← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[٥٠] وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ وَلَا إِلَيْكَ» رَوَاهُمَا أَبُو الشَّيْخِ (١). [٥١] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَطُّ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهَكَ الْكَرَاهِيَةُ، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَمَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ أَتَى الْعَذَابُ قَوْمًا، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]». أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢) [٥٢] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - أَيْضًا - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذًا شَدِيدًا، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (٣). [٥٣] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» (٤) [٥٤] وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ: «كَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ رُبَّمَا تَنَاشَدُوا عِنْدَهُ الشِّعْرَ، وَالشَّيْءَ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» (٥). [٥٥] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵁، وَسَأَلَهَا الْأَسْوَدُ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 212

يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ» (١). [٥٦] وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ ﵂ هَلْ كَانَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» (٢). [٥٧] … وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ تِبَاعًا، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ» (٣). [٥٨] وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَمُرُّ بِنَا الْهِلَالُ وَالْهِلَالُ، مَا نُوقِدُ بِنَارٍ لِطَعَامٍ، إِلَّا أَنَّهُ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ حَوْلَنَا أَهْلُ دُورٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَبْعَثُ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ بِغَزِيرَةِ شَاتِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٤). [٥٩] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ ﵁: «مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا (٥) بِعَيْنِهِ قَطُّ» (٦). [٦٠] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﵁: «مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خِوَانٍ (٧)، وَلَا فِي

стр. 213

سُكُرُّجَةٍ (١)، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ (٢)». فَقِيلَ لَهُ: عَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: «عَلَى السُّفَرِ» (٣). [٦١] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ خَطَبَ وَذَكَرَ مَا فُتِحَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَوَّى يَوْمَهُ مِنَ الْجُوعِ مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ» (٤) [٦٢] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ (٥)، وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فَأَخَذَ لِأَهْلِهِ شَعِيرًا، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ أَبْيَاتٍ» (٦). [٦٣] وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ» (٧). [٦٤] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا ذَكَرَ اعْتِزَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ - قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خِزَانَتِهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَدْنَى إِلَيْهِ إِزَارَهُ وَجَلَسَ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ، وَقَلَّبْتُ عَيْنِي فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ قَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ وَقَبْضَةٍ مِنْ قَرَظٍ نَحْوَ الصَّاعَيْنِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقَةٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لِيَ لَا أَبْكِي وَأَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ،

стр. 214

وَهَذِهِ الْأَعَاجِمُ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ! فَقَالَ: «أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ». قَالَ: فَقَلَتْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. (١) [٦٥] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» (٢) [٦٦] وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ الْحَصِيرُ بِجِلْدِهِ، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ عَنْهُ وَأَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا فَنَبْسُطَ لَكَ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ تَنَامُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (٣). [٦٧] وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ نَحْوَهُ. (٤) [٦٨] وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ» (٥). وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - أَيْضًا - عَنْ أَنَسٍ فِيِ (كِتَابِ الْحَجِّ) فَقَالَ: «حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ» (٦).

стр. 215

[٦٩] وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ خَشِنًا، وَأَكَلَ خَشِنًا، وَلَبِسَ الصُّوفَ، وَاحْتَذَى الْمَخْصُوفَ». قِيلَ: لِلْحَسَنِ: مَا الْخَشِنُ؟ قَالَ: غَلِيظُ الشَّعِيرِ، مَا كَانَ يُسِيغُهُ إِلَّا بِجُرْعَةِ مَاءٍ. (١) ا. هـ (٢) وصف الله لأنبيائه بمقام العبودية: وكان أنبياء الله ورسله من أحسن الناس عبادةً وتحقيقًا للعبودية لله -جل وعلا- ولهذا وصف الله نبيه ﷺ بهذا المقام العظيم وهو مقام العبودية في مواضع كثيرة من كتابه: فقال سبحانه يصفه به في مقام الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]. وبعض الناس يعتقد أن الوصف بالعبودية لله من أوصاف النقص. وليس كذلك بل إنه من أعظم أوصاف العبد؛ ولهذا نجد أنَّ الله سبحانه: وصف نبيه في مقام الوحي بالعبودية، فقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. ووصفه بها في مقام إنزال الكتب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان]. ووصفه بها في مقام الدعوة، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن]. وفي مقام الإسراء، فقال -جل وعلا-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء]. فهذه العبودية التامة التي كان عليها أنبياء الله ﵈. وتصف لنا أمُّ المؤمنين عائشة، وكذا المغيرةُ بن شعبة ﵄ جانبًا من عبادته ﷺ وقد رأوه يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له في ذلك: يا رسول الله تفعل ذلك وقد غفر

стр. 216

الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﵊: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (١). فكان نبينا ﷺ وكذا سائر الأنبياء من أعبد الناس وأكثرهم تعبُّدًا لله -جل وعلا-. وأرشد ﷺ عبد الله بن عمرو ﵄ إلى صيام نبي الله داود ﵍. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشت. فقال له رسول الله ﷺ : «أنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ» قلت: قد قلته. قال: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله. قال: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْن» قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ» قلت: إني أطيق أفضل منه يا رسول الله، قال: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» (٢). الرسالة والنبوة مختصة بالرجال: والأنبياء كانوا من الرجال وكانوا ذكورًا، وهذا الذي ذَهَبَ إليه كثير من أهل العلم؛ لأنَّ الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]. وذَكَرَ بعض العلماء ما يتعلق بنبوة مريم ﵍ ونبوة غيرها من النساء والصحيح الذي عليه الجمهور -ونقل عليه الإجماع- أنه ليس في النساء نبيَّةٌ يُوحَى إليها (٣). يقول شيخ الإسلام ﵀: بَلْ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ، كَمَا تَقُولُهُ: عَامَّةُ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلُ: الْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ

стр. 217

وَأَبِي يَعْلَى بْنِ أَبِي الْفَرَّاءِ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ ا. هـ (١) فحواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسيا ومريم ﵈ كانوا صدِّيقات؛ ومن أوضح الأدلة على ذلك أن الله وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها، فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فلو كان لها وصف النبوة وهو أعلى من الصِّدِّيقِيَّة لجاء الثناء عليها بذلك. الوحي من خصائص الأنبياء والرسل: ومن مسائل الإيمان بالأنبياء والرسل أن نؤمن بما اختص الله -جل وعلا- أنبياءه ورسله، ومن ذلك: الوحيُ، فلا يُوحى إلى أحد بعد الأنبياء والمرسلين. قال الله -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] فهو بشر ﷺ لكن الله -جل وعلا- خصَّه كما خصَّ الأنبياء بأنه يُوحَى إليه ﷺ . الأنبياء والرسل تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم: ومن خصائص الأنبياء أنهم «تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» كما في حديث الإسراء والمعراج وفيه: «وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» (٢) وعَنْ عَطَاءٍ، مرفوعا: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا» (٣) الأنبياء والرسل يخيرون عند الموت: ومن خصائصهم أن الله -جل وعلا- يُخيِّرهم عند الموت، كما في الصحيح عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ

стр. 218

اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ (١). الأنبياء والرسل يقبرون حيث يموتون: ولا يقبر نبي إلا حيثما يموت كما جاء بذلك الحديث الذي رواه الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: «مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ»، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (٢). ولابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُحْفَرُ لَهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ» قَالَ: فَرَفَعُوا فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ، فَحَفَرُوا لَهُ، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ ، وَسَطَ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ (٣). فدفن ﷺ في موضع وفاته في حُجْرة أمِّنَا عائشة ﵂. الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء: ومن إكرام الله لأنبيائه أن الأرض لا تأكل أجسادهم كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ -جل وعلا- قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈» (٤). الأنبياء أحياء في قبورهم: وقال ﷺ : «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» (٥).

стр. 219

وقال النبي ﷺ : «أتيتُ-وفي روايةٍ: مَرَرْتُ-عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرهِ» (١). الأنبياء في أعلى الدرجات عند الله: والأنبياء في أعلى الدرجات عند الله سبحانه؛ ولهذا قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] فبدأ بهم؛ لأنهم في أرفع الدرجات ثم قال: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء]

стр. 220

المجلس الثاني عشر (١) العصمة للأنبياء: الأنبياء والمرسلون ﵈ اختارهم الله -جل وعلا- على غيرهم من البشر، واصطفاهم وهو يصطفي من يشاء من خلقه -جل وعلا-. وخصَّهم الله بخصائص منها: أنهم معصومون. والأمة مجمعة على عصمة الأنبياء والرسل ﵈؛ من كبائر الذنوب وقبائح الأمور كالزنا والسرقة والمخادعة وعبادة الأصنام والسحر. وقد دلَّ الكتاب والسنة على أنَّ أنبياء الله ورسله بُرَآء مما افتراه عليهم اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكتاب الذين حصلت عندهم التحريفات. تعريف العصمة: قال العلماء: هي لطفٌ من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء. من جوانب العصمة: وذكر العلماء بعض الجوانب التي وقعت فيها العصمة من الله لأنبيائه فمنها: العصمة في باب التبليغ ودعوى الرسالة: وهذه العصمة هي التي عليها المناط؛ فبها يحصل المقصود من البعثة، فتبليغ شرع الله إلى الخلق هي مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهم الواسطة بين الله وبين خلقه الذين أُرسِلوا إليهم، فبطريقهم يهتدي البشر، فهم الذين يرشدونهم إلى دين الله؛ إذ هم المبلِّغون عن الله أمرَه ونهيَه وشرعَه؛ ولذلك أوجب الله العصمة لأنبيائه ورسله في هذا الجانب، فهم معصومون في باب البلاغ كما دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، يقول الله -جل وعلا- في حق نبينا ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم] فكلُّ ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وصحَّ، وثبت عنه فإنما هو وحيٌ من الله -جل وعلا-.

стр. 221

وكذلك يقول ربنا في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة]. العصمة في التبليغ من براهين صدق المرسلين: فدلَّت الآيات على أن الله لا يؤيد من يكذب عليه، بل لا بُدَّ أن يُظهِر كذبه، وأن ينتقم منه؛ ولذلك فعند التأمل والتدبر في هذه المسألة نجدها: من أعظم معجزات ودلائل نبوة نبينا محمد ﷺ . فلا يُعقَل أن يخرج رجل يدعي النبوةَ قَبْلَ ألف وأربعمائة سنة ويخبر عن الله بأمور، ويؤمن به أناس ثم ينتشر دينه، ويتوسع، ويحارِب ويقتل من يقاتله، ويغنم ويسبي، ونحو ذلك، وينتشر عبر مئات السنين إلى هذا اليوم، ويكون مُبْطلًا كما يقول بعض الناس. فلو تأمل الناس في ذلك لعرفوا أن هذا دليل على صدق النبي محمد ﷺ . وقد أثبت الله -جل وعلا- عصمته لأنبيائه كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء] فهذه الآيات دالَّةٌ على عصمة ربنا -جل وعلا- لنبيه ﷺ في تبليغ الوحي. ولهذا كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يطلب العلم عند رسول الله ﷺ متفرِّغًا له، فقال ﵁: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ، أريد أن أحفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كلَّ شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضا. قال: فأمسكت عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ» أخرجه الإمام أحمد وأبو داود (١).

стр. 222

وفي حديثٍ لأبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: له بعض أصحابه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» أخرجه الإمام أحمد والترمذي (١). وقد أجمع العلماء وأجمعت الأمة على أن الأنبياء والمرسلين معصومون في تبليغهم عن ربِّ العالمين -جل وعلا-. (٢) الأنبياء معصومون من الكفر والوقوع في الشرك: كذلك الأنبياء معصومون من الكفر والوقوع في الشرك بالله -جل وعلا- وهم معصومون من ذلك قبل بعثتهم وإرسالهم، وبعد بعثتهم وإرسالهم. وقد جاءت نصوص كثيرة عن النبي ﷺ تدل على ذلك، وأجمع العلماء على عصمتهم من الشرك والكفر قبل النبوة وبعدها. يقول الجرجاني ﵀: وأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها ولا خلاف لأحد منهم في ذلك (٣). ولهذا كان نبينا ﷺ قبل البعثة يتعبد الله -جل وعلا-: فما سَجَدَ لصنم قطُّ، ولا حلف بآلهتهم قطُّ، ولا دعا من دون الله -جل وعلا- أحدًا قطُّ، بل كان حنيفيًّا مؤمنًا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 223

توجيه بعض الآيات المشكلة في باب العصمة: آية سورة الشورى: وفي هذا الباب قد يذكر بعض الناس قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] ما معنى هذه الآية؟ لمَّا قال الله لنبيه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ فهل يعني ذلك أن النبي ﷺ كان قبل بعثته على غير هدى؟ والجواب: أن معنى هذه الآية كما يقول الشوكاني ﵀: أنه كان ﷺ لا يعرف تفاصيل الشرائع، ولا يهتدي إلى معالمها، وخصَّ الإيمان؛ لأنه رأسها وأساسها (١). فلما قال الله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يعني ما كنت تدري تفاصيل الشريعة حتى بعثك الله -جل وعلا- بها. آية سورة يوسف: وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ ليس المقصود الغفلة التي هي الكفر والشرك ونحو ذلك، وإنما المقصود بذلك أنه ما كان يعرف قصة يوسف ﵊ حتى أنبأه الله -جل وعلا- بها. آية سورة الضحى: وكذلك قول الله -جل وعلا- في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ ما معنى كلمة ضالًّا هنا؟ ليس المقصود بها الضلال الذي هو ضد الهدى، وإنما فسَّرها العلماء هنا بأنه كان لا يعرف الوحي، ولا يعرف الشريعة بمعنى: وجدك الله -جل وعلا- في قوم على ضلالة، فهداهم الله -جل وعلا- بك كما ذكر ذلك بعض أهل التفسير. وقال بعضهم: أي: لم تكن تدري ما القرآن والشرائع، فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام؛ فهي مثل الآية المتقدمة ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾. ولهذا ذكر العلماء أن الأحاديث التي ورد فيها أن النبي ﷺ شارك المشركين في باطلهم أحاديث لا تصح (٢). والمتقرر -كما تقدم-: أن الأنبياء والمرسلين ﵈ كانوا معصومين من الكفر والشرك قبل النبوة وبعدها.

стр. 224

الأنبياء معصومون من الكذب: كذلك عصمهم الله -جل وعلا- من الكذب في غير الوحي والتبليغ فيما يبلغون عن الله، وعصمهم في حديث الدنيا كما ذكرنا، فهم معصومون من الكبائر، تقول أم المؤمنين خديجة ﵂ وهي تصف النبي ﷺ حين نزل عليه الوحي وخاف على نفسه: «فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (١). فهذه صفاته وهذه خصاله قبل بعثته ﷺ ؛ ولهذا لما وقف في أول بعثته ﵊ إذ قيل له: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر] صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ» فقالوا: من هذا الذي يَهْتِفُ؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فَقَالَ ﷺ : «يَا بَني فُلَانٍ يَا بَني فُلَانٍ يَا بَني فُلَانٍ يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ يَا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» فاجتمعوا إليه، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟». قَالُوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا. قَالَ: «فَإِنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ» (٢) وفي رواية قالوا: ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا (٣). فهذه شهادة منهم لنبيِّنا ﷺ أنطقهم الله بها بما يعلمون من حاله وخصاله. بل كان يوصف بالأمين والصادق قبل بعثته ﷺ ، «فَإِنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَرِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالسُّيُوفِ، فَقَالوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَمِينَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ، فَدَعَا بِثَوْبٍ فَبَسَطَهُ وَوَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لِهَذَا الْبَطْنِ، وَلِهَذَا الْبَطْنِ - لِجَمِيعِ الْبُطُونِ مِنْ قُرَيْشٍ-: لِيَأْخُذْ كُلُّ بَطْنٍ مِنْكُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ رَفَعُوهُ، وَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ» (٤) وفي حديث أبي سفيان ﵁ مع هِرَقْل بعد أن

стр. 225

سمع كلامه وسأله قال: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله (١). الأنبياء معصومون من الكبائر: وكذلك الأنبياء معصومون من سائر الكبائر، ولا تقع منهم الأمور العظيمة الكبيرة، فلا يقع منهم الزنا، ولا شرب الخمر ولا غير ذلك؛ فقد عصمهم الله -جل وعلا- من هذه الأمور. هل يقع فعل الصغائر من الأنبياء وهل يقع منهم الخطأ؟ لا بُدَّ أن نعلم أن أكثر العلماء ﵏ قد ذكروا أنه يقع الخطأ من الأنبياء مما هو دون الكبائر، فيقع الخطأ الذي لا يتعمَّدُونه منهم، لكن الله -جل وعلا- لا يُقِرُّهم على هذا الخطأ بل يوجههم للحق، وقد يحصل للأنبياء العتاب على ذلك. ثم إنَّ هذا الخطأ الذي يقع منهم، إنما هو على سبيل الاجتهاد، لا يتعمَّدُونه؛ ولهذا لا يقال عنه: إنه معصية. فهذه العبارة لا تطلق عليهم، وإنما يقصد من ذلك أن الله -جل وعلا- يعاتبهم ويغفر لهم، والتوبة حاصلة على خطئهم، ويقبل الله -جل وعلا- توبتهم كما حصل في قصة آبينا آدم ﵍؛ إذ قَبِلَ الله -جل وعلا- توبته واجتباه وهداه، ويكون في ذلك رفعةٌ لدرجاته عند الله. بطلان القصص التي فيها ما يخالف عصمة الأنبياء: فإذا عرفنا أن الأنبياء والمرسلين معصومون؛ فإن ما يوجد من القصص المنثورة عن بعض الأنبياء: • كما يُذكر عن نبي الله هارون ﵍ أنه عَبَدَ العجل مع بني إسرائيل • أو أن إبراهيم خليل الرحمن ﵍ قدَّم زوجه سارة إلى الجبَّار لينال الخير بسببها • أو أنَّ لوطًا ﵍ شرب الخمر وسكر. • أو أن يعقوب ﵍ سرق المواشي من حَمِيِّه وخرج بأهله خلسة، • وكذلك ما يذكر في قصة داود ﵍ من أنه زنا بزوجة رجل من قُوَّاد جيشه • أو أنه دبَّر حيلةً لقتل الرجل. فكلُّ هذه الأقوال لا تصح ولا تثبت. وبعضها مبثوث في كتب بني إسرائيل المحرَّفة،

стр. 226

وتلقَّاها بعضُ الناس عنهم، وربما وُجِدَت في بعض التفاسير، فيجب على المسلم أن ينتبه لذلك، وأن يعلم يقينًا أنَّ الله -جل وعلا- قد عصم أنبياءه من ذلك. هل يقع الخطأ من الأنبياء في أمور الدنيا؟ أما في الأمور الدنيوية فشأنهم كشأن البشر، وهذا لا يُنقصهم، وقد ثبت عن رافع بن خديج ﵁ قال: قدم نبي الله ﷺ المدينة وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يعني: يلقحونه؛ فقال: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قالوا: كنا نصنعه، يعني: نفعل هذا من أجل تنبيت الرطب، فقال: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فتركوه، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قال: فذكروا ذلك له. فقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» (١) يعني: أصيب وأخطأ. وجاء في حديث عَائِشَةَ، وَأَنَسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ» قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ؟» قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (٢). فمثل هذا -كما يقول القاضي عياض ﵀ -: مثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها بعلم ديانةٍ، ولا اعتقادها، ولا تعليمها يجوز عليه فيه ما ذكرناه؛ إذ ليس في هذا كله نقيصةٌ ولا محطةٌ، وإنما هي أمور اعتياديَّة يعرفها من جرَّبها، وجعل همَّه شُغْلَ نفسه بها، والنبي ﷺ مشحونُ القلبِ بمعرفة الربوبية، ملآنُ الجوانحِ بعلوم الشريعة، مقيَّدُ البالِ بمصالح الأمة الدينية والدنيوية … (٣) إلخ. تلخيص ما سبق: حاصل هذا الباب: أن نعلم أن الله -جل وعلا- خصَّ الأنبياء والمرسلين بأنهم معصومون، فقد عصمهم الله -جل وعلا- من الوقوع في الكفر، ومن الوقوع في الشرك، ومن الخيانة، كما عصمهم في تبليغهم للدين والشريعة، فبلَّغوا دين الله. فنشهد: بأنَّ الأنبياء بلَّغُوا الرسالة، وأدَّوُا الأمانة بكل ما ائتمنهم الله -جل وعلا- عليه، وأنهم لم يقصِّروا في شيء من ذلك،

стр. 227

ولكن الهداية بيد الله فاهتدى بهم من شاء اللهُ هدايته، وضلَّ من شاء اللهُ -جل وعلا- إضلاله بعدله وحكمته. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الأنبياء يأتون يوم القيامة، فيأتي بعضهم يوم القيامة، وليس معه إلا رجل واحد أي: لم يؤمن به إلا رجل واحد، ويأتي النبي وليس معه أحد (١) ولا يكون ذلك بسبب تقصير من النبي، بل النبي بلَّغ وأدى ما أمره الله -جل وعلا- به، ولكن هو فضل الله -جل وعلا- يؤتيه من يشاء، والهدايةُ بيد الله. عصمة غير الأنبياء: إذا عرفنا أنَّ من خصائص الأنبياء العصمة تبيَّنَ لنا أنَّ غير الأنبياء لا يقال بعصمتهم؛ فأهلُ السنة والجماعة لا ينسبون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين حتى أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ وهم الصحابة ﵃ وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ ليسوا بمعصومِين، وقد قال أبو بكر ﵁: «وُلِّيتُ أَمَرَكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَنَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وَإِنْ أَنَا أَسَأْتُ فَسَدِّدُونِي، فَإِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي فإذَا رَأَيْتُمُونِي غَضِبْتُ فَاجْتَنِبُونِي، لَا أُؤْثَرُ فِي أَجْسَادِكُمْ وَلَا أَبْشَارِكُمْ» (٢). وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، فيقع الخطأ من غير الأنبياء المرسلين، «وكلٌّ» -كما قال الإمام مالك ﵀ -: «وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر» -ويشير إلى قبر نبينا ﷺ (٣)؛ وهذا القول مأثور أيضا: عن مجاهد التابعي الجليل ﵀ قال: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ » (٤).

стр. 228

وعن الحكم بن عتيبة والشعبي (١) نحوه. وفي معجم الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، رَفَعَهُ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ إِلا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُودَعُ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ » (٢) ومن الفتن التي حصلت في الأمة ادعاءُ العصمة لغير الأنبياء: وقد وقع لهذا في التاريخ الإسلامي صورٌ كثيرة، فمن ذلك: • ما ادَّعته بعض الفرق الضالة من عصمة أئمتهم كما ادُّعِيَ عصمة المعز الفاطمي العبيدي، فأتباع المعز الذي يسميه بعض الناس المعز لدين الله الفاطمي ادَّعَوا أنه معصوم، قالوا: هو معصوم هو وأولاده عن الذنوب والخطأ. وهذه الدولة التي قامت في القرن الرابع هي الدولة العبيدية، وتنسب نفسها إلى الفاطمية زورًا وبهتانًا، وقد ارتكبت العظائم، والقبائح، والكفر الواضح البيِّن، وهذا من البلاء الذي وقع في الأمة (٣). • كذلك ما يوجد عند بعض الفرق من ادعاء عصمة الأئمة، وأنهم مثل الأنبياء، بل ويبالغ بعضهم، فيقول: إنهم أفضل أو أعلى درجة من الأنبياء والمرسلين!! -نعوذ بالله من الضلال-؛ فلا يوجد أحد معصوم غير الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. فتنة التعصب المذهبي: • وكذلك من البلاء الذي حصل ادعاءُ بعض الناس عصمةَ الأئمة الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فتجدهم يدَّعُون أن ما قالوه وما ثبت عنهم فهم

стр. 229

مصيبون فيه؛ ولذلك فإنهم يعملون بقول إمامهم حتى وإن خالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ولهذا حصلت فتن كثيرة وانجرف كثير من الناس في مخالفة السنة والبُعْد عن سنة رسول الله ﷺ ؛ بسبب أنهم يعملون على ادَّعاء العصمة لأئمتهم ولعلمائهم؛ فلا يرون منهم إلا حقًّا، ولا يرون إلا أن قولهم هو الصواب حتى إن بعضهم تُعرَضُ عليه الآية ويُعرَضُ عليه حديث النبي ﷺ ، فيترك كل هذا، ويدَّعي أن ما جاء عن الإمام حقٌّ وصواب. بل قال بعضهم: … فإن كان الحديث موافقا لهم - يعني لمذهب من ينتسب إليهم- فبها؛ وإلا فذكرت مُسْتَدَلَّهُم والجواب عن الحديث وتوجيهه ا. هـ (١) يعني يجعل كلام من يتبع مذهبهم هو الأصل ثم يجيب عن الحديث وكان الواجب أن يجعل الحديث هو الميزان لأن الله -جل وعلا- أمرنا عند الاختلاف والتنازع بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. دراسة المذاهب: ولا مانع من أن يتفقه المؤمن على مذهب أبي حنيفة أو مالك أو مذهب الشافعي أو أحمد أو غيرهم من الأئمة، فهذه طريقة مسلوكة عند العلماء، ومن فوائدها: أنها تعين الطالب على حصر مسائل الفقه في كل باب، ومعرفة ترتيب الأبواب ترتيبا تفهم به المسائل الفقهية عموما. فهو بهذا طريقةٌ للتفقه لا غاية، ووسيلة لفهم النصوص وليس دينا بديلا عنها. وإنما عاب العلماء التعصب لغير الدليل، والتمسك بالمذهب بعد وضوح مخالفته للكتاب والسنة. كما عابوا من أراد فهم النصوص بعيدا عن فقه الأئمة أو رام العمل بالأدلة بمعزل عن فهمهم وحذروا من الطعن فيهم واعتقاد تعمد مخالفتهم للحق والهدى. قال الإمام الطحاوي ﵀ في عقيدته: «وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ؛ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ» (٢) وعلى هذا الطريق الوسط يسير طالب العلم في دراسة السنة دراسة مؤسسة على قواعد أهل العلم المتينة متفرعة من

стр. 230

فروع شجرة علمهم الباسقة فمن علمهم يستفيد ومن معين فقههم يتفقه وعلى دربهم يسير. وجوب اتباع السنة: ومن تبيَّن له الحق في غير مذهبه لم يجز له أن يدعه لقول أحد من الناس. وبهذا أوصانا الأئمة العلماء ومن ذلك: قول الإمام أبي حنيفة ﵀: «إذا قُلْتُ قَولاً يُخالفُ كتابَ اللهِ تَعالَى وخبر الرَّسولِ ﷺ فاتْركوا قَولِي» (١) وقال الإمام مالك ﵀: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أُخْطِئُ وَأُصِيبُ فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلَّمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ وَكُلَّمَا لَمْ يُوَافِقِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَاتْرُكُوهُ» (٢) وقال الإمام الشافعي ﵀: «مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَعْزُبُ عَنْهُ، فَمَهْمَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَصَّلْت مِنْ أَصْلٍ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِلَافَ مَا قُلْت فَالْقَوْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ قَوْلِي» (٣) وكان ﵀ يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» (٤) وقال أيضًا: «إذا صحَّ الحديث عن رسولِ الله ﷺ فهو أولَى أن يؤخذَ به مِنْ غَيرِه» (٥) وقد كره الإمام أحمد ﵀ أن تكتب فتاويه، وكان يقول: «لا تكتبوا عني شيئًا، ولا تقلِّدُوني، ولا تقلدوا فلانًا وفلانًا، وخذوا من حيث أخذوا» (٦).

стр. 231

وقال أيضاً: «لا تقلدني ولا تقلدْ مالكاً ولا الشافعيَّ ولا الأوزاعيَّ ولا الثوريَّ وخذْ من حيثُ أخذوا» (١) وقال ﵀: «رَأْيُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَرَأْيُ مَالِكٍ، وَرَأْيُ سُفْيَانَ كُلُّهُ رَأَيٌ، وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْآثَارِ» (٢) وقال ﵀: «مَنْ رَدَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ» (٣) فهذه الكلمات تدل على تقواهم لله وإخلاصهم وصدقهم مع الله تعالى وعظيم نصحهم للأمة وإنصافهم للدين والسنة. وتأمل وصف الحافظ الإمام شمس الدين ابن القيم ﵀ للسلف في القرون المفضلة إذ قال: وَكَانَ دِينُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَجَلَّ فِي صُدُورِهِمْ، وَأَعْظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ، مِنْ أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَيْهِ رَأْيًا أَوْ مَعْقُولًا أَوْ تَقْلِيدًا أَوْ قِيَاسًا، فَطَارَ لَهُمْ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ فِي الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، ثُمَّ سَارَ عَلَى آثَارِهِمْ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، وَدَرَجَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ الْمُوَفَّقُونَ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ، زَاهِدِينَ فِي التَّعَصُّبِ لِلرِّجَالِ، وَاقِفِينَ مَعَ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ، يَسِيرُونَ مَعَ الْحَقِّ أَيْنَ سَارَتْ رَكَائِبُهُ، وَيَسْتَقِلُّونَ مَعَ الصَّوَابِ حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ مَضَارِبُهُ، إذَا بَدَا لَهُمْ الدَّلِيلُ بِأُخْذَتِهِ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا، وَإِذَا دَعَاهُمْ الرَّسُولُ ﷺ إلَى أَمْرٍ انْتَدَبُوا إلَيْهِ وَلَا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا قَالَ بُرْهَانًا، وَنُصُوصُهُ أَجَلُّ فِي صُدُورِهِمْ وَأَعْظَمُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَيْهَا قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، أَوْ يُعَارِضُوهَا بِرَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ ا. هـ ثم تحدث عن حال المتعصبة فقال: ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ؛ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا، وَكُلٌّ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ،

стр. 232

جَعَلُوا التَّعَصُّبَ لِلْمَذَاهِبِ دِيَانَتَهُمْ الَّتِي بِهَا يَدِينُونَ، ورُؤُوس أَمْوَالِهِمْ الَّتِي بِهَا يَتَّجِرُونَ، وَآخَرُونَ مِنْهُمْ قَنَعُوا بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ وَقَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف]، وَالْفَرِيقَانِ بِمَعْزِلٍ عَمَّا يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ مِنْ الصَّوَابِ، وَلِسَانُ الْحَقِّ يَتْلُو عَلَيْهِمْ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ» (١). وقَالَ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: «أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ مَعْدُودًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ» (٢)، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ ﵀، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ عَنْ الدَّلِيلِ، وَأَمَّا بِدُونِ الدَّلِيلِ فَإِنَّمَا هُوَ تَقْلِيدٌ، فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَانِ الْإِجْمَاعَانِ إخْرَاجَ الْمُتَعَصِّبِ بِالْهَوَى وَالْمُقَلِّدِ الْأَعْمَى عَنْ زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ، … وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ وَرَثَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ يَجْهَدُ وَيَكْدَحُ فِي رَدِّ مَا جَاءَ بِهِ إلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ وَمَتْبُوعِهِ، وَيُضَيِّعُ سَاعَاتِ عُمْرِهِ فِي التَّعَصُّبِ وَالْهَوَى وَلَا يَشْعُرُ بِتَضْيِيعِهِ … إلخ (٣) وقال ابن الجزري ﵀ في منظومته "الهداية في علم الرواية": والحذَرَ الحذَرَ من تَعَصُّبِ … وأنْ تَرُدَّ سنةً بمَذْهَبِ وعلى هذا كان الأئمة من السلف الذين كانت لهم كلمات نيرة في دعوة الناس إلى اتباع السنة وعدم التعصب لأحد من الأمة، وهذا هو النهج الذي يجب أن يسير عليه المسلمون.

стр. 233

المجلس الثالث عشر (١) المعجزات والآيات البينات للرسل والأنبياء: اختصَّ الله -تعالى- الأنبياء والمرسلين بالآيات البينات والأمور المعجزات؛ فإن الله بعث أنبياءه ورسله إلى الناس يدعونهم إلى التقوى وإلى التوحيد وإفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، وقالوا للناس كما أخبر الله عن نوح وغيره من الأنبياء أنه قال لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ [الشعراء]. وبهذا خاطب رسلُ الله: هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ ولوطٌ وغيرُهم من الأنبياء ﵈ أقوامَهم بإخبارهم أنهم رسلٌ من عند الله. وقد جعل الله -جل وعلا- للأنبياء والرسل آياتٍ بيَّنات تدُلُّ على صدقهم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] يعني: بالدلائل والبينات التي تدل على صدقهم. ويُسمِّي العلماء هذه الآيات بالمعجزات، ويُسمِّيها بعضُ أهل العلم بالآيات، وتَسْمِيَتُها بالآيات هو الذي جرى عليه كثيرٌ من السلف؛ فإنهم لم يكونوا يُفرِّقون في التعريف بين الآيات والمعجزات. تعريف المعجزة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: اسم المعجزة يعُمُّ كلَّ خارق للعادة في اللغة وعرفِ الأئمة المتقدمين: كالإمام أحمد بن حنبل وغيرهم -ويسمونها الآيات- لكن كثيرًا من المتأخرين يُفرِّق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي، وجماعهما الأمر الخارق للعادة (٢). فهذا النص لشيخ الإسلام ﵀ يذكر فيه أن السلف -رحمهم الله تعالى- لم يكونوا يُفرِّقون بين الآية والمعجزة والكرامة وغير ذلك، وإنما كانوا يُسمُّون الجميع بالآية،

стр. 234

فيقولون هذه آيات على صدق النبي ﷺ حتى إنهم أدرجوا الكرامات ضمن الآيات البينات. فنجد أنَّ الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀ يترجم في كتابه المصنف بقوله: (باب ما يُعجَّل لأهل اليقين من الآيات) ثم يسوق فيه عددًا من الكرامات (١). وكذلك شيخ المحدثين وجبل الحفظ في الحديث الإمام البخاري في صحيحه يقول: (باب علامات النبوة في الإسلام) (٢) ثم يذكر أحاديث تضمَّنت دلائلَ النبوة كحديث نبع الماء بين أصابعه ﷺ (٣) ويسوق مع ذلك أشياء وقعت لبعض الصحابة ولبعض الأولياء -رضوان الله تعالى عليهم- مما يدل على: • عدم تفريق السلف بين الآية النبوية والكرامة من حيث التسمية. • كما يدل على أمر آخر، وهو أنهم يُسمُّون المعجزات بالآيات، وهذه التسمية هي التي جاء بها القرآن الكريم كما تقدَّم معنا في قول الله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: بالآيات والدلائل البيِّنة. الفرق بين المعجزة والآية والكرامة: إذا عرفنا هذا فما هو الفرق عند العلماء -خاصة المتأخرين- بين: ما يسمى بالمعجزة أو الآية وبين ما يكون من الكرامات وبين ما يكون من الخوارق أو الأحوال الشيطانية التي تقع لبعض هؤلاء المفسدين كالسحرة وغيرهم؟ لا شكَّ ولا ريب أنَّ هناك فرقًا بين ما يعطيه الله -جل وعلا- لأنبيائه ورسله وبين ما يقع للأولياء من الكرامات وبين ما يكون للسَّحرة والمشعوذين وغيرهم. إذًا هناك ثلاثة أمور: • الأول: آيات الأنبياء وهي معجزات، • والثاني: كرامات الأولياء، • والثالث: ما هو من الأحوال الشيطانية والسحر والشعوذة.

стр. 235

فالعلماء المتقدمون ﵏ كما ذكرنا يجمعون بين المعجزة أو بين آيات الأنبياء وبين كرامات الأولياء في سياق واحد وفي كلام واحد، لكنهم يميزون بين الكرامة والمعجزة، ويُفرِّقون بينهما بجملة من الفروق، نذكر منها ما تيسَّر من كلام العلماء. يقول العلماء ﵏ في الفرق بين الكرامة والمعجزة: • إن الكرامة تابعة للمعجزة. وذلك أنَّ المعجزة للأنبياء، فالمعجزة أو الآية التي تقع للأنبياء والمرسلين تدل على صدقهم وعلى إيمانهم، وهي مستقلة بذاتها، أما كرامة الولي فإنها تابعة لآيات الأنبياء. وبَحَث بعضُ العلماء الجوانبَ التي يُفرَّق بها بين الآيات والمعجزات وبين الكرامات في جملة من النقاط نوجزها فيما يأتي: • النقطة الأولى: أنَّ آيات الأنبياء المرتبطة بالنبوة لا يمكن أن تقع لغير نبي، وذلك: كنزول القرآن على النبي ﷺ ، فإنه آية عظيمة، بل هو أعظم آيات نبوة محمد ﷺ ؛ فلا يمكن أن يُؤتَى مثلَها وليٌّ من باب الكرامة. وهذا فرق بين الكرامة وبين المعجزة أو الآية. ومن الأمور التي لا يمكن أن تقع للأولياء: الإخبارُ عن أمور الغيب مفصَّلةً على وجه الصدق كما يقع للأنبياء، فنبيُّنا ﷺ من آياته أنه يخبر عن أمور غيبية مفصَّلة، فتقع كما أخبر ﵊، كما أخبر بخروج نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل بِبُصرى (١) ونحو ذلك فهذه لا يقدر عليها أحد لا بكرامة ولا بسحر ولا نحوه، وكما ذكرنا فإنَّ كرامة الولي تابعة، وآيات النبي متبوعة، فآية النبي دليلٌ مستقلٌّ على نبوته، أما كرامة الولي في أيِّ أمة من الأمم فإنها تابعةٌ لنبي تلك الأمة. • ومن الفوارق أيضًا: أنَّ كرامة الأولياء والصالحين ليست خارقة لعادة الصالحين بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل، فقد تقع لهذا وقد تكون وقعت لغيره من صالحي الأمم السابقة، أما آيات الأنبياء التي يختصون بها فإنها خارقة لعادة الصالحين. ولهذا قال السفاريني ﵀ في تعريف الكرامة وتمييزها عن المعجزة: هي أمر خارق للعادة (وتشترك في هذا الأمر مع المعجزة) ثم قال: غير مقرون بدعوى النبوة ولا

стр. 236

هو مقدمة، يظهر على عبدٍ ظاهرِ الصلاح، ملتزمٍ بمتابعة نبيٍّ كُلِّف بشريعته (وهذا القيد يَخرُج به ما يقع للسحرة والمشعوذين وغيرهم؛ فمِن علامات الكرامة صلاحُ صاحبِها بأن يكون على خير وعلى صلاة وعلى هدى) ثم قال: مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، عَلِمَ بها ذلك العبدُ الصالح أو لم يعلم (١). وفي هذا إشارة إلى أنَّ الكرامة لا يشترط فيها أن يطلبها الولي، ولا يشترط أن يعلم بها، فربما عَلِمَ بها وربما لم يَعْلَم كما حصل لأصحاب الكهف؛ فإنهم ناموا كما قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف] ناموا ثلاثمائة وتسع سنين ولم يكونوا يعلمون ما وقع لهم. ويقول العلامة حافظ الحكمي ﵀ في تعريف الكرامة وتمييزها عن المعجزة: ظهور الأمر الخارق على أيديهم الذي لا صُنْعَ لهم فيه، ولم يكن بطريق التحدي، بل يُجريه اللهُ على أيديهم، وإن لم يعلموا به كقصة أصحاب الكهف … (٢). وقد نبَّهْنا من قبلُ أنَّ العلماء قديمًا كانوا يجمعون في التعريف بين المعجزة والكرامة في سياق واحد، لكنَّ هذا التفريق فيه تمييز، وقد جرى عليه كثيرٌ من المتأخرين. • ومما ذكره العلماء في التفريق بينهما أنَّ الآثار المترتِّبة على الآيات والمعجزات كبيرةٌ جدًّا، فمن أهمها إقامةُ الحجة على نبوة من أيَّده الله بها، فمن كذَّب بعد رؤية الآية فإنَّ الله يهلكه كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ أي: نبعث الآيات، ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سَهْلٌ علينا، يسيرٌ لدينا، ﴿إِلَّا﴾ أنه قد ﴿كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ بعد أن سألونا، وجَرَت سنَّتُنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يُؤخَّرُون إن كذَّبوا بها بعد نزولها (٣). هذا ما يترتَّب على نزول الآية على النبي. وأما الكرامة فلا تصل إلى شيء من هذا بلا شكٍّ كما هو معلوم.

стр. 237

* ثم إن الكرامات ينالها عبادُ الله الصالحون بأفعالهم كعبادتهم، ودعائهم، وتضرعهم إلى الله سبحانه. أما آيات الأنبياء فلا تحصل بشيء من ذلك؛ فإنَّ النبوة اصطفاءٌ واختيارٌ مِنْ الله وليست كسبًا، وإنما يصطفي بها اللهُ -جل وعلا- مَنْ شاء مِنْ عباده، فكلُّ الأنبياء قد اختارهم الله وفضَّلهم على العالمين، وسنتحدث عن ذلك-إن شاء الله-في تفضيل الأنبياء. الأحوال الشيطانية: أما ما يتعلق بالفرق بين الكرامات والآيات والمعجزات من جهة وبين ما هو من الأحوال الشيطانية؛ إذ إنَّ هناك أمورًا شيطانية يستغِلُّها بعض السحرة والكُهَّان، فيُظهِرونها للناس، ويدَّعُون بذلك أنهم من أولياء الله الصالحين، فينبغي أوَّلًا أن نعرف: من هو الوليُّ؟ والجواب: أنَّ الولي قد جاء تعريفه في كتاب الله يقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس] فالآية واضحة الدلالة. يقول ابن كثير: يخبر-تعالى-أنَّ أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتَّقون. فكلُّ من كان تقيًّا كان لله وليًّا (١). فالولاية -إذًا- لها ركنان: الإيمان والتقوى. قال الشوكاني ﵀: والمراد بأولياء الله خُلَّص المؤمنين كأنهم قَرُبوا من الله -سبحانه- بطاعته واجتناب معصيته، وقد فسَّر سبحانه هؤلاء الأولياءَ بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس] (٢). قال العلماء: وأولياء الله: منهم السابقون المقرَّبون، ومنهم أصحاب يمينٍ مقتصدون، ذَكَرَهم الله في مواضع من كتابه، منها قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة]. فالمؤمن الذي آمن واتقى بفعل ما أمر الله واجتناب ما نهى الله -جل وعلا- عنه، فهذا هو المقتصد. ثم من زاد على ذلك بفعل النوافل والتقرُّب إلى الله -جل وعلا- حتى بلغ أعلى من ذلك، فهو من المقربين السابقين ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)

стр. 238

فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة] فهؤلاء هم أولياء الله المؤمنون المتقون، والولاية-كما تقدم-هي اجتماع الإيمان والتقوى. فإذا عرفت ذلك تبيَّن لك أن ما يقع على أيدي السحرة والكُهَّان إنما هو دجل وكذب لا يمكن أن يختلط على مؤمنٍ آمن بالله وعرف شريعة الله. الفرق بين الآيات والأحوال الشيطانية: ومع هذا فالعلماء يقولون كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه النبوات في ذكر الفرق بين معجزات الأنبياء والخوارق التي تحدث على أيدي السحرة والكُهَّان قال: من ذلك أن النَّبيَّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قطُّ، ومن خالفهم من السحرة والكُهَّان لا بُدَّ أن يكذب كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء]. (إذًا هذه علامة تدل على الفرق بين الولي وبين الكذَّاب الساحر؛ فأولياءُ الله لا يكذبون، والأنبياء لا يكذبون، وأما السحرة والكُهَّان فيبنون أمورهم على الكذب). ثم ذكر: الأمر الثاني وهو: أن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل وطلب الآخرة وعبادة الله وحده، وأعمالُهم البرُّ والتقوى، وأما هؤلاء فإنهم يأمرون بالشرك والظلم، ويُعظِّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان (١). ولهذا تجد هؤلاء يأمرون بالذبح لغير الله، ويأمرون بترك الطاعات، ويأمرون بترك الصلاة وبإهانة المصحف وغير ذلك. الأمر الثالث: الكهانة والسحر ينالهما الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرَّب عند الناس، بخلاف النبوة؛ فلا ينالها أحدٌ باكتسابه. كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] إلى غير ذلك من الأمور التي يُفرَّق بها بين المعجزة والكرامة من جهة وبين هذه الأشياء التي تجري على يد الكُهَّان ونحوهم.

стр. 239

أعظم كرامة للمؤمن: وأعظم كرامة للمؤمن هي استقامته على طاعة الله -جل وعلا- ولهذا يقول العلماء: لا يُشترَط في المؤمن الولي من أولياء أن تحصل له كرامة أو أن تقع له كرامة، وإنما الواجب على المؤمن أن يسعى للاستقامة على طاعة الله لا أن يسعى بحثًا عن الكرامة. لا يشترط حصول الكرامة للولي: وقد يقول بعض الناس في أنفسهم: لماذا لا تحصل لي أنا كرامة من الكرامات؟! فنقول: هذا ليس بلازم. فالأمر اللازم والواجب هو الاستقامة على دين الله -جل وعلا-. وفي هذا يقول بعض أهل العلم كما ينقل شيخ الإسلام وغيره أن العلماء من أئمة الدين متَّفِقون على أنَّ الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يثبت له ولاية بل ولا إسلام حتى يُنظَر وقوفُه عند الأمر والنهي الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه ﷺ (١). وقد اشتهر عن الشافعي ﵀ أنه لما قيل له: إنَّ الليث بن سعد - وهو إمام أهل مصر في زمانه- يقول: لَوْ رَأَيْتَهُ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، -يَعْنِي: صَاحِبَ الْكَلامِ- لا تَثِقْ بِهِ أَوْ لا تَغْتَرَّ بِهِ، وَلا تُكَلِّمْهُ فقال الشافعي: فَإِنَّهُ وَاللَّهِ قَدْ قَصَّرَ إِنْ رَأَيْتَهُ يَمْشِي فِي الْهَوَاءِ، فَلا تَرْكَنْ إِلَيْهِ (٢). وهذا يدل على عِظَمِ هذا الأمر، وأنَّ الواجب هو الاستقامة على دين الله -جل وعلا-. يقول العلامة ابن كثير: لا بُدَّ من اختبار صاحب الحال بالكتاب والسنة، فمن وافق حاله الكتاب والسنة، فهو رجل صالح سواء كاشف أم لا، ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا (٣). والعامة اليوم يغترون بكثير من هؤلاء، -نسأل الله السلامة والعافية-. إذًا الواجب على المؤمن والذي ينبغي أن يسعى إليه هو استقامته على طاعة الله -جل وعلا- وحرصُه على أن يكون موافقًا لسنة الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 240

ذكر بعض معجزات الأنبياء: إذا عرفنا ذلك فإنَّ الله-سبحانه-قد أيَّد أنبياءه ورسله بمعجزات كثيرة، وقد جاء في القرآن بيانُ شيءٍ من ذلك. قال أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني، الملقب بقوام السنة (ت: ٥٣٥ هـ): قَالَ الْعلمَاء: لم يبْعَث الله -جل وعلا- نَبيا إِلَّا وَمَعَهُ معْجزَة تدل عَلَى صدق قَوْله من جنس مَا قومُه عَلَيْهِ: فعيسى ﷺ بُعث فِي زمَان الْحُكَمَاء والأطباء، وَكَانَت معجزته إِبْرَاء الأكمه، والأبرص وإحياء، الْمَوْتَى. فَلَمَّا عجزوا عَنْ هَذِهِ الْحِكْمَة مَعَ كَونهم حكماء، استدلوا عَلَى أَنه رَسُول الله، وَكَذَلِكَ مُوسَى ﷺ بُعث فِي زمَان السَّحَرَة والكهنة، وَكَانَت الْعَصَا معجزته، ابتلعت حبالهم وعصيهم، وَلم تطل، وَلم تقصر، وَلم يكبر بَطنهَا. فَلَمَّا عجزوا عَنْ ذَلِكَ مَعَ معرفتهم بِالسحرِ استدلوا عَلَى أَنه رَسُول الله. وَنَبِيًّا ﷺ بعث فِي زمَان الفصحاء والبلغاء، الَّذين يقدرُونَ عَلَى النّظم والنثر، وَأنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ لَهُمْ: ائْتُوا بِمثلِهِ، فَلَمَّا عجزوا عَنْ الْإِتْيَان بِمثلِهِ مَعَ اقتدارهم عَلَى الْكَلَام، واستجلوا عَلَى أَنه كَلَام الله، وَأَنْ النَّبِي ﷺ مُرْسل من عِنْد الله. وَالْقُرْآن معجزته السَّابِقَة الأوَّلَة والنبوة ثبتَتْ بالمعجزة الأوَّلَة، والمعجزة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، كَانَتْ تَأْكِيدًا للأوَّلة ا. هـ (١) ما أيَّدَ الله به نوحًا ﵍ -: فمن هذا تأييد الله -جل وعلا- نبيَّه نوحًا ﵍ بتلكم المعجزة العظيمة، فأنجاه وأصحاب السفينة، وأغرق من كفر به من العالمين. ما أيَّد الله به هودًا ﵍ -: وقال الله تعالى عن هود ﵍ لما قال له قومه: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٤]. فأجابهم ﵍ بقلب المؤمن المتوكل على الله متحدِّيًا لهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

стр. 241

(٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود]. قال الحافظ ابن كثير: وَهَذَا تحدٍّ مِنْهُ لَهُم، وتبرُّؤٌ من آلِهَتهم وتنقُّصٌ مِنْهُ لَهَا، وَبَيَان أَنَّهَا لَا تَنْفَع شَيْئًا وَلَا تضُرُّ، وَأَنَّهَا جماد حكمها حكمه وفعلها فعله، فَإِنْ كَانَتْ كَمَا تَزْعُمُونَ من أَنَّهَا تنصر وَتَنْفَع وتضر فها أَنا برِيء مِنْهَا (١). وقال أيضاً: وقد تضمَّن هذا المقامُ حجةً بالغةً، ودلالةً قاطعةً على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادةِ اللهُ وحده لا شريك له، الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه (٢). وقال صديق خان ﵀: وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصُكُّ مسامعهم، ويوضِّح عجزَهم وعدمَ قدرتهم على شيء، وهذا من معجزاته الباهرة ا. هـ (٣). وقال الطاهر ابن عاشور ﵀: وقولهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٥٩] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود ﵍ ولعل آيته أنه وَعَدَهم عند بعثته بوفرة الأرزاق والأولاد واطَّراد الخصب وَفْرةً مطردة لا تنالهم في خلالها نكبة ولا مصيبة، بحيث كانت خارقةً لعادة النعمة في الأمم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مَا من الْأَنْبِيَاء نبيء إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ» (٤) الْحَدِيثَ. وإنما أرادوا أن البينات التي جاءهم بها هود ﵍ لم تكن طبقًا لمقترحاتهم، وجعلوا ذلك علةً لتصميمهم على عبادة آلهتهم،

стр. 242

فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] (١). ما أيَّد الله به صالحًا ﵍ -: وذكر الله -جل وعلا- في كتابه الكريم آية نبي الله صالح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ [النمل] أيَّده الله -جل وعلا- بالناقة التي هي آية عظيمة قال الله سبحانه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء] وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣]. فهي آية واضحة بيِّنة لا خفاء فيها؛ ولذا سمَّاها -جل وعلا- مبصرة ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] وذكر المفسرون أنَّ ثمود اجتمعوا يومًا في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح ﵍، فدعاهم إلى الله، وذكَّرهم، وحذَّرهم، ووعظهم، وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة-وأشاروا إلى صخرة هناك-من صفتها كيت وكيت-وذكروا أوصافًا سمَّوها ونعتوها وتعنتوا فيها-قالوا: وأن تكون عُشَرَاء (يعني حاملًا) طويلةً من صفتها كذا وكذا، فأجابهم الله إلى هذه الناقة، فلمَّا كفروا جاءهم العذاب، -نسأل الله العفو والعافية-. ما أيَّد الله به إبراهيم ﵍ -: كذلك أيَّد الله-سبحانه-نبيه وخليله إبراهيم ﵍ بالمعجزة الكبيرة بأن جعل عليه النار بردًا وسلامًا، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء] هذه آية عظيمة؛ فبعد أن أُوقِدت له النيران، وأُلقِي فيها جعلها الله -جل وعلا- عليه بردًا وسلامًا. وكذلك من الآيات التي أجراها الله على يده إحياءُ الموتى كما قصَّ في كتابه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة] أمره الله بذبح

стр. 243

هذه الطيور ثم تقطيعها وتفريقها على عدة جبال ثم دعاها فلَبَّت النداء، واجتمعت الأجزاء المتفرِّقة، والتحمت كما كانت من قبل، ودبَّتْ فيها الحياة، وطارت محلِّقةً في الفضاء، قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: «قَطِّعْهُنَّ (وفي رواية: قَطِّعْ أَجْنِحَتَهُنَّ) ثُمَّ اجْعَلْهُنَّ فِي أَرْبَاعِ الدُّنْيَا، رُبْعًا هَا هُنَا، وَرُبْعًا هَاهُنَا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا» (١) -فسبحان الله ما أعظمَ شأنه وأجلَّ قدرته-!! ما أيَّد الله به موسى ﵍ -: كذلك أيَّد الله-سبحانه-نبيه موسى ﵍ بآيات كثيرة. منها الآيات التسع التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال الحافظ ابن كثير: وَهِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالسِّنِينَ، وَالْبَحْرُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ الْيَدُ، وَالْعَصَا، وَالْخَمْسُ فِي الْأَعْرَافِ، والطَّمْسَة وَالْحَجَرُ. وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: هِيَ يَدُهُ، وَعَصَاهُ، وَالسِّنِينَ، وَنَقْصُ الثَّمَرَاتِ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ حَسَنٌ قَوِيٌّ. وَجَعَلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ "السِّنِينَ وَنَقْصَ الثَّمَرَاتِ" وَاحِدَةً، وَعِنْدَهُ أَنَّ التَّاسِعَةَ هِيَ: تَلَقُّفُ الْعَصَا مَا يَأْفِكُونَ ا. هـ (٢) فأعظمُها وأكبرُها العصا التي كانت تتحول إلى حيَّة عظيمة، قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه]. وهذه العصا الآية العظيمة ابتلعت عشرات من الحبال والعِصِيِّ التي جاء بها السحرة، ولما رآها السحرة عرفوا أنها ليست من جنس السحر والخيالات التي يعملونها، وعاينوا الحقَّ، فبادروا إلى الإيمان، وشرح الله صدورهم، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [طه]. ومن الآيات التي أرسل اللهُ بها موسى ما ذكره الله في قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى

стр. 244

جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾ [طه] كان يُدخِل يده في جيبه، (والجيب هو درع القميص الذي فيه الأزرار) فكان يُدخِل يده ثم ينزعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير برص ولا بهق. وذكر الله كذلك من الآيات ما أصابهم به من السنين: إذ أصابهم بالجدب، والقحط، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف]. وكذلك أرسل الله موسى ﵍ بآيات أُخَرَ، فمنها: أنه ضَرَبَ البحر بعصاه، فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطود العظيم. ومنها: ضَرْبُه للحجر، فكان الحجر ينفلق عن اثنتي عشرة عينًا. وأنزل الله -جل وعلا- المنَّ والسَّلوى على بني إسرائيل في صحراء سيناء وغير ذلك من الآيات والمعجزات. ما أيَّد الله به عيسى ﵍ -: وأيَّدَ اللهُ كذلك نبيَّه عيسى ﵍ بمعجزات عظيمة، فقد كان يصنع من الطين ما يُشبِهُ الطَّير ثم ينفث فيه، فتُصبِح طُيُورًا بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه، فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب عنه البرص، ويمُرُّ على الموتى فيناديهم فيُحْيِيهم اللهُ-تعالى-بأمره سبحانه، وقد حكى القرآن لنا ذلك في آيات سورة المائدة، ومن قبلها في آيات سورة آل عمران.

стр. 245

ما أيَّد الله به خاتمَ الأنبياء نبيَّنا محمدًا ﷺ -: وأما نبينا محمد ﷺ فقد جمع اللهُ له آياتٍ كثيرة عظيمة. يقول البيهقي ﵀ -تبعا للحليمي-: وذكر بعض أهل العلم أنَّ أعلام نبوته تبلغ ألفًا (١). وهكذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن معجزات النبي ﷺ قد بلغت أكثر من ألف آية (٢). وذكر شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنَّ: الآيات والبراهين التي دلَّت على صحة نبوته وصدقه أضعافُ أضعافِ آياتِ مَنْ قبلَه من الرسل، فليس لنبي من الأنبياء آيةٌ تُوجِب الإيمانَ به إلا ولمحمد ﷺ مثلُها، أو ما هو في الدلالة مثلها، وإن لم يكن من جنسها (٣). فأكثر الرسل آياتٍ وبيناتٍ هو خاتم النبيين محمد ﵊. قال بعض العلماء: لئن كان سليمان، ﵍ أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر لقد أعطي نبينا ﷺ البُراق الذي هو أسرع من الريح، ولئن كان موسى ﵍، أعطي حجراً تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً لقد وضع أصابعه، ﷺ ، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه ﵃، وما لهم من الخيل، ولئن كان عيسى ﵍، أحيا النفس بإذن الله لقد رفع ﷺ ، ذراعاً إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة (٤). القرآن أعظم المعجزات: فمن أعظم الآيات التي أُوتِيَها نبينا ﷺ هذا الكتاب الجليل، القرآن المعجز الذي هو آية عظيمة مستمِّرة، تحدَّى الله -جل وعلا- بها الثقلين.

стр. 246

من معجزات الرسول ﷺ -: كما أيَّده بآيات كثيرة، جمعها العلماء في كتب مستقلة، سُمِّيت بدلائل نبوته ﷺ . وقد جَمَع البيهقيُّ ﵀ كتابًا في دلائل نبوته ﷺ . ومما أُلِّف في هذا: دلائل النبوة للفريابي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ودلائل النبوة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني قوام السنة. وكَتَبَ شيخنا العلامة الشيخ مقبل الوادعي ﵀ صحيح دلائل النبوة. وهو مطبوع. فمن معجزاته ﷺ : إجابة الشجرة إيَّاه لما دعاها. ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لَأَمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَالْتَأَمَتَا. (١) وفي سنن ابن ماجه عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵍ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ، قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: «فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ، وَفَعَلُوا»، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَرِنِي» فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: قُلْ لَهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا، فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَسْبِي» (٢) تَكَلُّمُ الذراعِ المسمومةِ. وقد ورد ذلك في أحاديث -مفرداتها فيها ضعف، لكنها بمجموعها تثبت-: ففي سنن أبي داود عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً، مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ

стр. 247

سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا، فَقَالَ لَهَا «أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ» قَالَتِ الْيَهُودِيَّةُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ «أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدِي» لِلذِّرَاعِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ «فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ. (١) وفيه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» الحديث (٢) وروى البزار عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً سَمِيطًا، فَلَمَّا بَسَطَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكُوا، فَإِنَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَتِهَا: «أَسَمَمْتِ طَعَامَكِ هَذَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: أَحْبَبْتُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ أُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهُ ﵎ سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: «كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ» قَالَ: فَأَكَلْنَا وَذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ، فَلَمْ يَضُرَّ أَحَدًا مِنَّا. (٣)

стр. 248

وروى البزار أيضا عن مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ في قصة الشاة المسمومة وفيه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» (١). ومن معجزاته ﷺ : تكثير الطعام القليل حتى أصاب منه ناسٌ كثيرٌ: وفيه أحاديث منها: حديث جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ﵁ يعني والدَه- وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، العَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ»، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: «كِلْ لِلْقَوْمِ»، فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. رواه البخاري (٢) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟»، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ، مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ، بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً»، أَوْ قَالَ: «أَمْ هِبَةً؟»، قَالَ: لَا بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ، مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالمِائَةِ إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى البَعِيرِ. متفق عليه. (٣). وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو

стр. 249

طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ» فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِطَعَامٍ» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا» فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ؟ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ» فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. متفق عليه. (١). تكثير الماء القليل حتى أصاب منه ناسٌ كثيرٌ: عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، … فذكر الحديث وفيه: ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: «اذْهَبَا، فَابْتَغِيَا المَاءَ» فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي، إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاآ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ … ، وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ

стр. 250

فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اجْمَعُوا لَهَا» فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ، مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا»، فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ، قَالَتْ: العَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ: بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. متفق عليه. (١) وفي صحيح البخاري عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ … فذكر الحديث وفيه: قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ المَاءِ، يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، … الحديث (٢). خروجُ الماء من بين أصابعه ﷺ -: وفيه أحاديث منها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: «فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» متفق عليه (٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ، فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، «فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، كَأَمْثَالِ
следующие страницы →