MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢
Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩
الترقيم الدولي
ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤
التصنيف العمري: E
تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب
للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com
الإمارات العربية المتحدة - الشارقة
البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com
للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧
تويتر: @ DroosAldar
стр. 155
الركن الثاني من أركان الإيمان
الإيمان بالرسل
стр. 156
المجلس العاشر (١)
الشعبة الثانية من شعب الإيمان: الإيمان بالرسل
الشعبة الثانية هي الإيمان برسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
أولها: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.
والثاني: الإيمان بمن عَلِمَنا اسمه منهم باسمه مثل: نبينا محمد ﷺ ، وبقية الأنبياء المذكورين في القرآن كنوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈.
أولوا العزم من الرسل:
وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، وهم أفضل الرسل، ونبيُّنا ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وأفضل هؤلاء الخمسة. وهؤلاء الأنبياء الخمسة الذين هم أولو العزم من الرسل قد جاء ذكرهم في موضعين من كتاب الله تعالى:
قال -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]
وقال -جل وعلا-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا كما سيأتي معنا.
والأمر الثالث: تصديق ما صحَّ عنهم من أخبارهم.
والأمر الرابع: العمل بشريعة من أُرْسِلَ إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ المرسل إلى جميع الناس إلى الثقلين من الجن والإنس.
стр. 157
يقول الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى-: الثاني من شعب الإيمان، وهو باب في الإيمان برسل الله -صلوات الله عليهم عامة- اعتقادًا وإقرارًا إلا أنَّ الإيمان بما عدا نبينا ﷺ هو الإيمان بأنهم كانوا مرسلين إلى الذين ذَكَرُوا لهم أنهم رسل الله إليهم، وكانوا في ذلك صادقين محقِّين، والإيمان بالمصطفى نبينا ﷺ هو التصديق بأنه نبيه ورسوله إلى الذين بُعِثَ فيهم، وإلى مَنْ بعدَهم من الجن والإنس إلى قيام الساعة (١).
من أدلة الإيمان بالرسل:
ثم ذكر البيهقي ﵀ أدلة على ذلك (٢)، منها: قول الله -جل وعلا-: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. هذه الآية دليل على أن الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ [آل عمران].
كفر من كذب بالرسول:
فإذا عرفت أنَّ الإيمان بالأنبياء أصلٌ من أصول الدين، وأصل من أصول الإيمان، فإنَّ من لم يؤمن بالرسل فقد ضلَّ ضلالًا بعيداً، وخسر خُسرانًا مبينًا. يقول ربنا سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء].
وتأملوا قول الله في قوم زعموا أنهم مؤمنون، ولكنهم كفروا بالرسل والكتب قال -جل وعلا-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فالذين يَقْدُرُون الله حق قدره، ويعلمون صفاته التي اتصف بها من العلم والحكمة والرحمة لا بُدَّ أن يوقنوا بأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ لأن هذا مقتضى صفاته؛ فهو -سبحانه- لم يخلق الخلق عبثًا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة]
стр. 158
كفر من لم يؤمن بنبينا محمد ﷺ من أهل الكتاب:
ومن كفر بالرسل وهو يزعم أنه يؤمن بالله، فهو عند الله كافر؛ إذ أمرنا الله-سبحانه-بالإيمان بجميع الأنبياء فمن كفر برسول واحد كفر بجميع الرسل. وهؤلاء الذين يزعمون أنهم أهل كتاب من يهود ونصارى وهم يكفرون بمحمد ﷺ هم كفار، وبعضُ الناس يجد حرجًا من وصفهم بالكفر، ويقول: كلَّا، إنهم أهل كتاب. وهذا من الجهل فإن التكذيب برسول واحد تكذيب لهم جميعا.
التكذيب برسول واحد تكذيب لجميع المرسلين:
نعم، هم أهل كتاب، لكنهم لما كفروا بنبينا ﷺ صاروا مكذبين لجميع الأنبياء، وتأمل قول الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء]
وقال -جل وعلا-: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء]
وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء]،
وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ [الشعراء]،
وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ [الشعراء]،
وقال -جل وعلا-: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ [الفرقان]،
ولو تأملت فكل أمة كذبت رسولها إلا أن التكذيب برسول واحد يعد تكذيبًا بالرسل كلهم؛ ولهذا لا يُفرِّق المؤمنُ بين أحد منهم، قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء]. فنصَّت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكَفَرَ بالرسل ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. فهذا كفر، حيث فَرَضَ اللهُ على الناس أن يعبدوه لكن كيف يعبدونه؟ يعبدونه بما شرع على ألسنة الرسل، فإذا كفروا برسول منهم فقد رَدُّوا شريعة الله ، فهذا من التفريق بين الرسل.
стр. 159
وجوب الإيمان بجميع الرسل:
والله-تعالى-يقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة]
قال ابن تيمية ﵀: فَأَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ: آمَنَّا بِهَذَا كُلِّهِ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَمَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا مُؤْمِنًا؛ بَلْ يَكُونُ كَافِرًا وَإِنْ زَعْم أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُؤْمِنٌ ا. هـ (١)
ومن سار على هذا النهج فقد اهتدى؛ ولهذا جاءت الآية بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]. وأنا أدعو كل مؤمن أن يقف عند هذه الآية متأملاً في هذا السياق ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾. أي من جميع الرسل، وجميع الكتب، وأسلموا لله وحده، ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ للصراط المستقيم. فالهداية التامة هي أن تكون موافقًا في الإيمان لما كان عليه النبيُّ ﷺ وأصحابُه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] أي في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ بأي نوع من العقوبات، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون من الباطل ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء.
مدح المؤمنين الذين لم يفرقوا بين الله ورسله:
وإن ربك -جل وعلا- امتدح رسول هذه الأمة والمؤمنين الذين تابعوه في الإيمان فقال -جل وعلا-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ووعد الله -جل وعلا- الذين لم يفرقوا
стр. 160
بين الرسل بالمثوبة والأجر العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء].
ذم من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض:
وذمَّ الله -جل وعلا- أهل الكتاب لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعض فقال -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] فاليهود لا يؤمنون بعيسى ولا بمحمد ﵊ والنصارى لا يؤمنون بمحمد ﵊ فكانوا بذلك -جميعا- كفارًا. وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١)
قال العلامة الألباني ﵀: «يَسْمَعُ بِي»؛ أي: على حقيقته ﷺ بشراً رسولاً نبياً فمن سمع به على غير ما كان عليه ﷺ من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم على غير حقيقته ﷺ المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث ا. هـ (٢)
وقد أصبح بعض الناس بسبب جهلهم بالدين، يعتقدون أن اليهود ليسوا كفارًا، وأن النصارى ليسوا كفارًا، فيقولون: الناس، مسلمون ويهود ونصارى وكفار، على اعتبار أنَّ غير اليهود والنصارى هم الكفار، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة].
-فاللهم اهد ضال المسلمين-.
стр. 161
عدد الأنبياء والرسل:
جاء حديث صحيح أخرجه الطبراني والحاكم في مستدركه في بيان ذلك.
وهو حديث أبي أمامة صُدي بن عجلان ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مُعَلَّمٌ مُكَلَّمٌ» قَالَ: كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: «عَشْرُ قُرُونٍ» قَالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «عَشْرُ قُرُونٍ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كَانَتِ الرُّسُلُ؟ قَالَ: «ثَلَاثَ مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَمًّا غَفِيرًا» (١).
ومما يستفاد من هذا الحديث أن الأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله -جل وعلا- في القرآن، وسماهم لنا بالاسم، وعدَدُهم خمسة وعشرون نبيًّا ورسولًا، هم بعض الأنبياء والمرسلين وليسوا جميعًا، وقد جاء القرآن صريحًا في ذلك: فقال -جل وعلا-: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]
جملة المذكورين في القرآن من الأنبياء والمرسلين خمسة وعشرون:
سمَّى الله -جل وعلا- من الأنبياء والمرسلين في كتابه خمسة وعشرين. فذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد من سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾
стр. 162
فهذه الآيات من سورة الأنعام ذكر الله فيها ثمانية عشر نبيًّا ورسولًا.
وقال بعضهم:
في تلك حُجّتُنا منهم ثمانيةٌ … من بعد عَشرٍ ويبقَى سبعة وهمُ:
إدريسُ هودٌ شُعيبٌ، صالحٌ وكذا … ذو الكِفّل، آدمُ، بالمختار قد خُتِمُوا
فأما أبونا آدم ﵍: فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران: ٣٣].
وتقدم قول النبي ﵊ عن آدم: إنه «نَبِيُّ مُعَلَّمٌ مُكَلَّمٌ».
وقال تعالى في إدريس وذي الكفل ﵉: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [الأنبياء].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [ص].
وفي هود ﵍ قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥].
وفي صالح ﵍ قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
وفي شعيب ﵍ قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥].
وفي خاتم النبيين ﵊ قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فهؤلاء خمسة وعشرون نبيًّا ﵈ ذكرهم الله -جل وعلا- في كتابه.
الخلاف في نبوءة الكفل:
وقد ذكر بعض العلماء خلافًا في نبوءة ذي الكفل.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي-عليه من ربه الصلاة والسلام-وهذا هو المشهور، وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيًّا، وإنما كان رجلًا صالًحا وحكمًا مُقسِطًا عادلًا، وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم (١).
الأنبياء العرب:
وقال العلماء: أربعة من هؤلاء من العرب وهم: نبي الله هود، ونبي الله صالح،
стр. 163
ونبي الله شعيب، ونبينا صلى الله عليهم أجمعين (١).
بعض الأنبياء الذين ذكروا في السنة:
وجاء أيضًا في السنة النبوية ذِكْرُ بعض الأنبياء، ومنهم:
نبي الله يوشع بن نون ﵍ -:
فقد قال النبي ﷺ : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ … » (٢) إلى آخر الحديث. وهذا النبي هو يوشع ﵍ لقوله في الحديث الآخر: «إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى بَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس» (٣)
الخلاف في نبوءة ذي القرنين وتبع:
واختلف العلماء في ذي القرنين وفي تُبَّع المذكور في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] هل كانا نبيَّين أم لا؟ وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أَدْرِي تُبَّعٌ أَنَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا؟ وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا؟» وهو حديث ضعيف (٤)
стр. 164
الخلاف في نبوءة الخضر ﵍ -:
واختلف العلماء في الخضر ﵍ أنبيًّا كان أم لا. وسياق القصة يدل على أنه نبي من الأنبياء وليس وليًّا من الأولياء فحسب؛ بدليل أن الله قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف] وهذه الرحمة هي النبوة والعلم الذي أوحى الله -جل وعلا- به إليه وكذلك قول موسى ﵍: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف] فلو كان غير نبي لم يكن معصومًا، ولم يكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم، واجبُ العصمة، كبيرُ رغبةٍ ولا عظيمُ طلبة في علمِ وليٍّ غيرِ واجبِ العصمةِ؛ فهذا يدل على أنه كان نبيًّا من الأنبياء.
وكذلك أقدم الخضر ﵍ على قتل ذلك الغلام، وما كان ليفعل ذلك إلا بوحي إليه من المَلِك العلَّام . فكل هذا يدل على ماذا؟
يدل على أن الخضر ﵍ كان نبيًّا من الأنبياء في زمن موسى ﵍.
إذًا: نؤمن بمن جاء ذكره في الكتاب والسنة تفصيلا كما ورد ونؤمن إجمالا بمن لا نعرف اسمه، وقد أخبرنا النبي ﵊ أنهم جمع غفير وعدد كبير، فنؤمن بهم إجمالًا، ونؤمن بكل نبي بعثه الله . يقول الله -جل وعلا- في كتابه الكريم: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
فما من أمة من الأمم إلا وبعث الله -جل وعلا- إليها رسولًا.
стр. 165
أول الرسل نوح ﵍ وآخرهم وخاتمهم نبينا محمد ﷺ -:
وأولُهُمْ نوحٌ ﵍؛ وآخِرُهُم محمدٌ ﷺ وهو خاتمُ النَّبيينَ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب]
الفرق بين النبي والرسول:
وقد ذكر العلماء من مسائل هذا الباب التفريق أو الفرق بين النبي والرسول، وإن كانت هذه المسألة ليست من المسائل التي ينبني عليها عملٌ إلا أن العلماء ذكروا أن هناك فرقًا بين النبي والرسول، وهذا على الصحيح من الأقوال، فمن العلماء من لا يفرق، ولكن الصواب أن هناك فرقًا بين النبي والرسول.
واختلف العلماء في تعيين الفرق بينهما: فقيل:
١ - إن النبي والرسول كلاهما يوحى إليه بالوحي إلا أن الرسول أمره الله بالتبليغ، والنبي لم يؤمر بالتبليغ، وقد ذهب إلى هذا القول كثيرٌ من العلماء.
فإن قيل: فإن كان لا يؤمر بالتبليغ أليس في ذلك كتمانٌ للعلم؟
فالجواب: أن المقصود أنه لم يؤمر بالتبليغ أي: لم يُوجَب عليه، لكنه لم يُنْهَ عن الدعوة.
٢ - ومن أهل العلم من يقول: كلاهما -النبي والرسول- أُوحِيَ إليه، وكلاهما مأمور بالبلاغ إلا أنَّ الرسول معه كتاب من عند الله.
٣ - ومنهم من يقول: الرسول ينزل عليه كتاب أو يأتيه ملك، والنبي من يُوحَى إليه أو يكون تبعًا لرسول آخر.
والأقوال في التفريق بينهما كثيرة، لكن من أقرب هذه الأقوال قولُ من قال:
٤ - إن النبي والرسول: يشتركان في أنَّ كليهما يُوحَى إليه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] فأخبر الله أنَّ الأنبياء يُوحَى إليهم فكذلك الأنبياء والرسل يوحى إليهم، ويشتركان أيضًا في أن النبي والرسول مأموران
стр. 166
بالبلاغ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]. فأثبت الرسالة للرسول وأثبت الرسالة للنبي. يقول العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: وآية الحج هذه تُبَيِّن أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أُوحِيَ إليه وحي، ولم يُؤمَر بتبليغه، وأنَّ الرسول هو النبي الذي أُوحِيَ إليه، وأُمِرَ بتبليغ ما أُوحِيَ إليه غيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ يدُلُّ على أنَّ كلًّا منهما مرسَلٌ، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أنَّ النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، هو من لم يُنزل عليه كتابٌ، وإنما أُوحِي إليه أن يدعوَ الناس إلى شريعة رسول قبله (١). إذًا جعلوا التفريق بين النبي والرسول ليس من جهة التبليغ، وإنما من جهة الكتاب الذي أُنزِل إليه أو الشريعة التي أُوحِيَ إليه بها.
٥ - وقال بعضهم: الفرق بين النبي والرسول: أن النبي يُبعَثُ لتقرير شريعة من كان قبله من الأنبياء. وقالوا: يُبعَثُ إلى قوم مسلمين يدعوهم إلى الله، ويُبيِّن لهم دين الله وشرع الله، وأما من بعثه الله إلى قوم كافرين يأمرهم وينهاهم فإنه رسول حتى لو لم يُعَرف كتاب أنزل إليه، وهذا القول قرَّره شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنه قال في جملة ما قال: فالأنبياء يُنبِّئُهم الله؛ فيخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره، وهم يُنبِّئُون المؤمنين بهم ما أَنْبَأَهم اللهُ به من الخبر، والأمر، والنهي، فإن أُرسِلُوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدَّ أن يُكَذِّب الرسلَ قومٌ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات] (٢). فجعل الفرق أنَّ الأنبياء يبعثون ويرسلون إلى قوم مؤمنين، وأما من أُرسِلَ إلى كفار فدعاهم إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك فهذا هو الرسول.
إذًا هذه جملةٌ من تفريق العلماء بين الرسول وبين النبي. والحاصل أنه لا ينبني على ذلك كثيرُ عملٍ، وإنما يجب على المسلم أن يؤمن بكل من سمَّاه الله نبيًّا أو رسولًا في كتابه الكريم.
стр. 167
جميع الأنبياء والرسل دعوا إلى التوحيد:
وكلُّ أمَّةٍ بعثَ اللهُ إليها رسولاً مِنْ نوحٍ إلى محمدٍ يأمُرُهُمْ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ، ويَنْهَاهُمْ عنْ عبادَةِ الطاغوتِ، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
وفي الآية مسائل منها:
١ - بيان الحكمة في إرسال الرسل وهي ليأمروا أممهم بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت.
٢ - وأن الرسالة عمت كل أمة فإنه لما أخبر الله أنه بعث في كل أمة رسولا أفاد ذلك أن الرسالة عمت جميع الأمم وقامت الحجة على الخلق كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]
٣ - وفيها أن دين الأنبياء واحد. لأن الله أخبر أن كل رسول يقول لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فأفاد ذلك أن دينهم واحد أما الشرائع فمختلفة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وفي الصحيحين أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (١)
٤ - وفي الآية المسألة العظيمة: وهي أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة]
فإنه لما أخبر الله أنه أرسل الرسل يدعون أممهم قائلين: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ دل ذلك على أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت فمن لم يكفر بالطاغوت فليس عابدا لله حقيقة ولذلك جعله شرطا للاستمساك بالعروة الوثقى. وسيأتي مزيد من الكلام عن دعوة الأنبياء في مجلس قادم -إن شاء الله-.
стр. 168
بعثة الأنبياء والرسل رحمة بالعباد:
وهذا -يا إخواني- من رحمة الله -جل وعلا- بالعباد أن بَعَثَ إليهم أنبياءَ ورسلًا يخبرونهم عن أمر الله وعن شريعة الله -جل وعلا- إليهم. -جل وعلا-. وقد ذكر ابن القيم وغير واحد من العلماء حاجة العباد إلى إرسال الرسل، وأنه لا يمكن أن يستقيم حال الناس إلا ببعثة الأنبياء والمرسلين.
يقول ابن القيم ﵀: من هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلا على أيديهم (١).
ولهذا فإن الأمم الضالة التي كفرت بالله-سبحانه-تجد في نفوسهم-مع ما هم عليه-حاجةً إلى أن يتخذوا زعماء يهتدون بهديهم، ويسيرون على طريقتهم.
ويقول شيخ الإسلام ﵀: والرسالة ضرورية للعباد، لا بُدَّ لهم منها، وحاجتُهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالةُ روحُ العالَم ونورُه وحياتُه، فأيُّ صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟! والدنيا مظلمةٌ ملعونةٌ إلا ما طلعت عليه شمسُ الرسالة، كذلك العبد ما لم تُشرِق في قلبه شمسُ الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة؛ وهو من الأموات قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات (٢).
وتأملوا قول الله -جل وعلا-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا
стр. 169
الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
فذكر الله -جل وعلا- في هذه الآية أن الوحي روح من الله فالله يضرب المثل للوحي الذي أنزله حياةً للقلوب ونورًا لها: ومن ذلك أن الله -جل وعلا- ضرب له مثلًا بالماء الذي ينزله من السماء حياةً للأرض ويقول -جل وعلا-: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]. فشبَّهَ اللهُ العلمَ بالماء المنزَّل من السماء؛ لأنَّ به حياة القلوب كما أنَّ بالماء حياةَ الأبدان؛ فهذا يدل-إخواني في الله-على أنَّ حاجةَ النَّاسِ إلى معرفة الأنبياء والمرسلين والإيمان بهم كما أمرهم الله -جل وعلا- فوق كل حاجة وفوق كل ضرورة.
ما على الرسول إلا البلاغ:
من رحمة الله -جل وعلا- بنا أن أمر هؤلاء الأنبياء والرسل بالبلاغ قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]
فنحن -يا إخواني- نؤمن بأن الأنبياء والرسل سفراءُ الله إلى عباده وحملةُ الوحي، ومهمتُهم هي إبلاغُ الأممِ الأمانةَ التي تحمَّلُوها من ربهم وقد بلَّغ نبينا ﷺ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاءنا بهذا الكتاب العظيم، وبهذا البيان والوحي الإلهي من رب العالمين .
ومن رحمة الله -جل وعلا- بالأمم أن الله أمر الأنبياء بالدعوة إليه -جل وعلا- وبيانِ أمره، ودعوة الناس إلى توحيده؛ فالأنبياء والمرسلون يدعون إلى توحيد الله وإلى كل خيرٍ أَمَرَ الله به، ويَنهَون عن الشرك، وعن كلِّ شرٍّ نهى الله -جل وعلا- العباد عنه، والأنبياء والمرسلون مبشِّرُون ومُنْذِرون كما وصف الله -جل وعلا- نبيَّنا ﷺ بأنه كان بشيرًا ونذيرًا. فمن أطاعهم دخل الجنة، ومن عصاهم دخل النار؛ قال الله -جل وعلا-: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه].
стр. 170
ليس للناس على الله حجة بعد الرسل:
وليعلم المؤمن أنه لا صلاح لنفسه ولا تزكية لها إلا بهذا الوحي الذي جاء به الأنبياء والمرسلون.
وقد بيَّن الله في كتابه حكمةً عظيمةً من حكم إرسال الرسل، وهي إقامة الحجة على العباد، فقال الله -جل وعلا-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فلا يقبل من أحد يوم القيامة أن يحتج على الله ويقول: ما جاءنا إليك من بشير ولا نذير كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه] وقال -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]
وقال -جل وعلا-: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾ [الملك: ٨ - ٩] … الآيات.
إذًا إقامةُ الحجة على العباد من رحمة الله بهم، فلن يُعذِّب أحدًا إلا وقد بلغته الرسالة، وبلغه الوحي من ربِّ العالمين عن طريق هؤلاء الأنبياء الكرام.
أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة:
وأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، فهم -ومن في حكمهم- يمتحنون يوم القيامة كما في حديث قَتَادَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ﵁، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
وَسَلامًا وَمَنْ لَا، حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ» (١)
وفي تفسير عبد الرزاق الصنعاني عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهَ، وَالْأَصَمَّ، وَالْأَبْكَمَ، وَالشِّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ يُرْسِلُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ»، قَالَ: " فَيَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَمْ يَأْتِنَا رَسُولٌ؟، قَالَ: «وَايْمِ اللَّهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ» قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء] (٢).
أطفال المسلمين وأطفال المشركين:
لا خلاف بين العلماء أن أطفال المؤمنين في الجنة. (٣)
стр. 173
واختلف العلماء فيمن يموتون صغارا من أبناء المشركين على أقوال كثيرة، منها:
١ - فمن أهل العلم من ذهب إلى التوقف فيهم ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونَكِل علمهم إلى الله وهم تحت مشيئة الله تعالى. (١)
لما في الصحيحين عن عَطَاءَ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» (٢).
وفيهما عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» (٣)
٢ - وقيل يكونون خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ: قال شيخ الإسلام ﵀: وَلَا أَصْلَ لِهَذَا الْقَوْلِ … ثم قال: وَالْوِلْدَانُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الْجَنَّةِ لَيْسُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؛ بَلْ أَبْنَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ كَمُلَ خَلْقُهُمْ كَأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ
стр. 174
آدَمَ … إلخ ا. هـ (١) قلت: وحجتهم في ذلك أحاديث وردت لكنها ضعيفة، وهي ثلاثة:
[١] أحدهما: ما رواه الطيالسي قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: «قُلْنَا لِأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا تَقُولُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: «لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ، فَيُعَاقَبُوا بِهَا، فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ، فَيُجَازَوْا بِهَا فَيَكُونُوا مِنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (٢)
[٢] الثاني: قال أبو نعيم في المعرفة: حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قال أبو نعيم: كَذَا قَالَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ا. هـ (٣)
[٣] الثالث: ما رواه البزار من طريق عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرة بْنِ
стр. 175
جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١).
وروي هذا القول موقوفا على سلمان الفارسي ﵁ بسند ضعيف (٢).
٣ - وقيل هم في الجنة مع أولاد المؤمنين: وبِهذا جزم البخاري وابن حزم، واختاره جماعة منهم النووي وأبو عبد الله القرطبي وطائفة من المفسرين وغيرهم (٣).
ومن أدلتهم حديث عَوْفٍ، قال حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا» قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ، … فذكر الحديث وفيه: «فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ … » [وفي رواية: «فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ»] فذكر
стр. 176
الحديث وفيه: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» [وفي رواية: «وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فَأَوْلَادُ النَّاسِ»]، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ» (١).
قالوا: ففي هذا الحديث التصريح بأنهم في الجنة، قال ابن بطال: وهذا الحديث حجة قاطعة ثم قال: وهذا القول أصح ما فى هذا الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار ا. هـ
قلت: وهذا الحديث يعارضه الأحاديث المتقدمة التي قال فيها النبي ﷺ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»
وفي الجمع بينهما:
اختار بعض العلماء تقديم القول بأنهم في الجنة على غيره لأن الحديث نص في المسألة. (٢).
عِلْمِي تَصِيرُونَ، فَتَأْخُذُهُمُ النَّارُ» رواه الطبراني وغيره (١)
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن القيم، واختاره أيضا تلميذه الحافظ عماد الدين إسماعيل ابن كثير وغيرهم من المحققين.
قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا التفصيل هو الصواب، فإن الله قال في القرآن ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص]، فأقسم سبحانَه أنه لابدّ أن يملأ جهنم من إبليسَ وأتباعِه، وأتباعُه هم العصاةُ، ولا معصيةَ إلا بعد التكليف، فلو دخلَها الصبي والمجنون لدخَلَها مَنْ هو من غير أتباعِه، فلم تَمتلئْ منهم. وأيضًا فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء] … ، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن الله لا يُعذب إلا من جاءه نذير وأتاه رسولٌ، والطفلُ والمجنون ليسا كذلك كالبهائم … إلخ ا. هـ (٢)
وقال ابن القيم ﵀ -عن القول بأنَّهم يُمتحَنون في الآخرة-: وهذا قول جميع أهل السنة والحديث، حكاه الأشعري عنهم في كتاب «الإبانة» الذي اتفق أصحابه على أنه تأليفه، وذكره ابن فُورَك، وذكره أبو القاسم بن عساكر في تصانيفه، … وحكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في «الرد على ابن قتيبة»، واحتج له -ثم ذكر أحاديث الامتحان المتقدمة والأحاديث الواردة في المولود خاصة وذكر أنه يعضد بعضها بعضا-. وبين أنَّها "هي المُوافِقة للقرآن وقواعد الشرع، فهي تفصيلٌ لِما أخبَرَ به القرآنُ أنَّه لا يعذَّب أحدٌ إلَّا بعد قيام الحُجَّة عليه. وهؤلاء لم تقُمْ عليهم حُجَّةُ الله في الدُّنيا، فلا بُدَّ أن يقيم
стр. 180
حجَّته عليهم. وأحَقُّ المواطن أن تُقامَ فيه الحُجَّة يومَ يقوم الأشهاد، … قال والقول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث كما حكاه الأشعري عنهم في «المقالات» وحكى اتفاقهم عليه، وإن كان قد اختار هو فيها أنَّهم مردودون إلى المشيئة، وهذا لا يُنافي القولَ بامتحانهم، فإنَّ ذلك هو مُوجَب المشيئة … إلخ (١)
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل ابن كثير ﵀: وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ،: عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الِاعْتِقَادِ" وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ النُّقَّادِ ا. هـ
قلت: قوله: وقد صرحت به الأحاديث … إلخ. الأحاديث التي ورد فيها عَدُّ المولود من أهل الفترة الذين يمتحنون ضعيفة الإسناد، وارتقاؤها للصحة بالمجموع مما ينازع فيه. لكن يستفاد مسألة الامتحان من الأحاديث الصحيحة الواردة في غيرهم. ومن عمومات الشريعة الدالة على أن الله لا يعذب أحدا بلا حجة كما تقدم.
وقال ابن القيم ﵀: وفي استدلال هذه الفرقة -يعني القائلين بالوقف- … بهذه النصوص نظرٌ، فإنَّ النبي ﷺ لم يُجِب فيهم بالوقف، وإنَّما وكَّل عِلمَ ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العاملَ به لو عاش، والقابلَ منهم للكفر المؤثرَ له لو عاش. ولكن لا يدلُّ هذا على أنَّه سبحانه يَجزِيهم بمجرَّد علمِه فيهم بلا عمل يعملونه. وإنَّما يدلُّ هذا على أنَّه يعلم مَنْ يؤمن ومَن يكفر بتقدير الحياة. وأمَّا المُجازاة على العلم فلم يتضمَّنها جوابُه ﷺ » (٢). ثم ذكر ابن القيم ما في سنن أبي داود بسند صحيح عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ