← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

من معجزات الرسول ﷺ -: كما أيَّده بآيات كثيرة، جمعها العلماء في كتب مستقلة، سُمِّيت بدلائل نبوته ﷺ . وقد جَمَع البيهقيُّ ﵀ كتابًا في دلائل نبوته ﷺ . ومما أُلِّف في هذا: دلائل النبوة للفريابي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ودلائل النبوة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني قوام السنة. وكَتَبَ شيخنا العلامة الشيخ مقبل الوادعي ﵀ صحيح دلائل النبوة. وهو مطبوع. فمن معجزاته ﷺ : إجابة الشجرة إيَّاه لما دعاها. ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لَأَمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَالْتَأَمَتَا. (١) وفي سنن ابن ماجه عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵍ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ، قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: «فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ، وَفَعَلُوا»، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَرِنِي» فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: قُلْ لَهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا، فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَسْبِي» (٢) تَكَلُّمُ الذراعِ المسمومةِ. وقد ورد ذلك في أحاديث -مفرداتها فيها ضعف، لكنها بمجموعها تثبت-: ففي سنن أبي داود عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً، مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ

стр. 247

سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا، فَقَالَ لَهَا «أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ» قَالَتِ الْيَهُودِيَّةُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ «أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدِي» لِلذِّرَاعِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ «فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ. (١) وفيه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» الحديث (٢) وروى البزار عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً سَمِيطًا، فَلَمَّا بَسَطَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكُوا، فَإِنَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَتِهَا: «أَسَمَمْتِ طَعَامَكِ هَذَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: أَحْبَبْتُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ أُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهُ ﵎ سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: «كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ» قَالَ: فَأَكَلْنَا وَذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ، فَلَمْ يَضُرَّ أَحَدًا مِنَّا. (٣)

стр. 248

وروى البزار أيضا عن مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ في قصة الشاة المسمومة وفيه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» (١). ومن معجزاته ﷺ : تكثير الطعام القليل حتى أصاب منه ناسٌ كثيرٌ: وفيه أحاديث منها: حديث جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ﵁ يعني والدَه- وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، العَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ»، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: «كِلْ لِلْقَوْمِ»، فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. رواه البخاري (٢) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟»، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ، مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ، بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً»، أَوْ قَالَ: «أَمْ هِبَةً؟»، قَالَ: لَا بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ، مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالمِائَةِ إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى البَعِيرِ. متفق عليه. (٣). وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو

стр. 249

طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ» فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِطَعَامٍ» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا» فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ؟ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ» فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. متفق عليه. (١). تكثير الماء القليل حتى أصاب منه ناسٌ كثيرٌ: عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، … فذكر الحديث وفيه: ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: «اذْهَبَا، فَابْتَغِيَا المَاءَ» فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي، إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاآ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ … ، وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ

стр. 250

فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اجْمَعُوا لَهَا» فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ، مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا»، فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ، قَالَتْ: العَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ: بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. متفق عليه. (١) وفي صحيح البخاري عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ … فذكر الحديث وفيه: قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ المَاءِ، يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، … الحديث (٢). خروجُ الماء من بين أصابعه ﷺ -: وفيه أحاديث منها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: «فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» متفق عليه (٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ، فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، «فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، كَأَمْثَالِ

стр. 251

العُيُونِ»، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. رواه البخاري (١). حنينُ الجذع: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ المِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ فَحَنَّ الجِذْعُ «فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ» رواه البخاري (٢). وفيه أيضاً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا [تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا]؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ»، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ [الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا] صِيَاحَ الصَّبِيِّ [حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ]، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ [حَتَّى اسْتَقَرَّتْ]. قَالَ: «كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا» (٣) وروى الترمذي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ إِلَى لِزْقِ جِذْعٍ وَاتَّخَذُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَخَطَبَ عَلَيْهِ فَحَنَّ الجِذْعُ حَنِينَ النَّاقَةِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَّهُ فَسَكَتَ» (٤) وفي رواية عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ، فَقَالَ: أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ لِخُوَارِهِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ

стр. 252

يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، سَكَتَ ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمْ يَزَلْ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» تَحَزُّنًا عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَأَمَرَ بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَدُفِنَ. (١) ولابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ ذَهَبَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ: «لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٢) وروى ابن المبارك عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: «ابْنُوا لِي مِنْبَرًا»، فَبَنَوْا لَهُ مِنْبَرًا [لَهُ عَتَبَتَانِ]، إِنَّمَا كَانَ عُسْرٌ فَتَحَوَّلَ مِنَ الْخَشَبَةِ إِلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: [فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ] فَحَنَّتْ وَاللَّهِ الْخَشَبَةُ [إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَنِينَ الْوَالِدِ [وفي رواية: الوَالِهِ]. قَالَ أَنَسٌ ﵁: وَأَنَا وَاللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ أَسْمَعُ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَمَشَى إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَتَتْ [وفي رواية: فَسَكَنَتْ] فِيهَا الْحَسْرَةُ. [قالَ: فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى] وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ [يَا عِبَادَ اللَّهِ]، الْخَشَبُ يَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ أَفَلَيْسَ الَّذِينَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ أَحَقَّ أَنْ يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ؟ (٣). ظهورُ صِدْقِه ﷺ في مغيَّبات كثيرة أخبر عنها: قال البيهقي ﵀: وَأَمَّا إِخْبَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْكَوَائِنِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَظُهُورِ صِدْقِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَهِيَ كَثِيرَةٌ وَهِيَ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ مَنْقُولَةٌ:

стр. 253

١ - فَإِنَّهُ ﷺ … حِينَ أَخْبَرَ عَنْ مَسْرَاهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ إِلَى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَكُذِّبَ فِيهِ؛ أَخْبَرَ عَنْ عِيرِهِمُ الَّتِي رَآهَا فِي طَرِيقِهِ: عَنْ قُدُومِهَا، وَعنْ نَبَأِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. ٢ - وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِمَا وَقَعَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵃ بِمُؤْتَةَ، وَنَعَاهُمْ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ. ٣ - وَنَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. ٤ - وَأَخْبَرَ عَنْ كِتَابِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، … ٥ - وَوَعَدَ أُمَّتَهُ الْفُتُوحَ الَّتِي وُجِدَتْ بَعْدَهُ ٦ - وَحَذَّرَهُمُ الْفِتَنَ الَّتِي بَدَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَظَهَرَتْ عِنْدَ قَتْلِهِ وَبَعْدَهُ، ٧ - وَأَخْبَرَهُمْ بِمُدَّةِ بَقَاءِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، ٨ - وَأَشَارَ إِلَى الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَعْدَهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ بَنِي الْعَبَّاسِ فَكَانُوا كَمَا قَالَ ﷺ . ٩ - وَسَمَّى جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ شُهَدَاءَ، فَأَدْرَكُوا الشَّهَادَةَ بَعْدَهُ، … ١٠ - وَأَخْبَرَ عَنِ الْبَلَاءِ الَّذِي أَصَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، ١١ - وَعَنْ قَتْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ١٢ - وَقَتْلِ ابْنِ ابْنَتِهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ١٣ - وَإِصْلَاحِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ابنِ ابْنَتِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوُجِدَ تَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، ١٤ - وَنَعَى نَفْسَهُ إِلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، ١٥ - وَبَشَّرَ أُمَّتَهُ بِكِفَايَةِ اللَّهِ شَرَّ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَيْنِ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، ١٦ - وَذَكَرَ أُوَيْسًا الْقَرْنِيَّ وَوَصَفَهُ بِمَا وُجِدَ تَصْدِيقُهُ بَعْدَهُ .... ا. هـ (١).

стр. 254

ومما ذكروه أيضا من دلائل نبوته ﷺ : ١ - إخبارُ المتقدمين وغيرهم بنبوته. ٢ - وكذلك ما جاء عن الكُهَّان والجن وأهل الكتاب في شأنه ﷺ . ٣ - وإسلامُ الجنِّ على يديه ﷺ . ٤ - وانقياد الحيوانات له ﷺ . ٥ - وسلام الأحجار عليه ﷺ . ٦ - ومن دلائل نبوته مَنْ شَفَاهُ اللهُ -جل وعلا- ببركة دعائه ﷺ له. ٧ - ومنها أيضًا حادثة الإسراء والمعراج. في أمور كثيرة تراجع في مظانها من الكتب المذكورة وجوب الإيمان بالمعجزات والتصديق بالكرامات: فهذه التي ذكرناها هي جملة من الآيات والبينات التي أُيِّدَ بها؛ الأنبياء ﵈. فنحن نؤمن بما أيَّد الله -جل وعلا- به أنبياءه من الآيات والمعجزات كما أننا نؤمن بكرامات الأولياء. ومثل ما ذكرنا فإن المسلم يجب أن يُفرِّق بين ذلك وبين ما هو من وساوس الشياطين والسحرة والكُهَّان والمشعوذين.

стр. 255

المجلس الرابع عشر (١) دعوة الأنبياء والمرسلين: أكرمنا الله -جل وعلا- ببعثة الأنبياء والمرسلين، واختارهم، واصطفاهم، وبعثهم رحمةً للعالمين. فما من خير إلا وبيَّنُوه لنا، ودلُّونا عليه، وما من شر إلا وحذَّرُونا منه، وبيَّنُوه لنا، صلوات الله وسلامه عليهم. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو في سفر ناداهم، فقال: «الصَّلَاةَ جَامِعَةً» يقول: فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا» (٢) إلى آخر الحديث. فكل الأنبياء بعثهم الله -جل وعلا- برسالة سامية، وهي الدلالةُ على كلِّ خيرٍ، والتحذيرُ من كلِّ شرٍّ. وأعظم الخير وأوجبه أن الله بعثهم بالدعوة إلى التوحيد الذي هو أعظم الحسنات، والدعوةِ إلى كل ما يحبه الله ويرضاه، والنهْيِ عن الشرك الذي هو أعظم السيئات، والنهْيِ عن كل ما يبغضه الله -جل وعلا- ويأباه. قال شيخ الإسلام ﵀: وَاللَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَمَنِ اتَّبَعَ الرُّسُلَ، حَصَلَ لَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي الْبِدَعِ مَنْ قَصَّرَ فِي اتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمًا وَعَمَلًا ا. هـ (٣)

стр. 256

قل هذه سبيلي: ويقول الله في كتابه الكريم لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف] هذه الآية العظيمة تُبَيِّنُ لنا منهج الأنبياء في دعوتهم. يقول شيخ المفسرين الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀ في هذه الآية: يقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرةٍ من ذلك ويقينٍ وبرهانٍ هو وكلُّ من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي (١). وفي ختام هذه الآية يقول: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزِّهُ الله وأُجِلُّه وأُعَظِّمُه عن أن يكون له شريك وند ﵎ عن ذلك علوًّا كبيرًا. ثم تختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه خاتمة مهمة، فقد بيَّنَ النبي ﷺ طريقه ومنهجه وهو الدعوة إلى التوحيد، وخُتِمَت الآية بالبراءة من المشركين. فالنبي ﷺ بيَّنَ دعوته، وقال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما تبرَّأ منهم خليلُ الرحمن ﵍ يقول ربنا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. بُعِثَ النبي ﷺ إلى قوم يعبدون الله، لكنهم لا يعبدون الله وحده، وإنما يعبدون من دونه آلهةً وأوثانًا. فهم لا ينكرون وجود الله ولا كونَه خالقًا رازقًا، ولكنهم يُشرِكون مع الله غيرَه! فمن المهم أن نعرف حقيقة دعوة الأنبياء والمرسلين ﵈. ما هي دعوة الأنبياء؟ تلك الدعوة العظيمة التي بعثهم الله بها، ووضَّحها في كتابه العظيم القرآن أوضحَ الدلالة، وبيَّنَ معانيها ومعالمها التي غفل عنها الناس اليوم؛ فوقعوا في الشرك الذي نهى الله -جل وعلا- عنه، وبعث الأنبياء للتحذير منه.

стр. 257

اتفاق دعوة الأنبياء والمرسلين على الدعوة إلى التوحيد: قال الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل] فكل الأنبياء دعوا إلى هذه الكلمة ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. دعوا إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، والبراءة من الشرك وأهله. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] فما من نبي بعثه الله إلا ودعوتُه الدعوةُ إلى التوحيد وإفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، قال: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي: فوحِّدوني. وذكر الله -جل وعلا- قصص عدد من الأنبياء في سورة الأنبياء ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء]. وكذلك ذكر قصص الأنبياء في سورة المؤمنون، فذكر نوحًا وهودًا وصالحًا وموسى وهارون ثم قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون]. فقوله في الآيتين: آية الأنبياء، وآية المؤمنون: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال الحافظ ابن كثير: قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: دينكم دين واحد (١). فالأنبياء جميعًا بُعِثُوا بأصلٍ واحدٍ عظيم، ما هو هذا الأصل؟ هو توحيد الله وإفراده بالعبادة ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ويقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا

стр. 258

وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (١). وقوله: «إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ» العَلَّات هم الإخوة من الأب أمهاتهم شتى؛ فالنبي ﷺ ضرب مثلًا للأنبياء بأنهم جاؤوا بمشكاة واحدة، وهي توحيد الله. ويقول ربنا عن أولي العزم من الرسل كما في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى] فتلك هي دعوة الأنبياء جميعًا وعلى رأسهم أولو العزم منهم. ولما سُئِل النبي ﵊ عن الرسل قال: «ثَلَاث مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَمًّا غَفِيراً» (٢). فكل هؤلاء الرسل من أولهم إلى خاتمهم نبينا محمد ﷺ ساروا على منهج واحد، وانطلقوا من منطلق واحد، وهو التوحيد الذي هو أعظم القضايا وأعظم المبادئ التي جاؤوا بها من رب العالمين، وهذه الآيات فيها ذكر دعوة الأنبياء على جهة الإجمال. دعوة نوح ﵍ إلى التوحيد: وجاء التفصيل أيضًا في كتاب الله -جل وعلا- في ذكر دعوة الأنبياء. فتأملوا معي في سورة الأعراف، فقد ذكر الله -جل وعلا- أوَّل الرسل نبيَّه نوحًا ﵍، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف] كانت كلمة نوح ﵍ ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فأمرهم بتوحيد الله، وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وكذلك في سورة نوح قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ

стр. 259

(٣)﴾ [نوح] وقد مرَّ معنا قولُ ابن عباس ﵄ أن العبادة في القرآن معناها التوحيد (١) فقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحِّدُوا الله. دعوة هود ﵍ إلى التوحيد: وذكر الله -جل وعلا- هودًا ﵍، فقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف] وكذلك في سورة هود ﵍ يقول ربنا -جل وعلا- في قصته: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ [هود] فدعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله، وإلى مثل ما دعا إليه نوح من قبله. جواب قوم هود لنبيهم ﵍ ومعنى كلمة التوحيد: وتأملوا -إخواني في الله- هذه الدعوة العظيمة المباركة التي وضَّحها الأنبياء لأقوامهم، وانظروا إلى جواب قوم هود ﵍ لنبيهم لما دعاهم إلى إفراد الله بالعبادة ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] تأملوا في قولهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ لنعلم أن هودًا ﵍ قد وضَّح لهم وبيَّنَ لهم أنَّ أساس الأمور هو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة. ونأسف كثيرًا حينما نجد من الناس اليوم من يقول: (لا إله إلا الله) وهي كلمةُ التوحيد، الكلمةُ العظيمة، كلمةُ التقوى، لكنه لا يفهمها!! وهؤلاء قوم هود ﵍ فهموا من دعوته إلى التوحيد أنه يريد إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، فقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. دعوة صالح ﵍ إلى التوحيد: وهكذا ذكر الله -جل وعلا- نبيه صالحًا ﵍، وأخبر أنه قال لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] وذكر قصته في سورة هود ﵍، فأخبر عنه أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود].

стр. 260

دعوة شعيب ﵍ إلى التوحيد: وذكر الله أيضًا بعد ذلك قصةَ لوط ﵍ وقصةَ شعيب ﵍، قال شعيب لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]. دعوة لوط ﵍ إلى التوحيد: وهكذا دعا لوطٌ قومَه إلى توحيد الله، وحذَّرهم من البَلِيَّة التي كانوا واقعين فيها مع الشرك وهي فعل الفاحشة العظيمة! نسأل الله السلامة والعافية، وهكذا ما من نبي بعثه الله -جل وعلا- إلى قومه إلا ودعا قومه إلى إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة. الأمر لنبينا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد: ففي فاتحة سورة هود ﵍ يقول سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هود] إنها دعوةٌ واحدةٌ. دعوة يوسف ﵍ إلى التوحيد: وتأملوا أيضًا قصةَ نبي الله ورسوله يوسف ﵍ حين أُدخِل السجن، وهو مظلوم ﵍، إِلَامَ دعا هناك؟ دعاهم إلى توحيد الله -جل وعلا- قال الله -جل وعلا- في ذكر دعوته لما قال للرجلين: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فسبحان الله! وهو في السجن ومع الظلم الذي وقع عليه، فإنه مأمور من ربه -جل وعلا- أن يدعو إلى توحيد الله. إنه النبيُّ الكريمُ ابنُ الكريمِ ابنِ الكريم؛ نبيُّ الله يوسفُ ابنُ نبيِّ الله يعقوبَ ابن نبي الله إسحاقَ ابنِ خليل الله إبراهيم ﵈ يدعو إلى توحيد الله. فما دعا وهو في سجنه مظلومًا إلى التهييج ولا إلى السياسات، ولا انطلق من مبدأ الثأر، وإنما دعا إلى التوحيد، ونبذ الشرك مؤكِّدًا دعوته ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ومفسِّرًا ذلك

стр. 261

بقوله: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ويقول عن التوحيد: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠]. الحث على تأمل الآيات في قصص الأنبياء: تأملوا -يا إخواني- في هذه القصص، قصص الأنبياء كيف أن الله -جل وعلا- أخبر أن نبيَّه نوحًا ﵍ مَكَثَ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعو إلى توحيد الله -جل وعلا-!! يذكر الله-سبحانه-لنا ذلك في كتابه، ويثني على نبيِّه نوحٍ ﵍ بدعوته إلى توحيد الله سبحانه، ألا يدُلُّ ذلك على أن هذا هو المنهج الحق والمنهج الصواب؟ دعوة إبراهيم ﵍ إلى التوحيد: ثم تأملوا أيضًا قصةَ خليل الرحمن إبراهيم ﵍، وقد ذكرها الله في مواضع عدة، وكلُّها في بيان الدعوة إلى توحيد الله. إنه أبو الأنبياء، وإمام الموحِّدين الحنفاء، خليلُ الله الذي أمر الله سيد المرسلين وخاتم النبيين وأمته باتباعه، والتأسِّي بدعوته، والاهتداء بهديه ومنهجه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام] إلى آخر الآيات التي حاجَّ فيها إبراهيمُ قومَه الذين كانوا يعبدون الأصنام ويشركون بالله -جل وعلا- بعبادة الكواكب، وعبادة الشمس والقمر، فدعاهم إلى الله -جل وعلا-. وانظر إلى محاورته مع أبيه في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم] إلى آخر الآيات العظيمة التي فيها دعوةُ مُشْفِقٍ رحيم على أبيه، دعوةٌ إلى توحيد الله سبحانه، قائمةٌ على العلم والمنطق والعقل، وعلى الخُلُق القويم، يريد أن يهديه الصراط المستقيم، ويُبعِدَ عنه ما به من التعصب، مُبَيِّنًا له بالعلم والحجة والبرهان. دعوة إبراهيم ﵍ النمرود إلى التوحيد: وكذلك ذكر الله -جل وعلا- دعوة إبراهيم ﵍ لذلك الطاغية إلى توحيد الله سبحانه، وهو نمرود بن كنعان (١)، قال الله في قصته: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: هو

стр. 262

الله المنفرد بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة، فقال ذلك الطاغية: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ودعا قومه إلى توحيد الله سبحانه، قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ [الأنبياء] إلى آخر القصة العظيمة التي ذكرها الله في سورة الأنبياء، وفيها أنه كَسَّرَ أصنامهم، ودعاهم بالحكمة إلى الله -جل وعلا-. صلاح الناس في الدعوة إلى التوحيد: إنَّ الأنبياء جميعًا عَرَفُوا أنَّ صلاح الناس إنما يبدأ من هاهنا من توحيد الله -جل وعلا- يبدأ من توحيد الله لا كما يظنه كثير من الناس اليوم أنه لا يمكن أن يدخل الشرك والفساد إلى الأمة، وأن الأمة في مأمن من ذلك، كلَّا -والله- إنه ظنُّ مَنْ لا يعرف منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله. نبي الله إبراهيم وخليله ﵍ يخاف الشرك على نفسه وذريته: بل إن نبي الله إبراهيم خافه على نفسه وذريته فقال في دعائه ما أخبر الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم]. وكان إبراهيم التيميّ -التابعي الجليل- ﵀، يقصُّ ويقول في قَصَصه: من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم ﵍، حين يقول: ربّ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾» (١) وقال يحيى بن يمانٍ: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: قد كنتُ أشْتَهِي أن أمرَضَ وأمُوتَ، فأمّا اليومَ فلَيْتني مِتُّ فُجاءةً؛ لأنني أخافُ أن أتحوَّلَ عمّا أنا عليه، من يأمَنُ البلاءَ بعدَ خليلِ

стр. 263

الرَّحمنِ ﵍ وهُو يقولُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. (١) دعاء يوسف ﵍ أن يتوفاه الله على الإسلام: وفي دعاء يوسف ﵍ يقول: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ دعاء نبينا ﷺ الثبات وخوفه من الفتنة: وكان من دعاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» (٢) وكان ﷺ يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٣) وكان يَحْلِفُ بقوله: «لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» (٤) فيُقسم بالله مُقلِب القلوب، لأنها كثيرة التقلُب، والله -جل وعلا- هو الذي يقلبها، كما جاء في الحديث: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (٥). قال ابن عبد البر: فَمَا يَأْمَنُ الْفِتْنَةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ ا. هـ وقال أيضا: قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَا يَأْمَنُ الْفِتْنَةَ وَالِاسْتِدْرَاجَ إِلَّا مَفْتُونٌ. وقال: وَلَا نِعْمَةَ أَفْضَلُ مِنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ تَزْكُو الْأَعْمَالُ وَمَنِ ابْتَغَى دِينًا غَيْرَهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَلَوْ أَنْفَقَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَمَاتَنَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أَهْلِهِ آمِينَ ا. هـ (٦)

стр. 264

دعوة موسى ﵍ إلى التوحيد: ثم انظروا إلى نبي الله موسى ﵍، وكيف أن الله -جل وعلا- بعثه، وقد تربَّى في قصور أعظم طاغية يدعو الناس إلى تألِيْهِ نفسه وعبادة نفسه! بعثه الله إليه ليدعوه ويدعو الناس في زمانه إلى توحيد الله -جل وعلا-. فيناظر موسى ﵍ هذا الرجل الطاغية في الله -جل وعلا- ويُبيِّن له الحق بالحجة والبرهان؛ ليسمع جميع الناس ذلك، يقول ربنا -جل وعلا- في سورة الشعراء: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ [الشعراء] إلى آخر الآيات. ويخبر ربنا في سورة طه أيضًا أن فرعون قال له: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ [طه]. دعوة عيسى ﵍ إلى التوحيد: وكذلك كانت دعوة نبي الله عيسى ﵍، فدعا قومه إلى توحيد الله -جل وعلا- ولم يدعُهُمْ إلى عبادة نفسه، ولا إلى أن يشركوا بالله -جل وعلا- كما قال ربنا في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة] وأخبر الله -جل وعلا- عنه أيضًا أنه قال لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران] ويأتي يوم القيامة، فيتبرأ عند الله -جل وعلا- ممن عبده من دون الله، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ

стр. 265

اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة]. دعوة نبينا ﷺ إلى التوحيد: وعلى هذا سار خاتم الأنبياء والمرسلين، فكان يأتي قومه، فيدعوهم، ويقول ﵊: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا» (١) ويحذرهم من الشرك بالله. تحقيق أنَّ المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية: ويقول بعض الناس: كان الأنبياء يدعون إلى توحيد الربوبية! أي: إلى أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. ونقول لهم: لم يكونوا إلا دعاةً إلى توحيد الألوهية؛ فإن الخلاف الذي وقع بين الأنبياء وبين أقوامهم إنما هو في توحيد الألوهية، الذي هو توحيد العبادة وإفراد الله بالعبادة، أما أنَّ الله هو الخالق الرازق المحيي المميت فإنهم كانوا يعرفون ذلك، ويُقرِّون به، وإنما كانوا ينكرون إفراد الله بالعبادة. وتأملوا فيما ذكرنا سابقًا في جواب قوم هود لهودٍ ﵍، إذ قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] ويقول ربنا في سورة ص: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص]. فتأملوا مقالتهم؛ فإنهم عجبوا أن النبي ﷺ دعاهم إلى الله وحده لا شريك له.

стр. 266

ويقول ربنا لنبيه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر] ويقول -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]. وجاء البيان في القرآن الكريم متعدِّدًا في مواضع كثيرة، يقولُ ربُّنا -جل وعلا-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]. ويقول لنبيه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]. وقد كان المشركون يدركون من دعوته ﵊ أنه إنما دعاهم إلى توحيد الله -جل وعلا- وعلى ذلك خالفوه وعارضوه وجاؤوا بالإفك العظيم، فآمن من آمن وأراد الله له الهداية، وضلَّ من ضلَّ وقاتلهم النبي ﷺ على ذلك. جهل كثير من الناس اليوم بحقيقة دعوة الأنبياء: والناس في هذه الأعصار يجهلون الدعوة العظيمة التي بعث الله بها الأنبياء والمرسلين. ومِن أَدَلِّ الأدلة على ذلك انتشارُ القبورية في كثير من بلاد المسلمين، فتجد كثيرًا من الأضرحة تُدعَى من دون الله، وتُعبَد من دون الله، ويُذبَح لها، ويُنذَر لها، ويطاف حولها، ويُدعَى المقبورون من دون الله. وإذا قيل لبعضهم في ذلك وأُنكِرَ عليه، قال: إني أقول: لا إله إلا الله. وظنَّ أن هذه الكلمة تنفعه، وقد جاء بما يناقضها. علاقة الإرجاء والغلط في فهم الإيمان بانتشار القبورية: ولهذا الأمر علاقة بتعريف الإيمان الذي ذكرناه من قبل وأنه قولٌ، وعملٌ، واعتقادٌ،

стр. 267

يزيد وينقص؛ فإن المجتمعات التي ينتشر فيها الإرجاء، وينتشر فيها اعتقاد أن الإيمان قول فقط أو أنه المعرفة وأنَّ من عرف أنه لا إله إلا الله أو قال: إنه لا إله إلا الله ولم تعمل بذلك جوارحه فإن ذلك يكفيه؛ ولذلك تجدهم يقولون: لا يضُرُّ هذا مع إيماننا بالله وهذا هو الفساد العظيم في فهم أعظم أمر بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وهو الدعوة إلى توحيد الله -جل وعلا-. فتأملوا دعوة رسول الله ﷺ لتعرفوا منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله -جل وعلا- وكيف كانوا يدعون إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة. بَعَثَ النبيُّ ﷺ معاذًا إلى أهل اليمن بالدعوة إلى التوحيد: وكان نبينا ﷺ يرسل الدعاة إلى الله ليدعوا إلى التوحيد. كما فعل لما بعث معاذًا إلى أهل اليمن (١)، وقال له: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (٢) وفي رواية: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» (٣) وفي رواية: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ -جل وعلا-» (٤) فدلَّت هذه الروايات الثلاث على أن الدعوة إلى التوحيد هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وهي الدعوة إلى العبادة، وأنَّ العبادة لا تصح إلا بالتوحيد كما أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة .... والحمد لله رب العالمين،،، JIH انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث الإيمان بالملائكة الكرام ﵈

стр. 268

سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٣) الإِيْمَانُ بالملائكةِ ﵈ تأليف أبي حمزة غازي بن سالم أفلح عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين تقديم الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر

стр. 269

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م (مزيدة ومنقحة) رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢ Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩ الترقيم الدولي ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤ التصنيف العمري: E تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com الإمارات العربية المتحدة - الشارقة البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧ تويتر: @ DroosAldar

стр. 270

الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة

стр. 271

المجلس الخامس عشر (١) الشعبة الثالثة من شعب الإيمان: الإيمان بالملائكة الكرام تعريف الملائكة: الملائكة جمع ملَك، والمَلَك أصله: مَلْأك ثم حُذِف الهمز، والفعل منه: أَلَكَ يَأْلِك ألكًا بمعنى: أبلغ، والألوك: الرسول، والمألُكة: الرسالة. فلفظ الملائكة -إذًا- مشتَقٌّ من الألْك. وأطلق عليهم هذا الاسم للدلالة على أنهم رسل الله -جل وعلا-. (٢) الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ» وهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة (٣). وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ في صحيح مسلم-: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٤). وقال ابن القيم ﵀: الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتمُّ إلا به ا. هـ (٥) معنى الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يتضمن التصديق والاعتقاد الجازم: بما أخبر الله تعالى عن ملائكته كما يتضمَّن إنزالَهم منزلتهم التي أنزلهم اللهُ إياها في كتابه وسنة نبيه ﷺ .

стр. 272

الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب: والإيمان بالملائكة من الغيب الذي أمرنا الله أن نؤمن به؛ لأن الملائكة من العوالم الغائبة عنَّا التي لا نعرفها إلا بأدلة من الكتاب والسنة؛ ولذلك فلا دخل للقصص الإسرائيلية ولا لفلسفة المتفلسفين في إثبات أشياء من هذا الباب؛ لأنه عالم غيبي لا ندرك منه إلا ما جاءنا فيه الوحي من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ . الإيمان بالملائكة من أسباب زيادة الإيمان: وهو باب عظيم وممتع، يقرؤه المسلم فيزداد به إيمانُه. فمن أسباب زيادة الإيمان القراءةُ في هذه الشعب العظيمة: الإيمان بالله، والإيمان برسله، والإيمان بكتبه وغيرها من أركان الإيمان. يقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال ربنا -جل وعلا- مادحًا نبيَّه والمؤمنين معه الذين اتبعوه بإيمانهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. ويقول ربنا سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]. فتبيَّن بهذا أن الإيمان بالملائكة ركنٌ عظيمٌ من أركان الإيمان، لا يتم إيمان المؤمن إلا به. الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: يقول العلماء: يتضمن الإيمانُ بالملائكة الإيمانَ بأمور أربعة. وقد ذكرها الحافظ أبو عبد الله الحسين الحليمي ﵀ في كتابه المنهاج في شعب الإيمان، وذكرها أيضًا الشيخ العلامة ابن عثيمين ﵀ (١). فأما الأمر الأول: فهو الإيمان بوجودهم تفصيلًا وإجمالًا: فمن وَرَدَ تعيينُه باسمٍ

стр. 273

مخصوصٍ كجبريل وميكائيل ومالك فنؤمن بهم وبوظائفهم تفصيلًا على ما بُيِّن في الكتاب والسنة. وأما الذين لم يَرِدْ ذِكْرُ أسمائهم فنؤمن بهم إجمالًا، وهم خَلْقٌ كثير كما سيأتي معنا. الأمر الثاني: إنزالهم منازلهم: وإثبات أنهم عباد لله وخلقُه كالإنس والجن، وأنهم مكلَّفون بعبادة الله، ولا يقدرون إلا على ما أَقْدَرَهُم الله عليه، والموتُ عليهم جائز، ولكن الله جعل لهم أمدًا بعيدًا، ولا يُوصَفون بشيء يؤدي وصفُهم به إلى إشراكهم بالله -جل وعلا-. والأمر الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم على الإجمال والتفصيل: فنؤمن إجمالا بأنهم مخلوقون من نور، وأنهم على صورة حسنة جدًّا، وأنهم خَلْقٌ عظيم، ونؤمن تفصيلًا بما علمنا من أوصاف بعضهم. والأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم على الإجمال والتفصيل. الإيمان بالملائكة يكون إجمالًا وتفصيلًا: يقول العلامة ابن باز -رحمه الله تعالى-: "والإيمان بالملائكة يتضمَّن الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكةً خلقهم لطاعته، ووصَفَهم بأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وهم أصناف كثيرة: فمنهم الموكَّلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكَّلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمَّى اللهُ ورسولُه منهم كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكَّل بالنفخ في الصور" (١). وثبت في حديث المعراج أنه ﷺ رُفِعَ له البيت المعمور الذي هو في السماء السابعة، بمنزلة الكعبة في الأرض، وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم (٢) وهذا يدل على كثرتهم. ويقول العلامة ابن عثيمين ﵀: "الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: أوَّلًا: الإيمان بوجودهم.

стр. 274

ثانيًا: الإيمان باسم من علمنا اسمه منهم. وثالثًا: الإيمان بأفعالهم. ورابعًا: الإيمان بصفاتهم" (١). من صفات الملائكة أنهم خُلِقوا من نور: في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﵊ قال: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» (٢). وجاء عن بعض السلف الكلامُ في مادة هذا النور، والسلامة ترك الخوض في هذا إذ لم يصح في ذلك شي عن النبي المعصوم ﷺ . قال الشيخ الألباني ﵀: … هذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها، لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق ﷺ ا. هـ (٣) تقدُّمِ خَلْقِ الملائكة على البشر: وجاء في كتاب الله ما يُبيِّن أنَّ الله -جل وعلا- خَلَقَهم قبل خلق الناس كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] والخليفة المقصود به آدم ﵍، فدَلَّت الآية على أنَّ الله -جل وعلا- خلقهم قبل خلق الجن والإنس. رؤية الملائكة: والملائكة خَلْقٌ خلقهم الله تعالى من نور، ولا يستطيع العباد رؤيتهم؛ ولذلك لم يَرَ الملائكة في صورهم الحقيقية من هذه الأمة إلا رسولُنا ﷺ ؛ فإنه رأى جبرائيل مرَّتَيْنِ في صورته التي خلقه الله عليها كما سيأتي. ودلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثلوا في صور البشر كما سيأتي معنا. عِظَمُ خلق الملائكة: جاءت النصوص أيضًا ببيان عظم خلقهم، فقال الله في ملائكة النار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ

стр. 275

غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم] ومما جاء أيضًا من السنة في ذلك أن النبي ﷺ رأى جبرائيل ﵈ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين في خَلْقٍ عظيم: قال ربنا سبحانه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم]. والمقصود بهذه الآيات جبريلُ ﵍ وأنَّ النبي ﷺ رأى جبريل ليلة الإسراء والمعراج. تقول أمُّنا عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم-: قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (١) وتقول ﵂ أيضًا: كان يأتيه في صورة الرجال وإنه آتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته فسَدَّ أُفُقَ السماء (٢). وقال ابن مسعود ﵁ كما في الصحيحين: "رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح" (٣) وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم]: "أي: رفرفًا أخضر قد سَدَّ الأفق" (٤). وهذا الرفرف الذي سَدَّ الأفق هو ما كان عليه جبريل ﵍، رفرف ملأ ما بين السماء والأرض. وجاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵍ في صورته، وله ستمائة جناح، كلُّ جناح منها قد سَدَّ الأفق، يسقُط من جناحه من التهاويل والدُّرِّ واليواقيت ما الله به عليم" (٥). والتهاويل أي: الأشياء المختلفة الألوان. وقال ربنا سبحانه في وصف جبريل ﵍: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير]. فالرسول الكريم المقصود به: جبريل ﵍، و ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ هو ربُّ العزة.

стр. 276

ومما يدل أيضًا على عِظَم خلق الملائكة: ما جاء في سنن أبي داود عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (١). فهذا ملك واحد من ملائكة الله سبحانه. ورُوِيَ أيضًا: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَعَلَى قَرْنِهِ الْعَرْشُ، وَبَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ خَفَقَانُ الطَّيْرِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ، يَقُولُ الْمَلَكُ: سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ» رواه الطبراني في الأوسط (٢). عِظَمُ خلق الملائكة يدل على عظمة الخالق سبحانه: وما تقدَّم من وصف خَلْق بعض الملائكة يدل على عِظَم خَلْقهم، وهذا -يا إخواني - يدل على عظمة الله، فإذا كان مخلوقٌ من مخلوقات الله -جل وعلا- بهذه العظمة، فهذا يدُلُّ على عظمة الخالق -جل وعلا-. فنؤمن بذلك كما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ . الملائكة ذووا أجنحة: وقد جاءت الآيات أيضًا ببيان أنَّ للملائكة أجنحة كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر] ويُسمِّي بعضُ أهل التفسير سورة فاطر بـ "سورة الملائكة" (٣)، ومعنى الآية: أن الله جعلهم أصحاب أجنحة، بعضُهم له جنحان، وبعضُهم له ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، وقد سبق أنَّ جبريل ﵍ له ستمائة جناح.

стр. 277

جمال الملائكة: وجاءت الأدلة أيضًا ببيان جمال الملائكة، وأنَّ الله سبحانه خَلَقَهم على صورة كريمة جميلة كما تقدَّم في قول الله تعالى في وصف جبريل: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم]. فعن ابن عباس في قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال: "ذو منظر حسن" (١). وقال قتادة: "ذو خَلْق طويل حسن" (٢). وقد تقرر عند الناس وصْفُ الملائكة بالجمال كما تقرر عندهم وصْفُ الشياطين بالقبح. وكذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه كان يحدث الناس يومًا، فقال: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» (ومسحة ملك يعني من جماله ومن حسنه) .. قال في الحديث: فدخل جرير بن عبد الله البجلي ﵁ (٣). وقوله ﷺ : «إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» المقصود به جمال الملائكة، وأن جرير بن عبدالله البجلي ﵁ وأرضاه ناله شيء من هذا الجمال؛ ولهذا كان جرير بن عبد الله البجلي يُوصَف، فيقال عنه إنه يوسف هذه الأمة كما رُوِيَ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه (٤). ومعنى قول النبي ﷺ : «إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ»، كما يقول ابن الأثير: "يقال: على وجهه مسحة ملك ومسحة جمال أي: أثرٌ ظاهرٌ منه، ولا يقال ذلك إلا في المدح" (٥). وجاء الحديث أيضًا في صحيح البخاري أن دحية بن خليفة الكلبي كان من أجمل الناس، وكان يُضرَب به المثل في الجمال وحسن الصورة، وأن جبريل ﵍ كان يأتي النبي ﷺ على صورة دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكلبي ﵁ وأرضاه (٦). وبهذا يظهر لنا أن السُّنة قد جاءت ببيان جمال خَلْقِهم ﵈.

стр. 278

وفي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، … وفيه ثُمَّ قَالَ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ … » الحديث (١) تفاوت الملائكة في الخَلْق: وجاءت الأدلة أيضًا ببيان تفاوتهم في الخَلْق والمقدار، فالملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار، فبعض الملائكة كما تقدَّم له جناحان وبعضهم له أكثر. تفاوت الملائكة في الفضل: ويقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات] فهم على منازل، ويتفاضلون، وأفضلُ الملائكة هم الذين شهدوا معركة بدر كما جاء عن النبي ﷺ أنَّ جبريل قال له: «مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ، قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ» (٢). الملائكة لا يُوصَفون بالذكورة ولا الأنوثة: وقد تقرَّر عند العلماء أن الملائكة لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة. وهذا من الأبواب التي ضل فيها أقوام بسبب أنهم يتحدثون عن الأمور الغيبية بدون رجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ . كما ضلَّ في ذلك من قبلُ مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكةَ بناتُ الله وأنهم إناث، قال الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ [الصافات] وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف].

стр. 279

فلا يوصفون بأنهم إناث، ولا يوصفون بأنهم ذكور؛ لأن ذلك لم يَرِد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ لكن بعض الناس لا يريد أن يفهم هذه الأمور الغيبية إلا على ما هو عليه من الأمور البشرية وهذا خطأ وضلال. الملائكة لا يحتاجون إلى طعام ولا إلى شراب ولا نكاح: كذلك الملائكة لا يحتاجون إلى طعام ولا إلى شراب. وقد قصَّ اللهُ علينا من خبر الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم ﵍ في صورة بشر، فقدَّم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا حينئذ عن أمرهم. كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات]. قال الفخر الرازي: "اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون" (١). الملائكة لا يدركهم ما يدرك البشر من الكلل والملل في العبادة: كذلك جاءت الآيات ببيان أنهم يعبدون الله بلا كلل ولا ملل. فلا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك قال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠] يعني لا يضعفون. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. الملائكة لا يعلمون الغيب: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٢] وفي قصة الإسراء والمعراج «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ … عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ

стр. 280

مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، … » الحديث (١) وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ ﵁، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ﵁، فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ» (٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ فِي الرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهَا قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ، يَا رَبِّ أُنْثَى، يَا رَبِّ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ، فَمَا الأَجَلُ، فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» متفق عليه (٣) موت الملائكة ﵈ -: وكذلك دلَّت الأدلة على أن الملائكة من الخلق الذين يموتون، قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. لكن متى يموتون؟ هذا من الأمور التي لا نعرفها ولا نعلمها، قال الله -جل وعلا-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر]

стр. 281

وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧] قال الحافظ ابن كثير ﵀: يُخْبِرُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَامًّا يَعُمُّ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ بِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن] فَهُوَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَنْفَرِدُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْقَهَّارُ بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ، فَيَكُونُ آخِرًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا. ا. هـ (١) الملائكة يسكنون السماء: وبيَّنت الأدلة أيضًا منازل الملائكة ومساكنها، وأنهم في السماء، قال -جل وعلا-: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥] ومما يدل على أن السماء مسكنُهم قولُ الله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢). وسيأتي في مبحث عدد الملائكة أدلة تدل على سكناهم السماء. الملائكة ينزلون إلى الأرض بأمر الله: وينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ مهمات أمرهم الله -جل وعلا- بها كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وفي الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟»، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾، قَالَ: كَانَ هَذَا الجَوَابَ

стр. 282

لِمُحَمَّدٍ ﷺ . (١) وكما قال تعالى في ليلة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر]. الملائكة عددهم كثير لا يحصيهم إلا الله: والملائكة خَلْقٌ كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقد تقدم معنا أن البيت المعمور في السماء يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم (٢). وجاء في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ وَلَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (٣) وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، … » (٤) الحديث وفي مسند البزار وغيره عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، ﵁ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟»، قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ» (٥)

стр. 283

قال المنذري ﵀: (أطَّتْ) بفتح الهمزة وتشديد الطاد المهملة من (الأطيط): وهو: صوت القَتَب والرحل ونحوهما إذا كان فوقه ما يثقله. ومعناه: أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين أثقلها حتى أطَّت ا. هـ (١) وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً [سَيَّارَةً، فُضُلًا] يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» … » متفق عليه وفي رواية لمسلم « … فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا … » (٢) وفي مسند أبي داود الطيالسي قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ -وهو القطان-، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى» (٣)

стр. 284

وفي رواية: « … أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ» (١) وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ» … قال فَيَقُولُ: «كُنْ أَلْفَ أَلْفٍ أَلْفَيْنِ (٢) فَيَكُونُونَ» (٣). وفي رواية: «خلق الله الْمَلَائِكَة ثمَّ قَالَ، ليكن مِنْكُم ألفَ أَلفَيْنِ، فيكونون، فَإِنْ فِي الْمَلَائِكَة لخلقاً هم أَصْغَر من الذُّبَاب» (٤). وفي رواية: «لَيْسَ مِنْ خَلَقِ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَخْلُقُهُمْ مِثْلَ الذُّبَابِ، ثُمَّ يَقُولُ ﵎: كُونُوا أَلْفَ أَلْفَيْنِ» (٥) وروى ابن عدي في الكامل عَنْ أَبِي يَحْيى القتات عَنْ مُجَاهِدٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَلائِكَةِ مَا مِنْ شَجَرَةٍ تَنْبُتُ إلَاّ وَمَلَكٌ موكل بها» (٦). فدلت هذه الأدلة على كثرتهم، وأنهم خَلْقٌ كثير لا يحصيهم إلا الله. الملائكة كرام بررة: وَصَفَ اللهُ -جل وعلا- الملائكة في كتابه، بأنهم كرام بررة، قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٥ - ١٦]. قال البخاري ﵀: " ﴿سَفَرَةٍ﴾ الملائكة، واحدُهم: سافر، سَفَرْت: أصلحت بينهم، وجُعِلَت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير

стр. 285

الذي يصلح بين القوم" (١). وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي: خَلْقُهم كريمٌ حسنٌ شريفٌ، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة. ومناسبةً لهذه الأوصاف ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد يقول النبي ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ» (٢). استحياء الملائكة ﵈ -: جاء وصف الملائكة بأنهم خلق حَيِيٌّ. كما جاء في حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ذكر عثمان حين دخل عليه، فقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» (٣). فهذه بعض أوصفاهم التي جاء خبرها في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ذكر بعض من سُمِّيَ لنا من الملائكة وبعض أعمالهم: وكما ذكرنا فقد أمرنا الله -جل وعلا- أن نؤمن بما جاء من أخبارهم في الكتاب والسنة، فنؤمن بأسماء من سمَّى لنا منهم فمن أولئك: جبريل ﵍ -: وتسميته معروفة ومشهورة. وهو مقرئ رسول الله ﷺ القرآن ومعلمه. قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (٤). «وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵍ يَلْقَى النبيَّ ﷺ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵍، كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» متفق عليه (٥). وقال أبو هُرَيْرَةَ ﵁: «كَانَ -أي جبريل- يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً،
следующие страницы →