← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣، الروم: ٢١، الزمر: ٤٢، الجاثية: ١٣] وقال في موضعين من سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل: ١١، و ٦٩] وقال تعالى في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤] وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة] فهذه نحو أربعة وأربعين موضعا من القرآن -وغيرها كثير- وكلها داعية إلى التفكر والتأمل والذم لمن ترك ذلك. دلالة الحس: وهناك أيضًا دليل حسي على وجود الله -سبحانه- وهو ما نشاهده من إجابة الدعاء؛ فالإنسان يدعو الله ويقول: "يا الله" فيجيب الله دعاءه، ويكشف عنه ما هو فيه، ويحصل له المطلوب، فدل هذا على أن هناك ربّاً سمع دعاءه وأجابه. وفي كتاب الله أنه سبحانه استجاب لأنبيائه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء]

стр. 107

ولاحظوا أن الآيات تأتي معقَّبة بالفاء قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: جاءت الإجابة سريعة. إذًا هذا دليل حسي على وجود الله . دلالة الفطرة: وهناك أيضًا دليل الفطرة؛ فالإنسان بطبيعته إذا أصابه الضر قال: يا الله. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "حُدِّثنا أن بعض الكفار الموجودين الملحدين إذا أصابه الشيء المهلك بغتة يقول على فلتات لسانه: "يا الله" من غير أن يشعر؛ لأنَّ فطرة الإنسان تدله على وجود الرب -جل وعلا- " (١). ويقول : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وهذا أَخْذُ ربنا للميثاق على الكفار وعلى جميع نسمات بني آدم أنَّ الله هو الخالق وأنه -سبحانه- هو الإله المعبود بحق. دلالة الشرع: ثم هناك الأدلة الشرعية، وهي كثيرة جدًّا في كتاب الله . إذًا هناك أدلة كثيرة يمكن للمسلم من خلالها أن يزداد إيمانًا، ويزداد يقينًا بمعرفة ربه . وأعود فأقول: تأملوا كتاب الله، وتدبروا القرآن، قِفُوا عند الآيات، واقرؤوا تفسير السلف فيها، وليكن عندكم تفسيرٌ معتمدٌ من تفاسير السلف؛ لأنها تُعِين على فهم القرآن وتأمُّلِ الآيات البيِّنات كتفسير الإمام الطبري والحافظ ابن كثير والبغوي ومثل تفسير السعدي من المعاصرين. الإيمان بربوبية الله: الأمر الثاني مما يتضمنه الإيمان بالله : الإيمان بربوبية الله، ويعبر عنه العلماء بتوحيد الربوبية. فما معنى ذلك؟ معنى "الرب": يقول العلماء ﵏: الرب هو الخالق والمالك والمدبر.

стр. 108

هذه كلمات يفسر بها العلماء كلمة الرب. يقول الإمام الجوهري ﵀ وهو من أئمة اللغة: "ربُّ كل شيء: مالكه، والربُّ: اسم من أسماء الله -جل وعلا-، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة" (١). وفي الشرع، في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ تأتي الآيات للدلالة على أن الله-سبحانه-هو المالك الخالق المدبر كما قال ربنا سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون]. يقول الإمام الطبري ﵀: "ربنا جلَّ ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلِحُ أمْرَ خلقِه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (٢). ومن السنة نجد مثلًا قول النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الرب هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها" (٤). ويقول أيضًا: "الرب سبحانه هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (٥). ويضيف بعض العلماء إلى ذلك المحيي المميت، فهو الذي بيده هذه الأمور. ويقول شمس الدين ابن القيم ﵀: "والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح. والله تعالى هو الربُّ بهذه الاعتبارات كلها" (٦). ويقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الرب: هو المالك المتصرف" (٧).

стр. 109

ويقول علامة القصيم في زمانه الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "والرب: هو المربي جميعَ عبادِه بالتدبير وأصناف النِّعَم، وأخصُّ من هذا تربيتُه لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم" (١). أقسام الربوبية: ولهذا يقول العلماء: الربوبية تنقسم إلى قسمين: ربوبية عامة: وهي ربوبية الله -جل وعلا- لجميع خلقه، فهو ربُّ الخلائق أجمعين، ربُّ العالمين بما خلقهم ويرزقهم-سبحانه-ويدبر أمورهم. وهناك ربوبية خاصة وهي لأوليائه، يصطفي فيها من يشاء فيخصهم بالحفظ والرعاية والتأييد، ويكلؤهم بحفظه . والإله هو المعبود بحق، ولا يكون إلهًا حتى يكون متَّصِفًا بهذه الصفات التي بيَّنها العلماء ﵏. من معاني توحيد الربوبية: ويُعبِّر العلماء ﵏ أيضًا عن توحيد الربوبية بأنه إفراد الله في أفعاله، وأفعالُه منها هذه الأشياء التي ذكرناها كالإحياء والإماتة والملك والتدبير والنفع والضر، وعلم الغيب، فهذه كلُّها من أفعال الله سبحانه. ومعنى إفراد الله في أفعاله: أن تؤمن بأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق، وهو المحيي وهو المميت، وهو المعطي المانع، وهو النافع الضار، وهو الذي بيده الأمر ؛ تؤمن بذلك كله. إقرار المشركين بالربوبية لله: وقد نبَّهْنا في الدرس الماضي أن العلماء ﵏ يقولون: إنَّ الخلائق جمعيًا أثبتَتْ هذا لله والأدلة من القرآن كثيرة على ذلك مثل الآيات في سورة المؤمنون، إذ يقول ربنا : ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 110

تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون]. توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية: وقد ذكر الله في كتابه براهينَ ألوهيتِه واستحقاقِه العبادة، فمن هذه البراهين ما دلَّ عليه توحيدُ الربوبية، ولنتأمل في ذلك فاتحة سورة الفرقان: حيث يقول ربنا : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، ثم وَصَفَ اللهُ-تعالى-نفسه، فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إذًا هذا الأمر الأول وهو ملك السماوات والأرض، هل من مالك غير الله؟، هل يملك أحدٌ شيئًا غير الله تعالى، ملكًا تامًّا من هذه المعبودات؟ ولهذا قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، فهذا من ربوبيته سبحانه ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، لا أحد يملك مع الله شيئًا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، إذًا، ذكر لنفسه من الصفات العلا أنه المالك الخالق المدبر لا يملك أحد مع الله شيئا. ثم قال : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني اتخذوا من دون الله آلهة، ما صفاتُها؟ قال الله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]. وهذا معروف أنهم لا يملكون. لماذا؟ لأنَّ المالك هو الله أي: المالك على الحقيقية لهذه الأشياء، المالك للخلق والملك والتدبير هو الله . ولهذا يقول ربنا -جل وعلا- في سورة الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ فالنفع والضر بيد الله عقيدةً صحيحةً ثابتةً لا بُدَّ للمسلم أن يؤمن بها. ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام].

стр. 111

ويقول ربنا في خاتمة سورة يونس: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾. الآية التي قطعت عروق الشرك: وهناك آية يقول عنها العلماء كابن القيم وغيره من أهل العلم: "إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب" (١) يعني أنها تَرُدُّ على كل شبه المشركين الذين تجد عندهم اعترافًا ضمنيًّا بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المالك، المدبر، ثم يشركون معه غيره، فما هي هذه الآية التي تقطع عروق الشرك؟ هي قول الله-سبحانه-في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ كل ما يُدعَى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، انظر ماذا يقول ربنا -سبحانه- فيهم: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا هو الأمر الأول أنهم لا يملكون شيئًا! إذًا لا يستحقون العبادة، لماذا؟ لأنَّ المالك هو الله. الأمر الثاني: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ إذا أقر بعض الناس بأن المالك هو الله ، وقد ينازع بعضهم فيقول: هؤلاء لهم شيء مثل ما يقول بعض المؤمنين بالأقطاب والأولياء ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ولا جزء بسيط. والأمر الثالث: قال الله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ يعني ليس لله وزير ولا معاون، ولا يحتاج إلى أحد فهو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

стр. 112

والأمر الرابع: قال الله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] إذًا هذه قطعت كلَّ الوسائل التي يتشبث بها أهل الشرك بالله ؛ فهم لا يملكون شيئا استقلالا، ولا يملكون قسطا من الملك، ولا يعاونون الله لغناه عن جميع خلقه، ثم إنهم بعد ذلك لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه لمن ارتضى. وحيث إن المَلِكَ من ملوك الدنيا -ولله المثل الأعلى- تجد من يشاركه، وتجد من يعاونه، وتجد من يكون ظهيرًا ووزيرًا له، وربما من يحبه، فيمكن أن يشفع عنده بلا إذنه؛ لكن الله بيَّنَ في هذه الآية أن هذه المعبودات لا تملك شيئًا؛ لأنَّ الرب على الحقيقة هو الله . قال شمس الدين ابن القيم ﵀: فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَخَذَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَجَامِعَ الطُّرُقِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ وَسُدَّ بِهَا عَلَيْهِمْ أَبْلَغَ سَدٍّ وَأَحْكَمَهُ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْبُودِ لِمَا يَرْجُو مِنْ نَفْعِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو مَنْفَعَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ قَلْبُهُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ مَالِكًا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْفَعُ بِهَا عَابِدَهُ، أَوْ شَرِيكًا لِمَالِكِهَا، أَوْ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا لَهُ أَوْ وَجِيهًا ذَا حُرْمَةٍ وَقَدْرٍ يَشْفَعُ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَفَتْ أَسْبَابُ الشِّرْكِ وَانْقَطَعَتْ مَوَادُّهُ، فَنَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ آلِهَتِهِمْ أَنْ تَمْلِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَدْ يَقُولُ الْمُشْرِكُ: هِيَ شَرِيكَةُ الْمَالِكِ الْحَقِّ، فَنَفَى شِرْكَهَا لَهُ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُ: قَدْ يَكُونُ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا فَقَالَ: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ فَنَفَاهَا عَنْ آلِهَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِلشَّافِعِ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِالشَّفَاعَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّافِعِ وَمُعَاوَنَتِهِ لَهُ، فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ بِذَاتِهِ، فَهُوَ الْغِنِيُّ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ ا. هـ (١) وقال شيخ الإسلام ﵀: نَفَى بِذَلِكَ جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ مَا يُشْرَكُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ مُعِينًا، فَإِذَا انْتَفَتِ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ لَكَ وَمَسْأَلَةٌ وَتِلْكَ لَا تَنْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا

стр. 113

أَنَّهُ لَا رَازِقَ يَرْزُقُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا اللَّهُ دَلَّ بِهَذَا وَهَذَا عَلَى التَّوْحِيدِ … إلخ ا. هـ (١) إذًا، توحيد الربوبية: هو إفراد الله في أفعاله من الملك، والخلق، والتدبير، والرزق، والإحياء، والإماتة. وقد نبَّه النبي ﵊ على ذلك، فقال لابن عباس ﵄: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (٢). لا يعلم الغيب إلا الله: ومن أفعال الله العلمُ بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله ومن أوضح الأدلة في ذلك: قول الله-سبحانه-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]. آية واضحة؛ فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقد أمَرَ الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨] فإذا كان نبيُّنا ﷺ يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ يعني أنا لا أعلم من الغيب إلا ما أعلمني اللهُ إيَّاه من الوحي كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] يعني فيوحي الله -جل وعلا- إليه بما شاء . فلا يعلم الغيب إلا الله، وهذا من الإيمان بربوبيته سبحانه، فالذين يعتقدون أنَّ الجن أو أنَّ الأولياء أو أنَّ بعض الناس أو أنَّ السحرة والمشعوذين والكُهَّان يعلمون شيئًا من الغيب فهؤلاء ما حقَّقُوا توحيدَ الربِّ . وقوع الشرك في الربوبية: وقولُ العلماء: "لم يُنكِر توحيدَ الربوبيةِ أحدٌ" يقصدون به: أن الخلائق قد أقرَّت

стр. 114

بوجود الله، وبأنَّه هو الخالق والربُّ بنص القرآن، وليس معناه أنه لم يقع لهم شرك في الربوبية. فمن الناس من يعتقد في القبور والأضرحة والأولياء نفعًا أو دفعَ ضُرٍّ، فهذا من شركهم في الربوبية، وإلا فالشيطان لما خاطب ربه قال: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ ناداه باسم الربوبية؛ فهو يقر بأن الله ربٌّ له. يقول ربنا -جل وعلا- عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر]. وقال أيضًا: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [الحجر]. والمقصود أنه خاطب ربه باسم الربوبية. وكذا فرعون الذي أنكر وجود الله لمَّا وقع له ما وقع وجاءه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس] وقد كان من قبلُ يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات]. فالمنكرون للربِّ ولوجوده -جل وعلا- إنما أنكروا ذلك إنكارَ جحودٍ وعنادٍ كما قال ربنا : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] إذًا يوجد من أشرك في توحيد الربوبية بادعاء أن أحدًا يعلم الغيب أو أن أحدًا يملك نفعًا أو دفعَ ضُرٍّ أو غير ذلك، لكنَّ الخلائق قد أجمعت على إثبات وجود الله .

стр. 115

المجلس الثامن (١) الإيمان بألوهية الله: لا يتم إيمان امرئ مسلم حتى يوحد الله في ألوهيته. والإيمان بألوهية الله: هو أن يؤمن الإنسان بأن الله هو الإله الحق لا يشاركه سبحانه أحد في ذلك لا مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل، وهذا هو معنى قول: "لا إله إلا الله"؛ فشهادة التوحيد تلك الشهادة العظيمة التي لا يدخل أحد في الإسلام إلا بها تتضمن معنى توحيد الألوهية، فيؤمن الإنسان بأن الله هو الإله الحق، وأنَّ ما عُبِدَ من دونه إنما يُعبَد بباطل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج] إذا قلت: "أشهد أن لا إله إلا الله" فأنت تُقِرُّ بأنه لا معبود بحق إلا الله وما تقدَّمَ من توحيد الربوبية والإيمان بوجود الله. وكلُّ ذلك إذا استقر عند امرئ فإنه يستلزم منه أن يُوحِّد الله في العبادة، ويفرده -جل وعلا-. يقول ابن القيم ﵀: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له": • كلمةٌ قامت بها الأرض والسماوات، • وخُلِقت لأجلها جميع المخلوقات، • وبها أرسل الله-تعالى-رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، • ولأجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، • وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، • فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، • وهي الحق الذي خُلِقت له الخليقة، • وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب،

стр. 116

• وعليها نُصِبت القبلة، وعليها أُسِّست الملة، ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد، • وهي حقُّ الله على جميع العباد، • فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، • وعنها يُسأَل الأولون والآخِرون، فلا تزول قَدَمَا العبدِ بين يدي الله حتى يُسأَل عن مسألتين: • ماذا كنتم تعبدون؟ • وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى بتحقيق "لا إله إلا الله " معرفةً وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق "أن محمدًا رسول الله " معرفةً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً" (١). الحكمة من خلق الثقلين: توحيد الألوهية: هو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، وهو الذي خلقك الله -جل وعلا- لأجله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] أي إلا ليوحدوا الله -جل وعلا- ولا يكون الإنسان موحدًا لله، ومؤمنًا بالله حتى يفرد الله -جل وعلا- بالعبادة؛ ولهذا قال العلماء: بُعِثَ جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم إلى الدعوة إلى هذا الأمر أي: إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، يقول ربنا : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] الآية. فتأمل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ما من أمة من الأمم إلا وبعث الله إليها رسولًا دعوتُه قائمةٌ على توحيد العبادة. توحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة: والعلماء يسمُّون توحيد الألوهية توحيد العبادة، ويُعرِّفونه فيقولون: توحيد الألوهية أو توحيد العبادة هو إفراد الله في أفعال العباد، فلا تُصرَف أي عبادة من العبادات إلا لله -جل وعلا-. فالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبِرُّكَ لوالديك، وصلتك لأرحامك، وتبسُّمك في وجه أخيك، كلُّ أنواع العبادة

стр. 117

الواجبة والمستحبة، كلُّ ما تعبد به الله فإنه يجب أن تُخلِصَه لله، وأن تُفرِد الله -جل وعلا- به. تعريف العبادة: والعبادة عرفها شيخ الإسلام ﵀ فقال: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ: مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَصِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ؛ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَالْجِهَادُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالْمَمْلُوكِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ. وَكَذَلِكَ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ. وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ وَالصَّبْرُ لِحُكْمِهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ؛ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْفُ لِعَذَابِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ هِيَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ هِيَ الْغَايَةُ الْمَحْبُوبَةُ لَهُ وَالْمَرْضِيَّةُ لَهُ الَّتِي خَلَقَ الْخَلْقَ لَهَا … إلخ» (١). وهي-كما يقول العلماء-قائمةٌ على التعظيم والتذلل لله . (٢) توحيد الألوهية هو دعوة الأنبياء: فالأنبياء جميعًا بعثهم الله-سبحانه-لتحقيق هذا الأمر ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ وقد ذكرنا عن ابن عباس ﵄ (٣) وغيره من المفسرين أنَّ كلمة "اعبدوا" أو كلمة "العبادة" في القرآن يقصد بها الأمر بالتوحيد. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: وحِّدوا ربكم. وهنا قال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحِّدوا الله، والمقصودُ بالتوحيد هو توحيد الله في العبادة أي: في ألوهيته سبحانه؛ لأن توحيد الربوبية -كما تقدم معنا- تُقِرُّ به الخليقة ولا ينكره إلا معاند، ولكنَّ الذي بعث الله به الأنبياء هو دعوةُ الناس إلى عبادة رب العباد سبحانه. فالأنبياء لم يأتوا إلى الناس ليقولوا: إن الله هو الخالق، إن الله هو الرزاق، إن الله هو المحيي؛ فهذه أمور يُقِرُّون بها، ويؤمنون بها -كما تقدم معنا-؛ وإنما بعثهم سبحانه لتحقيق الأصل العظيم وهو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة. وقد تقدم معنا قولُ اللهِ -سبحانه-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ

стр. 118

يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس] فإذًا هم يقِرُّون. إذًا ما الذي كذَّبُوا الأنبياءَ فيه؟ هو أنهم دعوا إلى إفراد الله -جل وعلا- في العبادة. كما قال ربنا : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] واختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الطاغوت -وهي متفقة المعنى-: تفسير الطاغوت: فعَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " الطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ" (١) وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: وَسُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «كَانَ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، وَهِيَ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ» (٢) وقال ابن وهب: قال لي مالك: الطاغوت ما يعبد من دون الله. (٣)

стр. 119

قال القاضي أبو محمد بن عطية ﵀: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى ﵉ ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتا في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان ا. هـ (١) ولذا قال العلماء: كلُّ ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ فهو طاغوت (٢). وقال الطبري ﵀: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي الطَّاغُوتِ أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ، وَإِنَسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ، أَوْ شَيْطَانًا، أَوْ وَثنا، أَوْ صَنَمًا، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ. ا. هـ (٣) وقال شمس الدين ابن القيم ﵀: والطاغوت: كُل ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطَاعٍ؛ فطاغوتُ كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه؛ فهذه طواغيت العالم … إلخ (٤) فإذا تأملت ما ذكره ابن القيم ﵀ في تعريف الطاغوت عرفت أن الطواغيتَ كثيرونَ؛ وذلك أن كل من تجاوز حده في الشرع صار بخروجه منه وتجاوزه طاغوتاً لكن قال العلماء: رؤوسُهُمْ خمَسةٌ: أولهم: إبليسُ لعنَهُ اللهُ، والثاني: مَنْ عُبِدَ وهو راضٍ، والثالث: مَنْ دعا الناسَ إلى عبادَةِ نفسِهِ، يعني ممن يقر الغلو والتعظيم بغير حق كفرعون ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد واتخاذهم أرباباً والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم. والرابع: مَنِ ادَّعى شيئًا مِنْ عِلمِ الغيْبِ، كالمنجمين والعرافين والسحرة والمشعوذين. والخامس: مَنْ حكمَ بغيِر مَا أنزلَ اللهُ، فهؤلاء الطواغيت، أمرنا الله باجتنابهم فقال: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. إذا هذه هي دعوة جميع الأنبياء، فكلهم دعوا إلى هذه الكلمة ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا

стр. 120

فَاعْبُدُونِ﴾ ولهذا لو قيل لك: ما معنى لا إله إلا الله؟ فالجواب الصحيح أنَّ معناها: لا معبود بحق إلا الله. الخطأ في تفسير كلمة التوحيد: ومن الناس من يقول: "لا إله إلا الله" ويفسرها بأنه: لا خالق إلا الله، أو لا مدبر إلا الله، أو لا موجود إلا الله، وهذا كله غير صحيح. فإن دعوة الأنبياء قائمة على: إثبات العبادة لله ونفي استحقاق العبادة عما سوى الله كما في الآية السابقة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فالله تعالى ابتعث الرسل بهاتين الكلمتين: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ففي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ نفي، وهذا هو معنى التوحيد المشتمل على إثبات ونفي، والنفي فيه اجتناب الطاغوت ونفي الشرك، والإثبات فيه: إثبات العبادة لله وحده دون ما سواه. فضل كلمة التوحيد: وإنما معنى هذه الكلمة العظيمة التي دعا إليها جميع الأنبياء: لا معبود بحق إلا الله ؛ ولهذا جاء في القرآن الإشادة بهذا التوحيد. كلمة التوحيد هي العروة الوثقى: فكلمة التوحيد: هي العروة الوثقى التي ذكرها الله في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان]. قال سعيد بن جبير قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ﴾ هي لا إله إلا الله" (١).

стр. 121

هي الكلمة العليا وهي الكلمة العليا التي ذكر الله-تعالى-في كتابه إذ قال: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: "هي لا إله إلا الله" (١). هي الكلمة الحق: وهي الكلمة الحق التي ذكر الله -جل وعلا- إذ يقول: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. يقول "شهادة أن لا إله إلا الله" (٢). وقال البغوي والقرطبي وغير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف]: قالوا: لا تشفع الملائكة إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون (٣). هي الكلمة الطيبة: وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلًا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم] قال ابن أبي

стр. 122

طلحة عن ابن عباس: " ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله، ثابت في قلب المؤمن ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يُرْفَعُ بِهَا عَمَلُ الْمُؤْمِنِ إِلَى السَّمَاءِ " (١). هي القول الثابت: وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال العلماء: القول الثابت هو قول: "لا إله إلا الله". وفي الصحيحين عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ " قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -جل وعلا-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) هي العهد: وهذه الكلمة هي العهد الذي ذكره الله في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: " العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله وألا يرجو إلا الله -جل وعلا- " (٣) هي أعظم الحسنات: وهذه الكلمة هي أعظم الحسنات المنجية لأهلها من فزع يوم القيامة. قَالَ أَبو ذَرٍّ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ ﷺ : «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ» (٤).

стр. 123

وقال ابن مسعود ﵁ في قول الله -جل وعلا-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ [النمل] قال: "من جاء بـ (لا إله إلا الله) " (١). وكذلك جاء عن أبي هريرة ﵁ (٢) وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵃ (٣). وقال ابن جرير: " ﴿مَنْ جَاءَ﴾ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنًا به قلبُه ﴿فَلَهُ﴾ من هذه الحسنة عند الله ﴿خَيْرٌ﴾ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله ﴿مِنْهَا﴾ الجنة، ويؤمِّنَه ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ الصيحة الكبرى، وهي النفخ في الصور" (٤). هي النعمة العظيمة: قال العلماء أيضًا: وهي النعمة العظيمة التي امتنَّ الله بها على عباده في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. وقرئ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٥). قال مجاهد في تفسيرها: "لا

стр. 124

إله إلا الله" (١). هي كلمة التقوى: وقال العلماء في قول الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]: كلمة التقوى هي "لا إله إلا الله" قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٢) ومجاهد (٣) وغير واحد من المفسرين (٤). هي الكلمة الباقية: وهي الكلمة الباقية التي ذكر الله -تعالى- عن إبراهيم ﵍ في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف] قال قتادة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ "شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ ". قال: يتوبون أو يذكرون" (٥). هي الحسنى: وهي الحسنى التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل] قاله أبو عبد الرحمن السلمي (٦) وروي عن ابن عباس ﵄ والضحاك أيضا (٧). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى

стр. 125

وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: " يقول للذين شهدوا (أنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) الجنة" (١). وجاء تفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم (٢). هي كلمة الإخلاص المنجية من عذاب الله: وهي كلمة الإخلاص المنجية من عذاب الله. فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حُرِّمَ عَلَى النَّارِ» [فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُخْبِرْنَاهَا]، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: أنا أحدِّثُك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله ﵎ محمدًا ﷺ وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي أَلَاصَ عليها (٣) نبي الله ﷺ عمَّه أبا طالب عند الموت: شهادة أن لا إله إلا الله" (٤) هي دعوة الأنبياء: وبعث الله الأنبياء بهذه الكلمة العظيمة التي تدل على التوحيد وإفراد العبادة لله وحده، فلا معبود بحق إلا الله؛ وهو المستحق لجميع أنواع العبادة، وغيره إن عُبِد فإنما عُبِد بباطل، فما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإله حق بل إنه باطل. ولهذا لما قال النبي ﵊ للكفار: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، تُفْلِحُوا» (٥) فهموا مراده من هذا الكلام. أما اليوم فبعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم تجده يطوف حول القبور والأضرحة يدعوهم من دون الله. أما الكفار الذين بعث فيهم النبي ﷺ فإنهم عرفوا مراد رسول الله ﷺ ، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ

стр. 126

الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] ففهموا من هذه الكلمة أنها: تُبطِلُ عبادةَ الطواغيت كلِّها وتَخصُّ العبادة لله وحده. ومثل هذا قول قوم هود ﵍ لما دعاهم إلى قول لا إله إلا الله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]. وهذا هو معنى "لا إله إلا الله" فإذا قال العبد: "لا إله إلا الله" فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة وبطلان عبادة ما سواه من الأصنام والقبور والأولياء وغيرها. أركان كلمة التوحيد: يقول العلماء هذه الكلمة لها ركنان عظيمان: ركن فيه نفي، وركن فيه إثبات. فـ"لا إله" نفيُ استحقاقِ العبادة عن كل ما سوى الله، و "إلا الله" إثباتُ استحقاق العبادة لله -جل وعلا- وحده فلا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه . ولا ينتفع الإنسان بقول: "لا إله إلا الله" إلا إذا حقَّقَ أركانها وشروطها، ومات على ذلك دون أن يرتكب ناقضًا من نواقضها. وبذلك يزول الوهمُ الذي تعلق به بعض الناس، وهو أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة يكفي أخذًا بظاهر هذه النصوص. فيجب على الإنسان أن يقولها بلسانه، وكذلك يجب أن يعتقدها بقلبه، وأن يحقق ما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة المباركة، وهي أن صاحبها لا بد أن يحقق التوحيد لله ، وسيأتي-إن شاء الله تعالى-في مجلس قادم ذكرُ ما يتعلق بشروط لا إله إلا الله. قال العلامة ابن عثيمين ﵀: "لو أنَّ أحدًا آمن بوجود الله، وآمن بربوبية الله، ولكنه يعبد مع الله غيرَه فلا يكون مؤمنًا بالله حتى يُفرِده-سبحانه-بالألوهية" (١). هذا يدل على أنه لا بُدَّ من تحقيق ركن الإيمان بالله، فهذه الشعبة العليا من شعب الإيمان لا تتحقق إلا بهذه الأمور العظيمة: إثبات وجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته . العبادة لا تصرف إلا لله: إذا عرف الإنسان هذا الباب وعرفَ أن دعوة الأنبياء جاءت لتحقيق هذا الأصل العظيم وفَقِهَ معنى التوحيد حقًّا عرف أنه لا يجوز أن يُصرَف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله. وانظر إلى قول الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)

стр. 127

لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]. فالله يأمر نبيه أن يخبر هؤلاء المشركين بأنه مخالف لهم في دينهم فإن صلاته وذبحه بل حياتُه كلُّها والممات، لله ربِّ العالمين ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا خالصا لوجهه الكريم. قال تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. يعني من هذه الأمة؛ قال الطبري ﵀: يَقُولُ: وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ وَأَذْعَنَ وَخَضَعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِرَبِّهِ، بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ا. هـ (١) إنها آية عظيمة تدل على أن الإنسان يجب أن يعبد الله وحده لا شريك له. وتأمل أيضًا قولَ الله في أنبيائه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر]. لاحظ هنا أنه قدَّمَ ما حقُّه التأخير ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ فما قال: فاعبد الله، بل قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وتقديم المفعول به على عامله يدل على الاختصاص أي: لا تعبد إلا الله، وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة]. فوا عجبَا لمن يصلي كلَّ يوم خمس مرات ويقرأ في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناها هو معنى لا إله إلا الله أي: لا نعبد إلا إياك يا رب ولا نستعين إلا بك، ثم يخالف فيقع في الشرك الأكبر! نعوذ بالله من ذلك، ونسأله أن يُفقِّهنا في الدين، وأن يشرح صدورنا لهذا الدين العظيم، وأن يجعلنا مؤمنين موحدين، نحيا على الإسلام، ونموت على الإيمان، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان.

стр. 128

المجلس التاسع (١) الإيمان بأسماء الله وصفاته: تقدم معنا أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. وقد وقف بنا الحديث عند الأمر الرابع، وهو: الإيمان بأسماء الله وصفاته، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. معنى الإيمان بأسماء الله وصفاته: ومعنى الإيمان بالأسماء والصفات: أن نؤمن بكل اسمٍ سمَّى الله -جل وعلا- نفسه به في كتابه أو سمَّاه به رسوله ﷺ في سُنَّته، وأن نؤمن بصفات الله التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة. نؤمن بها، ونثبتها من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة أن كل ما سمَّى أو وصف اللهُ به نفسه في كتابه أو سمَّاه أو وصفه به أعلمُ الخلقِ به رسولُه محمد ﷺ فإن أهل السنة والجماعة يُثبِتونه ويُثبِتون ما تضمَّنه من المعاني، لا يُحرِّفون شيئًا من ذلك على خلاف ما عليه أهلُ الباطل الذين يُحرِّفون معانيَ الكتابِ والسنةِ، ويُسمُّون تحريفهم تأويلًا. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا. فهم يسمون الله ويصفونه بما سمى أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه. ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم أيضا: ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي. معاني الأسماء والصفات ودلالتها: وأهل السنة يؤمنون بأن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا دالة على معاني في غاية الكمال، وأسماؤه -جل وعلا- أعلام وأوصاف، وليست جامدة. وكل اسم يدل على معنى من

стр. 129

صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلام جامدة لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها. فالرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به. قال شيخ الإسلام ﵀: فَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ ثُمَّ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مِنْ صِفَاتِهِ. لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ؛ فَالْعَزِيزُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ عِزَّتِهِ وَالْخَالِقُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ خَلْقِهِ وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ رَحْمَتِهِ وَنَفْسُهُ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ صِفَاتِهِ فَصَارَ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَالصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَعَلَى أَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَعَلَى الصِّفَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. ا. هـ (١) وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فالاسم له أنواع ثلاثة في الدلالة: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام: ١. فدلالة المطابقة: دلالة اللفظ على جميع مدلوله، وعلى هذا، فكل اسم دال على المسمى به، وهو الله، وعلى الصفة المشتق منها هذا الاسم. ٢. ودلالة التضمن: دلالة اللفظ على بعض مدلوله، وعلى هذا، فدلالة الاسم على الذات وحدها أو على الصفة وحدها من دلالة التضمن. ٣. ودلالة الالتزام: دلالته على شيء يفهم لا من لفظ الاسم لكن من لازمه ولهذا سميناه: دلالة الالتزام. مثل كلمة الخالق: اسم يدل على ذات الله ويدل على صفة الخلق. فباعتبار دلالته على الأمرين يسمى دلالة مطابقة، لأن اللفظ دل على جميع مدلوله، ولا شك أنك إذا قلت: الخالق، فإنك تفهم خالقاً وخلقاً. وباعتبار دلالته على الخالق وحده أو على الخلق وحده يسمى دلالة تضمن، لأنه دل على بعض معناه، وباعتبار دلالته على العلم والقدرة يسمى دلالة التزام، إذ لا يمكن خلق إلا بعلم وقدرة، فدلالته على القدرة والعلم دلالة التزام. وحينئذ، يتبين أن الإنسان إذا أنكر واحداً من هذه الدلالة،

стр. 130

فهو ملحد في الأسماء ا. هـ (١) معنى التحريف: والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها. فهو إما تحريف للفظ أو تحريف للمعنى. مثال تحريف اللفظ: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] فإنه يُروى أن عمرو بن عبيد المعتزلي (٢) قال لأبي عمرو بن العلاء (٣) أُحبُّ أن تقرأ هذا الحرف ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ ليكون موسى ﵍ هو الذي كلم الله ولا يكون في الكلام دلالة على أن الله كلم أحدًا -يعني يحوله من الرفع إلى النصب فيقرأ (وكلم اللهَ)، أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، -، فقال له وكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣]، -يعني هذا لا يمكن تحريفه (٤). مثال تحريف المعنى: قول المعطلة في معنى استوى: استولى: في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]. قال ابن القيم ﵀: وَأَمَّا ادِّعَاؤُهُمُ الْمَجَازَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَقَوْلُهُمْ فِي تَأْوِيلِ اسْتَوَى: اسْتَوْلَى فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ الْمُغَالَبَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُغَالِبُهُ وَلَا يَعْلُوهُ أَحَدٌ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ … وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وَهُوَ: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالتَّمَكُّنُ فِيهِ، … إلخ (٥).

стр. 131

معنى التعطيل: والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان كلياً أو جزئياً، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلاً. والتعطيل لغة بمعنى التخلية والترك. فأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو أي صفة من صفات الله ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقراراً كاملاً. معنى التكييف: والتكييف: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله، أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا. وصفات الله تعالى لها كيفية لكنَّ علمَ ذلك محجوبٌ عنا فلا نعلم كيفية صفاته كما أننا لا نعرف كنه ذاته سبحانه. وقال شيخ الإسلام ﵀: وَالْأَئِمَّةُ يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إلَّا اللَّهُ فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ. ا. هـ (١) وقال ابن القيم ﵀: الْعَقْل قَدْ يَئِسَ مِنْ تَعَرُّفِ كُنْهِ الصِّفَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ بِـ (لَا كَيْفٍ) أَيْ بِلَا كَيْفٍ يَعْقِلُهُ الْبَشَرُ، فَإِنَّ مَنْ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ وَمَاهِيَّتُهُ، كَيْفَ تُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ؟ ا. هـ (٢) معنى التمثيل والتشبيه: والتمثيل: إثبات مثيل للشيء. والتشبيه: إثبات مشابه له. فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة، وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر. الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والفرق بينهما وبين التكييف من وجهين: أحدهما: أن التكييف أن يحكي كيفية الشيء سواء كانت مطلقة أم مقيدة بشبيه، وأما التّمثيل والتّشبيه فيدلان على كيفية مقيّدة بالمماثل والمشابه. ومن هذا الوجه يكون التكييف أعم؛ لأن كل ممثِّل مكيّف، ولا عكس.

стр. 132

ثانيهما: أن التكييف يختص بالصفات، أما التمثيل فيكون في القَدْر والصفة والذات، ومن هذا الوجه يكون التمثيلُ أعم؛ لتعلقه بالذات والصفات والقدر ا. هـ (١) السلامة في ألا يتجاوز القرآن والسنة: فإيمانك -أخي المسلم- بأسماء الله وصفاته قائم على التوقيف والاتباع لما ورد في الكتاب والسنة. قال الإمام الْأَوْزَاعِيَّ ﵀: «نَدُورُ مَعَ السُّنَّةِ حَيْثُ دَارَتْ» (٢) وقال شيخ الإسلام ﵀: الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ: أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ؛ الْأَوَّلُونَ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁: «لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ» (٣). وَمَذْهَبُ السَّلَفِ: أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ ا. هـ (٤) فالواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته إبقاءُ دلالتها على ظاهرها من غير تغيير ولا تبديل؛ لأن الله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين والنبي ﷺ يتكلم بلسان عربي مبين، فيجب على المؤمن وهو يقرأ أسماء الله وصفاته أن يُثبِتَها

стр. 133

كما أثبتها الله لنفسه. فإذا قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج] علم أن الله سبحانه سميع ذو سمع، وبصير ذو بصر، فيثبت ذلك لله إثباتًا يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه فلا تقول: سمعه كسمع الناس وبصره كبصر الناس، ومن غير تكييف أي من غير أن تعتقد كيفية لصفة من صفات الله؛ لأن هذا مما حُجِب عنَّا. وهكذا: اسم الله ﴿الرَّحْمَنُ﴾. فنؤمن بأنه اسم من أسماء الله -تعالى- دالٌّ على صفة عظيمة، وهي: صفة الرحمة الواسعة، ولا نشبِّه الله بخلقه بل نقول: إن الله -جل وعلا- رحيم رحمةً تليق بجلاله وعظمته. فنؤمن بما ورد في الكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح دون الخوض في كيفية الصفات؛ فإنها مما حجب عنا علمه. كما تقدم. قال الإمام الشافعي ﵀ في مقدمة الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته. الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه ا. هـ (١) وقال ابن أبي زيد القيرواني ﵀: لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون ا. هـ (٢) ونقل ابن بطال إجماع الأمة على أن الله تعالى لا يبلغ كنهه الواصفون ولا ينتهى إلى صفاته المقرظون ا. هـ (٣) أي المادحون. والتّقريظ: المدح وشدة تزيينه. وقال الرّبيع بن سُلَيْمَان سَأَلت الشَّافِعِي ﵁ عَنْ صِفَات من صِفَات الله تَعَالَى فَقَالَ: حرَام على الْعُقُول أَنْ تمثل الله تَعَالَى وعَلى الأوهام أَنْ تحده وعَلى الظنون أَنْ تقطع وعَلى النُّفُوس أَنْ تفكر وعَلى الضمائر أَنْ تعمق وعَلى الخواطر أَنْ تحيط وعَلى الْعُقُول أَنْ تعقل إِلَّا مَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه أَوْ على لِسَان نبيه ﷺ ا. هـ (٤)

стр. 134

وقال الإمام أبو محمد البغوي ﵀: والواجب … الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، … وعلى العبد أن يعتقد أن الله عظيم له عظمة، كبير له كبرياء، عزيز له عزة، حي له حياة، باق له بقاء، عالم وله علم، ومتكلم وله كلام، قوي له قوة، وقادر وله قدرة، وسميع وله سمع، بصير له بصر … ولا يزال موصوفا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم ا. هـ (١) وَعَنْ سُفْيَانَ بنِ عُيينةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ ا. هـ (٢) وقال يَحْيَى بْنَ يَحْيَى: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] فَكَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ مَالِكٌ بِرَأْسِهِ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا. فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُخْرَجَ ا. هـ (٣)

стр. 135

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ … -فذكر نحوه- وفي آخره: قال مالك: كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ، وَكَيْفٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، أَخْرِجُوهُ. قَالَ: فَأُخْرِجَ الرَّجُلُ ا. هـ (١) وقال شيخ الإسلام: فَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ وَأَنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ، وَالْأَئِمَّةُ يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إلَّا اللَّهُ فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ. ا. هـ (٢) الحذر من التحريف: واحذروا من أولئك الذين يحرفون المعاني ويُؤَوِّلون صفاتِ الله -جل وعلا- فيصرفونها عن معانيها التي دلت عليه. وتجد هذا عند بعض الشراح للمتون العلمية في الفقه والحديث والنحو والبلاغة وغير ذلك، يذكرون مثلًا في شرح البسملة: اسم الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أو ﴿الرَّحِيمِ﴾ فيقولون: يدل على إرادة الإنعام، ويزعمون أن الله منزه عن صفة الرحمة، لأنهم يرون ذلك تشبيها لله، فكما قيل: "أرادوا التنزيه فوقعوا في التعطيل". يزعمون أنَّ نصوص الأسماء والصفات تدل بظاهرها على تشبيه الله بخلقه فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم فوقعوا في التعطيل. الأسماء الحسنى أعلام وصفات: والحق أن كلُّ اسم من أسماء الله يدل على صفة: فاسمُه السميع يدل على صفة السمع، والبصيرُ يدل على صفة البصير، والرحمن الرحيم يَدُلَّان على صفة الرحمة، والعليُّ يدل على علوه. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] يدل على أن الله -جل وعلا- استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف. وهكذا في قوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر] فالآية صريحة في مجيء

стр. 136

الله . فقول بعض الناس: "إن المعنى: وجاء أمر الله أو وجاءت ملائكة الله" فهذا تحريف للنصوص. وهكذا في قول النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (١) يقول بعضهم: "ينزل أي: تنزل رحمته أو ينزل أمره أو ملائكته" وهذا تحريف للمعنى الصحيح، بل إن في هذا الحديث إثباتَ نزولِ الله إثباتًا يليق بجلاله وعظمته. قاعدة أهل السنة في هذا الباب: والقاعدة في باب الأسماء والصفات كما تقدم تجري على ما أمر الله -جل وعلا- في قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. فعلى هذا يسير أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام في القرون الثلاثة المفضلة. والمقصود أنَّ من الإيمان بالله الإيمانَ بأسمائه وصفاته إيمانًا صحيحًا يجري على وَفْقِ ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان دون الدخول في شقشقات علماء الكلام وغيرهم من الذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه. قصة لعبد الرحمن بن مهدي في رفع الشبهة في باب الأسماء والصفات: وقد روى اللالكائي وأبو نعيم عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لِفَتًى مِنْ وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ: «مَكَانَكَ». فَقَعَدَ حَتَّى تَفَرَّقَ النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، تَعْرِفُ مَا فِي هَذِهِ الْكُورَةِ مِنَ الْأَهْوَاءِ، وَالِاخْتِلَافِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي مِنْكَ عَلَى بَالٍ رَخِيٍّ إِلَّا أَمْرَكَ، وَمَا بَلَغَنِي؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَا يَزَالُ هَيِّنًا مَا لَمْ يصَلْ إِلَيْكُمْ، يَعْنِي السُّلْطَانَ، فَإِذَا صَارَ إِلَيْكُمْ جَلَّ وَعَظُمَ»، قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، وَمَا ذَاكَ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي الرَّبِّ وَتَصِفُهُ وَتُشَبِّهُه»، قَالَ: الْغُلَامُ: نَعَمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، نَظَرْنَا فَلَمْ نَرَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْئًا أَحْسَنَ وَلَا أَوْلَى مِنَ الْإِنْسَانِ، فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الصِّفَةِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رُوَيْدَكَ يَا بُنَيَّ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي الْمَخْلُوقِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنِ الْمَخْلُوقِ فَنَحْنُ عَنِ الْخَالِقِ أَعْجَزُ، أَخْبِرْنِي عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: (سَمِعْتُ

стр. 137

زِرًّا) (١) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم] قَالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ» (٢)، فَبَقِيَ الْغُلَامُ يَنْظُرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا بُنَيَّ، فَإِنِّي أُهَوِّنُ عَلَيْكَ الْمَسْأَلَةَ، وَأَضَعُ عَنْكَ خَمْسَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَتِسْعِينَ جَنَاحًا. صِفْ لِي خَلْقًا بِثَلَاثَةِ أَجْنِحَةٍ، رُكِّبَ الْجَنَاحُ الثَّالِثُ مِنْهُ مَوْضِعًا غَيْرَ الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ رَكَّبَهُمَا اللَّهُ حَتَّى أَعْلَمَ. فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدِ، قَدْ عَجَزْنَا عَنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَنَحْنُ عَنْ صِفَةِ الْخَالِقِ أَعْجَزُ؛ فَأشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ، عَنْ ذَاكَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ا. هـ (٣) قصة الشافعي مع تلميذه المزني: وقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَمَّا وَافَى الشَّافِعِيُّ مِصْرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُخْرِجُ مَا فِي ضَمِيرِي وَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرِي مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ -يعني الشافعي-. قال: فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ فَلَمَّا جَثَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ لَهُ إِنَّه قد هجسَ فِي ضميري مسألة فِي التَّوْحِيدِ فَعَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ فَمَا الَّذِي عِنْدَكَ؟؛ فَغَضِبَ؛ ثُمَّ قَالَ لِي: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ جَالِسٌ؟ قُلْتُ نَعَمْ، أَنَا جَالِسٌ بِفُسَطَاطِ مِصْرَ فِي مَسْجِدِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِيِّ. قَالَ: هَيْهَاتَ، إِنَّكَ بِتارَانَ وَجَنْبَلان -وهما مَوضِعانِ عندَ البحْر-، يَضْرِبُكَ تَيَّارُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ. ثم قال له: أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ قال: فَقُلْتُ لَا. فَقَالَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ لِي تَدْرِي كَمْ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ فَقُلْتُ لَا، قَالَ فَكَوْكَبٌ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ الَّذِي تَرَاهُ تَعْرِفُ جِنْسَيَّتَهُ طُلُوعَهُ وَأُفُولَهُ مِمَّا خَلَقَ؟ قُلْتُ لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ تَرَاهُ

стр. 138

بِعَيْنِكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ خَالِقِهِ!. ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ مسألة فِي الْوُضُوءِ فَأَخْطَأْتُ فِيهَا فَفَرَّعَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَلَمْ أُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهِ ثُمَّ قَالَ لِي شَيْءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا خَمْسَةً تَدَعُ تَعَلُّمَهُ ا. هـ (١) قال البيهقي: "تاران" في بحر القلزم يقال: فيها غرق فرعون وقومه، فشبه الشافعي المزني فيما أورد عليه بعضُ أهل الإلحاد ولم يكن عنده جواب، بمن ركب البحر في الموضع الذي أغرق الله فيه فرعونَ وقومه وأشرف على الهلاك. ثم علّمه جواب ما أُورد عليه حتى زالت عنه تلك الشبهة، وفي تلك دلالة على حسن معرفته بذلك، وأنه يجب الكشف عن تمويهات أهل الإلحاد عند الحاجة إليه، وأراد بالكلام: ما وقع فيه أهل الإلحاد من الإلحاد، وأهل البدع من البدع. والله أعلم ا. هـ (٢) منزلة الإيمان بأسماء الله وصفاته: وهذا الباب باب عظيم. ويدل على ذلك ما جاء في كتاب الله من إشارة وأمر ربِّ العالمين بالعناية بهذا الباب العظيم، وهو باب الأسماء والصفات. فانظر وأنت تقرأ القرآن إلى: قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة]. وقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة] وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة]. وقال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة].

стр. 139

وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة]. وقال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة]. وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة]. وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة]. وهذه الآيات كلها في سورة البقرة، وفي غيرها من السُّور آياتٌ أخرى: كقول الله -جل وعلا-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة] وقوله -جل وعلا-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة]. وقوله -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال] وقال -جل وعلا-: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦، ١٢٣] وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود] وقال -جل وعلا-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد]. وقال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد] وقال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق]. فهذه الآيات كلُّها فيها توجيه وأمر وإرشاد من الله -سبحانه- لعباده أن يتعرفوا على أسمائه وصفاته. والقرآن العظيم مليء بالآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته وهي من أعظم الآيات.

стр. 140

الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظمُ قدرا من آيات المعاد: قال شيخ الإسلام ﵀: "الآياتُ المتضمِّنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظمُ قدرًا من آيات المعاد، فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمِّنة لذلك: كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال لأُبيِّ بن كعب ﵁: «أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ أَعْظَمُ؟» قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فضرب بيده في صدره، وقال: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المنْذِرِ» (١). وأفضل سورةٍ: سورةُ أم القرآن: كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي ﷺ : «إِنَّهُ لم يُنزَّلْ فِي التَّوْرَاة وَلا الإِنجِيلِ ولا في الزَّبُور ولا في القُرْآن مِثْلُها، وَهِيَ السَّبْعُ المثَانِي والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتِيتُه» (٢) وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ مما فيها من ذكر المعاد. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ من غير وجه: «أنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن» (٣). وثبت في الصحيح: أنه بشر الذي كان يقرؤها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه (٤). فبيَّنَ أن الله يحب من يحب ذِكْرَ صفاته وهذا باب واسع" (٥).

стр. 141

أسماء الله وصفاته في سورة الفاتحة: وهذه السورة المباركة التي تُتلى في كل ركعة من ركعات الصلاة اشتملت من أسماء لله وصفاته على: أسمائه ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة]. فاسم الجلالة (١): ﴿الله﴾ هو اسم للرب الإله الحق؛ وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وهو الاسم الجامع لمعانيها. قال ابن كثير ﵀: وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ ﵎ ا. هـ (٢). وهو اسم عربي، وأصله الإله كما قال سيبويه وغيره، فهو مشتق من (أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلاهَةً وأُلوهِيةً) بِمَعْنَى: عبدَ عِبَادةً. فَهُوَ إلهٌ؛ بِمَعْنَى مأْلوهٍ؛ أَيْ: مَعْبُودٍ (٣). وقد روي عن عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قال: «اللهُ ذُو الإلهيةِ والعُبوديةُ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ» (٤). والألوهية التعبد بحب وتعظيم. فاسم الجلالة: ﴿الله﴾ دال على صفةٍ له -تعالى-، وهي الإلهية؛ فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، بما فيه من المعنى الموضوع له وهو عَلَمِيتَّه على ذي الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين … واسمه ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ هو وصف له تعالى بأنه اتصف بغاية الرحمة ومنتهاها. ومَنْ هذا وصفه وهذا رحمته فقصْدُ غيره وعبادةُ سواه ورجاؤه من أضل الضلال وأبطل الباطل وأسفه السفه، … واسمه ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ معناه: الذي أوصل ويوصل إلى عباده غاية الرحمة ومنتهاها، وكل ما في الموجودات من أنواع النعم والهداية والخيرات فمن رحمته وفضله وإحسانه. فمن هذا فعله بعبيده، وهذه رحمته لهم هو الذي يستحق ويجب أن يعبد ويقصد ويرجى ويناب إليه، والعدول إلى غيره ضلال بعيد، وجهل عظيم، وشرك وخيم.

стр. 142

سورة الإخلاص: وقول النبي ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». معناه كما قال شيخ الإسلام ﵀: القرآن باعتبار معانيه ثلاث أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي؛ لأن القرآن كلام الله. والكلام: إما إنشاء، وإما إخبار، والإخبار: إما عن الخالق، وإما عن المخلوق. والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن الخالق، وقد قال ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن» وعَدل الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه، … وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما. ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص. وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] ا. هـ (١) وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا «الْأَحَدُ الصَّمَدُ» لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمام الْمعرفَة بِصِفَات الذَّات وصفات الْفِعْل ثناءا ا. هـ (٢)

стр. 143

وقال الحافظ شمس الدين ابن القيم ﵀: فَسُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى مِنَ: • الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الْمُشَارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، • وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، • وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصَّمَدِيَّةِ، وَغِنَاهُ وَأَحَدِيَّتِهِ، • وَنَفْيِ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّنْظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: • إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لَهُ، وَنَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، • وَنَفْيَ إِثْبَاتِ شَبِيهٍ أَوْ مَثِيلٍ لَهُ فِي كَمَالِهِ، وَنَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَهَذِهِ الْأُصُولُ هِيَ مَجَامِعُ التَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ الِاعْتِقَادِيِّ الَّذِي يُبَايِنُ صَاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلَالِ وَالشِّرْكِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ: فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَدَارُهُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ، وَالْإِنْشَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَإِبَاحَةٌ. وَالْخَبَرُ نَوْعَانِ: خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ. فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الْخَبَرَ عَنْهُ، وَعَنْ أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا الْمُؤْمِنَ بِهَا مِنَ الشِّرْكِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا خَلَّصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ مِنَ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ الْإِرَادِيِّ الْقَصْدِيِّ. وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَهُوَ إِمَامُهُ وَقَائِدُهُ وَسَائِقُهُ، وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَمُنْزِلُهُ مَنَازِلَهُ، كَانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ تَكَادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ ا. هـ (١)

стр. 144

وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ … وَقِيلَ الْمُرَادُ: مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ من الْإِخْلَاص والتوحيد كَانَ كمن قرأ ثلث الْقُرْآنِ … وَقَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ .... وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ؛ وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ ا. هـ (١) من التأمل في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى: فهذا كله يدلنا على أهمية العناية بتعلم أسماء الله وصفاته والتدبر والتفكر فيها؛ فهذا يعود على المسلم بالإيمان الصحيح. ويعود عليه بقوة الإيمان، فيزداد إيمانًا. الغني الحميد: فحينما يتأمل في أسماء الله -جل وعلا- وفي صفاته، ويعلم مثلا: أن الله ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، فإنه يزداد ثقةً بربه -جل وعلا-. فلله الغنى التام والحمدُ التام. والغنى صفة كمال لله والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء سبحانه من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما (٢)، ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، وهو الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه الغني في حمده. (٣) الحميد المجيد: وتأمل مثلًا في اسمه ﴿الْحَمِيدُ﴾ و ﴿الْمَجِيدُ﴾: قال ابن القيم ﵀: فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدًى مهملًا معطَّلًا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب. وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه

стр. 145

الملك … وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغفرة الزلّات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيِّئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحقِّ والعلمِ منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحِلمُه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزّته وحكمته، كما قال المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ليستْ كمن يغفر عجزًا ويسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقِّك، قادرٌ على استيفائه، حكيمٌ في الأخذ به. فمن تأمّل سريان آثار الأسماء والصِّفات في العالَم وفي الأمر، تبيَّن له أنَّ مصدر قضاءِ هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصِّفات والأفعال، وغاياتُها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيَّته وإلهيَّته ا. هـ (١) الحكيم: وكذلك تأمَّلْ في اسمه ﴿الْحَكِيمُ﴾ فإنك تعرف بذلك أنَّ الله -جل وعلا- له حكمة عظيمة في خلقه، وفي أمره، وفي شرعه، لم يخلق شيئًا هملًا، ولم يترك شيئًا سدًى . السميع البصير العليم المحيط: وإذا علم العبد أنَّ ربَّه ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وأنه سبحانه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] وأنه سبحانه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]
следующие страницы →