← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الإيمان بالقضاء والقدر لا يتنافى مع العمل: إذا عرفنا ذلك فننتقل بعد هذا إلى مسألة مهمة من مسائل الإيمان بالقضاء والقدر، وهي هل الإيمان بالقضاء والقدر يتنافى مع العمل بالأسباب والاجتهاد في العمل أم إنه دافع للعمل؟ لأن بعض الناس قد يقول: إذا كنا نؤمن بالقضاء والقدر فلِمَ العمل إذًا؟ فنقول: فِعْلُ الأسباب لا ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، بل إنما مباشرةُ الأسباب والعمل بها من تمام الإيمان بقضاء الله وقدره؛ ولذلك يجب على العبد مع الإيمان بالقدر أن يجتهد في العمل والأخذ بأسباب النجاة والالتجاء إلى الله بأن يُيَسِّر له أسباب السعادة وأن يُعينه عليها. ذكر بعض الأدلة على ذلك: ولو تأملنا نصوص كتاب الله وسنة النبي ﷺ لوجدنا ذلك بيِّنًا واضحًا فالقرآن يأمر باستعمال الأسباب ولا يهملها. انظروا في قول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فالله يأمر بالانتشار في الأرض والعمل بالأسباب. ويقول في حثِّ الناس على العمل والسعي في طلب الأرزاق واتخاذ الأسباب: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك]، حثَّنا على ماذا؟ على السعي. وانظر إلى قول الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فالله -جل وعلا- يأمرنا بالعمل بالأسباب. ويقول ربنا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] حثَّ -سبحانه- المسافر إذا أراد أن يسافر أن يتزود بالزاد الحسي من الطعام والشراب ويعمل بالأسباب ولا يتكفف الناس. وفي الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]». (١)

стр. 457

وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، لَقِيَ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ. قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْمُتَّكِلُونَ، إِنَّمَا الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي يُلْقِي حَبَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ» (١). فهذه كلها تدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتنافى مع العمل بالأسباب. ويقول الله لنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. أمرنا أن ندعوه وأن نستعين به ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. فأمر باتخاذ الأسباب التي تعيننا على طلب المعاش. اعملوا فكل ميسر لما خلق له: وكذلك أَمَرَنا باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنَّته، فأَمَرَنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج، وكلُّ ذلك يدُلُّ على أنه لا بُدَّ من العمل؛ ولهذا لما بيَّنَ النبي ﷺ للصحابة -رضوان الله عليهم- ما يتعلق بالقدر وقال لهم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً» قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال النبي ﷺ : «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ [لِمَا خُلِقَ لَهُ]، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل] متفق عليه (٢). وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» (٣) وفي البخاري عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ ﵂، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَا يَعْمَلُ

стр. 458

العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (١). وعنه ﵁، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُعْرَفُ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ: لِمَا يُسِّرَ لَهُ» (٢). وقال أبو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيّ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ ﵄، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: «لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس]» (٣) اعملوا وسددوا وقاربوا: وفي سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟» فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ

стр. 459

العَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (١) العمل بالأسباب لا يتنافى مع القدر: يقول العلامة الشيخ ابن سعدي ﵀: "يظُنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ إثبات الأسباب ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا غلط فاحش جدًّا، وهو عائد على القدر بالإبطال، وهو إبطالٌ أيضًا للحكمة" (٢). يعني الذين يقولون بأنه لا عمل، ولو أراد الله هدايتي لهداني، وأنا لن أعمل شيئًا فالله إذا قدَّر عليَّ شيئًا فسيكون. فهذا القول ونحوه: يُبطِل الحكمة من خَلْقِ الخلق ومِن أمر الله بالعمل والسعي والجد والاجتهاد، وفيه طَعْنٌ في القضاء والقدر، والعجيبُ أن هؤلاء تجدهم يقولون هذا الكلام الفاحش في باب الطاعة والعمل بالخير والإحسان لكنهم في باب الدنيا لا يفعلون ذلك، ولو فعلوه وقاله بعضهم لعدُّوه من المجانين. يقول العلامة ابن سعدي أيضًا في تمام كلامه: وكأنَّ هذا الظانَّ يقول ويعتقد أن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وقوع الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية -يعني: وهذا ظنٌّ باطل-؛ فالإيمان بالقضاء والقدر ينتظم مع العمل بالأسباب، فمن الإيمان بالقضاء والقدر الإيمانُ بأن الأشياء لا تحصل إلا بأسباب قدَّرها الله وشَرَعَها؛ ولذلك فإيجاد الحبوب والثمار والزروع من دون حرث وسقي لا يكون، وكذلك إيجاد الأولاد والنسل من دون نكاح لا يكون، ودخولُ الجنة من دون الإيمان وعمل صالح ودخولُ النار من دون كفر ومعصية هذا كله ظنٌّ باطلٌ وظنٌّ فاسدٌ (٣). إذًا لا بُدَّ أن يعلم الإنسان أنه لا ينال الشيء إلا بسبب، وهذا السبب هو من قَدَرِ

стр. 460

الله. فطالب الآخرة إذا علم أنها لا تُنال إلا بالإيمان والعمل الصالح وتَرْكِ ضِدِّها جَدَّ واجتهد في تحقيق الإيمان وكثرة تفاصيله النافعة، واجتهد في كل عمل صالح يُوصِله إلى الآخرة. وهكذا صاحبُ الدنيا صاحبُ الحرث إذا علم أنه لا ينال إلا بحرث وسقي وملاحظة تامة جَدَّ واجتهد في كل وسيلة تُنمِّي حراثته، وتُكمِّلُها، وتدفع عنها الآفات. وهكذا صاحبُ الصناعة إذا علم أن المصنوعات على اختلاف أنواعها ومنافعها لا تحصل إلا بتعلم الصناعة وإتقانها ثم العمل بها جَدَّ في ذلك، ومن أراد حصول الأولاد أو تنمية مواشيه عَمِلَ وسَعَى في ذلك، وهكذا جميع الأمور. وهذا كلُّه يؤكِّدُ ويدُلُّ على أنه لا تعارض بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين ما أمرنا الله به من العمل والأخذ بالأسباب. ويقول شيخ الإسلام ﵀: إذا تَرَكَ العبدُ ما أُمِرَ به متَّكِلًا على الكتاب كان ذلك من المكتوب المقدور الذي يصير به شقيًّا، وكان قولُه ذلك بمنزلة من يقول: أنا لا آكل ولا أشرب فإن كان الله قضى بالشبع والري حصل وإلَّا لم يحصل أو يقول: لا أجامع امرأتي فإن كان الله قضى لي أن يولد الولد فإنه يكون، وهكذا مَنْ غَلِطَ فترك الدعاء أو ترك الاستعانة والتوكل ظانًّا أن ذلك من المقامات الخاصة ناظرًا إلى القدر. قال: فكل هؤلاء جاهلون ضالُّون. ويشهد لهذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١). -إذًا أَمَرَ النبيُّ ﵊ بالحرص على ما ينفع، وأَمَرَ بالاستعانة بالله ونهى عن العجز الذي هو الاتكالُ على القدر ثم أمره إذا أصابه شيء ألَّا ييأس على ما فاته، بل ينظر إلى القدر ويسلم الأمر لله -سبحانه- فإنه هنا لا يقدر على غير ذلك كما قال بعض العقلاء: الأمور أمران: أمر فيه حيلة، وأمر لا حيلة فيه، فما فيه حيلة لا

стр. 461

يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه. انتهى ملخَّصًا من كلام شيخ الإسلام ﵀ (١). وقال ﵀: • فَالِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ • وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ • وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ؛ بَلْ الْعَبْدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهُ وَدُعَاؤُهُ وَسُؤَالُهُ وَرَغْبَتُهُ إلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ - مِنْ دُعَاءِ الْخَلْقِ وَغَيْرِهِمْ - مَا شَاءَ ا. هـ (٢) قال ابن القيم ﵀: وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ وتقييدٍ. فالالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ. فالشِّرك: أن يعتمدَ عليها ويطمئنَّ إليها، ويعتقدَ أنّها محصِّلةٌ للمقصود بذاتها؛ فهو معرِضٌ عن المسبِّب لها، ويجعل نظرَه والتفاتَه مقصورًا عليها. وأمّا إن التفت إليها التفاتَ امتثالٍ وقيامٍ بها وأداءٍ لحقِّ العبوديّة فيها وإنزالِها منازلَها، فهذا الالتفاتُ عبوديّةٌ وتوحيدٌ، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبِّب. وأمّا محوُها أن تكون أسبابًا، فقدحٌ في العقل والحسِّ والفِطَر. فإن أعرض عنها بالكلِّيّة كان ذلك قدحًا في الشَّرع، وإبطالًا له. وحقيقةُ التّوكُّل: القيامُ بالأسباب، والاعتمادُ بالقلب على المسبِّب، واعتقادُ أنّها بيده فإن شاء منعَها اقتضاءَها، وإن شاء جعَلهَا مقتضيةً لضدِّ أحكامها، وإن شاء أقام لها موانعَ وصوارفَ تُعارِض اقتضاءَها وتدفَعه. فالموحِّدُ المتوكِّلُ لا يلتفت إلى الأسباب، بمعنى أنّه لا يطمئنُّ إليها، ولا يرجوها، ولا يخافها، ولا يركَن إليها. ويلتفت إليها بمعنى أنّه لا يُسقطها، ولا يهملها ويلغيها، بل يكون قائمًا بها، ملتفتًا إليها، ناظرًا إلى مسبِّبها ومُجريها» (٣)

стр. 462

إذًا المؤمن مأمور بالإيمان بالقضاء والقدر. ومأمورٌ أيضًا بالعمل الذي هو من القدر. فالنبيُّ ﷺ الذي قال لنا: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، هو الذي قال لنا: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له» (١). فلماذا تأخذ بعضًا وتترك بعضًا؟! ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]. الاحتجاج بالقدر: مسألة الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات؛ -وهذا للأسف-موجودٌ عند كثير من الناس، فتجده يُفرِّط فيما أمره الله به فيترك الصلاة ويترك البر والإحسان أو يفرط في ترك المعاصي فيأتيها ويواقعها فإن نُصِحَ وقيل له: "اتَّق الله" احتجَّ بقدر الله! (٢) فهل يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على فعل المعاصي وعلى ترك الواجبات؟ الجواب: الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجةً على ترك ما تَرَكَ من الواجبات أو فعل ما فَعَلَ من المعاصي. المحتج بالقدر إذا احتُجَّ عليه بالقدر لا يقبل ذلك: يقول شيخ الإسلام ﵀: "وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين

стр. 463

وسائر أهل الملل وسائر العقلاء؛ فإنَّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلَّ أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر، ونفسُ المحتج بالقدر إذا اعتُدِيَ عليه واحتَجَّ المعتدي بالقدر لم يُقبَلْ منه، بل يتناقض" (١). يعني هو يحتج بالقدر لكن إذا احتُجَّ عليه بالقدر لا يقبل ذلك، فلو اعتُدِي عليه بأن ضَرَبه إنسان، فقال: له لِمَ ضربتني؟ فقال: قضاء الله وقدره. فإنه لا يقبل ذلك، وهذا يدل على أن الاحتجاج بالقدر باطلٌ. إبليس أول من احتج بالقدر فلم يقبل الله منه: وتأملوا في حجة إبليس لما أَمَرَه الله بالسجود لآدم فأبى، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ [الأعراف] فاحتج إبليس بالقدر، وقال: يا رب أنت أغويتني، وأنت قدَّرت عليَّ ألَّا أسجد لآدم. فهل قَبِلَ الله حُجَّتَه؟ كلا بل طرده الله من رحمته: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص] ولم يقبل الله له عُذرًا، ولو كان الاحتجاج بالقدر سائغًا لقَبِلَ منه ذلك. المشركون احتجوا بالقدر ولم يقبل الله منهم: وتأملوا رحمكم الله: قولَ الله -سبحانه-: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام]. أخبرنا الله في هذه الآية أن المشركين احتجُّوا بالقدر على تقصيرهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني وهم واقعون في شركهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني كل ما وقعنا فيه من المعاصي هو بقدر الله. وهذه كلمة حقٍّ أُرِيد بها باطل، لكن انظروا هل قَبِلَ اللهُ منهم حجتهم؟ هؤلاء احتجُّوا بالقدر على شركهم، فلو كان احتجاجُهم مقبولًا لقُبِلَ منهم، ولكن الله يقول: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وسمَّاهم -سبحانه- مشركين مكذبين، فقال:

стр. 464

﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ فلو كانوا محقِّين لما أصابهم بأسُ الله وعذابُه. ثم قال-سبحانه-: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ وهذه حجةٌ عظيمةٌ على المحتج بالقدر، فيقال له: أنت تقول لو كان الله كَتَبَ لي الصلاة لصلَّيتُ. ونحن نقول: هل عرفت أنَّ الله قد كتبك عنده في اللوح المحفوظ أنك لست من أهل الهداية أو أنك لست من أهل الصلاة؟ فإذا كنت لا تعلم -وهذا هو الواقع- فاللهُ قدَّر مقادير الخلائق، وحَجَبَها عن الناس؛ فلا يعلم أحدٌ شيئًا؛ ولذلك كان الواجب على المسلم أن يذعن لأمر الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ هل اطلعتم الغيب؟ ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم]. يقول سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام]. يعني هذا كَذِبٌ منهم. إذًا هذه آيةٌ محكمةٌ عظيمةٌ في الردِّ على من يحتج بالقدر. لو صح الاحتجاج بالقدر لما كان لإرسال الرسل فائدة: وكذلك يقول ربُّنا في كتابه الكريم: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. لماذا بعث اللهُ الأنبياء والمرسلين؟ بعثهم اللهُ لإقامة الحجة على العباد. فلو كان احتجاجُ الناسِ بالقدر حقًّا وصوابًا لما كان لإرسال الرسل فائدةٌ تُذْكَر، ولكن الله سبحانه قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فلو كان الاحتجاجُ بالقدر على المعاصي سائغًا لما كان هناك داعٍ لإرسال الرسل! الاحتجاج بالقدر يسوي بين المؤمن والكافر: كذلك لو كان حجةً لتساوى فرعونُ عدوُّ الله مع موسى كليم الله ﵍. ولو كان الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعايب سائغًا لكان في ذلك تصحيحٌ لما عليه الكُفَّار من كُفْرِهِم. ولما كان هناك فرقٌ بين مؤمن وكافر.

стр. 465

المحتجون بالقدر لا يحتجون به في أمر الدنيا: ولو تأملنا أيضًا في هذا الباب لرأينا أن المحتجِّين بالقدر لا يحتجون به على أمر دنياهم فإنهم يذهبون إلى عملهم، ويسعون ويكدحون ويطلبون الرزق، ويسلكون الأسباب، ولا يقولون: لو كان الله قدَّر لنا رزقًا لآتانا. ثم يمكثون في بيوتهم، ولو فعلوا ذلك لعُدُّوا من المجانين ولما قُبِلَ ذلك منهم. إذًا الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والذنوب والآثام حُجَّةٌ احتجَّ بها المشركون ورَدَّ اللهُ عليهم هذه الحجة. وقد نَقَلَ شيخُ الإسلام -كما تقدم- إجماعَ المسلمين وسائرِ أهل الملل على أن هذه ليست بحجة لأحد قال - كما تقدم-: "وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل". فعلى المسلم أن يتقي ربَّه -جل وعلا- وأن يعلم أن إيمانه بالقضاء والقدر يدعوه إلى الاجتهاد والعمل الصالح. كلمات خطأ في باب القدر: نختم مجلسنا هذا بذكر بعض الأمور التي يقع فيها بعض الناس، وهي مما يتنافى مع هذا الباب العظيم. أولا: الاحتجاج بالقدر: فمن ذلك ما ذكرناه آنفًا من الاحتجاج بالقدر على المعاصي والذنوب. ثانيا: قول بعضهم هل كانت وفاة فلان قضاء وقدرًا: يقول بعض الناس إذا سمع بوفاة أحد: هل تُوُفِّي بسبب؟ أو توفي قضاءً وقدرًا؟ تأملوا هذا السؤال؛ فإنه خطأ؛ إذ ما من شيء إلا وهو بقضاء وقدر. فمن مات بسبب واضح بيِّن فإنما مات بقضاء الله وقدره. ومن مات بغير سبب ظاهر فكذلك مات بقضاء الله وقدره. فهذه من الكلمات المنتشرة، وهي من الأخطاء. ثالثا: الاعتراض على القدر بالقول: كذلك من الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس الاعتراضُ على أقدار الله -جل وعلا- فإذا نزلت به مصيبة أو نزل به بلاء ينادي ربَّه، فيقول: يا ربي ماذا فعلتُ حتى أستحق منك هذه العقوبة؟! وهذا اعتراض على أمر الله -سبحانه- وعلى قضائه، ولا يجوز؛ فإنَّ الله-سبحانه-له ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُّ شيء عنده بأجل مسمى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ

стр. 466

يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]. ونقل البيهقي ﵀ عن سفيان وهو ابن عيينة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: "بالرضا والتسليم" (١). وعن علقمة بن قيس -صاحب ابن مسعود ﵁ أنه قال: "هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ" (٢). وقال ابن عباس ﵄: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ (٣). رابعا: الاعتراض على القدر بالفعل: وهكذا أيضًا ما يصاحب بعضَ ذلك من شَقِّ الجيوب ولَطْمِ الخدود والنياحةِ ورفع الصوت، وكذلك حلق الشعر والدعاء بالويل إذا نزلت مصيبة، فكلُّ ذلك مما يتنافى مع إيمان المسلم بقضاء الله وقدره. ما يفعله عند المصيبة: يقول النبي ﵊: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (٤). ويقول الله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]. هذه هي كلمة المؤمن، فهو رجَّاعٌ إلى الله سبحانه. وأما أن تقول: لو أني فعلت لكان كذا وكذا فإنَّ هذا لا ينفع، وإنما تسلم لأمر الله سبحانه. والواجب على المسلم الصبر، فيلزم الصبر الذي يحجز الإنسان عن الوقوع في المعاصي من اللطم والاعتراض على قدر الله -جل وعلا- ويقوده إلى الإيمان بقضاء الله وقدره. خامسا: قول بعضهم: اللهم لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه: كذلك من الأخطاء المنتشرة قول بعض الناس هذا الدعاء: (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه). قال العلماء: هذا الدعاء خطأ، والصواب: أننا نسأل

стр. 467

الله -جل وعلا- ردَّ القضاء كما في الدعاء المشهور من أدعية الوتر: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ» (١). وكما في الدعاء الآخر أن النبي ﷺ : «كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ» (٢). فلا مانع أن يسأل الإنسانُ اللهَ -جل وعلا- أن يرفع عنه البلاء، وأن يَرُدَّ عنه القضاء الذي قُضِيَ. قال الإمام النووي ﵀: فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ «مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ» فَيَدْخُلُ فِيهَا سُوءُ الْقَضَاءِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالْأَهْلِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْخَاتِمَةِ وَأَمَّا «دَرَكُ الشَّقَاءِ» فَيَكُونُ أَيْضًا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ أَعُوذُ بِكَ أَنْ يُدْرِكَنِي شَقَاءٌ؛ وَ «شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» هِيَ: فَرَحُ الْعَدُوِّ بِبَلِيَّةٍ تَنْزِلُ بِعَدُوِّهِ … وَأَمَّا «جَهْدُ الْبَلَاءِ» فروى عن ابن عُمَرَ أنه فَسَّرَهُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ (٣). وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الْحَالُ الشَّاقَّةُ» (٤) سادسا: الحسد: كذلك من الأخطاء في هذا الباب ما يقع فيه بعضُ الناس من الحسد، فحقيقة الحسد أنه اعتراض على قدر الله -جل وعلا- فالحاسدُ لم يُسَلِّمْ لقضاء الله وقدره، وهذا نجده كثيرًا في الناس، فيجد بعضُ الناس أناسًا رزقهم اللهُ أموالًا وبسط لهم الله من الدنيا، فتجده لا يسلِّم بل يعترض فيقول: ولماذا رُزِقوا ولم أُرزَق ولِمَ أُعطُوا ولَمْ أُعْطَ؟ أو يقول: أنا أحقُّ بذلك منهم. وهكذا في الوظائف إذا ترقَّى بعضُ الناس في وظيفته يحسده آخرون فيقولون: والله لا يستحق ذلك. والأرزاق هذه يوزعها ربُّ العالمين ويعطيها من يشاء بحكمته -سبحانه-، فلا بُدَّ أن نؤمن بأن ما يقع في هذا الكون إنما يقع عن علم وحكمة لله. فمن تمام الإيمان بالقدر: تَرْكُ الحسد والتسليمُ لله في جميع الأمور. فالمؤمنُ لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم وقدَّر لهم ذلك، فأعطى من شاء ومنع من شاء؛ ابتلاءً وامتحانًا، كما يدرك المؤمن أنه حين يحسد غيره

стр. 468

فهو إنما يعترض على قدر الله -جل وعلا-. قال الماوردي ﵀: وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي حَسَدَ إبْلِيسَ لِآدَمَ ﵍ وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي حَسَدَ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَسْخَطْهُ أَحَدٌ، وَمَنْ قَنَعَ بِعَطَائِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ حَسَدٌ ا. هـ ثم ذكر ﵀ من دواعي الحسد: أَنْ يَكُونَ فِي الْحَاسِدِ شُحٌّ بِالْفَضَائِلِ، وَبُخْلٌ بِالنِّعَمِ وَلَيْسَتْ إلَيْهِ فَيَمْنَعُ مِنْهَا، وَلَا بِيَدِهِ فَيَدْفَعُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَوَاهِبُ قَدْ مَنَحَهَا اللَّهُ مَنْ شَاءَ فَيَسْخَطُ عَلَى اللَّهِ فِي قَضَائِهِ، وَيَحْسُدُ عَلَى مَا مَنَحَ مِنْ عَطَائِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عِنْدَهُ أَكْثَرَ، وَمِنَحُهُ عَلَيْهِ أَظْهَرَ. قال: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَسَدِ أَعَمَّهَا وَأَخْبَثُهَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ رَاحَةٌ، وَلَا لِرِضَاهُ غَايَةٌ، فَإِنْ اقْتَرَنَ بِشَرٍّ وَقُدْرَةٍ كَانَ بُورًا وَانْتِقَامًا، وَإِنْ صَادَفَ عَجْزًا وَمَهَانَةً كَانَ كَمَدًا وَسَقَامًا. (١) سابعا: الذهاب للسَّحرة والكُهَّان واستطلاع الغيب: كذلك من الأشياء القادحة في باب الإيمان بالقضاء والقدر: سعيُ بعض الناس وذهابه إلى السحرة والكُهَّان والعرَّافين والدجَّالين واستطلاع المستقبل -زعموا! - ويصدقونهم في ذلك، فينظرون ماذا سيقول لهم وماذا سيحصل لهم!! استعمال الأبراج في استطلاع الغيب ومعرفة المستقبل: ومن هذا الباب: استعمال الأبراج والإيمان بها وأنه سيحصل كذا وسيحصل كذا ويكثر هذا في المجلات والصحف التي يخصصون فيها مكانا للأبراج ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فإذا كان المرء مولودا في ذلك البرج يقول: سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا، وهذا استدلال منهم بالنجوم والأبراج على التأثير في الأرض والتكهن عما سيحصل، وهو نوع من الكهانة، والتنجيم. ويجب على كل مسلم ألا يقرأه، ولا يطلع عليه؛ لأن الاطلاع على تلك البروج وما فيها- ولو لمجرد المعرفة- يدخل في النهي من جهة أنه أتى الكاهن غير منكر عليه. وهذا يدل على غلبة الجهل وقلة العلم وضعفِ الإيمان وبُعْدِ كثير -وإن كانوا مثقفين- عن علم العقيدة الصحيحة.

стр. 469

ثامنا: التألِّي على الله: كذلك مما يتعارض مع هذا الباب: التألي على الله كأن يقول بعض الناس: واللهِ لا يغفر الله لفلان أو واللهِ لا يفعل كذا وكذا؛ فهذا مما ينافي الإيمان بالقدر؛ لأن العواقب وعلم الغيب عند الله لا يعلمها أحدٌ إلا الله، وقد جاء عن النبي ﷺ : «أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (١). ربما ترى بعض الناس عاصيًا مقصِّرًا في جنب الله -سبحانه- فيَحمِلُ هذا الأمرُ أو الغيظُ بعضَ الناس على أن يقول: هذا رجل لا يمكن أن يتوب الله عليه، ولا يمكن أن يغفر الله له. وهذا لا يجوز؛ لأنه لا يعلم عواقب الأمور إلا الله. تاسعا: سب الدهر: ومن الأخطاء والأقوال المحرمة سب الدهر، وفيه سوء أدب مع الله، واعتراض على قدر الله وقضائه. وقد جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (٢) وفي رواية: « … وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (٣) وفي رواية لمسلم «قَالَ اللهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا» (٤) والدهر هو الزمان؛ اليوم، والليلة، والشهر، والسنة، وهي أزمنة مخلوقة، لا تفعل شيئا وإنما سخرها الله -جل وعلا-، وهي لا تفعل شيئا، وإنما الذي يفعل هو الله -جل وعلا-، فمن سب الأيام والليالي فقد آذى الله لأنه هو سبحانه المتصرف فيها. قال العلامة ابن باز ﵀: وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى

стр. 470

الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها فكان مرجع سبها إلى الله ، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر. وهذا هو معنى قوله: «وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» يعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره وبعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة .... وقال أيضا: كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه، والله سبحانه هو الذي يصرف الليل والنهار، وهو الذي يقدر السعادة والشقاء، حسب ما تقتضيه حكمته وقد تخفى تلك الحكمة على الناس؛ لأن علمهم محدود، وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية، وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه، لها حكمة بالغة وغايات محمودة، يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم ا. هـ (١) فالمقصود بسب الدهر أن ينسب الفعل إليه، وأنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أذية لله -جل وعلا-. وهو أنواع منها: ما بينه العلامة ابن عثيمين ﵀ فقال: (الأول): أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا؛ لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا؛ فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد؛ فإنه كافر. (الثاني): أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده؛ فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله - سبحانه -؛ لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر

стр. 471

فاعلا، وليس هذا السب يُكَفِّر؛ لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة ا. هـ (١) ولا يدخل في النهي الوصف للزمان: مثل وصف السنين بالشدة، أو وصف اليوم بالسواد، والأشهر بالنحس ونحو ذلك، لأن هذا يكون مقيّدا باعتبار ما يقع فيها لأصحابها، وهذا جاء في القرآن في قول الله -جل وعلا- ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] فوصف الله -جل وعلا- الأيام بأنها نحسات، والمقصود أنها نحسات عليهم، لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله -جل وعلا- في سورة القمر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ [القمر]، ومثله أن يقول يوم أسود أو سنة سوداء، ويكون المقصود بهذا وصف ما حصل فيها وأنه كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم. وبين العلامة ابن عثيمين ﵀: أنه إذا قصد الخبر المحض دون اللوم؛ فهذا جائز، قال: مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود] ا. هـ (٢) هذا ونسأل الله -سبحانه- أن يوفقنا لما يحبه ويرضى، ونسأله -جل وعلا- أن يجعل هذه المجالس من مجالس العلم النافعة التي تكون لنا حُجَّةً عند الله سبحانه. وأرجو من الله أن تكون هذه المجالس داخلةً في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ [الأنعام] فالله لما ذكر أن الأمم تصاب بالبلاء قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ [الأنعام]. فنرجو أن تكون مجالسنا هذه من التضرع إلى الله -جل وعلا- والتوسل إليه في أن يرفع الله عنَّا هذا البلاء، وأن يصرف عنا هذا الوباء، وأن يحفظنا وإياكم وجميع المسلمين.

стр. 472

المجلس العشرون (١) ذكر بعض الأدعية النبوية المتعلقة بباب القدر: حديث عمار بن ياسر ﵄ في الدعاء في الصلاة: عن السائب والد عطاء قال: صلى بنا عمارُ بن ياسر ﵄ صلاة، فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خفَّفت أو أوجزت الصلاة! فقال: أما على ذلك؟ فقد دعوتُ فيها بدعوات سمعتُهنَّ من رسول الله ﷺ ، فلما قام تبعه رجلٌ من القوم، فسأله عن الدعاء ثم جاء، فأخبر به القوم، وهذا الدعاء هو قول النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» رواه النسائي وغيره (٢). إنَّ باب الإيمان بالقضاء والقدر بابٌ عظيم، وقد تقدم معنا ذكرُ تفسير العلماء لهذا الباب، وكيفية الإيمان الصحيح الذي جرى عليه السلف في هذا الباب العظيم. والذي ينبغي أن يعلمه الإنسان أنَّ ما يصاب به بعضُ الناس من الوساوس والهواجس في باب الإيمان بالقضاء والقدر لا ذهاب لها إلا بالإيمان مع العلم الشرعي ومن ذلك هذه الأدعية المباركة التي علَّمنا إيَّاها نبيُّنا ﷺ . فإن المحافظة عليها: تزيد المؤمن إيمانًا ويقينًا وفهمًا، وتجعله من أصحاب التسليم لأمر الله -جل وعلا- يعمل بما أمره الله، فيأتمر بأمره، وينتهي عمَّا نهى عنه الله ورسوله ﵊. وهذا الدعاء المبارك دعاءٌ عظيمُ النفع، كبيرُ الفائدة، مشتملٌ على معانٍ كبيرة

стр. 473

ودلالاتٍ نافعة تتعلق بالعقيدة والعبادة والأخلاق. التوسل إلى الله بعلمه الغيب فتأمَّلْ قوله في أول الدعاء: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي». فالعبد هنا يتوسل إلى الله -جل وعلا- بعلمه فيقول: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» فهو يفوِّض أمره إلى الله -جل وعلا- لأن الله هو الذي يعلم الغيب: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] فيتوسل إلى الله -سبحانه- بعلمه الذي أحاط بكل شيء، وأنه -سبحانه- يعلم خفايا الأمور وبواطنها كما يعلم ظاهرها وعلنها، فيتوسل إلى الله بهذا العلم المحيط وبهذه الصفة من صفاته -جل وعلا-. (١) قال ابن القيم: «وقد دلَّ الحديث على أنّ التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحبُّ إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته … قال: وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]» (٢) التوسل إلى الله بقدرته ثم يتوسل العبد إلى الله -جل وعلا- بقدرته النافذة في جميع الخلق، فلا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، فيقول: «أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي». الحكمة من التعليق في الدعاء بالعلم والقدرة وجاء التعليق في هذا الدعاء بعلم الله وقدرته، لأن الموت والحياة، ونحوهما مثل الغنى والفقر، والولد والأهل، وسائر حوائج الدُّنْيَا من الأمور التي تُجْهَل عواقبها، فهذه لا ينبغي أن يسأل الله منها إلا ما يعلم فيه الخيرة للعبد، فإن العبد جاهل بعواقب الأمور، وهو مع هذا عاجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضاره، فيتعين عليه أن يسأل حوائجه من

стр. 474

هو عالم قادر، ولذا قال هنا: «أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي». وأما ما يعلم أنه خير محض كسؤاله خشيته من اللَّه تعالى وطاعته وتقواه، وسؤاله الجنة، والاستعاذة به من النار، فهذا يطلب من اللَّه تعالى بغير تردد، ولا تعليق بالعلم بالمصلحة؛ لأنّه خير محض. (١) حكم تمني الموت: وفي الحديث أنه لا يدعو بأن يميته الله أبدًا، أو أن يحييه أبدًا، فمما نهى عنه النبي ﷺ أن يدعو الإنسان على نفسه بالموت؛ فإن تمنيَ الموت منهى عنه. كما في الصحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (٢). وفي الصحيح أيضا عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ» (٣) الدعاء بأن لا يكلك الله إلى نفسك: ولما كان العبد لا يعلم ما في غدٍ، وإنما يعلم ما في غدٍ هو الله فإن المؤمن لا يدعو على نفسه بالهلاك وإنما يدعو ربه -جل وعلا- بأن يصلح له شأنه كلَّه، وأن يختار له ما فيه الخير. وقد صح في دعاء الصباح والمساء حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ: «مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ، أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ

стр. 475

عَيْنٍ» (١). وفي السنن عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢) الخشية في الغيب والشهادة ثم يدعو فيقول: «وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» يعني أن يرزقه الله الخشية في السر والعلانية، وفي الظاهر والباطن، وفي حال كونه مع الناس أو غائبًا عنهم، وهذا من الأدعية المباركة العظيمة التي لو وُفِّق إليها الإنسان لصار من السعداء؛ فإن الله يقول في وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ [الأنبياء] فهذا ثناءٌ من الله -جل وعلا- على عباده المقربين المتقين. ويقول: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق] وهذا وَصْفٌ من لأهل الجنة. وأنهم الذين يخشونه،. ويتقونه. وعَنْ مُطَرِّفٍ بن عبد الله -وهو من كبار التابعين- أنه قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اسْتَوَتْ سَرِيرَتُهُ، وَعَلَانِيَتُهُ قَالَ اللَّهُ: هَذَا عَبْدِي حَقًّا" (٣) وروي مرفوعا بسند ضعيف (٤). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنه قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا خَلَا فَلْيُصَلِّ مِثْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهَا اسْتِهَانَةٌ يَسْتَهِينُ بِهَا رَبَّهُ أَلَا يَسْتَحِي أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أَعْظَمَ فِي عَيْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى» (٥).

стр. 476

قال الحافظ ابن رجب: والموجب لخشيته اللَّه في السر والعلانية أمور: منها: قوة الإيمان بوعده ووعيده عَلَى المعاصي. ومنها النظر في شدة بطشه وانتقامه، وقوته وقهره، وذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته، … ومنها قوة المراقبة له، والعلم بأنه شاهد ورقيب عَلَى قلوب عباده وأعمالهم وأنه مع عباده حيث كانوا ا. هـ (١) كلمة الحق في الرضا والغضب ثم يدعو العبد فيقول: «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» فهو يسأل الله -جل وعلا- أن يكون دائمًا على قول الحق في حال رضاه وفي حال غضبه وسخطه، وهذا من تمام إيمان العبد وصبره وهو دليل على قوة إيمانه؛ حيث لا يقول إلا الحق، في حال رضاه، فلا يجامل أحدًا، ولا يطلب من أحد شيئًا، ولا يبغي من أحد شيئًا؛ لأنه قد استقر في قلبه أن أَزِمَّة الأمور بيد الله فلن يقدِّم عنده ولن يؤخر رضا أحدٍ سوى رضا ربِّ العالمين -جل وعلا-. وكذلك كلمة الحق في حال الغضب، فإذا غضب فإنه يضبط أخلاقه ويضبط أقواله ويضبط أفعاله، فلا يقول إلا حقًّا، ولا يأتي إلا حقًّا، ولا يقع فيما حرَّم الله -جل وعلا- فانظر إلى أصحاب الجزع الذين إذا نزلت بهم المصيبة أو نزل بهم البلاء وَلْوَلُوا، وقالوا: لِمَ يا ربِّ وقع كذا وكذا؟! ونحوه من الاعتراض على أمر الله. ومن عجيب ما ذكر في التراجم عن السلف أن عبد الله بن عون المزني: -وهو إمام ثقة من رجال الجماعة، وكان معروفا بالعلم والعمل وحفظ اللسان- (٢)، ذكروا في ترجمته ﵀ أنه" كَانَ لَا يغْضَبُ، فَإِذَا أَغْضَبَهُ الرَّجُلُ قَالَ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ" (٣). وقيل: كان أصحابه كأنهم يحبون أن يتبينوا فيه الغضب، وكانت له ناقة، وكان بها معجبًا، وقد حج عليها غير حجة، فبينما هو في طريق مَكَّة وقد ذهب لحاجة، إذ قام غلام له يعالج من الناقة شَيئًا، فضربها بشيء كان معه، ففقأ عينها، قال أصحابه: إن غضب يومًا من الدهر، غضب يومه هذا؛ فلما جاء قالوا: ما ترى الغلام فقأ عين الناقة، فنظر إليها، فما زاد على أن نظر إلى الغلام فقال له: بارك الله فيك، ثم أخذ قطنة فيها دهن، فجعله على عين

стр. 477

الناقة، فلما قدموا مَكَّة ذهب فطاف، ثم رجع إلى المنزل وقد عي وعطش، فاستسقى الغلام، فقام سريعًا، فدعاه، فَقالَ: يا فلان: ما لي أراك مذ أصبت عين الناقة تخف في خدمتي خفة لم تكن تخفها، لعلك تتقيني، لا تتقيني بعد اليوم، وأنت حر لوجه الله، فأعتقه. (١) القصد في الغنى وفي الفقر ثم يسأل العبد ربَّه: «الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى» أي: أن يكون مقتصدًا، والقصد: هو التوسط والاعتدال فإذا كان فقيرًا فإنه يسأل الله -جل وعلا- أن يكون في حال فقره مقتصدًا، لا يبخل خوفًا من نفاد الرزق، ولا يسرف فيحمل نفسه ما لا طاقة لها به. يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء] وكذلك القصد في حال الغنى يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان] والقوام: هو القصد والتوسط في كل الأمور. قال الحافظ ابن رجب ﵀: والاقتصاد في كل الأمور حسن حتى في العبادة، ولهذا نهى عن التشديد في العبادة عَلَى النفس، وأمر بالاقتصاد فيها، وقال ﷺ : «عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (٢)؛ وفي "مسند البزار عن حذيفة عن النبي ﷺ

стр. 478

قال: «مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ» (١) ا. هـ (٢) وقد جمع النبي ﷺ بين هذه الخصال الثلاث -فيما رواه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتِ: فَهَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ» (٣) سؤال الله نعيما لا ينفد ثم يسأل اللهَ «نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ» وهو نعيم الآخرة، وهو نعيم الجنة، قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] والعبد إذا تعلق قلبه بالآخرة فهذا من تمام إيمانه بالله واليوم الآخر. وفي المسند عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي، فَافْتَتَحَ النِّسَاءَ فَسَحَلَهَا -أي قرأها كلها قراءة متتابعة-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»، ثُمَّ تَقَدَّمَ يسأَلُ، [وفي رواية: فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَدْعُو، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي] فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ»، فَقَالَ: فِيمَا سَأَلَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ». قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ ﵁ عَبْدَ اللَّهِ لِيُبَشِّرَهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَدْ سَبَقَهُ، فَقَالَ: إِنْ فَعَلْتَ، لَقَدْ كُنْتَ سَبَّاقًا بِالْخَيْرِ. (٤) سؤال الله قرة عين لا تنقطع وقال: «وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ» وقرة العين من جملة النعيم الذي يسأله العبد

стр. 479

ربه -جل وعلا- في قوله: «نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ» ويعني النعيم الحقيقي الذي تنعم به النفس في الدنيا والآخرة. و"النعيم وقرة العين" منه ما هو منقطع، ومنه ما لا ينقطع، فمن قرت عينه بالدنيا، فقرة عينه منقطعة لأن سرورها لا يدوم؛ ولذاتها مشوبة بالفجائع والتنغيص، وسرعة الانقضاء والمفارقة بالموت، وقد روي عن أمير المؤمنين عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أنه قَالَ: «مَا تَرَكَ الْمَوْتُ لِذِي لُبٍّ قُرَّةَ عَيْنٍ» (١) وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن طلحة بن محمد التيمي قال سمعت سعيد بن السائب الطائفي يقول: -ونحن في جنازة-: «والله ما ترك الموت للنفس سرورا في أهل ولا ولد والله لقد نقص الموت على المؤمنين الموسع لهم من هذه الدنيا حتى ضيق ذلك عليهم فرفضوه مسرورين برفضه» قال ثم سبقته دمعته فقام. (٢) وقال مطرف: «أَفْسَدَ الْمَوْتُ عَلَى أَهْلِ النَّعِيمِ نَعِيمَهُمْ فَاطْلُبُوا نَعِيمًا لَا مَوْتَ فِيهِ» (٣). فلا تقر عين المؤمن في الدُّنْيَا إلا بالله ، وذكره ومحبته والأنس به، ومن قرت عينه باللَّه، فقد حصلت له قرة العين التي لا تنقطع في الدُّنْيَا ولا في البرزخ ولا في الآخرة، وقرت به عيون المؤمنين. سؤال الله الرضا بعد القضاء ثم يقول: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» وهذا من أدعية الإيمان بالقضاء والقدر وسأل الرضا بعد القضاء؛ لأنه حينئذ تبين حقيقة الرضا. وقد ذكر الحافظ البيهقي ﵀ في هذه الجملة من الدعاء جملة من الآثار المتعلقة بالرضا وما هو الرضا وما تفسيره، ونورد ما تيسَّر من ذلك. فمنها: ما رواه عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «ذِرْوَةُ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ لِلْحُكْمِ، وَالرِّضَى بِالْقَدَرِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي التَّوَكُّلِ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِلرَّبِّ » (٤). ونقل أيضًا (٥)

стр. 480

عن أبي عثمان - وهو سعيد بن إسماعيل الحِيْرِي شيخ نيسابور (ت: ٢٩٨ هـ) - قال ﵀: "الرضا قبل القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا". وبهذا التفريق يُفهَمُ النكتة في قول النبي ﷺ : «أَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» أي: لأن ما كان قَبْلَ القضاء فهو عزم من الإنسان على أنه إذا أصابه شيء فسيرضى، لكنه إذا كان بعد القضاء فهو الرضا الحقيقي لأنه تسليم واستسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: سأل «الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ» لأنَّه حينئذٍ يتبيَّن حقيقة الرِّضا. وأمّا الرِّضا قبله فإنَّما هو عزمٌ على أنَّه يرضى به إذا أصابه، وإنَّما يتحقَّق الرِّضا بعده ا. هـ (١) وروى أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «أَدِّ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ» (٢). ثم ذكر البيهقي ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الرِّضَا أَنْ لَا تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ، وَلَا تَحْمَدَ أَحَدًا عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَلَا تَلُمْ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ، فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ، وَاللهُ بِقِسْطِهِ وَعِلْمِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ» (٣). ومعنى ذلك أن الإنسان لا ينسب الأشياء إلى غير مسبِّبها، وهو الله فإن العبد إنما يعلم أنَّ كلَّ شيء من الله. يقول ﵁: " الرِّضَا أَنْ لَا تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ " لأنَّ في هذا تعاسةً للإنسان وشقاء له بأن يرضي الناس بسخط الله -جل وعلا-. قال: " وَلَا تَحْمَدَ أَحَدًا عَلَى رِزْقِ اللهِ " والمعنى: أن الله إذا أنعم عليك بنعمة فاحْمَدِ الله ولا تنسبها لغيره، فإن ذلك كما يقول العلماء باب من أبواب الشرك الخفي (٤). كما في قوله تعالى:

стр. 481

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل] قال ابن كثير ﵀: أَيْ: يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْدِي إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَيُسْنِدُونَ النَّصْرَ وَالرِّزْقَ إِلَى غَيْرِهِ ا. هـ (١) وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبِّب الذي هو الله - سبحانه -، … ، ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب ا. هـ (٢) ولا مانع أن يشكر المتسبب في ذلك؛ ما دام أن المرء يؤمن أن الأمر بيد الله فإن النبي ﷺ يقول: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (٣). قال " وَلَا تَلُمْ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ " فإذا لم يكتب الله لك شيئًا فلا تنسب ذلك إلى غير الله -سبحانه- فإن الله هو الذي كتب عليك القدر خيره وشره. فالمؤمن إذا وَطَّن نفسه على الرضا بما قدر الله عليه وكتب، مع عمله بالمأذون به من الأسباب ارتاح وسعد. وفي هذا الباب عن ابن مسعود ﵁ أيضا أنه قال: «لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَلَأَنْ أَعَضُّ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تُطْفَأَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لِأَمْرٍ قضاه اللهُ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ» (٤) وهذا هو تمام الرضا المطلوب من المسلم ومن المؤمن، وهو الصبر عند البلاء وعند المصيبة، فهذا هو الصبر. والصبر: هو أن تحجز جوارحك عن الوقوع فيما نهى الله عنه؛ فإن ارتقى الإنسان فوق ذلك إلى أن يرضى عما كتب الله له فإن هذه منزلة عظيمة لا ينالها إلا القليل من الناس. قال ابن القيم ﵀: إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالْقَدَرِ وَقَعَ فِي لَوْمِ الْمَقَادِيرِ. إِمَّا بِقَالَبِهِ، وَإِمَّا بِقَلْبِهِ وَحَالِهِ. وَلَوْمُ الْمَقَادِيرِ لَوْمٌ لِمُقَدِّرِهَا، وَكَذَلِكَ يَقَعُ فِي لَوْمِ الْخَلْقِ. وَاللَّهُ وَالنَّاسُ

стр. 482

يَلُومُونَهُ، فَلَا يَزَالُ لَائِمًا مَلُومًا. وَهَذَا مُنَافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ ا. هـ (١) ونقل البيهقي ﵀ عن سفيان -وهو ابن عيينة ﵀ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: "بالرضا والتسليم" (٢). وعن علقمة أنه قال: "هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ" (٣). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ كثيرًا ما يدعو فيقول: "اللهُمَّ رَضِّنِي بِقَضَائِكَ، وَبَارِكْ لِي فِي قَدْرَكَ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ شَيْءٍ أَخَّرْتَهُ، وَلَا تَأْخِيرَ شَيْءٍ عَجَّلْتَهُ" (٤). وهذا مثل دعاء الاستخارة الآتي ففي آخره «وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» ونقل البيهقي عن ذي النون قوله: " ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّسْلِيمِ: مُقَابَلَةُ الْقَضَاءِ بِالرِّضَا، وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرُ عَلَى الرَّخَاءِ" (٥). ونقل عن الفضيل بن عياض ﵀ قوله: " الرَّاضِي لَا شَيْءَ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ" (٦). ولفظه عند ابن أبي الدنيا «الرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ» (٧) وهو الصواب. قال ابن القيم ﵀: الرِّضَا يُفَرِّغُ قَلْبَ الْعَبْدِ. وَيُقَلِّلُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ. فَيَتَفَرَّغُ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ بِقَلْبٍ خَفِيفٍ مِنْ أَثْقَالِ الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا وَغُمُومِهَا ا. هـ (٨). والمسلم إذا نزل به البلاء فالمطلوب منه أن يصبر. والصبر -كما ذكرنا- هو حجز الجوارح عمَّا حرَّم الله فلا يقول إلا ما يُرضِي الله ولا يتصرف إلا بما يُرضِي الله أما رضا القلب وتسليمه وفرحه بما كتب الله له فهذا ليس من المنزلة الواجبة على الإنسان.

стр. 483

سؤال الله تعالى برد العيش بعد الموت: ونرجع إلى حديث عمار بن ياسر ﵄، يقول في الدعاء: «وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ»، وهذا يدل على أن العيش وطيبه وبرده إنما يكون بعد الموت، أما هذه الدنيا فيكفي أن من منغصاتها أنها مختومة بالموت وأن الإنسان موعود فيها بالموت. فلا عيش يطيب إلا بعد الموت، وهو عيش من أمن من عذاب الله ، ووصل إِلَى ثوابه، فكذلك سأل برد العيش بعده، وكان النبي ﷺ يقول -لما حفر الخندق، وجهد هو وأصحابه في حفره-: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة (١) سؤال الله تعالى لذة النظر إلى وجه الله تعالى: ثم يقول: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» وهذا من الأدعية العظيمة المؤنسة للعبد؛ وهو من أدلة أهل السنة في إثبات النظر إلى الله يوم القيامة مثل قول اللَّه ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين] أي عن رؤيته يوم القيامة. وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَاتُ رَوَاهَا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ عَنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَّائِهِمْ؛ ومنها حديث الباب، وكذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ صُهَيْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ » ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٢). قال الحافظ ابن رجب ﵀: «هذان الأمران هما سعادة الدُّنْيَا والآخرة، وأعظم

стр. 484

لذاتها وأعلى ما يحصل للمؤمن فيهما، فإن أعلى ما في الآخرة النظر إِلَى وجه الله ، وهو أعظم من الجنة وكل ما فيها ا. هـ (١) وقال شيخ الإسلام ﵀: وهذه اللذة هي النعيم التام في حظهم من الخالق … وأهل الجنة مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله في الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما يكون أحب إليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره. (٢). سؤال الله تعالى الشوق إلى لقائه: وقوله: «وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» قال ابن القيم ﵀: الشَّوْقُ يَحْمِلُ الْمُشْتَاقَ عَلَى الْجِدِّ فِي السَّيْرِ إِلَى مَحْبُوبِهِ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَيَطْوِي لَهُ الْبَعِيدَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ وَالْمَشَاقَّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، وَلَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أَقْوَالٌ وَأَعْمَالٌ هُمَا السَّبَبُ الَّذِي تُنَالُ بِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الْأَقْوَالِ، عَلِيمٌ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَيَشْكُرُهَا وَيَعْرِفُ قَدْرَهَا وَيُحِبُّ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ ا. هـ (٣) والشوق من مراتب المحبة التي تقود إلى تمام العبودية لله وقد بينها ابن القيم ﵀: -بما حاصله-: أن خاصية التعبّد: هي الحبّ مع الخضوع والذلّ للمحبوب، فمن أحبّ شيئًا وخضع له فقد تعبد قلبه له. والتعبّد آخر مراتب الحبّ، ويقال له التتيّم. فإنّ أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلّق القلب بالمحبوب. ثم بعدها الصبابة، وسمّيت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب ثم الغرام، وهو لزوم الحبّ للقلب لزومًا لا ينفكّ عنه. ثم العشق، وهو إفراط المحبة. ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحثّ السفر. ثم التتيُّم، وهو آخر مراتب الحبّ، وهو تعبّد المحبِّ لمحبوبه. يقال: تيّمه الحبّ إذا عبّده. ومنه تَيْم الله، أي عَبْد الله. وحقيقة التعبد: الذلّ والخضوع للمحبوب. ومنه قولهم: "طريق معبّد" أي مذلّل قد ذلّلته الأقدام. فالعبد هو الذي ذلّله الحبّ والخضوع لمحبوبه. ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها.

стр. 485

قال ابن القيم ﵀: وأطيب العيش وألذّه على الإطلاق عيش المحبّين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفةً. وقد ضمن الله سبحانه لكلّ من عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأيّ حياة أطيب من حياة مَنْ اجتمعت همومه كلّها، وصارت همًّا واحدًا في مرضاة الله، ولَمَّ شعثَ قلبه بالإقبال على الله، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمةً -بكل وادٍ منها شعبة- على الله. فصار (ذكرُ محبوبه الأعلى، وحبّه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه)، هو المستولي عليه. وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده، بل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله. وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر. وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن. وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث ا. هـ (١) وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما الشوق إِلَى لقاء اللَّه في الدُّنْيَا فهو أعظم لذّة تحصل للعارفين في الدُّنْيَا، فمن أنس باللَّه في الدُّنْيَا واشتاق إِلَى لقائه، فقد فاز بأعظم لذّة يمكن لبشر الوصول إليها في هذه الدار … وأهل الشوق إِلَى الله عَلَى طبقتين: أحدهما: من يفضي بهم الشوق إِلَى القلق والأرق، ويقل صبرهم عن طلب اللقاء … والثانية: من أعطاه الله بعد بلوغه إِلَى درجة الشوق إِلَيْهِ الأنس به والطمأنينة إِلَيْهِ، فسكنت قلوبهم بما كشف لها من آثار قربه ومشاهدته، ووجدوا لذّة الأنس به في الذكر والطاعة، وصار عيشهم مع اللَّه في نعيم سرمدي، وطاب لهم السير إِلَيْهِ في الدُّنْيَا بالطاعات. وهذه كانت حال نبينا ﷺ وأصحابه ا. هـ (٢) اقتران اللذة بالنظر، والشوق باللقاء: واقتران اللذة بالنظر، والشوق باللقاء، يعني: أنك تسأل الله تعالى لذة النظر إلى وجهه

стр. 486

مع النظر إليه، والشوق إلى لقائه مع لقائه، فيكون ذلك الشوق وتلك اللذة مقترنة مع رؤية الله ولقائه لا أنها هي نفس النعيم، قال شيخ الإسلام ﵀: فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه لما يقترن بذلك من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة ا. هـ (١) وقال ﵀: أخبر الصادق المصدوق أنّه لم يُعطَ أهلُ الجنّة أحبّ إليهم من النظر إليه. وسُنّ أن يُدعى بلذة النظر إلى وجهه الكريم. وأهل الجنّة قد تنعّموا من أنواع النّعيم بالمخلوقات بما هو غاية النّعيم، فلمّا كان نظرهم إليه أحبّ إليهم من كلّ أنواع النّعيم، عُلم أنّ لذّة النّظر إليه أعظم عند أهل الجنّة من جميع أنواع اللَّذَّات ا. هـ (٢) قوله في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة: وقال الحافظ ابن رجب: وَإِنَّمَا قَالَ «من غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» لِأَن الشوق إِلَى لِقَاء الله يسْتَلْزم محبَّة الْمَوْت، وَالْمَوْت يَقع تمنيه كثيرا من أهل الدُّنْيَا بِوُقُوع الضراء الْمضرَّة فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ فِي الشَّرْع، وَيَقَع من أهل الدّين تمنيه لخشية الْوُقُوع فِي الْفِتَن المضلة، فَسَأَلَ تمني الْمَوْت خَالِيا من هذَيْن الْحَالين وَأَنْ يكون ناشئا عَنْ مَحْض محبَّة الله والشوق إِلَى لِقَائِه ا. هـ (٣) وقال: فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت وذلك لا يقع غالبا إلا عند خوف ضراء مضرة في الدنيا أو فتنة مضلة في الدين فأما إذا خلا عن ذلك كان شوقا إلى لقاء الله وهو المسؤول في هذا الحديث وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يتمنين الموت إلا من وثق بعمله» (٤) فالمطيع لله مستأنس بربه فهو يحب لقاء الله والله يحب لقاءه والعاصي مستوحش بينه وبين مولاه وحشة الذنوب فهو يكره

стр. 487

لقاء ربه ولا بد له منه … إلخ (١) سؤال الله تعالى أن يزيننا بزينة الإيمان: ثم يقول: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ». وزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقق الإيمان له. وزينة اللسان بأقوال الإيمان. وزينة الجوارح بأعمال الإيمان، وذلك أن الإيمان قول وعمل ونية. وقد سمى الله تعالى التقوى لباسا، وأخبر أنها خير من لباس الأبدان فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. فهذه هي الزينة النافعة الدائمة الباقية وهي زينة الإيمان والتقوى، إذا شملت القلب والجوارح. سؤال الله تعالى أن يجعلنا هداة مهتدين: قال: «وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»، يعني نهدي غيرنا ونهتدي في أنفسنا. وهذه أفضل الدرجات: أن يكون العبد هاديًا مهديًّا. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء]. وقال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (٢)، وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، … » الحديث (٣). ويدخل في ذلك: من دعا إِلَى التوحيد من الشرك، وإلى السنة من البدعة، وإلى العِلْم من الجهل، وإلى الطاعة من المعصية، وإلى اليقظة من الغفلة، فمن استجيب له إِلَى شيء من هذه الدعوات فله مثل أجر من تبعه. ومن دعاء عباد الله الصالحين ما ذكره الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].

стр. 488

قال ابن كثير ﵀: وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فِي الْخَيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَدُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ، فَأَحَبُّوا أَنْ تَكُونَ عِبَادَتَهُمْ مُتَّصِلَةً بِعِبَادَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَنْ يَكُونَ هُدَاهُمْ مُتَعَدِّيًا إِلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّفْعِ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ ثَوَابًا، وَأَحْسَنُ مَآبًا؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عَلَمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" ا. هـ (٢). فهذه اثنتا عشرة كلمة مباركة يدعو بها المسلم في صلاته. بوب عليها الإمامان النسائي في سننه والطبراني في الدعاء -وغيرهما-، بما يدل على قولها قبل السلام من صلاته بعد التشهد (٣). وبوب عليه الإمام أبو حاتم ابن حبان فقال: «ذِكْرُ جَوَازِ دُعَاءِ الْمَرْءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ» (٤) قال ابن القيم ﵀: فجمع في هذا الدعاء العظيم بين أطيب شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه. ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا. ويفتن في الدين قال: «فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ». ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلماً لغيره، مرشدا له قال: «وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ». (٥)

стр. 489

JIH دعاء الحسن بن علي ﵄ في الوتر ومن الأدعية المباركة: الدعاءُ الذي ندعو الله به في صلاة الوتر، وهو الدعاء الذي علَّمه النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄ أن يدعو به فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ، علمه أن يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». خرجه الإمام أبو داود والنسائي وغيرهما. (١). وهذه كلمات عظيمات، تشتمل على ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوسل إلى الله -جل وعلا- بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فالداعي بها يدعو ربه متوسلاً بأسمائه الحسنى، فإنَّه الهادي، وإنَّه المعطي، وإنَّه يقضي ولا يقضى عليه، وإنَّه المتعالي سبحانه، وإنَّه المبارك في الأشياء، فيدعو العبد ربه -جل وعلا- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. والفائدة الثانية: أنَّ العبد يعترف لله خضوعاً وتذللاً بأنَّ الأمور كلها بيده سبحانه، فهو الذي يهدي من يشاء، وهو الذي يعطي من يشاء، ويمنع عمن يشاء، فالعبد يسأل ربه أن يهديه، ويسأل ربه أن يعطيه، ويسأل ربه أن يبارك له، فهو اعتراف من العبد وهو يدعو ربه بأنَّ الله -جل وعلا- صاحب العظمة والكبرياء، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، فالعبد يتذلل لربه سبحانه، سائلاً إياه -جل وعلا- أن يهديه، وأن يرزقه، وأن يبارك له.

стр. 490

والفائدة الثالثة: أنَّ العبد يسأل ربه بهذه الدعوات أن يسلك به سبيل المهتدين، وسبيل من عافاه، وأولئك هم عباد الله الصالحون؛ ولذلك يقول: اهدني يا رب فيمن هديت، قال بعض أهل العلم: «فِيمَنْ» يعني: مع من هديته من عباد الله الصالحين، وأولئك هم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وحسن أولئك رفيقاً. فيدعو العبد ربه أن يسلك به هذا السبيل، وهي الدعوات المباركات التي اشتملت عليها فاتحة الكتاب. وفي قول العبد: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»، سؤال لله -جل وعلا- الهداية التامة الكاملة، الهداية المشتملة على العلم النافع، والعمل الصالح، فالعبد إذا قال: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»، فهو يسأل ربه -جل وعلا- أن يعلمه شرعة الإسلام، وأن يفقهه في هذا الدين؛ لأنَّ الهداية أساسها معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، والعبد إذا قال: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»، فهو يسأل ربه -جل وعلا- أن يوفقه للعمل الصالح، فلا هداية تامة إلا بعمل صالح، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج لمن استطاع إليه سبيلاً، بأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، بإقامة شرع الله، بطاعة الله، والائتمار بأمره، والانتهاء عن نهيه. والعبد إذا قال: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»، فهو يسأل الله أن يرزقه التوبة والإنابة والاستغفار، فإنَّ العبد في طريقه إلى الله -جل وعلا- تختلجه الشياطين، وتأخذه الشياطين، فيقع في المعصية، و «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ» لكن كما قال ﵊: «وَخَيْرُ الخَطَّائِيْنَ التَّوَابُونَ» (١). فالعبد إذا قال: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي»؛ تضمن الدعاء لله أن وفقني إلى التوبة إذا وقعت في معصية لأرجع إلى سبيل من هديت، وإلى سبيل من رزقته الهداية، العبد إذا قال: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ» ينطوي قلبه على معرفة أنَّ الهداية بيد الله فهو الهادي، هو الذي يوفق من يشاء، فيزداد حمداً لله أن وفقه إلى هذا السبيل، وإلى هذا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،

стр. 491

الصراط المجانب للمغضوب عليهم وللضالين من اليهود والنصارى وسائر المشركين والكافرين. والعبد إذا دعا بهذه الدعوة المباركة: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»؛ تعلَّق قلبه بالله، وتذكَّر آية الفاتحة، وهو يدعو في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ ثم يدعو العبد فيقول: «وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ»، وهي سؤال لله -جل وعلا- أن يرزقك العافية التامة في الدنيا وفي الآخرة، فيعافيك الله في بدنك، ويعافيك الله في سمعك وبصرك، يعافيك الله في مالك، وفي ولدك، يعافيك الله في الدنيا من جميع الشرور، وفي القبر من عذاب القبر ومن فتنته، وفي الآخرة من عذاب جهنم، فيستذكر العبد وهو يرفع أكف الضراعة لله قائلاً: «عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ»، سائلاً ربه -جل وعلا- هذه العافية التامة. وقد علَّم النبي ﵌ عمه العباس بن عبد المطلب أن يدعو بهذه الدعوات، -والعم صنو الوالد (١) -، فنصح له النبي ﵊، وقال: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِ اللَّهَ، العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (٢). وقال له أيضا: «أَكْثِرِ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ» (٣) وفي سنن الترمذي أن أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، قَامَ عَلَى المِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى المِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: «اسْأَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (٤). وفي أدعية الصباح والمساء حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا

стр. 492

وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (١). فالعبد إذا دعا بهذه الدعوة العظيمة المباركة فهو يدعو لنفسه بخيري الدنيا والآخرة. ثم يقول: «وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ»، أي تولَّ -ياربِّ- أمري، وانصرني، واهدني، ويسر لي أمري، وإنه إذا تولاك الله -جل وعلا- أصبحت من الفائزين في الدنيا والآخرة، فإنَّه لا يذل من والاه الله، ولا يعز من عاداه الله -جل وعلا-. إذا تولاك الله أصبحت قوياً، مهاباً، عظيم الجانب، لم يستطع أن ينال منك أحد إلا أن يكون ابتلاءً من الله -جل وعلا-. فما أعظم هذه الدعوة المباركة، يتولى الله أمرك، ويتولى الله حاجاتك، وينصرك، ويكلؤك بالحفظ والتأييد في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: «وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ»، تسأل الله أن يبارك لك، والبركة هي الخير الكثير الثابت، البركة: تكثير الشيء وثباته ولزومه، فتسأله -تعالى- أن يبارك لك في كل ما أعطاك من علم أو من مال أو ولد أو مسكن؛ وترضى بما آتاك الله، والبركة إذا حلَّت في القليل كَثَّرته وفي اليسير نمَّتْه وجعلته دائمًا ثابتا. فإذا أعطاك الله المال، وأعطاك الصحة، وأعطاك الولد، وأعطاك النعم التي لا تعد ولا تحصى، فأنت تسأل ربك أن يثبّتها لك، وأن يبارك لك فيها، وأن يحفظها عليك، وأن يجعلها نعمة تامة دائمة، يرزقك الله شكرها. فكم من أناس أُعطوا مالاً، أو ولداً، أو صحة، أو أي نعمة أخرى، لكن نُزعت البركة من أعطياتهم، فلم يجدوا لها لذة، فيعيش غنيهم حياة الفقراء البؤساء؛ إذ سُلبت منه البركة، والبركة من الله -جل وعلا-، هو الذي يبارك الأشياء، وهو الذي يحفظها على الإنسان، فأنت تدعو بهذه الدعوة أن يحفظ الله -جل وعلا- عليك النعم التي أعطاك إياها. وقوله: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ» سؤال لله أن يقيك شرَّ الذي قضاه؛ فإن الله قد يقضي

стр. 493

بالشر لحكمة بالغة، والشرُّ واقعٌ في بعض مخلوقاته لا في خلقه ولا في فعله؛ ولهذا فإن الشر ليس إلى الله -جل وعلا-؛ فإن فعله وخلقه خيرٌ كله. والعبد يسأل الله -جل وعلا- أن يصرف عنه شر هذا المقضيِّ الذي قضاه له، وفي هذا تسليم لرب العالمين -جل وعلا-. فهذا الدعاء يتضمن سؤالَ الله الوقايةَ من الشرور والسلامةَ من الآثام والحفظَ من البلايا والفتن. ثم يقول: «إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ» فيتوسل إلى الله -جل وعلا- بأنه-سبحانه-يقضي على كل شيء؛ لأن له الحكم التام والمشيئة التامة والقدرة النافذة. يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فيجب أن تؤمن أنه لن يكون في الكون شيء إلا بمشيئة الله. فقولك: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ»، تعترف لله -جل وعلا- بأن الأمر أمره، وبأن القضاء قضاؤه، وبأنَّه سبحانه كتب الأشياء، وقدَّرها، وشاءها، وخلقها، فلا مفرَّ من قضاء الله وقدره، فيدعو العبد ربه سبحانه أن يقيه جميع الشرور، ولو استجيب لك في هذه لسعدت في الدنيا وفي الآخرة، فالشرور التي تحيط بالإنسان كثيرة، فيلجأ المؤمن والعبد الضعيف إلى الله الغني الحميد أن يقيه جميع الشرور، فالأمر بيد الله، هو الذي يرفع الضر والبأساء، هو الذي يصرف عنك البلاء، وهو الذي يغني بعد فقر، وهو الذي يعافي بعد مرض، وهو الذي يعطي سبحانه من يشاء، فعلق قلبك بربك. ثم يقول العبد في دعائه: «إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ»، وهي كلمات عظيمة يثني بها العبد على ربه -جل وعلا-، ومن آداب الدعاء: أن يثني العبد على ربه في دعائه، فقمن حينئذ أن يستجاب له دعواته لله. فإذا تأملت هذه الكلمات رأيت أنها جمعت فأوعت.

стр. 494

JIH حديث دعاء الاستخارة كذلك من الأدعية المباركة: التي علَّمنا إيَّاها النبي ﷺ وله تعلق بهذا الباب العظيم دعاءُ الاستخارة، فيصلي الإنسان إذا أراد أمرًا أو هَمَّ بأمر فيصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يرفع يديه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». وهذا الحديث خرجه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ (١). وهو دعاء عظيم، فيه تثبيتٌ للعبد المؤمن، وبه يأنس القلب بالله. دعاءٌ كلُّه توحيد وافتقار وعبودية لله سبحانه. وفيه تمام التوكل على الله. وفيه تمام الرضا عن الله. فإن العبد يسأل من بيده الخيرُ كلُّه، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ» أستخيرك يعني: أطلب منك يا الله أن تختار لي الخير من الأمور والأرشد والأحسن؛ لأن الله هو العليم، ولأنه هو القدير، ولأنه هو الذي يعلم ما لا نعلم، ويقدر على ما لا نقدر، وهو علَّام الغيوب فالعبد يتوسل إلى الله -جل وعلا- بهذا الدعاء المبارك وما ندم من استخار ربه بعلمه المحيط بكل شيء واسْتَقْدَرَهُ بقدرته الكاملة على كل شيء وسأله -سبحانه- من فضله العظيم. فإنه -كما قال الحكماء

стр. 495

والأدباء-: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ» (١). ويروى حديثا عن النبي ﷺ ، ولكنه لا يصح (٢). وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ يقول: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبَّت في أمره ا. هـ (٣) ودعاء الاستخارة من الأدعية العظيمة المباركة، ونحتاج إلى تدبره وتأمله، يقول شمس الدين ابن القيم ﵀: فَعَوَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ (٤) وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ (٥) … وَعَوَّضَهُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ: • تَوْحِيدٌ • وَافْتِقَارٌ، • وَعُبُودِيَّةٌ، • وَتَوَكُّلٌ، • وَسُؤَالٌ لِمَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ • الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ
следующие страницы →