← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٥٥ - ومنها أنه يومٌ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم] أي: لا يغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم. ٥٦ - ومنها: أنه يومٌ قال فيه ربنا تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات]. ٥٧ - ومنها: أنه يومٌ لا ينفع فيه الظالمين معذرتُهم وتحسُّرُهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] ٥٨ - ومنها: أنه يوم لا يُكْتَمُ فيه عن الله حديثٌ قال تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء] ٥٩ - ومنها: أنه ﴿يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣، الشورى: ٤٧] ٦٠ - ومنها: أنه يومٌ تبيَضُّ فيه وجوهٌ، وتسوَدُّ فيه وجوهٌ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران]. فتبيَضُّ فيه وجوهُ أهل الحق والهدى، وتسوَدُّ فيه وجوهُ أهل الباطل والرَّدى (١). قال الإمام الطبري ﵀: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون

стр. 527

في فريق من بُيِّض وجهه ا. هـ (١) ٦١ - ومنها: أنه يوم الغاشية كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية] أي التي تغشى الناس بأفزاعها وتغمهم، وتغشى الكفار بالنار، وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ٦٢ - ومنها: يوم الخلود كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق] فهذا اليوم العظيم اشتهر بهذه الأسماء والأوصاف الكثيرة (٢). وهذه الأسماء والأوصاف التي وردت في كتاب الله لو تأمَّلها الإنسان وتدبَّرها ووقف عند كلٍّ منها لعَرَفَ عظمةَ هذا اليوم العظيم. نسأل الله -جل وعلا- أن يرحمنا برحمته، ونسأله سبحانه أن يُحيينا على الإسلام، وأن يتوفَّانا على الإيمان، وأن يُدخِلَنا الجنة بسلام، وأن يُعِيذنا من النار؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 528

JIH الإيمان بأشراط الساعة

стр. 529

F e المجلس الثاني والعشرون (١) أشراط الساعة: مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر -كما تقدم- الإيمانُ بأشراط الساعة؛ فإنها من مقدِّمات يوم القيامة. والحديثُ عن أشراط الساعة، حديث ترغب إليه النفوس، وتشتاق إليه؛ لأنه من علوم الغيب التي أخبرنا عنها النبي ﷺ ، والنفوسُ عادةً تتشوَّف إلى معرفة الغيب وما سيقع في المستقبل، وهذا الباب لا يخوضه الإنسان إلا عن طريق الوحي الذي جاءنا عن ربنا وبيَّنَه لنا نبيُّنا ﷺ . تعريف أشراط الساعة: الأشراط جمع شَرَط بالتحريك وهو العلامة، ويقال: أشراط الشيء أوائله، ومنه: شُرَط السلطان وهم: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم (٢). فالشَّرَطُ هنا المقصود به العلامة؛ فأشراط الساعة هي علامات القيامة التي تسبقها وتدُلُّ على قُرْبها. أشراط الساعة صغرى وكبرى: وهذه العلامات قسَّمها العلماء ﵏ إلى أقسام: • فمنهم من قسَّمها إلى علامات صغرى وعلامات كبرى. • ومنهم من قسَّمها إلى علامات قد وقعت وانتهت، وعلامات وقعت وهي باقية، وعلامات تقع حينًا بعد حين، وعلامات لم تقع بعد. • ومنهم من قسَّمها إلى علامات أرضية، وعلامات سماوية. وكلُّ هذه التقسيمات هي من باب التقريب. وأشهرُ ما اشتهر عند الناس تقسيمها إلى علامات صغرى وعلامات كبرى.

стр. 530

ذكر العلامات الكبرى: وذكر العلماء أن علامات الساعة الكبرى هي -في الأشهر-: ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم من حديثُ حذيفة الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ. وجاء الحديث أيضًا بلفظ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ». وَالْعَاشِرَةُ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. (١). وكذلك جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (٢). فهذان الحديثان أخذ منهما العلماءُ ما يتعلق بعلامات الساعة الكبرى. تتابع العلامات الكبرى عند ظهورها: وهذه العلامات إذا ظهرت تظهر متتابعة، وتكون الساعة على إثرها. كما في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا» (٣). وفي المسند عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ، فَإِنْ يُقْطَعِ السِّلْكُ يَتْبَعْ بَعْضُهَا بَعْضًا» وسنده ضعيف (٤) وله شاهد عند الحاكم في المستدرك عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ

стр. 531

اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْأَمَارَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ بِسِلْكٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ السِّلْكُ تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا» (١) وشاهد آخر عند ابن حبان والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا «خُرُوجُ الْآيَاتِ بَعْضِهَا عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ، يَتَتَابَعْنَ كَمَا تَتَتَابَعُ الْخَرَزُ فِي النِّظَامِ» (٢). يعني: كالعقد من الجوهر إذا خرج منه خرزةٌ تبعها الباقي. لكنه حديث معل (٣). فحَمَل العلماءُ ما دلت عليه هذه الأحاديث على علامات الساعة الكبرى التي يتبع بعضُها بعضًا. فهذه هي العلامات الكبرى. ذكر العلامات الصغرى: أمَّا العلاماتُ الصغرى فهي علامات كثيرة جاءت بها الأحاديث عن النبي ﷺ .

стр. 532

وقبل أن نشير إلى بعض هذه العلامات نريد أن نتكلم عن مسألتين مُهِمَّتَين: أهمية الإيمان بأشراط الساعة: المسألة الأولى: ما يتعلق بأهمية الإيمان بأشراط الساعة. يقول الله -جل وعلا-: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] والمعنى كما يقول المفسرون: "جاء هؤلاء الكافرين بالله الساعةُ وأدِلَّتُها ومقدِّماتُها" (١). فالإيمان بأشراط الساعة هو من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصلٌ من أصول الإيمان، وركنٌ من أركان الإيمان، فلا يكون المؤمنُ مؤمنًا باليوم الآخر حقًّا حتى يؤمن بما جاءنا في ديننا وبما صحَّ من هذه الأخبار؛ فإنَّ هذا يُثبِّتُ الإنسانَ ويزيدُه إيمانًا وحرصًا. والإيمان بأشراط الساعة يتعلق بالإيمان باليوم الآخر؛ لأنَّ هذه الأشراط هي مقدِّمات وعلامات لذلك اليوم. والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها: تنبيهُ الناس عن رقدتهم، وحَثُّهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة؛ كي لا يباغتوا بالحَوْل بينهم وبين تدارك ما فرطوا فيه. فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانفطموا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، وتلك الأشراطُ علامةٌ لانتهاء الدنيا وانقضائها (٢). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "والحكمةُ في تقديم الأشراط إيقاظُ الغافلين وحثُّهم على التوبة والاستعداد" (٣). وبهذا يتبين لنا ما يتعلق بأهمية الإيمان بأشراط الساعة. من ثمرات الإيمان بأشراط الساعة: ١ - أنَّ فيه تحقيقًا للإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأنه تصديق بالله وتصديق برسوله ﷺ . ٢ - وفيه تحقيقٌ للإيمان باليوم الآخر، ٣ - وهو أيضًا من الإيمان بالغيب الذي وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يؤمنون

стр. 533

به وبالآخرة هم يوقنون. ٤ - وفيه أيضًا علم من أعلام نبوة النبي ﷺ فنحن إذا رأينا هذه العلامات التي أخبر عنها النبي ﷺ وتحقَّقَ كثير منها فإنَّ ذلك يكون دليلًا لنا على صدق نبينا ﷺ . ٥ - وفيه أيضًا تثبيتٌ للمؤمنين وزيادةٌ ليقينهم وإيمانهم. وتأمَّلُوا قول الحق: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب]. فإنه لما رأى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مَقْدَمَ الأحزاب وقتالهم للمسلمين تذكروا ما أخبرهم به النبي ﷺ من الوعد بالنصر عقب الابتلاء، كما في قول الله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ وهذا هو الابتلاء. ثم جاء الوعد بعده بالنصر ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] فزادهم ذلك إيمانًا وثباتًا وطمأنينةً. قال ابن كثير ﵀: أَيْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ الَّذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ الْقَرِيبُ ا. هـ (١) يقول العلامة التويجري ﵀: "وظهورُ المعجزات بعد زمان النبوة، ولا سيَّما في هذه الأزمان البعيدة من زمنه ﷺ ، مما يزيد المؤمنين إيمانًا به، وتصديقًا بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب الآتية مما لم يقع بعد" (٢). ٦ - كذلك من أعظم الثمرات للإيمان بهذه العلامات: المسارعةُ إلى التوبة والإنابة إلى الله. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى ذلك -كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم- فقال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (٣). فتأمَّلُوا قوله ﷺ : «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ»

стр. 534

أي: اجتهدوا في الأعمال الصالحة قبل ظهور ست علامات، فذكرها، وقوله ﷺ : «خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ» يعني: حادثة الموت التي تخص كلَّ إنسان يعني قبل أن يأتيك الموت. وقوله ﷺ : «وأَمْرَ الْعَامَّةِ» أراد بالعامة أي: قيام الساعة. فبادر قبل أن تموت، وبادر قبل أن تقوم الساعة، وبادروا قبل طلوع الشمس من مغربها. وبادروا بالأعمال الصالحة والزموها وقت الفتن؛ فإنَّ النبي ﷺ يقول أيضًا: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ (١) كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» (٢). وقد أخبر النبي ﷺ بوقوعها وحصولها، وذلك من أمارات الساعة وعلاماتها. فالعبادة في زمن الفتن من الأمور التي تقي الإنسان من الوقوع في الردى، وتقيه من الانخراط مع أصحاب الفتن. والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فأعظمُ ما يُستعان به في هذه الأزمان المتأخرة على الفتن طاعةُ الله -جل وعلا-. ومن ثمرات الإيمان بأشراط الساعة: الاصطبارُ على العلم والتعلم؛ فإن تعلم أشراط الساعة أمرٌ مقصود شرعًا؛ ولهذا كان النبي ﷺ يحدِّثُ الناس بأشراط الساعة ويخبرهم بما سيقع، ويحثُّهم على معرفة ذلك، فكان يحدِّثُهم عن الدجال، ويخبِرُهم بأمره وبعلاماته، ويُعرِّفُهم بشأنه، ويقول لهم: «مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالاً يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» (٣)، هكذا كان يُرغِّب ويَحُثُّ ﷺ الناسَ على ذلك. ولهذا فإن من واجب العلماء أن يُعلِّموا الناس هذا العلم، ويعرفُوهم به، ويخبروهم بما أخبر به النبيُّ ﷺ ، وأن يحثُّوهم على الثبات على العلم؛ فإنَّ العلم والإيمان يعصمان الإنسان من الوقوع في الفتن. وقد كان من أعظم المثبتات للصحابة في زمن الفتنة، حين خرج الخوارج ما أخبرهم به النبيُّ ﷺ من علاماتهم: فقال لهم ﷺ : «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى

стр. 535

صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، ثم أخبرهم ﷺ بعلامة فيهم فقال «وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ»، فحدَّث بذلك علي بن أبي طالب ﵁ الناس فلمَّا قُتِلَ من قُتِلَ من الخوارج وانتصر عليهم الصحابة، قَالَ لهم عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ (١). وحدث أبو سعيد الخدري بمثل ما حدث به علي ﵄ وكان يقول: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ. (٢) فكان هذا تثبيتًا للمؤمنين على الحق زمن تلك الفتنة. وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يسمعون من النبي ﷺ ما يحدِّثُهم به، ويسألونه، ويستفسرون. وتأملوا في قول النبي ﵊ لما أخبرهم عن أيام الدجال وأنها ستكون أربعين يومًا قال لهم: «يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي هو كسنة أَيَكْفِينا فيه صلاةُ يوم؟ فقال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (٣) فالنبي ﷺ كان يُعلِّم الناس ويحُثُّهم ويُبيِّنُ لهم. ٧ - وكذا القراءة في أشراط الساعة وتعلُّمها فيه بشارةٌ لكل مؤمن: فحينما تقرأ قول النبي ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (٤) تزداد ثباتا ويقينا وطمأنينة بأن الحق باق

стр. 536

ومنصور إلى قيام الساعة. وكذلك حين تقرأ ما وعد الله به المؤمنين إذا لقوا عيسى بن مريم ﵉، وما سيكون لهم من الخير بانتشار الإسلام وكسر الصليب وقتل الخنزير. فقد أخبر نبينا ﷺ عن زمان نزول عيسى ﵍؛ - فقال: «لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ -وهي الثياب المصبوغة بالصفرة-، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، [ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا تَضُرُّهُمْ] فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (١)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» وفي رواية لمسلم: « … وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ» (٢) وكان أبو هريرة ﵁ يقول: «إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَتْ بِي حَيَاةٌ أَنْ أُدْرِكَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنْ عَجِلَ بِي مَوْتٌ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» (٣) وتطمئن نفسك وتفرح حين تقرأ أنه لن يبقى في الأرض مكان إلا ويدخله الإسلام

стр. 537

بعِزِّ عزيزٍ أو بِذُلِّ ذليلٍ، كما في المسند عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، يَقُولُ: «قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ» (١) وفي المسند أيضا عن الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا» (٢) فهذا كلَّه يزيد المؤمن إيمانًا وثباتا وطمأنينة. الإيمان بأشراط الساعة من الإيمان بالغيب: والإيمان بأشراط الساعة هو من الإيمان بالغيب وقد نبَّه العلماءُ في هذا الباب: على جملة من القواعد والضوابط التي ينبغي على المسلمين أن يتنبهوا لها؛ لأن الخوض في أشراط الساعة بغير علم يؤدي بالناس إلى فتنة عظيمة. ضوابط وقواعد في باب أشراط الساعة: من هذه القواعد التي نبَّه عليها العلماء -وممن جمعها وتكلم عليها الشيخ الدكتور محمد بن غيث حفظه الله- في كتابه "أحاديثُ أشراط الساعة وفقهُها". فمنها: ١ - أن هذا الباب بابٌ غيبيٌّ توقيفي:

стр. 538

فيجب الاقتصار فيه على النصوص الشرعية في الاستدلال، فلا ينبغي أن يقال: "هذا من أشراط الساعة أو هذا من علاماتها" بغير دليل شرعي، بل يجب على المسلم الرجوعُ في ذلك إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ فما حدَّث به النبيُّ ﷺ وصحَّ عنه حدَّثْنا به وعرفنا وعلى هذا فيجب التحقق من ثبوت النص الشرعي. وقد انتشر بين الناس أحاديثُ كثيرةٌ في أخبار الغيب وعلامات الساعة، فيجب على المسلم أن يجتنب الأحاديث الموضوعة والأحاديث المكذوبة والأحاديث الضعيفة، ولا يستدل إلا بما صحَّ وثَبَتَ عن النبي ﷺ . ٢ - كذلك يجب علينا أن نتحقق من معنى النصوص الشرعية: فإذا تأكَّدْنا من أن هذا الحديث صحيحٌ وثابتٌ عن النبي ﷺ وجب أن نتأكد أيضًا من فقهه وكيف فسَّره العلماء. فمن أين نستقي فقه هذه الأحاديث؟ من كلام السلف، فنرجع إليهم وإلى كلامهم، ونستضيء به ونعرف ما المقصود بهذا الحديث؛ حتى لا يأتي إنسان مثلًا فيفسر لنا بعض آيات القرآن أو يفسر لنا بعض أحاديث النبي ﵊ بأشياء من عنده ومن مخيلته حتى إن بعض هؤلاء قد خرجوا بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ عن دلالته الشرعية. ٣ - أن يكون تنزيلُ النصِّ على الواقعة عاريًا من التكلف: إذ مما كَثُرَ في هذا الزمان أنه كلما حدثت فتنةٌ بَرَزَ لنا أناسٌ وقالوا: هذه أخبر عنها الله -جل وعلا- في قوله تعالى كذا أو جاء الخبر عنها عن النبي ﷺ بكذا، فتجده يتكلَّفُ جدًّا في حمل النصوص وليِّ النصوص لينزلها على أمور الواقع، ظنًّا منه أنه بذلك يكون داعيًا إلى الله أو إلى رسوله ﷺ ، وهذا من الخطأ؛ ولهذا فإن الواجب في هذا الباب أن يُرجَع فيه إلى أهل العلم، ولا يحق لأحد أن يتكلم بلا علم ولا بينة وأن يفسر الحوادث بتكلُّفٍ كما في حادثة كورونا وغيرها مثلًا، فلا يحق لأحد أن يقول هذه أخبر عنها النبي ﷺ ، ويُنزِّلَ عليها بعض الأحاديث بلا علم وبلا بيِّنة وبلا بصيرة. ٤ - مراعاةُ ألفاظ الشريعة ودلالاتها: وهذا يتعلق بالمعاني أيضًا، فمثلا ورد في

стр. 539

الأحاديث النبوية وصْفُ الدجال بأنه المسيح وورد أيضًا وصْفُ عيسى بن مريم بأنه المسيح، فيأتي بعض الناس فيقول: لا، لا بُدَّ أن نفرِّق، فنقول: المسيخ بالخاء للدجال، والمسيح لعيسى بن مريم ﵉! فنقول لهذا وأمثاله: هل جاء النص بذلك؟ ولهذا ينبغي أن يُراعى في ذلك الألفاظ الشرعية ولا يتعدى عليها. ٥ - أنه ليس كلُّ ما قيل عنه أنه من أشراط الساعة فهو من الأمور المحرمة: لأن بعض الناس يفهم أنه إذا قيل هذا من أشراط الساعة أن هذا حرام، والجواب أنَّ الأمر ليس كذلك،؛ لأن هناك بعض الأمور يكون ظهورها من أشراط الساعة، ولا علاقة لها بالتحريم: كما قال النبي ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» (١) فجعل النبي ﷺ بعثته من أشراط الساعة. وكذلك أخبر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة وأماراتها التطاول في البنيان وأن يأتي -العالة رعاة الشاة-يتطاولون في البنيان (٢) يعني أنهم يبنون بنيانًا فاخرًا وغير ذلك بعد أن كانوا فقراء، فكون ذلك علامة لا يقتضي أنه محرَّم، ولكنه أمر مباح سيتوسع الناس فيه، وسيظهر في آخر الزمان. فيعلم بهذا أن من أشراط الساعة ما هو محرَّم، ومنها ما هو مكروه. ومنها ما هو مباح وكل يرجع فيه إلى العلماء وتفسيراتهم. ٦ - كذلك ينبغي أن يُراعى في ذلك الزمانُ أو النسبةُ الزمنية عند كلام النبي ﷺ فالله قد أخبرنا بأن الساعة قريب، وبأن هناك من أشرط الساعة ما وقع، وبأن الساعة تكاد تكون قريبًا، لكن تفسير هذا القرب ليس إلينا، فهو قريب بالنسبة لشيء آخر. فالنبي ﷺ لما أخبرنا أن الساعة قريب يعني بالنسبة إلى عمر الدنيا منذ أن كانت الدنيا وإلى بعثة النبي ﷺ فما سيكون بعد ذلك أقل بكثير مما تقدم. فمثلًا قول النبي ﵊: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» فيه دلالة على أن بعثته من علامات الساعة وأنها قريبة من قيام الساعة مع أنَّ بيننا وبين النبي ﵊ أكثر من أربعة

стр. 540

عشر قرنًا أو خمسة عشر قرنًا! لكن هذه القرون المتطاولة هي قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما تقدَّمها من الأمم السابقة؛ وبهذا تُفهَم النصوص الشرعية ولا يعتدى عليها وعلى تفسيرها. فهذه بعض الأمور والتنبيهات التي نبَّه عليها العلماء. من أشراط الساعة الصغرى: أما ما يتعلق بأشراط الساعة التي ذكرناها فمن أشراط الساعة العلامات الصغرى، فنورد رؤوس أقلام في هذا الباب من الأمور التي أخبر عنها النبي ﷺ . فمن ذلك: بعثته ﷺ -: بعثته ﷺ من أشراط الساعة كما تقدم معنا في قوله ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» وضَمَّ السبابة والوسطى (١). موته ﷺ -: كذلك من أشراط الساعة موتُ النبي ﷺ ، وقد جاء في الحديث: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، … ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا … » الحديث (٢) فذكر أن موته ﷺ يعتبر من أشراط الساعة، وهو من أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ، فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (٣)

стр. 541

ويقول أنس بن مالك ﵁: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ»، ثم قَالَ: «مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا» (١). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: مَا عَدَا وَارَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي التُّرَابِ، فَأَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. رواه البزار وجود إسناده الحافظ. (٢) وَمما قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ في رثاء رسول الله ﷺ : لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ … عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا … تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ (٣) فتح بيت المقدس: كذلك من أشراط الساعة فتحُ بيت المقدس -كما تقدم في الحديث. وقد وقع ذلك في زمن عمر بن الخطاب ﵁ سنة خمسة عشر (٤). -نسأل الله -جل وعلا-: أن يكرم المسلمين بالعودة إلى دينهم واسترجاع مقدساتهم، وأن يخلِّص المسجد الأقصى من يد العابثين. استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة: كذلك مما أخبر عنه النبي ﷺ في الحديث المتقدم أنه من أشراط الساعة «اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا … » وهذا الفيض تحقق في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁. قال شيخ الإسلام ﵀: ثُمَّ اسْتَفَاضَ الْمَالُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ يُعْطَى مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطُهَا، وَكَثُرَ الْمَالُ حَتَّى كَانَتِ الْفَرَسُ تُشْتَرَى بِوَزْنِهَا ا. هـ (٥) وروى يعقوب بن سفيان -ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة-:

стр. 542

عَنْ عُمَرَ بْنِ أُسيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «إِنَّمَا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا، ثَلَاثِينَ شَهْرًا، لَا وَاللهِ مَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِينَا بِالْمَالِ الْعَظِيمِ، فَيَقُولُونَ: اجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ فِي الْفُقَرَاءِ، فَمَا يَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ يَتَذَكَّرُ مَنْ يَضَعُهُ فِيهِمْ فَلَا يَجِدُهُ فَيَرْجِعُ بِمَالِهِ، قَدْ أَغْنَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّاسَ» (١). قال البيهقي: وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَصْدِيقُ مَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَى الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءُ كَفِّهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يَلْتَمِسُ مَنْ يَقْبَلَهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ» (٢) ا. هـ (٣) ونقل الحافظ في الفتح كلام البيهقي ورجحه (٤). وأما ما ورد في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي» (٥). فقال أبو عبد الله القرطبي ﵀: «هذا مما لم يقع» (٦). ويحمل حديث أبي هريرة ﷺ وما ورد في معناه من الأحاديث (٧)، بأن ذلك يكون في زمن كثرة المال وفيضه قرب قيام الساعة (٨). ومن ذلك ما يكون عند نزول عيسى بن مريم ﵍ كما سيأتي.

стр. 543

وقال الحافظ في الفتح: قَوْلُهُ: «وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ … » التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ «فِيكُمُ» يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا وَقَعَ مِنَ الْفُتُوحِ وَاقْتِسَامِهِمْ أَمْوَالَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ «فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ … » إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ … وَيَكُونُ قَوْلُهُ: « … وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي به» إِشَارَةً إِلَى مَا سَيَقَعُ فِي زمن عِيسَى بن مَرْيَمَ فَيَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: الْأُولَى إِلَى كَثْرَةِ الْمَالِ فَقَطْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِيهِ «يَكْثُرَ فِيكُمُ» … الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ الْإِشَارَةُ إِلَى فَيْضِهِ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ أَنْ يَحْصُلَ اسْتِغْنَاءُ كُلِّ أَحَدٍ عَنْ أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَأَوَّلِ عَصْرِ مَنْ بَعْدَهُمْ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: «يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ … » وَذَلِكَ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى فَيْضِهِ وَحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى يَهْتَمَّ صَاحِبُ الْمَالِ بِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَيَزْدَادُ بِأَنَّهُ يَعْرِضُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ فَيَأْبَى أَخْذَهُ فَيَقُولُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ وَهَذَا فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَخِيرُ [عند] خُرُوجِ النَّارِ وَاشْتِغَالَ النَّاسِ بِأَمْرِ الْحَشْرِ فَلَا يَلْتَفِتُ أَحَدٌ حِينَئِذٍ إِلَى الْمَالِ بَلْ يَقْصِدُ أَنْ يَتَخَفَّفَ مَا اسْتَطَاعَ ا. هـ (١) وهذا الاحتمال الأخير قال عنه الحافظ قبل ذلك: وَهَذَا أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَات وَهُوَ الْمُنَاسب لِصَنِيعِ الْبُخَارِيِّ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ا. هـ (٢) الفتن بين يدي الساعة: كذلك أخبر النبي ﷺ أنَّ بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم حيث قال ﷺ : «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا، أَوْ

стр. 544

يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (١). وقال ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ: وَهُوَ القَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ - يَعْنِي آمَنُوا - أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» (٢) ففي هذا الحديث جملة من الأشراط ومنها الكبرى. افتراق الأمة ومن الفتن العظيمة التي أخبر عنها نبينا ﷺ افتراق هذه الأمة وورد في ذلك أحاديث منها: (١) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٣)

стр. 545

(٢) حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِينَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم (١) (٣) وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ» رواه ابن ماجه (٢). (٤) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ: الْجَمَاعَةُ» رواه ابن ماجه وأحمد (٣). (٥) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بني إسرائيل حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بني إسرائيل تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» رواه الترمذي والحاكم (٤).

стр. 546

قال شيخ الإسلام ﵀: من قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة ا. هـ (١) وقد تقدم معنا ذكر أحاديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة (٢)، وهي الفرقة الباقية على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فالواجب على المسلم أن يستمسك بالكتاب والسنة وأن يلزم غرز السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان. قال العلامة الألباني ﵀: وإنّ مما يجب أنْ يعلم أن التمسك بما كانوا عليه -أي السلف- هو الضمان الوحيد للمسلم ألا يضل يميناً وشمالاً، وهو مما يغفل عنه كثير من الأحزاب الإسلامية اليوم، فضلاً عن الفرق الضالة ا. هـ (٣)

стр. 547

اتباع اليهود والنصارى والمشركين: وأخبر ﷺ باتباع هذه الأمة لسنن اليهود والنصارى -كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم-، وفي معناه أحاديث أخرى منها: (١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» متفق عليه (١). (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» رواه البخاري (٢) وفي رواية لأحمد: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا فَبَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: «فَمَهْ» (٣) (٣) وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» رواه مسلم (٤). ورواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم وزاد: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ

стр. 548

السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (١) (٤) وعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ [وفي رواية: وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَكَانُوا أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ] (٢)، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. [وفي رواية: وَقَدْ كَانَتْ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْعَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالُ لَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ عَامٍ، فَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، ويُرِيحُونَ تَحْتَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا، (٣) فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ] (٤)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ

стр. 549

لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». [وفي رواية (١) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٢) (٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعًا بِبَاعٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ مَعَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ: «فَمَنْ إِذًا» رواه ابن ماجه وأحمد (٣) (٦) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» رواه أحمد (٤) (٧) وَعن شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» رواه أحمد (٥) (٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «أَنْتُمْ أَشْبَهُ النَّاسِ سَمْتًا وَهَدْيًا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَالنَّعْلِ بِالنَّعْلِ [حتَّى لَا يَكُونُ فِيهِمْ شَيْءٌ إِلَّا كَانَ فِيكُمْ مِثْلُهُ»]» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» رواه ابن أبي شيبة والمروزي السنة (٦)

стр. 550

(٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ ضَاجَعَ أُمَّهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمْ» رواه البزار (١) والحديث عن أشراط الساعة الصغرى طويلٌ جدًّا، وليس القصد من هذا المجلس هو ذكر هذه العلامات، وإنما هو الإشارة إلى أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمانَ بأشراط الساعة الصغرى والأشراط الكبرى وما يتعلق بهما، ويمكن للمسلم أن يراجع ما يتعلق بهذا الباب في كتب أهل العلم المطولة؛ فإنه أيضًا كما ذكرنا باب عظيم النفع، وفيه أيضًا تسلية للمؤمن وزيادة لإيمانه، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 551

JIH الإيمان بحياة البرزخ ونعيم القبر وعذابه

стр. 552

F e المجلس الثالث والعشرون (١) حياة البرزخ: ومما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر، -كما تقدم- أيضا، الإيمان بحياة البرزخ، ثم الإيمانَ بالبعث والجزاء والنشور وما يكون في يوم القيامة. وحياة البرزخ حياة غيبية جاء ذكرها وبيانها في كتاب الله وفي سنة رسول ﷺ ، ولا يتم الإيمان باليوم الآخر إلا بأن يؤمن الإنسان بهذا الغيب الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ وهو عالم البرزخ. حياة البرزخ القيامة الصغرى: ويُسمِّيه بعضُ العلماء بالقيامة الصغرى؛ فإن الموت يُسمَّى بالقيامة، ويُسمَّى بالساعة، وقد جاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: كان رجالٌ من الأعراب جفاةٌ يأتون النبي ﷺ فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم، فيقول ﵊: «إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» (٢). قال الحافظ ابن كثير ﵀: وَالْمُرَادُ: انْخِرَامُ قَرْنِهِمْ، وَدُخُولُهُمْ فِي عَالَمِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ. وَهَذَا الْكَلَامُ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَقَدْ يَقُولُ هَذَا بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ، وَيُشِيرُونَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالْبَاطِلِ ا. هـ (٣) وقال الإمام ابن القيم ﵀: الْمَوْت معادٌ وَبعثٌ أولُ، فَإِنْ الله جعل لِابْنِ آدم معادين وبعثين يجزى فيهمَا الَّذين أساءوا بِمَا عمِلُوا ويجزى الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى،

стр. 553

فالبعث الأول مُفَارقَة الرّوح للبدن ومصيرها إِلَى دَار الْجَزَاء الأول؛ والبعث الثاني: يَوْم يرد الله الْأَرْوَاح إِلَى أجسادها ويبعثها من قبورها إِلَى الْجنَّة أَوْ النَّار وَهُوَ الْحَشْر الثاني وَلِهَذَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح وتؤمن بِالْبَعْثِ الآخر فَإِنْ الْبَعْث الأول لَا يُنكره أحد وَإِنْ أنكر كثير من النَّاس الْجَزَاء فِيهِ وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب وَقد ذكر الله هَاتين القيامتين وهما الصُّغْرَى والكبرى فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ وَسورَة الْوَاقِعَة وَسورَة الْقِيَامَة وَسورَة المطففين وَسورَة الْفجْر وَغَيرهَا من السُّور … إلخ (١). وتقدم ذكر هذه المسألة تحت مبحث: "من مات قامت قيامته (٢) " تعريف البرزخ: والبرزخ في كلام العرب معناه الحاجز بين الشيئين. قال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان: ٥٣]. فقوله: ﴿بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزًا. والبرزخُ في الشرع: الدارُ التي تعقب الموت إلى البعث منذ أن يموت الإنسان وإلى أن يبعثه الله فإنه يعيش في عالم البرزخ ما بين الموت والبعث. الدور ثلاثة: ولهذا يقول العلماء: الدور ثلاثة: • دار الدنيا، • ودار البرزخ، • والدار الآخرة. ودار البرزخ هي دار بين الموت والبعث، يموت الإنسان فينتقل إلى قبره، فيعيش حياة برزخية اللهُ أعلم بها. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون].

стр. 554

الموت بيد الله: يقول الله -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] الموتُ حتم لازم على كل حي: قال ربُّنا -جل وعلا-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص] وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن] وقال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران] وربُّنا يخاطب نبيَّه ﷺ ، فيقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر] وقال لنبيِّه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء]. وكان من دعاء النبي ﷺ : «اللهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (١). والموت له أجلٌ محدَّدٌ: قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] وجاء في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أن أم حبيبة ﵂ دعت فقالت: اللهم متِّعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية (تقصد أن يطال في أعمارهم) فقال النبي ﷺ : «إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا

стр. 555

يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ وَعَذَابٍ في الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ» (١). ولا يعلم أحدٌ متى يموت إلا اللهُ: لا يعلم أحدٌ متى يموت إلا اللهُ فهو من مفاتح الغيب التي اختصَّ اللهُ بها كما في قوله تعالى في خاتمة سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان]. فهذه الخمسة: أمورٌ سمَّاها النبي ﷺ بمفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله (٢). ولا يعلم أحدٌ أين يموت إلا اللهُ: وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال «إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً، أَوْ قَالَ: بِهَا حَاجَةً» (٣) للموت سكرات: والموت له مُقدِّمات وله سكرات يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق] والسكرة: الألم وما يصاب به الإنسان في ذلك الحين. وحين مرض نبينا ﷺ مرضه الأخير كان يقول: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» (٤). وتقول عائشة ﵂ في مرض رسول الله ﷺ : "ما رأيتُ أحدًا أشدَّ عليه الوجع من رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 556

وقد دخلت عائشة ﵂ على أبيها أبي بكر الصديق ﵁ في مرض موته، فلما ثقل عليه تمثلت بقول حاتم الطائي: لَعَمْرُكَ ما يُغني الثراءُ عَنِ الفتى إذا حَشْرَجَتْ يومًا وضاقَ بها الصَّدْرُ فسمعها الصديق ﵁ فكشف عن وجهه، وقال: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق: ١٩] (١). قال رب ارجعون ويعاين الإنسانُ في تلك اللحظات ما كان يخفى عليه من قبل، فيشاهد أمورًا كان يحيد عنها، وفي ذلك الوقت يتمنى المفرِّطُون العودةَ لتدارك ما فاتهم. ولكن أينفع ذلك؟! أيجابون إلى ذلك؟! يقول ربنا -مبينا حقيقة الحال-: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون] فيخبر الله -جل وعلا- أنَّ تلك الساعة يعاين فيها الناس الحقيقة، فيتمنَّوْنَ العودة، ليعملوا عملًا صالحًا؛ ولهذا يقول ربنا في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ

стр. 557

اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء] ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: يتوبون قبل أن تغرغر الروح في الجسد كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١) والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ فيريد أن يرجع ليكون من المتصدقين، يريد أن يرجع ليكون من عباد الله الصالحين مصليًا صائمًا بارًّا بوالديه قائمًا بفرائض الله سبحانه. ولكن الله يقول: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون]. حياة البرزخ روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار: وفي البرزخ يكون العذاب أو النعيم، النعيمُ لأولياء الله من المؤمنين الصالحين، والعذابُ لمن كفر أو أشرك وكذلك لبعض عصاة المسلمين. فحياةُ البرزخ إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، -نسأل الله السلامة والعافية-. وفي صحيح ابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ فِي قَبْرِهِ لَفِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه] أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ (تِسْعُونَ) (٢) حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعُ رُءُوسٍ يِلْسَعُونَهُ، وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣)

стр. 558

حديث البراء بن عازب في أحوال الانتقال من الدنيا إلى الآخرة: وسنقف الآن مع حديث البراء بن عازب الذي قصَّ علينا فيه النبيُّ ﷺ ما يقع للإنسان عند موته في رحلة عظيمة تستقبل الإنسان. -نسأل الله -جل وعلا- أن يثبتنا على دينه وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان- وسأذكره بسياق الإمام أحمد في مسنده (١) مع الزيادات التي نبه عليها العلامة الألباني في أحكام الجنائز -وربما ذكرت غيرها وأشرت إليها-: يقول البراء بن عازب ﵄: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ] (٢) وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ (٣)، [فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ وَيَخْفِضُهُ ثَلَاثًا] (٤) [وَيَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ] (٥) فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، [ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»] (٦) [ثلاثاً] (٧)، ثُمَّ قَالَ ﷺ :

стр. 559

«إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، ﵍، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ [وفي رواية: الْمُطْمَئِنَّةُ] (١)، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ». قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا»، [وفي رواية: «حَتَّى إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ، صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللهَ: أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ»] (٢)، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ (٣)

стр. 560

[فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١]] (١)، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» قَالَ: «فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، [﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فَيُكْتَبُ كِتَابُهُ فِي عِلِّيِّينَ ثُمَّ يُقَالُ] (٢): أَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ [وفي رواية: إلى التُّرَابِ] (٣)، فَإِنِّي [وَعَدْتُهُمْ أَنِّي] (٤) مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى»، قال:

стр. 561

فـ[يُرَدُّ إِلَى الْأَرْضِ وَ] (١) تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، [قال: فَإِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ، إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ] (٢) [مُدْبِرِينَ] (٣)، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ [شَدِيدَا الِانْتِهَارِ] (٤) فَـ[يَنْتَهِرَانِهِ، وَ] (٥) يُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ (٦)، [فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ،

стр. 562

وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ (١)، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ». قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ». قَالَ: " وَيَأْتِيهِ [وفي رواية: وَيُمَثَّلُ لَهُ] (٢) رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، [أَبْشِرْ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ، أَبْشِرْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَجَنَّاتٍ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ] (٣) [أَبْشِرْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ] (٤) هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، [وَالْأَمْرُ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ] (٥) فَيَقُولُ لَهُ: [وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ] (٦) مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، [وفي رواية: يُبَشِّرُ بِالخَيْرِ] (٧) فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ [فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا كُنْتَ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا] (٨)،

стр. 563

[فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا] (١) [ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَبَابٌ مِنَ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ عَصَيْتَ اللهَ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ هَذَا، فَإِذَا رَأَى مَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ] (٢) فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي ". [فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ] (٣). قال ﷺ : «وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ [وفي رواية: الفَاجِر] (٤) إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ [غِلَاظٌ شِدَادٌ] (٥) سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ [وفي رواية: أَكْفَانُ] (٦)، [مِنَ النَّار] (٧) [وفي رواية: مَعَهُمْ سَرَابِيلٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَثِيَابٌ مِنَ نَارٍ] (٨)، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ». قَالَ: «فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (٩) [الْكَثِيرُ الشِّعْبِ] (١٠) مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، [فَتُقْطَعُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصْبُ] (١١)، [فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ

стр. 564

فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ، إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللهَ: أَنْ لَا تَعْرُجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ] (١) فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟، فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ "، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ : «اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، [ثُمَّ يُقَالُ: أَعِيدُوا عَبْدِي إِلَى الْأَرْضِ] (٢) [فَإِنِّي وَعَدْتُهُمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى] (٣)، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ [مِنَ السَّمَاءِ] (٤) طَرْحًا» [حَتَّى تَقَعَ فِي جَسَدِهِ] (٥). ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١] فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، [قال: فَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ، إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ] (٦)؛ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، [شَدِيدَا الِانْتِهَارِ، فَيَنْتَهِرَانِهِ، وَ] (٧) يُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لَا

стр. 565

أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: [فَمَا تَقُولُ فِي] (١) هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ [فَلَا يَهْتَدِيْ لاسْمِهِ، فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ!] (٢) فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لَا أَدْرِي، [سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَاكَ! قَالَ: فَيُقَالُ:] (٣)، [لَا دَرَيْتَ] (٤) [وَلَا تَلَوتَ] (٥) فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ [عَلَيَّ] (٦) [عَبْدِي] (٧)، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ [وفي رواية: وَيُمَثَّلُ لَهُ] (٨) رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: [وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ] (٩) مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ [وفي رواية: يُبَشِّرُ بِالشَّرِّ] (١٠)، فَيَقُولُ: أَنَا
следующие страницы →