← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

F e النفخ في الصور يجب على المؤمن أن يؤمن بالنفخ في الصور؛ لأنه قد جاء ذكره في الكتاب وفي السنة ويكون عند بداية يوم القيامة. وفي الحديث -كما سيأتي- أن الله أوكل بالنفخ في القرن مَلَكًا قد التَقَمَه؛ لينفخ فيه نفختي الصعق والبعث، وعلى إثرها تقوم الساعة. وقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "كذلك يدخل في ذلك الإيمانُ بالصور والنفخ فيه الذي جعله اللهُ سببَ الفزع والصعق والقيام من القبور، وهو القرن الذي وكَّل اللهُ تعالى به إسرافيل كما تقدَّم في ذكر الملائكة، وقد ذكر الله النفخَ فيه في مواضع من كتابه" (١). النفخ في الصور يكون مرتين: وقد أفادت النصوص الشرعية أن النفخ في الصُّور يقع مرتين: فالنفخة الأولى: للإفناء وبها يهلك كلُّ شيء إلا ما شاء الله، وتُسمَّى الراجفة، وتُسمَّى الصيحة. والنفخة الثانية: للإنشاء، وبها يُبعَثُ كلُّ شيء، وتُسمَّى الرادفة. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات]. قال ابن عباس ﵄: "الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الآخِرة" (٢)

стр. 597

وقال الحسن البصري: "هما النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحيي الموتى" (١). وقال قتادة: "هما الصيحتان: أما الأولى فتُمِيت كلَّ شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتُحيي كلَّ شيء بإذن الله" (٢). وهكذا يجد المتأمِّلُ للآيات الأخرى التي ورد فيها النفخ في الصور أنها تذكر نفختين أولى وأخرى، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام] وقال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف] وقال -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل] وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر]، يعني إذا نفخ في الصور. قاله ابن عباس والحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وغيرهم (٣) وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] اختلف فيه العلماء: فذَهَبَ بعضُهم إلى أن النفخ في الصور دلَّت الآيات على أنه ثلاث وليست اثنتين، فقالوا قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هذه واحدة، وقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ هذه الثانية،

стр. 598

وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ هذه الثالثة. وقال بعض أهل العلم هي أربع. والصحيح من أقوال العلماء أنها نفختان (١). وهو اختيار الشيخ العلامة ابن باز ﵀ وتلميذه العلامة ابن عثيمين ﵀. (٢) ولا مانع من أن تكون النفخة الأولى فيها فَزَعٌ يَؤُولُ بالناس بعد ذلك إلى الموت. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]. ويقول النبي ﷺ وقد سُئِلَ عن الصور كما في سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ فقال ﷺ : «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» (٣). وقال ﷺ : « … ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ … » (٤).

стр. 599

الملك الموكل بالنفخ في الصور قد التقمه: وأخبرنا النبي ﷺ أنَّ صاحب الصور الذي وكله الله بالنفخ فيه قد التقمه. قال النبيُّ ﷺ : «كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ التَقَمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ؟!» فقال المسلمون: يا رسول الله، فما نقول؟ فقال: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّهِ رَبِّنَا» (١) وهذا يدُلُّ على قرب قيام الساعة. صاحب النفخ في الصور: قال القرطبي ﵀: وَالْأُمَمُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ إِسْرَافِيلُ ﵍ (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "اشْتُهِرَ أَنَّ صَاحِبَ الصُّورِ إِسْرَافِيلُ ﵍ وَنَقَلَ فِيهِ الْحَلِيمِيُّ الْإِجْمَاعَ" (٣). وقت النفخ في الصور: وقال النبي ﷺ مُبيِّنًا الوقتَ الذي يُنفَخ فيه في الصور: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ … » (٤) إلى آخر الحديث، مدة ما بين النفختين: وجاء عن النبي ﷺ بيانُ الفترة التي تكون بين النفختين، وأنها أربعون، لكن لا ندري أهي أربعون يومًا أم شهرًا أم سنة، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قال: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا قال: أبيت -يعني لا أستطيع أن أجزم بشيء لا

стр. 600

أعلمه عن النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﷺ : «وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ، إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ» (١) النفخة الأولى: أما النفخة الأولى وهي بداية الساعة فيقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لَيَنْفُخَنَّ فِي الصُّورِ، وَالنَّاسُ فِي طُرُقِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، حَتَّى إِنَّ الثَّوْبَ لَيَكُونَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَتَسَاوَمَانِ، فَمَا يُرْسِلُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْفُخَ فِي الصُّورِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس] (٢). وهذا فيه بيان أن النفخة الأولى تكون فجأة، وعليها تقوم الساعة كما جاءت بذلك الأخبار. -وقد أخبر الله في كتابه أن الساعة تكون بغتة-. يقول العلامة الألوسي ﵀: "وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل الأرض، وعبَّر بالإنظار نظرًا إلى ظاهر قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨] أو لأنَّ الصيحة لما كانت لا بُدَّ من وقوعها جُعِلُوا كأنهم منتظروها ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ تقهرهم، وتستولي عليهم، فيهلكون ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم، لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً

стр. 601

وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾ [يوسف] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون أنها لا تأتي" (١). وذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن هذه النفخة يسبقها نفخة الفزع فقال: أَوَّلُ شَيْءٍ يَطْرُقُ أَهْلَ الدُّنْيَا بَعْدَ وُقُوعِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَفْخَةُ الْفَزَعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، فَيُطَوِّلُهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا السَّمَاوَاتِ إِلَّا فَزِعَ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا - أَيْ رَفَعَ صَفْحَةَ عُنُقِهِ وَأَمَالَ الْأُخْرَى -، يَسْتَمِعُ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ الَّذِي قَدْ هَالَ النَّاسَ وَأَزْعَجَهُمْ عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَشُغْلِهِمْ بِهَا، وَوُقُوعُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ … ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْعَقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ فَيَنْفُخُ فِيهِ أُخْرَى فَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ … إلخ (٢) وذكر ﵀ حديث الصور المشهور وفيه أن «أنَّ إسرافيل يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَخَاتٍ؛ الْأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ» وهو حديث ضعيف (٣). النفخة الأولى يتبعها تغيير عام في الكون: والنفخة الأولى يتبعها تغيير عام في الكون كلِّه عُلْوِيِّه وسُفْلِيِّه، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» (٤). يعني ليقرأ هذه السور الثلاث ليرى ما سيكون في ذلك اليوم من عظيم الأمور،

стр. 602

قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير]. تتغير معالم الكون: الشمس، والقمر، والسماء، والنجوم، والجبال، كلُّ ذلك يتغير. وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ يعني: تشقَّقت، ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الإنفطار] وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الإنشقاق] كلُّ ذلك يقع بعد النفخة الأولى في الصُّور. النفخة الأولى يتبعها قبض السماوات والأرض: كذلك جاء عن النبي ﷺ الخبرُ بأن الله حينئذٍ يقبض الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر]. قال ﷺ : «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟!» (١). وهذا والله أعلم يكون بعد النفخة الأولى وهلاك الخلق؛ لأنَّ المقصود إظهارُه هو: انفرادُه تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين وانتساب المنتسبين؛ فقد ذهب كلُّ مَلِكٍ ومُلْكُه، وكلُّ جبار ومتكبر ومُلْكُه، وانقطعت نِسْبتُهم ودعاويهم، وهو مقتضى قوله -جل وعلا-: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟!» ذكر هذا القرطبيُّ ﵀ (٢).

стр. 603

النفخة الأولى يتبعها فناء من في السماوات والأرض: وبعد النفخة الأولى يكون فناء من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر] وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بيان أن هناك من استُثنِي مما يقع له من هذه النفخة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِمَنْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا مَوْتٌ وَمُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِهِمْ وَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِكُلِّ مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ أَطْلَقَ فِي كِتَابِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى آخِذًا بِسَاقِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي هَلْ أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ» (١) … فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَجْزِمْ بِكُلِّ مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَجْزِمَ بِذَلِكَ وَصَارَ هَذَا مِثْلُ الْعِلْمِ بِقُرْبِ السَّاعَةِ وَأَعْيَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَهَذَا الْعِلْمُ لَا يُنَالُ إلَّا بِالْخَبَرِ … ا. هـ (٢) النفخة الثانية نفخة الإحياء والحشر: أما النفخة الثانية فيكون على إثرها قيامُ الناس من القبور. كما قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨] فيترتب على النفخة الثانية قيامُ الناس من قبورهم. ويقول ربنا أيضا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات]

стр. 604

بالساهرة أي: على وجه الأرض. قال ابن كثير ﵀: "أي: فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخِرُون قيامٌ بين يدي الرب ينظرون" (١). النفخة الثانية يتتابع بعدها أهوالُ يوم القيامة: وبعد النفخة الثانية يكون قيام الناس من قبورهم وتتابعُ أهوالُ القيامة. كما جاء في قول النبي ﷺ وهو من تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ … فذكر الحديث وفيه قَالَ: " فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» (٢) إلى آخر ما ورد في الحديث. فدلَّ هذا الحديث على أن من آثار النفخة الثانية تتابعَ أهوال القيامة، نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا من أهل الجنة الآمِنِين في عرصات القيامة.

стр. 605

إخواني: يقول النبي ﷺ : «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ» (١) ويقول: «جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ» (٢) فالمؤمن ينبغي له أن يستعد لهذه الأحداث العظيمة التي تتتابع والتي تكون بغتة، فمن كان في غفلة في هذه الدنيا فعليه أن يراجع نفسه والله المستعان. JIH

стр. 606

الإيمان بالبعث والنشور

стр. 607

F e المجلس الخامس والعشرون (١) الشعبة السابعة من شعب الإيمان: الإيمان بالبعث والنشور الشعبة السابعة من شعب الإيمان شعبة متعلقة بركن الإيمان باليوم الآخر، وهي الإيمان بالبعث والنشور بعد الموت. فهي جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان الستة؛ فلا يصح إيمانٌ إلا بها. حكم منكر البعث والنشور: ومنكرُهُ كافرٌ، والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا كما سيأتي معنا، ومنها: قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥]. يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀: "أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث فلا إيمان له ولا شهادة" (٢). تعريف الإيمان البعث والنشور: يقول البيهقي ﵀: "والإيمان بالبعث هو: أن يؤمن بأن الله تعالى يعيد الرُّفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حية، فيقوم الناس كلهم بأمر الله تعالى أحياءً صغيرُهم وكبيرُهم حتى السقط الذي قد تم خلقه ونفخ فيه الروح، فأما الذي لم يتم خلقه أو لم ينفخ فيه الروح أصلًا فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة والله تعالى أعلم" (٣). ويقول ابن كثير ﵀: "البعث وهو: المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة" (٤)

стр. 608

من أدلة الإيمان بالبعث والنشور الإيمان بالمعاد بيَّنه القرآن وبيَّنته سنةُ النبي العدنان ﵊ وجاءت الدلالة عليه دلالة قاطعة بينة. ولذا فإن أصحاب الإلحاد الذين ينكرون وجود الله ومن ثَمَّ ينكرون البعث والجزاء والنشور، ويرون أنه ليس ثمة يوم آخر هؤلاء كالذي يغطي الشمس بيده، ويريد أن يزيح نور الشمس بيده؛ لأن القرآن الكريم جاءت فيه الأدلة متنوعة للدلالة على هذا الأمر العظيم وهو بعث الناس بعد الموت من قبورهم. الإخبار بوقوع الساعة وقربها: فمن ذلك أن الله أخبر بوقوع يوم القيامة، وهذا الإخبار جاء متنوِّعًا. فمن ذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] وغير ذلك من الأدلة. إذًا هذا النوع الأول وهو إخبار الله سبحانه إخبارًا مؤكَّدًا بأن الساعة آتية، وأنه لا بُدَّ أن يُبعَث الناسُ من قبورهم. القسم من الله تعالى بقيام الساعة ومن أصدق من الله حديثًا: وفي مواضع يقسم الله تعالى على ذلك، كما قال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]. فقولُه سبحانه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللام هنا يُسمِّيها العلماء بلام القسم أي: والله ليجمعنكم الله فهي لام القسم (١). ويقول: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ فهذه أربعة أقسام جوابها: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات].

стр. 609

المواضع التي أمر الله نبيه بالقسم فيها على البعث والمعاد: وتقدم ذكر الثلاث الآيات التي أمر الله فيها نبيَّه ﷺ أن يُقسِمَ على صدق البعث ومجيء البعث يوم القيامة، وهي قوله -جل وعلا-: -وهو الموضع الأول-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. ويقول سبحانه في سورة يونس -وهو الموضع الثاني-: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ يعني البعث والجزاء والنشور، فيقول الله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]. ويقول في سورة التغابن -وهو الموضع الثالث-: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]. فهذه ثلاثة مواضع في القرآن يأمر الله -جل وعلا- فيها نبيَّه ﷺ أن يُقسِمَ على أن البعث حق. المدح للمؤمنين المصدقين بالبعث والنشور: ويأتي في القرآن مَدْحُ المؤمنين الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، مثل قول الله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة]. الذم لمن كذَّب بالمعاد: كما ورد في كتاب الله سبحانه الذمُّ لمن كذَّب بالمعاد والبعث والنشور، يقول سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس]. إخبار الله تعالى بأن القيامة حق: كذلك يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: ٥] فهذا خبرٌ من ربنا ووَعْدٌ صادق وخبر لازم أنَّ يوم القيامة آتٍ لا محالة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء].

стр. 610

الاستدلال بالنشأة الأولى على البعث والمعاد: كذلك إذا تأملنا في كتاب الله نجد أنَّ الله يستدِلُّ بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى. فتأمل قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ [مريم] يعني أنَّ المكذبين يقولون: كيف سنبعث بعد أن متنا؟! فقال الله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم] يعني: إحياؤُك بعد وفاتك أهونُ من خلقك الأول على الله، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف]، وفي أول سورة الحج يقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. يسوق لك الله سبحانه حياتك، وكيف بدأت، ويُذكِّرُك أنه خَلَقَك من عدم، فليست إعادتك بعد موتك بأعظم على الله. ضرب الأمثال على المعاد: ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]. فالقرآن يُبيِّنُ لك ما كان عليه الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان] وقوله: ﴿هَلْ أَتَى﴾ يعني: قد جاء عليه وقتٌ كنت فيه عدما، ولم تكن فيه شيئًا مذكورًا، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان].

стр. 611

وانظر أيضًا إلى قول الله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ فيقول الله مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ [الإسراء]. ويقول: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس]. ويقول -جل وعلا-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. يقول شيخ الإسلام ﵀: "من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظمُ من خلق أمثال بني آدم، والقدرةَ عليه أبلغُ، وأنَّ هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك" (١). ويقول ابن أبي العز ﵀ -شارح الطحاوية-: "أخبر أنَّ الذي أبدع السماوات والأرض، على جلالتهما، وعِظَمِ شأنهما، وكِبَرِ أجسامهما، وسعتِهما، وعجيبِ خلقهما، أقدرُ على أن يحييَ عظامًا قد صارت رميمًا، فيردَّها إلى حالتها الأولى" (٢). إذًا هذه كلُّها أدلة من القرآن متنوعة في بيان أن الله سبحانه قادرٌ على أن يبعث العباد بعد الموت وأنَّ إنكار من أنكر من الكافرين والمكذِّبين إنما هو تَعَامٍ عن الحق وإنكارٌ للفطرة وتكذيبٌ لله ولرسله ﵈. التكذيبُ بالبعث تكذيبٌ بألوهية الله وربوبيته: كذلك يأتي في كتاب الله بيانُ أن من تمام ألوهية الله وربوبيته قدرتَه على تحويل الخلق من حال إلى حال؛ فالتكذيبُ بالبعث والجزاء والنشور هو: تكذيبٌ بألوهية الله وربوبيته. يقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام]. فالإله الحق والرب سبحانه هو القادر على ذلك.

стр. 612

ويقول -جل وعلا-: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس: ٧٨] أي: وضرب لنا هذا المكذِّب بالبعث ﴿مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾. جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ومعه عَظْمٌ يَفُتُّه بين يديه، ويقول يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فنزلت الآيات: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس]. (١)

стр. 613

وهذه الآيات فيها جملة من الدلائل على تحقق البعث والجزاء والنشور، فالله سبحانه احتجَّ بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى؛ إذ كلُّ عاقلٍ يعلم ضرورةً أن من قَدَرَ على هذه قَدَرَ هذه. وأكَّد سبحانه الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر، فقال -جل وعلا-: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس]. فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلِئ بالرطوبة والبرودة!! فهذا ضربٌ للأمثال وتبيينٌ من الله، ثم يأتي التأكيد من الله على ذلك في هذه الآيات: يقول: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾. ثم يؤكِّد اللهُ -جل وعلا- أنَّ فعله ليس بمنزلة غيره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾. [يس] أمثلة حسية رآها الناس لإحياء الموتى: ومن دلائل القرآن على تحقق البعث والجزاء والنشور أنَّ الله أرى الناسَ بعضَ هذه الأمور في هذه الدنيا؛ ليتبين لهم أن الله على كل شيء قدير. ومن هذه الأمثلة: المثال الأول: يقول البيهقي ﵀: "وقد نبَّهَنا اللهُ على إحياء الموتى بما أخبر من إراءة إبراهيم ﵍ إحياء الأموات، وقد نَقَلَتْهُ عامَّةُ أهل الملل" (١). فهذا أمرٌ بيَّنَه اللهُ في القرآن، وتناقلته عامة أهل الملل كما يقول البيهقي ﵀، وذلك في قول الله في قصة إبراهيم ﵍: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ

стр. 614

حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة]. أَخَذَ أربعة من الطير، وقطَّعها ثم أحياها الله ورآها إبراهيمُ ﵍ فهذا مثلٌ حيٌّ شاهده الناس، وعرفته الأمم، وتناقلته الملل أن إبراهيم ﵍ طلب من ربه ذلك، وأن الله أراه إحياء هذه الطيور بعد أن قُطِّعَتْ أجزاءً. المثال الثاني: قال البيهقي: "وبما أخبر به عن: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ". وذلك في قول الله في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أناس فرُّوا من ديارهم وهم ألوف خشيةَ الموت، فأماتهم الله ثم أَمَرَ بإحيائهم، فأحياهم وهذا مما يعرفه بنو إسرائيل. المثال الثالث: ثم قال البيهقي: "وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا" (١). يعني بذلك قولَ الله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. رآها خاويةً على عروشها، فتعجب كيف يكون إحياء الله لها بعد موتها؟! قال الله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة]. ويقول بعض أهل التفسير: إن هذا هو عزير ﵍، (٢) وأن الله سبحانه أماته مائة عام ثم أحياه، فرجع إلى أهله وأبنائه وهو على عمره السابق، فرأوه حيًّا بعد أن كان ميتًا.

стр. 615

المثال الرابع: قال البيهقي: "وبما أخبر به عن عصا موسى ﵍ وقَلْبِه إيَّاها حيةً ثم إعادتها خشبةً ثم جعلها عند محاجة السحرة حيَّةً ثم إعادتِها خشبةً، وقد اشتركت عامةُ أهلِ الملل في نقله" (١). إذًا هذا أيضًا من الأمور التي تدل على تحقق البعث والجزاء والنشور. المثال الخامس: قال البيهقي: "وبما أخبر به من شأن أصحاب الكهف الذين ضرب على آذانهم زيادةً على ثلاثمائة سنة ثم أحياهم؛ ليدل قومهم عندما أعثرهم عليهم على أنَّ ما أنذروا به من البعث بعد الموت حقٌّ لا ريب فيه" (٢). المثال السادس: ومن ذلك ما جعله الله تعالى من آيات عيسى ابن مريم ﵉ من إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى، حيث كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وكان يُحيِي الموتى بإذن الله كما أخبر الله عنه في كتابه الكريم. المثال السابع: وفي سورة البقرة ذكر لنا ربنا أيضًا قصة قتيل بني إسرائيل وقصة ذبح البقرة، وأن الله قال: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة]. وذلك أنه لما قَتَلَ بنو إسرائيل قتيلًا، واتَّهم كُلُّ قبيلٍ القبيلَ الآخر بقتله أَمَرَهُمْ نبيُّهم موسى ﵍ أن يذبحوا بقرة ثم قال: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ يعني: خذوا بعضًا من هذه البقرة واضربوا به الميت فإنَّ الله سبحانه سيُحْيِيه، فكان كما أخبرهم نبيُّهم موسى ﵍ فقام، وشاهده الناس.

стр. 616

المثال الثامن: وفي سورة البقرة مثالٌ آخرُ، وهو في قصة قوم موسى ﵍ حين قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]. ذكر ما اشتملت عليه سورةُ البقرة من المواضع: وقد اشتملت سورةُ البقرة وحدها على خمسة أمثلة حِسِّيَّة تدل على تحقق البعث والنشور ووجوب الإيمان به: الموضع الأول: هو المتقدم في قصة قوم موسى ﵍ حين قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] الموضع الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة، فيضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله. الموضع الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت وهم ألوف فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة]. الموضع الرابع: في قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها المتقدمة. الموضع الخامس: في قصة إبراهيم ﵍: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية. هذه خمس قصص في سورة البقرة، وهي أمثلة حسية واقعية تدل على تحقق البعث بعد الموت وإحياء الموتى. وأنه حقٌّ لا مِرْية فيه.

стр. 617

ضرب المثل على أن البعث حق بإحياء الله الأرض بالنبات: وجاء من الأدلة في كتاب الله أيضًا ضربُه المثل بإحيائه الأرض بالنبات. فإن الله يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت]. إخبار الله آدم ﵍ بالبعث عند إهباطه الأرض: ولما أهبط الله آدم إلى الأرض عرَّفه بالبعث والمعاد، فقال له: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة] وقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة]. اعتراف إبليس بالبعث: وفي قصة إبليس وطرده من رحمة الله -جل وعلا-: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر]. إخبار الأنبياء أقوامهم بالبعث: وإذا تأملنا في قصص الأنبياء سنجد أنه ما من نبي بعثه الله إلا وقد أنذر قومه، وأخبرهم بالبعث والجزاء والنشور ويوم الدين ويوم القيامة. يقول الله في شأن أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. فالكفار كلُّهم يُسأَلُون يوم القيامة، فيقولون: نعم قد جاءنا رسل وأخبرونا عن هذا اليوم العظيم. إخبار نوح ﵍ قومه بالبعث: ونوح ﵍ أخبر قومه ففي قصة نوح أخبر الله تعالى أنه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح]. إخبار هود ﵍ بالبعث: وفي قصة هود ﵍ يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ

стр. 618

مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون]. وهذا يدل على أنه أخبرهم بيوم البعث والجزاء والنشور، فكَذَّبوا ذلك؛ فأخذتهم الصاعقة، وعذَّبهم الله -جل وعلا-. إخبار إبراهيم ﵍ بالبعث: وفي قصة أبي الأنبياء إبراهيم ﵍ أنه دعا لمكة وأهلها، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة] إخبار شعيب ﵍ قومه بالبعث: وفي قصة شعيب ﵍ يخبرنا الله -جل وعلا- أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ [العنكبوت]. إخبار موسى ﵍ بالبعث: وكذلك في قصة موسى ﵍ في مناجاته لله -جل وعلا-: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه]. وهكذا في قصص بقية الأنبياء فما من نبي بعثه الله -جل وعلا- إلا وبَيَّنَ لقومه أن الساعة حق، وأن البعث والنشور بعد الموت حق، وأنَّ من كذَّب ذلك كان من أهل النار. تكذيب العاصي بن وائل بالبعث ونزول القرآن في ذلك: وجاء في صحيح البخاري عن الخباب بن الأرت ﵁ أنه قال: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقُلْتُ: "لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ"، قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ،

стр. 619

فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم] (١). إخبار نبينا ﷺ عن حال أهل القبور وأنهم يبعثون: وأخبرنا النبي ﷺ أنَّ المؤمن في قبره منعَّمٌ حتى يبعثه الله يوم القيامة، وأنَّ الكافر معذَّبٌ حتى يبعثه الله يوم القيامة يقول النبي ﵊: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). مزيد من أدلة السنة على البعث والنشور: ويقول النبي ﷺ كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الله: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ … » (٣) الحديث. وجاء معناه في صحيح البخاري أيضا من حديث ابن عباس ﵄. (٤) أولُ من يبعث نبيُّنا محمد ﷺ -: وأخبرنا النبي ﷺ أنه هو أوَّلَ من يبعث وأول من ينشق عنه القبر ﷺ . ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (٥). وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ» (٦).

стр. 620

وقال ﷺ : «يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ، فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ» (١). يُبعَث الناسُ على نياتهم: وأخبر النبي ﷺ أن الناس إذا بُعِثُوا يُبعَثون على نياتهم، ويُبعَثُون على أعمالهم، فعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» (٢) يعني: فإن ربك لا يظلم أحدًا. وعنها ﵂ أيضا أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ-يعني قد يكون فيهم من ليس منهم-قَالَ: «نَعَمْ، فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» (٣). يُبعَث كلُّ عبد على ما مات عليه من عمل: وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ قال ﷺ : «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (٤). يعني على ما مات عليه من عمل. فاجتهد يا عبد الله في إصلاح عملك؛ لتموت على عمل صالح. ويقول ﷺ : «مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا» (٥) يعني من رباط أو حج أو عمرة أو غير ذلك.

стр. 621

وفي قصة الرجل الذي وقصته الدابة في الحج قال النبي ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (١). وفي سنن أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» (٢) -هكذا أجراه أبو سعيد الخدري ﵁ على ظاهره-، والصحيح أن المراد به العمل كما قال البيهقي وغيره (٣). والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وقال: أَرَادَ بِهِ فِي أَعْمَالِهِ كَقَوْلِهِ -جل وعلا-: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر] يُرِيدُ بِهِ: وَأَعْمَالَكَ فَأَصْلِحْهَا لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، إِذِ الْأَخْبَارُ الْجَمَّةُ تُصَرِّحُ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ بِأَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ا. هـ (٤) وقَالَ الْخَطَّابِيُّ: … وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ طَاهِرُ الثِّيَابِ إِذَا وَصَفُوهُ بِطَهَارَةِ النَّفْسِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ وَدَنَسِ الثِّيَابِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ا. هـ (٥) وقال المنذري: وقد قال كل من وقفت على كلامه من أهل اللغة إن المراد بقوله «يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ» التي قبض فيها أي في أعماله قال الهروي … وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء لأن الميت إنما يكفن بعد الموت انتهى قال المنذري: وفعل أبي سعيد

стр. 622

راوي الحديث يدل على إجرائه على ظاهره وأن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها وفي الصحاح وغيرها أن الناس يبعثون عراة ا. هـ (١) ما تتميز به هذه الأمة عند البعث: وأخبرنا النبي ﷺ أن هذه الأمة تتميز حين يبعث الناس، ففي مسند الإمام أحمد عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ، وَيَكْسُونِي رَبِّي ﵎ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ، فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» (٢)

стр. 623

قوله «عَلَى تَلٍّ» أي: على موضع مرتفع. فهذا من تمييز الله لهذه الأمة التي شرَّفها الله -جل وعلا- وكرَّمها على سائر الخلق. وقال القرطبي: وذهب أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة» ورواه أبو سفيان مسنداً. وهذا الحديث لم أقف عليه. والله أعلم بصحته، وإن صح فيكون معناه فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار والله أعلم ا. هـ (١) من أذكار اليوم والليلة المشتملة على ذكر البعث والنشور: وقد كان من دعاء النبي ﷺ إذا استيقظ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» (٣) وفي رواية: «وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (٤). الأهوال العظيمة عند البعث: كان من دعاء نبينا ﷺ إذا أراد أن ينام وتوسد يمينه: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (٥).

стр. 624

وفي صحيح مسلم عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ» (١). فهذا يبين لنا أنه حين يبعث الله العباد تكون هناك أهوالٌ عظيمةٌ جدًّا، وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى ذِكْرُ بعض هذه الأهوال في مجلس قادم والله أعلم. JIH

стр. 625

الإيمان بالحشر

стр. 626

F e المجلس السادس والعشرون (١) الشعبة الثامنة من شعب الإيمان: الإيمان بالحشر الشعبة الثامنة عَنْوَنَ لها الإمام البيهقي ﵀ بقوله: "الثامن من شعب الإيمان وهو بابٌ في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بين لهم من الأرض، فيقومون ما شاء الله تعالى، فإذا جاء الوقت الذي يريد الله محاسبتهم فيه أَمَرَ بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس فأوتوها، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره، وهؤلاء هم الأشقياء، قال الله تعالى في المطففين: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٤ - ٦] " وقال: "وأخبر أن الناس يكونون يوم القيامة واقفين على أقدامهم، وأبان أنه لا حال لهم يومئذ سوى القيام" (٢). الإيمان بالحشر بعد البعث من الإيمان باليوم الآخر: ذكر البيهقي ﵀ هذه الشعبة مستقلة، وأفردها بالعدد، وهي شعبة: الحشر، وذكر بعدها الشعبة التاسعة، وهي ما يتعلق بذكر الجنة والنار وما بين هاتين الشعبتين سَرَدَ أمورًا كثيرة مما يتعلق بأمور الآخرة وبأمور الموقف وما يكون بعد حشر الناس إلى رب العالمين -جل وعلا- في أرض المحشر من تطاير الصحف والميزان والسوط والحوض والشفاعة، وسنأتي -إن شاء الله تعالى- على ذكر كلٍّ من هذه الأمور بإذن الله تعالى، وكلُّها داخلةٌ في الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان. تعريف الحشر: أصل الحشر الجمع لكنه مع سَوق (٣). ويعرفه العلماء بأنه: " حَشْرُ الْأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَغَيْرُهَا بَعْدَ الْبَعْثِ جَمِيعًا إِلَى الْمَوْقِفِ" (٤).

стр. 627

وقال القاسمي ﵀: "الحشر: اسمٌ يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف" (١). فالحشر متعلق بالبعث، فبعد أن يقوم الناس من قبورهم، ويبعثهم الله -جل وعلا- يأمر الله بهم فيُحشَرُون من قبورهم إلى أرض الموقف للحساب والجزاء ولما سيأتي إن شاء الله تعالى من الأمور التي تظهر في ذلك اليوم العظيم. الآيات الواردة في الحشر: وقد ورد في باب الحشر آياتٌ كثيرةٌ وأحاديثُ عدةٌ يقول -جل وعلا-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة]. ويقول -جل وعلا-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ [الحجر: ٢٥]. ويقول الله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف]. فذكر الله في هذه الآية المباركة أن هنالك أمورًا تتغير يوم القيامة، وهذا من أهوال يوم القيامة أن الجبال تزول، وأن الأرض تكون ظاهرة لا معلمة فيها لأحد كما

стр. 628

سيأتي. ثم يقول -جل وعلا-: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ يعني جميعا ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فلا يتخلف أحدٌ عن أرض المحشر. وقال -جل وعلا-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩] فيأتي الحشر بعد النفخُ في الصور. ويقول سبحانه: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] أي: فإذا هم مجتمعون لدينا قد أُحضِرُوا فأُشهِدوا موقفَ العرض والحساب، ولم يتخلَّف عنه منهم أحدٌ. ويقول ربُّنا: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الملك: ٢٤] أهمية التذكير بالحشر: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال الطبري: "فمجازيكم هو بأعمالكم، المحسنُ منكم بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومُوَفٍّ كلَّ نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون" (١). وقال ابن عاشور ﵀: الْأَمْرُ فِي اعْلَمُوا لِلتَّذْكِيرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ ا. هـ (٢) وقال أيضاً: لَمَّا أُرِيدَ تَحْقِيقُ الْخَبَرِ افْتُتِحَ بِالْأَمْرِ بِالْعِلْمِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَحْقِيقِ الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ، فَأَفَادَ مُفَادَ إِنَّ ا. هـ (٣) وقال: افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِكَلِمَةِ اعْلَمْ إِيذَانٌ بِالِاهْتِمَامِ بِمَا سَيَقُولُهُ، فَإِنَّ قَوْلَكَ فِي الْخِطَابِ: اعْلَمْ إِنْبَاءٌ بِأَهَمِّيَّةِ مَا سَيُلْقَى لِلْمُخَاطَبِ ا. هـ (٤) وقال: مِنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ أَنْ يُفْتَتَحَ بَعْضُ الْجُمَلِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى خَبَرٍ أَوْ طلب فهم بِاعْلَم أَوْ تَعَلَّمْ لَفْتًا لِذِهْنِ الْمُخَاطَبِ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ غَالِبًا بِغَفْلَةِ الْمُخَاطَبِ عَنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ فَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْمُخْبِرَ أَوِ الطَّالِبَ مَا يُرِيدُ إِلَّا عِلْمَ الْمُخَاطَبِ فَالتَّصْرِيحُ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مَقْصُودٌ لِلِاهْتِمَامِ، … وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ لِأَبِي مَسْعُودٍ

стр. 629

الْأَنْصَارِيِّ ﵁ وَقَدْ رَآهُ يَضْرِبُ عَبْدًا لَهُ «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ: أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ» (١) ا. هـ (٢) الداعي إلى أرض المحشر: كذلك أخبرنا الله أن الناس يسمعون داعيًا يدعوهم إلى أرض المحشر كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه]. قال القاسمي ﵀: " ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ أي: يجيبون الداعي إلى المحشر، فينقلبون من كل صوب إليه ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يعوج له مَدْعُوٌّ، ولا ينحرف عنه. بل يستوون إليه، متبعين لصوته، سائرين بسير" (٣). وقال القرطبي ﵀: "يريد بالداعي إسرافيل ﵍ إذا نفخ في الصور". ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ قال: "الهمس الصوت الخفي قاله مجاهد" (٤) ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢]. قال القرطبي: "الدعاء: النداء إلى المحشر بكلامٍ تَسْمَعُه الخلائق" (٥). وقال -جل وعلا-: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق]. يخرجون إلى أرض المحشر سراعا: ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس]. وينسلون أي: يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر، والنَّسْل نوع من أنواع المشي وهو الإسراع (٦).

стр. 630

فأخبرنا ربنا -جل وعلا- أنهم يحشرون إلى أرض المحشر بهذه الصفة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥٢]. ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ [ق] ﴿سِرَاعًا﴾ سراعًا: جَمْعُ سريع أي: يخرجون من قبورهم إلى أرض المحشر سراعًا. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣] ﴿يُوفِضُونَ﴾ أي: يسرعون، والنُّصُب: جمع نَصْبٍ، وهو الصنم. خشعا أبصارهم سراعا: وقال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر] أي: مسرعين مادِّين أعناقهم. فانظروا كيف يُقبِل الناس إلى المحشر لا اختيار لهم في ذلك، يسمعون الداعي، فيقبلون إلى أرض المحشر كأنهم جراد منتشر!! الملائكة تسوقهم إلى المحشر: ويقول ربنا سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق] أي: مَلَكٌ يسوقها إلى المحشر، ومَلَكٌ يشهد عليها بأعمالها. فهذه إذًا صفةٌ من الصفات التي يأتي الناس بها إلى أرض المحشر، يأتون ومعهم ملائكة، مَلَكٌ يسوق الواحد منهم، ومَلَكٌ يشهد عليه بأعماله لا يتخلف أحد عن أرض المحشر: وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف]. فدلت الآية أنه لا يستطيع أحدٌ أن يتخلف عن أرض المحشر يوم القيامة. فالله سيحشر الأولين والآخرين على كثرتهم، سيحشرهم جميعًا في مكان واحد للجزاء والحساب، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وكلٌّ ينال جزاءه. يأتون أفواجا: ويقول ربنا سبحانه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ].

стр. 631

فدلت هذه الآية أن الناس يأتون يوم القيامة إلى أرض المحشر أفواجًا أي: أُمَمًا، كلُّ أمة مع إمامهم قال القرطبي: "وقيل: زُمَرًا وجماعات" (١). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ [النمل: ٨٣] ﴿فَوْجًا﴾ أي: زمرة وجماعة، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُدفَعون ويُساقُون إلى موضع الحساب ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ [النمل]. فهذه جملةٌ من الآيات الكثيرة المتعلِّقة بهذه المسألة، وقد وَرَدَ الإيمانُ بالحشر كثيرًا في القرآن، وجاء بيانُه في آيات وأدلة عدة. وجوب الإيمان بالحشر: إذًا كلمة الحشر تعني كلَّ ما يحصل من أحداث منذ أن يُبعَث الناس من قبورهم إلى انتهاء أرض الموقف وانفصال الناس إلى الجنة والنار، وكلُّ ذلك مما يجب الإيمان به، ويدخل تحت اسم الحشر. والإيمان بالحشر هو من الإيمان باليوم الآخر، فيجب الإيمان بما يكون يوم القيامة من الحشر والحساب وغيرهما. وهذا كما ذكرنا داخلٌ في الشعبة السادسة، وهي الإيمان باليوم الآخر، وهو أحد أركان الإيمان الستة كما قال النبي ﷺ لجبريل لما سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٢). أثر الإيمان بالحشر: وللإيمانِ بالحشر أثرٌ عظيمٌ على المؤمن؛ فإنه يُورِث عند العبد الخوف مما يكون في ذلك اليوم، فيخشى من الحساب، ويخشى من العذاب، ويدفعه ذلك لفعل الطاعات وترك المنكرات والبُعْد عن عصيان ربِّ الأرض والسماوات. من أدلة السنة على الحشر: ومن أدلة السنة: ما جاء في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 632

«إِنَّ لِي أَسْمَاءً، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ» (١). وعلَّق الحافظ ابن حجر على قوله ﷺ : «وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ علَى قَدَمَيَّ»، فقال: "أَيْ عَلَى أَثَرِي أَيْ: إِنَّهُ يُحْشَر قَبْل النَّاس" (٢). وجاء في رواية: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي» (٣) ويُفهَم من تفسير العلماء لهذا الحديث أن النبي ﷺ أوَّلُ من يُحشَر. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) يعني: ثم يتتابع الناس بعد ذلك. وجاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر ويقول: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ - وفي رواية: إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ- حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم قال ﵊: «فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ برِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فأقُولُ: أَصْحَابِي! فيُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]» (٥) وَعَنْ عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (٦). وقوله ﷺ : «حُفَاةً» أي غير منتعلين،

стр. 633

«عُرَاةً» أي: غير لابسين، «غُرْلًا» أي: غير مختونين. فدلَّ هذا الحديث على الصفة التي يُحشَر عليها الناس، فإنهم يُحشَرون «حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، يقفون بين يدي الله. رحلة جابر بن عبد الله ﵄ لسماع حديث القصاص بين الخلائق: وفي المسند عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ﵁، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١) الله أكبر! والله إنه لموقف عظيم، يستدعي من الإنسان في هذه الدنيا أن يُقبِل على الله، وأن يهتم بفرائض الله، وأن يؤدي ما أمره الله به لا سيَّما في هذه الأيام المباركة الفاضلة، ونحن مقبلون على ليلة سبع وعشرين من رمضان، الليلة التي هي أرجى الليالي،

стр. 634

فيا أيها العبد المؤمن تذكر هذا الموقف العظيم الذي يُحشَر فيه الناسُ، ومن هول هذا الموقف لا يهتم امرؤ إلا بنفسه. يُحشَر المؤمنون مكرمين: وبَيَّن اللهُ -جل وعلا- في كتابه أن أهل التقوى يحشرون مكرَّمين، فقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم] قال الطبري ﵀: "يوم نجمع الذين اتقوا في الدنيا فخافوا عقابه، فاجتنبوا لذلك معاصيه، وأدَّوا فرائضه إلى ربهم ﴿وَفْدًا﴾ يعني بالوفد: الركبان" (١). وقال ابن كثير ﵀: "يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه، والوفد: هم القادمون ركبانا" (٢) فهذا من تكريم الله للمتقين. إن الواحد منا إذا كُرِّم في الدنيا أمام وزير أو رئيس أو أمام جماعة من الناس يفرح فرحًا عظيمًا، فكيف بهؤلاء الذين يُكرَّمون أمام الخلائق كلهم، منذ أن خلق الله آدم إلى أن تزول هذه الدنيا؟! يُجمَع كلُّ الخلائق ويكرم أهل التقوى، وغيرهم يحشرون في ذلة ومهانة، كما قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]. صفة حشر المتكبرين: وقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ» (٣) يعني في صور الرجال من جهة وجوههم وهيئتهم لكنهم أمثال الذر في الصغر والحقارة والذل، يغشاهم الذل من كل مكان. نسأل الله السلامة والعافية صفة حشر المجرمين والكافرين: ويقول الله -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه]

стр. 635

قيل: معناه زرق العيون من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر وقيل: أريد بذلك أنهم يحشرون عميا. (١) ويقول مُبيِّنًا حال من أعرض عن ذكره: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤] أي: أعمى البصر؛ ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] (٢). ويقول ربنا -جل وعلا- في آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] فيأتون على هذه الهيئة من الذل والحقارة؛ كما في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!» (٣) وفي الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» (٤) وقوله: " «يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» الحَدَب: -بفتحتين-: الغليظ المرتفع من الأرض، أي: يجعلون وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن مؤذيات الطرق، وقد غُلت أيديهم وأرجلهم، وذلك لمّا لم يجعلوها ساجدة لخالقها. -نسأل الله السلامة والعافية-.
следующие страницы →