الصراط المجانب للمغضوب عليهم وللضالين من اليهود والنصارى وسائر المشركين والكافرين. والعبد إذا دعا بهذه الدعوة المباركة: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ»؛ تعلَّق قلبه بالله، وتذكَّر آية الفاتحة، وهو يدعو في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾
ثم يدعو العبد فيقول: «وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ»، وهي سؤال لله -جل وعلا- أن يرزقك العافية التامة في الدنيا وفي الآخرة، فيعافيك الله في بدنك، ويعافيك الله في سمعك وبصرك، يعافيك الله في مالك، وفي ولدك، يعافيك الله في الدنيا من جميع الشرور، وفي القبر من عذاب القبر ومن فتنته، وفي الآخرة من عذاب جهنم، فيستذكر العبد وهو يرفع أكف الضراعة لله قائلاً: «عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ»، سائلاً ربه -جل وعلا- هذه العافية التامة.
وقد علَّم النبي ﵌ عمه العباس بن عبد المطلب أن يدعو بهذه الدعوات، -والعم صنو الوالد (١) -، فنصح له النبي ﵊، وقال: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِ اللَّهَ، العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (٢). وقال له أيضا: «أَكْثِرِ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ» (٣)
وفي سنن الترمذي أن أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، قَامَ عَلَى المِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى المِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: «اسْأَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (٤).
وفي أدعية الصباح والمساء حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا
стр. 492
وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (١). فالعبد إذا دعا بهذه الدعوة العظيمة المباركة فهو يدعو لنفسه بخيري الدنيا والآخرة.
ثم يقول: «وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ»، أي تولَّ -ياربِّ- أمري، وانصرني، واهدني، ويسر لي أمري، وإنه إذا تولاك الله -جل وعلا- أصبحت من الفائزين في الدنيا والآخرة، فإنَّه لا يذل من والاه الله، ولا يعز من عاداه الله -جل وعلا-. إذا تولاك الله أصبحت قوياً، مهاباً، عظيم الجانب، لم يستطع أن ينال منك أحد إلا أن يكون ابتلاءً من الله -جل وعلا-. فما أعظم هذه الدعوة المباركة، يتولى الله أمرك، ويتولى الله حاجاتك، وينصرك، ويكلؤك بالحفظ والتأييد في الدنيا وفي الآخرة.
وقوله: «وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ»، تسأل الله أن يبارك لك، والبركة هي الخير الكثير الثابت، البركة: تكثير الشيء وثباته ولزومه، فتسأله -تعالى- أن يبارك لك في كل ما أعطاك من علم أو من مال أو ولد أو مسكن؛ وترضى بما آتاك الله، والبركة إذا حلَّت في القليل كَثَّرته وفي اليسير نمَّتْه وجعلته دائمًا ثابتا. فإذا أعطاك الله المال، وأعطاك الصحة، وأعطاك الولد، وأعطاك النعم التي لا تعد ولا تحصى، فأنت تسأل ربك أن يثبّتها لك، وأن يبارك لك فيها، وأن يحفظها عليك، وأن يجعلها نعمة تامة دائمة، يرزقك الله شكرها. فكم من أناس أُعطوا مالاً، أو ولداً، أو صحة، أو أي نعمة أخرى، لكن نُزعت البركة من أعطياتهم، فلم يجدوا لها لذة، فيعيش غنيهم حياة الفقراء البؤساء؛ إذ سُلبت منه البركة، والبركة من الله -جل وعلا-، هو الذي يبارك الأشياء، وهو الذي يحفظها على الإنسان، فأنت تدعو بهذه الدعوة أن يحفظ الله -جل وعلا- عليك النعم التي أعطاك إياها.
وقوله: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ» سؤال لله أن يقيك شرَّ الذي قضاه؛ فإن الله قد يقضي
стр. 493
بالشر لحكمة بالغة، والشرُّ واقعٌ في بعض مخلوقاته لا في خلقه ولا في فعله؛ ولهذا فإن الشر ليس إلى الله -جل وعلا-؛ فإن فعله وخلقه خيرٌ كله. والعبد يسأل الله -جل وعلا- أن يصرف عنه شر هذا المقضيِّ الذي قضاه له، وفي هذا تسليم لرب العالمين -جل وعلا-. فهذا الدعاء يتضمن سؤالَ الله الوقايةَ من الشرور والسلامةَ من الآثام والحفظَ من البلايا والفتن. ثم يقول: «إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ» فيتوسل إلى الله -جل وعلا- بأنه-سبحانه-يقضي على كل شيء؛ لأن له الحكم التام والمشيئة التامة والقدرة النافذة. يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فيجب أن تؤمن أنه لن يكون في الكون شيء إلا بمشيئة الله. فقولك: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ»، تعترف لله -جل وعلا- بأن الأمر أمره، وبأن القضاء قضاؤه، وبأنَّه سبحانه كتب الأشياء، وقدَّرها، وشاءها، وخلقها، فلا مفرَّ من قضاء الله وقدره، فيدعو العبد ربه سبحانه أن يقيه جميع الشرور، ولو استجيب لك في هذه لسعدت في الدنيا وفي الآخرة، فالشرور التي تحيط بالإنسان كثيرة، فيلجأ المؤمن والعبد الضعيف إلى الله الغني الحميد أن يقيه جميع الشرور، فالأمر بيد الله، هو الذي يرفع الضر والبأساء، هو الذي يصرف عنك البلاء، وهو الذي يغني بعد فقر، وهو الذي يعافي بعد مرض، وهو الذي يعطي سبحانه من يشاء، فعلق قلبك بربك.
ثم يقول العبد في دعائه: «إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ»، وهي كلمات عظيمة يثني بها العبد على ربه -جل وعلا-، ومن آداب الدعاء: أن يثني العبد على ربه في دعائه، فقمن حينئذ أن يستجاب له دعواته لله. فإذا تأملت هذه الكلمات رأيت أنها جمعت فأوعت.
стр. 494
JIH
حديث دعاء الاستخارة
كذلك من الأدعية المباركة: التي علَّمنا إيَّاها النبي ﷺ وله تعلق بهذا الباب العظيم دعاءُ الاستخارة، فيصلي الإنسان إذا أراد أمرًا أو هَمَّ بأمر فيصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يرفع يديه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». وهذا الحديث خرجه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ (١).
وهو دعاء عظيم، فيه تثبيتٌ للعبد المؤمن، وبه يأنس القلب بالله. دعاءٌ كلُّه توحيد وافتقار وعبودية لله سبحانه. وفيه تمام التوكل على الله. وفيه تمام الرضا عن الله. فإن العبد يسأل من بيده الخيرُ كلُّه، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ» أستخيرك يعني: أطلب منك يا الله أن تختار لي الخير من الأمور والأرشد والأحسن؛ لأن الله هو العليم، ولأنه هو القدير، ولأنه هو الذي يعلم ما لا نعلم، ويقدر على ما لا نقدر، وهو علَّام الغيوب فالعبد يتوسل إلى الله -جل وعلا- بهذا الدعاء المبارك وما ندم من استخار ربه بعلمه المحيط بكل شيء واسْتَقْدَرَهُ بقدرته الكاملة على كل شيء وسأله -سبحانه- من فضله العظيم. فإنه -كما قال الحكماء
стр. 495
والأدباء-: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ» (١).
ويروى حديثا عن النبي ﷺ ، ولكنه لا يصح (٢).
وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ يقول: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبَّت في أمره ا. هـ (٣)
ودعاء الاستخارة من الأدعية العظيمة المباركة، ونحتاج إلى تدبره وتأمله، يقول شمس الدين ابن القيم ﵀: فَعَوَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ (٤) وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ (٥) … وَعَوَّضَهُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ:
• تَوْحِيدٌ
• وَافْتِقَارٌ،
• وَعُبُودِيَّةٌ،
• وَتَوَكُّلٌ،
• وَسُؤَالٌ لِمَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ
• الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ
стр. 496
• الَّذِي إِذَا فَتَحَ لِعَبْدِهِ رَحْمَةً لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ حَبْسَهَا عَنْهُ، وَإِذَا أَمْسَكَهَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِرْسَالَهَا إِلَيْهِ مِنَ التَّطَيُّرِ وَالتَّنْجِيمِ وَاخْتِيَارِ الطَّالِعِ وَنَحْوِهِ.
فَهَذَا الدُّعَاءُ، هُوَ الطَّالِعُ الْمَيْمُونُ السَّعِيدُ، طَالِعُ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتَّوْفِيقِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، لَا طَالِعُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالشَّقَاءِ وَالْخِذْلَانِ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
فَتَضَمَّنَ هَذَا الدُّعَاءُ:
• الْإِقْرَارَ بِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ،
• وَالْإِقْرَارَ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ،
• وَالْإِقْرَارَ بِرُبُوبِيَّتِهِ،
• وَتَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ،
• وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ،
• وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ،
• وَالْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ نَفْسِهِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ،
• وَاعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِعَجْزِهِ عَنْ عِلْمِهِ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِرَادَتِهِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَدِ وَلِيِّهِ وَفَاطِرِهِ وَإِلَهِهِ الْحَقِّ ا. هـ (١).
وقال الوزير ابن هبيرة ﵀: علَّم رسول الله ﷺ المستخير أحسن لفظ ينطق به في الاستخارة. وقوله: «أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ» فيه أن النبي ﷺ طلب الخيرة من الله، ثم علق ذلك بعلم الله، وأشار فيما أرى بهذا، إلى قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة] فلما كانت عواقب الأمور لا يعلمها العبد، قال: «أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ» أي ما تعلم أنت أنَّ عاقبته لي الخيرة مقدما علم الله سبحانه واختياره على حد مبلغ علم آدمي واختياره
стр. 497
لنفسه. وقوله: «وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» فإنه يعني أنه بعد أن سأله أن يختار له سبحانه بمقتضى علمه في عواقب الأمور، أي فقد سألتك أن تقديري على ما يقتضيه علمك في ذلك الأمر ولا تقدرني على ما ليست عاقبته جميلة، أي لا تبسط قدرتي إلا على ما هو الخيرة في علمك. ثم عقب ذلك بأن قال: «وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» أي لمَّا عرفت أنَّ الخيرة بعلمك والقدرة مني بقدرتك حينئذ سألتك من فضلك العظيم، ولما لم يعين عند سؤاله من الفضل جنسا من الفضل، كان هذا الفضل متناولا كل جنس من الفضل، ولما كان ذلك راجعا إلى إنعام الله وصفه بأنه عظيم. ثم قال: «فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلَا أَقْدِرُ» أي أنت تقدر، وحالي أنا أني لا أقدر، … وقوله: «ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» أي إذا قدرت لي الخير، فاحمِ قلبي من أن يستزيد بعد أو يرى أنك لم تختر لي الأفضل، ولم يقل صبرني عليه، ولكن قال: «رَضِّنِي بِهِ» أي اجعلني من الراضين فإن مقامه فوق مقام الصبر، فينبغي له إذا صرف عنه الأمر ألا يتأثر بالصرف، … إلخ (١).
فيا عبد الله، إذا وجدت شكًّا أو وسوسة في باب القضاء والقدر فَعُدْ إلى هذه الأدعية المباركة العظيمة التي علَّمنا إياها النبي ﷺ .
стр. 498
JIH
حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الهم والحزن
ونختم بالوقوف مع بعض الكلمات الواردة في دعاء مبارك من الأدعية النبوية أيضًا،
وهو ما خرجه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا». -وهذا دعاءٌ عظيم وكلمات عظيمة علَّمنا إياها النبي ﷺ ، ولما سمعها الصحابة فرحوا بها وقالوا: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فَقَالَ ﷺ : «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» (١).
وقد تضمنت هذه الكلمات أربعة أصول عظيمة:
أما الأول: فهو تحقيق العبادة لله وتمام الانكسار بين يديه والخضوع له واعتراف العبد بأنه مخلوق لله، مملوك له هو وآباؤه وأُمَّاتُه، ابتداءً من أبويه القريبين وانتهاءً بآدم وحواء، وانظر ماذا يقول العبد: «اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ».
وهذا هو الأصل الثاني أن العبد يؤمن بقضاء الله وقدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه -سبحانه- لا معقب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. ويقول في هذا الدعاء:
стр. 499
«نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» والناصية: هي مقدمة رأس الإنسان، فهو بيد الله، يتصرف فيه كيف يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه.
فيا أيها العبد، موتك وسعادتك وشقاوتك وعافيتك وبلاؤك كلُّ ذلك إلى الله. فكرِّرْ هذا الدعاء وادعُ الله به والتجئ إلى الله وأظْهِرْ ضعفك وفقرك إلى الغني الحميد فبهذا تطمئن نفسك. وتأمل قول النبي ﷺ في هذا الدعاء العظيم «مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» ففيه تمام الرضا عن الله فالعبد يدعو الله ويتوسَّل إليه بأنه يعلم أن حكمه فيه ماضٍ، وهو يؤمن بحكم الله الشرعي وبحكم الله القدري الكوني، فكلاهما ماضيان في العبد شاء أم أبى ويقول: «عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» فكلُّ أقضية الله-سبحانه-من صحة وسقم وغنى وفقر ولذة وألم وحياة وموت كلُّ ذلك عدل من الله-سبحانه- لأن العبد المسلم يؤمن بأن الله ليس بظلام للعبيد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت] وكما قال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ [يونس].
والأصل الثالث: أن يؤمن العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العظيمة الواردة في الكتاب والسنة، فيتوسل إلى الله بها.
والأصل الرابع: العناية بالقرآن الكريم الذي هو كلام الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]
فالعبد يطلب من ربه بعد أن يتوسل إليه أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه. وهذا الدعاء يقتضي من العبد أن يُقبِل على القرآن وأن يُقبِل على تعلم السنة، أما أن يدعو بهذا الدعاء ثم يهجر كتاب الله فإن هذا من المخادعة، وهذا الذي يسأل الله -جل وعلا- ثم لا يعمل بالأسباب التي تعينه على الوصول إلى ذلك فإنه مخدوع. فاتلُ كتاب الله، وتأمل كتاب الله، وأكثِرْ من تلاوته، وقل: " اللهم اجعل
стр. 500
القرآن ربيع قلبي ونور صدري" فمن دعا بهذا الدعاء كما ينبغي فإن النبي ﷺ يقول: «إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا».
فيا عبد الله:
هذه الأدعية المباركة وغيرها كثير من أدعية النبي ﷺ تستدعي من العبد المؤمن:
• أن يحرص على الدعاء المأثور،
• وأن يجتنب الأدعية التي يتداولها الناس مما لم يثبت ولم يَرِدْ عن النبي ﷺ .
فالبركة في هذه الكلمات النبوية المباركة الجوامع للكلم التي علَّمنا إياها نبيُّنا ﷺ .
نسأل الله -جل وعلا- أن يحفظنا بحفظه، وأن يصرف عنا البلاء، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا على ما تبقَّى من هذا الشهر المبارك،
اللهم أَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
JIH
انتهى الجزء الخامس
ويليه الجزء السادس
الإيمان باليوم الآخر
стр. 501
سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٦)
الإِيْمَانُ
باليوم الآخر
تأليف
أبي حمزة غازي بن سالم أفلح
عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين
تقديم
الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي
الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى
الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر
стр. 502
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار
١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م
(مزيدة ومنقحة)
رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي
MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢
Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩
الترقيم الدولي
ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤
التصنيف العمري: E
تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب
للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com
الإمارات العربية المتحدة - الشارقة
البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com
للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧
تويتر: @ DroosAldar
стр. 503
الركن السادس من أركان الإيمان
الإيمان باليوم الآخر
стр. 504
F e
المجلس الحادي والعشرون (١)
الشعبة السادسة من شعب الإيمان: الإيمان باليوم الآخر
من شعب الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، وقد ذكره البيهقي ﵀ في الشعبة السادسة من شعب الإيمان، وذكر معه أيضًا أمورًا ترتبط باليوم الآخر، وأدخلها من جملة شعب الإيمان (٢).
الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان الستة:
والإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان الستة.
وقد تقدَّم معنا ذِكْرُ حديث جبرائيل ﵍، وأنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال النبي ﷺ : «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٣).
ما هو اليوم الآخر؟
قال العلماء: اليوم الآخِر هو يوم القيامة، سُمِّيَ بذلك لأنه لا يوم بعده،
وهو اليوم الذي تعاد فيه الأرواح إلى الأجساد، وتُبعَث فيه الخلائق للجزاء والحساب والمعاد؛ فهو آخر يومٍ لا يوم بعده سواه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة" (٤).
стр. 505
كفر من لا يؤمن باليوم الآخر:
يقول ربنا في كتابه الكريم مبيِّنًا كُفْرَ من لم يؤمن بهذا اليوم: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء]
فالإيمان به واجب على جهة الإجمال وعلى جهة التفصيل فيما ثبت عند المكلَّف مما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ
ويقول الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ما يتضمَّنُه الإيمان باليوم الآخر:
والإيمان باليوم الآخر الذي هو الإيمان بالقيامة يتضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإيمانُ بأشراط الساعة التي هي من مقدِّمات هذا اليوم العظيم.
والأمر الثاني: الإيمان بالبرزخ وما يجري فيه من عذاب ونعيم وكلِّ ما أخبرنا عنه النبي ﷺ مما يقع من سؤال الميت وفتنته في قبره ونحو ذلك مما هو من أمور الغيب منذ أن يموت الإنسان وحتى يدخل قبره وحتى يبعث يوم القيامة كلُّ هذا من الغيب الذي يدخل في الإيمان باليوم الآخر؛ فـ «الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ» كما في الحديث. (١)
الأمر الثالث: الإيمانُ بالنفخ في الصور ثم البعث والجزاء والحساب وما يكون في يوم القيامة.
فالإيمان باليوم الآخر إذًا يتضمَّنُ الإيمانَ بهذه الأمور الثلاثة.
وكلُّ أمرٍ منها تندرج تحته جملةٌ من المسائل العظيمة التي سنجتهد في المرور عليها -إن شاء الله-، على جهة الاختصار بدءًا من مجلسنا هذا ثم المجالس القادمة بإذن الله.
من ثمرات الإيمان باليوم الآخر:
الإيمانُ باليوم الآخر له ثمراتٌ جليلة. فمن ذلك:
١ - حَثُّ العبد على فعل الطاعات والمسابقة في الخيرات رغبةً في الثواب الكائن في ذلك اليوم العظيم، فيجتهد المؤمن في عمل الطاعة وفيما أمره الله به، وهو يتذكَّر أنَّ هناك يومًا عظيمًا هو يوم الجزاء، وهو يومٌ يكون فيه عظيم الثواب عند الله -جل وعلا-.
стр. 506
٢ - كما أن الإيمان بهذا اليوم يدفع العباد إلى ترك المعاصي والبُعْدِ عن العناد وترك المنكرات وسيِّء الأفعال خوفًا من العقاب الكائن في ذلك اليوم.
٣ - وفيه أيضًا تسلية للمؤمن عمَّا يفوته عن نعيم الدنيا ومتاعها بأن ثمة يومًا عظيمًا سيكون فيه الجزاء العظيم والنعيم الأبدي السرمدي.
٤ - وفيه أيضًا وقوفُ العبد على فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة، فإذا ظُلِمَ الإنسان في هذه الدنيا فإنه يتذكر أن يوم القيامة هو يوم الفصل، وأن هناك يومًا عظيمًا سيقف فيه الظالم والمظلوم بين يدي الله، فيقتص للمظلوم من الظالم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُ أمور أخرى في الكلام عن بعض ما يتعلق بأسماءِ هذا اليوم العظيم وصفاتِه المذكورةِ في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ .
لا يعلم متى الساعة إلا الله:
وقد جاء البيان الواضح في كتاب الله مع كثرة تساؤل الناس عن هذا اليوم أنه يومٌ لا يعلم متى يكون إلا اللهُ:
يقول ربُّنا -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات]
ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)﴾ [السجدة]،
ويقول -جل وعلا- في ستة مواضع من كتابه الكريم-: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨، الأنبياء: ٣٨، النمل: ٧١، سبأ: ٢٩، يس: ٤٨، الملك: ٢٥]،
ويقول سبحانه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة].
وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ : متى الساعةُ يا رسول الله؟ قَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحبُّ الله ورسوله. قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (١).
стр. 507
هذا الأعرابي جزم جزمًا تامًّا بأنه يحب الله ورسوله، فهل يستطيع الواحد منَّا أن يكون في صدقه وفي جزمه في هذا الأمر كهذا الصحابي؟!
-نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا من أولئك-.
كذلك جاء في صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدِّث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدِّث، فقال بعضُ القوم: سمع ما قال فَكَرِهَ ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قَالَ: «أَيْنَ-أُرَاهُ-السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قال: ها أنا يا رسول الله. فقال النبي ﷺ : «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قال: كيف إضاعتُها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (١).
فهذه الأحاديث كلُّها تُبيِّن كثرة التساؤلات التي وقعت من بعض الناس متى تكون الساعة، والنبي ﷺ يبين أن الساعةَ غيبٌ لا يعلمه إلا الله.
وفي حديث جبريل لما سأل النبيَّ ﷺ : "متى الساعة؟ " -يعني: متى تقوم الساعة؟ فأجاب ﷺ : «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (٢)
فدلَّ هذا على أن الساعة غيبٌ لا يعلمه إلا الله.
الساعة حق:
وهي حقٌّ لا ريب فيه كما قال ربُّنا -جل وعلا-: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران]،
وقال -جل وعلا- في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١]
وقال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر]
وقال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]
стр. 508
وقال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]
وقال -جل وعلا- بعد أن ذكر كيف خَلَقَ ابنَ آدم وكيف تقلَّب من تراب إلى نطفة إلى عقلة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]
وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية].
الآيات التي أمر الله نبيَّه فيها بالقسم بربه على قيام الساعة:
وقال -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]،
وقال -جل وعلا-: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]،
وقال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس].
فهذه ثلاث آيات يخبر الله -جل وعلا- فيها عن سؤال الكفار واستخبارهم عن المعاد والقيامة وعن خروج الناس من قبورهم، فيأمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يُقسِم بالله على أن الساعة حق:
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾.
ومن دعاء النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ
стр. 509
وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» (١).
قوله: «وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» أي: يوم القيامة.
وأصل الساعة -كما سيأتي-: القطعةُ من الزمان.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وإطلاقُ اسم الحق على ما ذُكِرَ من الأمور معناه: أنه لا بُدَّ من كونها وأنها مما يجب أن يُصدَّق بها، وتكرارُ لفظِ «حَقٌّ» للمبالغة في التأكيد" (٢).
علم الساعة من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله:
قال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ : «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ» (٣). فالناس يتساءلون من قديم، ويسألون أنبياءهم عن الساعة ومتى قيامها، والقرآن يُبيِّنُ أن ذلك من علم الغيب.
الساعة قريبة:
وإذا عرفنا ذلك فقد جاء البيانُ في كتاب الله أن الساعة قريب
قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]
وقال -جل وعلا-: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر] أي: دَنَتِ الساعة التي تقوم فيها القيامة. كما قال -جل وعلا-: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل]
وكما في الآية السابقة ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء]
وقال -جل وعلا-: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج]
стр. 510
وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب].
وقد جاء أيضًا في الصحيح من حديث سهل بن سعد وأنس وأبي هريرة ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» (١).
وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ بِهِمَا، وقَرَنَ بين إصبعيه: المسبِّحة والوسطى.
وهذا بيانٌ منه ﷺ أنَّ الساعةَ قريبٌ.
وجاء أيضًا عن النبي ﷺ كما في حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري أنه قال: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ» (٢). يعني أن بقاء الأمة في هذه الدنيا بقاءٌ قليل، وأن قلة ما يبقى الناس في هذه الدنيا كما بين صلاة ظهر إلى صلاة عصر. وهذا مقارنةً بالأمم السابقة؛ فإن الساعة كيوم، وقد ذهب أكثرُه، ولم يَبْقَ منه إلا القليل.
الساعة تقوم بغتة:
أخبرنا عن قيام الساعة بأنه يكون فجأة. يقول -جل وعلا-: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام]
وقال -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف]
قال الحافظ ابن كثير وغيره من أهل التفسير: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
أي: عظمت وكبرت على أهلها لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة (٣).
стр. 511
وجاء في صحيح الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ فَمَا يَصِلُ الإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِى حَوْضِهِ فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ» (١). ومعنى قوله: يليط أو يلط في حوضه أي: يصلحه ويُطيِّنُه.
تقوم الساعة يوم الجمعة:
أخبرنا النبي ﷺ أن الساعة تقوم في يوم جمعة، يقول ﵊: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ في يَوْمِ الْجُمُعَةِ» رواه مسلم (٢).
وفي الموطَّأ والسنن من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ. وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ. إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ. وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (٣).
فهذا بيانٌ من النبي ﷺ لبعض الأحوال المتعلقة بهذا اليوم العظيم.
من مات قامت قيامته:
وجاء أيضًا البيان عن النبي ﷺ أن لكلٍّ ساعتَه وأنَّ من مات قامت قيامته، فإن من يموت تقوم ساعته، ويبدأ حسابه في قبره، -نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا من عباده المتقين-ويسميها العلماء "القيامة الصغرى" كما سيأتي في الحديث عن البرزخ- وهي ما يقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وفراق أهله وانقطاع سعيه وحصوله على عمله. إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر.
стр. 512
واستدلوا على أن من مات قامت قيامته الصغرى: بحديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» (١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وَالْمُرَادُ: انْخِرَامُ قَرْنِهِمْ، وَدُخُولُهُمْ فِي عَالَمِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ. وَهَذَا الْكَلَامُ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَقَدْ يَقُولُ هَذَا بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ، وَيُشِيرُونَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالْبَاطِلِ ا. هـ (٢)
وقال الشاعر:
خَرَجْتُ مِنَ الدُّنيا وقامَتْ قِيَامَتِي … غَداة أَقَلَّ الحَامِلُونَ جِنَازَتِي
وعجل أهلي حفر قبري وصيروا … خروجي وتعجيلي إليه كرامتي
كَأَنَّهُمُوا لم يَعْرِفوا قَطُّ صورتي … غَداةَ أَتَى يَوْمي عَليَّ وسَاعَتِي (٣)
وذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الله تعالى ذكر في سورة الواقعة في أولها انقسام الناس في القيامة الكبرى إلى سابقين، وأصحاب يمين، ومكذبين؛ وذكر في آخرها انقسامهم عند الموت؛ فقال ﵀: وهو القيامة الصغرى؛ كما قال المغيرة بن شعبة ﵁: «من مات فقد قامت قيامته» (٤) وكذلك قال علقمة (٥)، وسعيد بن جبير (٦) عن ميت: «أمّا هذا
стр. 513
فقد قامت قيامته» (١)؛ أي صار إلى الجنة أو النار. وإن كان بعد هذا تعاد الروح إلى البدن، وتقعد بقبره ا. هـ (٢)
وفي الحلية لأبي نعيم بسند حسن قال بِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيُّ: خَطَبَ عُمَرُ -يعني ابن عبد العزيز ﵀ -، النَّاسَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَبْعُدَنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَا يَطُولَنَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَتْهُ مَنِيَّتُهُ فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَتُهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِيدَ فِي حَسَنٍ، وَلَا يَعْتِبَ مِنْ سَيِّئٍ» (٣)
تقوم الساعة على شرار الخلق:
وأخبرنا النبي ﷺ أن الساعة حين تقوم، تقوم على شرار الخلق، كما في صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» (٤).
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في حديث الدجال قال: وسمعت النبي ﷺ يقول: «فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ» (٥)
يعني يكونون في سرعتهم إلى الشر وقضاء الشهوات كطيران الطير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا كأخلاق السباع العادية.
стр. 514
وفي صحيح الإمام مسلم أيضا عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ» (١)
وفي رواية لأحمد « … حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢)
وفي رواية لمسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ» (٣)
وفي رواية لابن حبان « … عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٤).
وهذا الحديث بمعنى الحديث السابق أن الساعة تقوم على شرار الخلق.
وفي صحيح البخاري عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ، أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً» (٥)
قال الحافظ: قَالَ ابن بَطَّالٍ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ ا. هـ (٦)
مناظرة عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر في هذا الحديث:
وقد جرت مناظرة بين عبد الله بن عمرو ﵄، وبين عقبة بن عامر ﵁ في حديث: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، والتوفيق بينه وبين الحديث الوارد في الطائفة المنصورة. أخرجها الإمام مسلم في صحيحه (٧) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ،
стр. 515
قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ ﵁، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ»، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: أَجَلْ، «ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» (١)
ذكر حديث الطائفة المنصورة وبيان عدم معارضته للحديث السابق:
قلت: وحديث عقبة بن عامر ﵁ المذكور حديث متواتر النقل عن النبي ﷺ فقد رواه جماعة من الصحابة غير عقبة ﵁ ومنهم:
(١) المغيرة بن شعبة ﵁ وحديثه رواه الشيخان في صحيحيهما عنه ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (٢)(٢) وروياه أيضا من حديث مُعَاوِيَةَ ﵁ أنه قال عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ»، وفي رواية: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣)
ورواه مسلم أيضا من حديث: ثوبان وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وسعد بن أبي وقاص ﵃.
قلت: وأحق الناس بوصف الطائفة المنصورة المذكورة في هذه الأحاديث هم أهل الحديث كما نص على هذا أئمة السلف (١).
стр. 519
وهذه الأحاديث لا تعارض ما تقدم من قوله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ».
قال القاضي عياض ﵀: وقد قال الطبري ﵀: إنه لا تعارض بينهما؛ لأن المراد بهذا الخصوص ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا في موضع كذا، التي بها الطائفة المذكورة، (١) وقيل: بل هذا فى وقت دون وقت، وأن هذه الطائفة تبقى إلى حين قيام الساعة التي تقبض روح كل مؤمن، كما جاء في الحديث في الباب فى كتاب مسلم: «ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا … فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ»، فقد فسر في الحديث نفسه القصة، وجمع الحديثين، وأن أولئك يموتون بين يديها، فلا تقوم حينئذ إلا على شرار الخلق، ومن لا يؤمن بالله ا. هـ (٢)
وهذا الأخير هو الذي ارتضاه الحافظ فقال: هَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثين الْمَذْكُورين ا. هـ (٣)
ويتأكد هذا الجمع بما جاء في حديث عائشة ﵂ في صحيح الإمام مسلم أيضا- أن النبي ﷺ قال: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى» قالت: فقلتُ: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة] أن ذلك تامًّا قال: «إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» (٤).
стр. 520
وفي الصحيحين (١) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ، حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ» وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ. (٢)
من أسماء يوم القيامة:
كَثُر في كتاب الله ذِكْرُ يوم القيامة بأسماء كثيرة. قال القرطبي ﵀: "كلُّ ما عَظُمَ شأنه تعدَّدت صفاته وكَثُرَت أسماؤه … فالقيامةُ لمَّا عَظُمَ أمرُها وكَثُرَت أهوالُها سمَّاها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة ووصفها بأوصاف كثيرة" (٣).
فمن ذلك أن هذا اليوم العظيم يوم القيامة هو:
١ - يوم الانشقاق
٢ - ويوم الانفطار
٣ - ويوم التكوير
٤ - ويوم الانكدار
٥ - ويوم الانتثار
٦ - ويوم التسيير
٧ - ويوم التعطيل
٨ - ويوم التسجير
٩ - ويوم التفجير
١٠ - ويوم الكشط
١١ - ويوم الطي
١٢ - ويوم المد
стр. 521
وكل ذلك قد أخذه العلماء من الآيات الواردة في: سورة التكوير وفي سورة الانفطار وفي سورة الانشقاق. وقد جاء في سنن الإمام الترمذي ﵀ عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» (١)
وقال الترمذي: "حديث حسن" وحسَّنه العلامة الألباني ﵀ (٢)
فهذه السور الثلاث ذَكَرَ اللهُ فيها أسماءً وأوصافًا كثيرة لهذا اليوم.
١٣ - كذلك جاء في كتاب الله تسميةُ هذا اليوم بالساعة، فهو يوم الساعة الموعود أمرُها، ولِعِظَمِها أكثرَ الناسُ السؤالَ عنها كما في الآيات الكثيرة التي تقدَّم بعضُها ومنها: قوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]
يقول القرطبي ﵀: "الساعة: كلمةٌ يُعبَّر بها في العربية عن جزء من الزمان غيرِ محدودٍ، وفي العُرْف: على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة …
قال: وسُمِّيَت به القيامة إما لقُرْبِها؛ فإنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ، وإما أن تكون سُّمِّيَت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام … " (٣).
١٤ - ويسمى هذا اليوم العظيم أيضًا بيوم القيامة: كما قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة] واختُلِفَ في تسميتها بذلك على أربعة أقوال:
أحدها: لوجود هذه الأمور فيها.
والثاني: لقيام الخلق كلهم من قبورهم إليها قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ
стр. 522
سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣].
والثالث: قيام الناس لرب العالمين قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين]
والرابع: لقيام الروح والملائكة صفًّا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]
١٥ - كذلك هذا اليوم العظيم هو يوم النفخ في الصور، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣].
١٦ - وهو يوم الزلزلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج]
١٧ - ويوم الراجفة وهي النفخة الأولى كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات].
١٨ - ومنها: تسميتُه بيوم الناقور كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ [المدثر]. يعني ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد.
١٩ - ومنها: القارعة، وسُمِّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها.
٢٠ - ومنها: يوم البعث، والبعثُ حقيقتُه: إثارة الشيء عن خفاء، فهو يوم البعث كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
٢١ - ومنها: يوم النشور، وهو عبارة عن الإحياء، فهو يومٌ يُخرِج الله فيه الناسَ من قبورهم. ولذلك سُمِّي أيضًا:
٢٢ - بيوم الخروج قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣]
٢٣ - وسُمِّي أيضًا بيوم الحشر، وهو اليوم الذي تُجمَع فيه الخلائق إلى الله سبحانه، وتُساق إلى الله -جل وعلا-.
٢٤ - وجاء في القرآن وَصْفُه بيوم العرض:
стр. 523
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ فَقَال: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ» (١). فسيُوقَفُ العبدُ بين يدي الله، وتُعرَض عليه أعمالُه عملًا عملًا، فيقال: أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ نسأل الله -جل وعلا- أن يرحمنا. كما في الصحيحين عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي، مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ، إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود]» (٢)
٢٥ - ومنها: أنه يوم الجمع كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وكما قال تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧].
٢٦ - ومنها: يوم التفرق، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٦].
٢٧ - ومنها: يوم الفزع، وحقيقتُه فزع ضعف النفس عن حمل المعاني الطارئة؛ ففي هذا اليوم تفزع الخلائق، وتخاف، فهو يوم الفزع الأكبر.
٢٨ - ومنها: يوم التَّناد كما قال -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ
стр. 524
اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [غافر].
٢٩ - وهو يوم الدعاء أي: يوم النداء، يومٌ تحصل فيه نداءات عدة، فينادي الله أهل الجنة، وينادي أهلُ الجنة أهلَ النار، وينادي أهلُ النار أهلَ الجنة يستغيثون بهم، ويدعو الله كلَّ أناسٍ بإمامهم يوم القيامة.
٣٠ - ومنها: أنه يوم الواقعة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل].
٣١ - وهو يوم الحساب والجزاء، فيعدِّدُ الله فيه على الخلائق أعمالهم من إحسان وإساءة.
٣٢ - وهو يوم السؤال كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر].
٣٣ - ومنها: أنه يوم الجدال قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١].
٣٤ - ومنها: أنه يوم القصاص.
٣٥ - ويوم الحاقة.
٣٦ - ويوم الطامة، ومعناها: الغالبة.
٣٧ - ومنها: أنه يوم الصَّاخَّة أي: النفخة الأولى تكون فيه والثانية.
٣٨ - ومنها: يوم الوعيد.
٣٩ - ومنها: أنه يوم الدِّين أي: يوم الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧].
٤٠ - ومنها: أنه يوم الندامة والحسرة قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].
стр. 525
٤١ - ومنها: وصفُه بأنه يوم الآزفة -سُمِّي بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَ- قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، أي يوم القيامة القريب، وقال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ [النجم].
٤٢ - ومنها: أنه يوم المآب.
٤٣ - ويوم المصير
٤٤ - ويوم القضاء والحكم والفصل
٤٥ - ويومٌ توزن فيه الأعمال.
٤٦ - ووصفه الله بأنه عقيم: فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ [الحج]
٤٧ - وأنه ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ [المدثر]
٤٨ - و ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ [هود]
٤٩ - وهو ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] لأن الناس يتغابنون في المنازل عند الله، أهل الهدى تَغبن أهل الضلالة، فلا غَبْن أعظم منه، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.
٥٠ - وجاء وصفه بأنه يوم عبوس قمطرير، والقمطرير هو الشديد، وقيل: الطويل. والعبوس: هو الذي يُعبَس فيه.
٥١ - ومنها: أنه يومٌ تبلى فيه السرائر. ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق]
٥٢ - ويومٌ ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار]
٥٣ - ويومٌ ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣]، أي يسحبون إليها ويدفعون إليها دفعا، ويساقون إليها سوقا عنيفا، ويجرون على وجوههم كما قال -جل وعلا- عن الكفار ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]
٥٤ - ومنها أنه يومٌ ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور].
стр. 526
٥٥ - ومنها أنه يومٌ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم] أي: لا يغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم.
٥٦ - ومنها: أنه يومٌ قال فيه ربنا تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات].
٥٧ - ومنها: أنه يومٌ لا ينفع فيه الظالمين معذرتُهم وتحسُّرُهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]
٥٨ - ومنها: أنه يوم لا يُكْتَمُ فيه عن الله حديثٌ قال تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء]
٥٩ - ومنها: أنه ﴿يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣، الشورى: ٤٧]
٦٠ - ومنها: أنه يومٌ تبيَضُّ فيه وجوهٌ، وتسوَدُّ فيه وجوهٌ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران].
فتبيَضُّ فيه وجوهُ أهل الحق والهدى، وتسوَدُّ فيه وجوهُ أهل الباطل والرَّدى (١).
قال الإمام الطبري ﵀: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون
стр. 527
في فريق من بُيِّض وجهه ا. هـ (١)
٦١ - ومنها: أنه يوم الغاشية كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية] أي التي تغشى الناس بأفزاعها وتغمهم، وتغشى الكفار بالنار، وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
٦٢ - ومنها: يوم الخلود كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق] فهذا اليوم العظيم اشتهر بهذه الأسماء والأوصاف الكثيرة (٢).
وهذه الأسماء والأوصاف التي وردت في كتاب الله لو تأمَّلها الإنسان وتدبَّرها ووقف عند كلٍّ منها لعَرَفَ عظمةَ هذا اليوم العظيم.
نسأل الله -جل وعلا- أن يرحمنا برحمته، ونسأله سبحانه أن يُحيينا على الإسلام،
وأن يتوفَّانا على الإيمان، وأن يُدخِلَنا الجنة بسلام، وأن يُعِيذنا من النار؛
إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 528
JIH
الإيمان
بأشراط الساعة
стр. 529
F e
المجلس الثاني والعشرون (١)
أشراط الساعة:
مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر -كما تقدم- الإيمانُ بأشراط الساعة؛ فإنها من مقدِّمات يوم القيامة. والحديثُ عن أشراط الساعة، حديث ترغب إليه النفوس، وتشتاق إليه؛ لأنه من علوم الغيب التي أخبرنا عنها النبي ﷺ ، والنفوسُ عادةً تتشوَّف إلى معرفة الغيب وما سيقع في المستقبل، وهذا الباب لا يخوضه الإنسان إلا عن طريق الوحي الذي جاءنا عن ربنا وبيَّنَه لنا نبيُّنا ﷺ .
تعريف أشراط الساعة:
الأشراط جمع شَرَط بالتحريك وهو العلامة، ويقال: أشراط الشيء أوائله، ومنه: شُرَط السلطان وهم: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم (٢).
فالشَّرَطُ هنا المقصود به العلامة؛ فأشراط الساعة هي علامات القيامة التي تسبقها وتدُلُّ على قُرْبها.
أشراط الساعة صغرى وكبرى:
وهذه العلامات قسَّمها العلماء ﵏ إلى أقسام:
• فمنهم من قسَّمها إلى علامات صغرى وعلامات كبرى.
• ومنهم من قسَّمها إلى علامات قد وقعت وانتهت، وعلامات وقعت وهي باقية، وعلامات تقع حينًا بعد حين، وعلامات لم تقع بعد.
• ومنهم من قسَّمها إلى علامات أرضية، وعلامات سماوية.
وكلُّ هذه التقسيمات هي من باب التقريب.
وأشهرُ ما اشتهر عند الناس تقسيمها إلى علامات صغرى وعلامات كبرى.
стр. 530
ذكر العلامات الكبرى:
وذكر العلماء أن علامات الساعة الكبرى هي -في الأشهر-: ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم من حديثُ حذيفة الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ. وجاء الحديث أيضًا بلفظ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ». وَالْعَاشِرَةُ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. (١).
وكذلك جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (٢). فهذان الحديثان أخذ منهما العلماءُ ما يتعلق بعلامات الساعة الكبرى.
تتابع العلامات الكبرى عند ظهورها:
وهذه العلامات إذا ظهرت تظهر متتابعة، وتكون الساعة على إثرها. كما في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا» (٣). وفي المسند عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ، فَإِنْ يُقْطَعِ السِّلْكُ يَتْبَعْ بَعْضُهَا بَعْضًا» وسنده ضعيف (٤) وله شاهد عند الحاكم في المستدرك عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ