← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فدلت هذه الآية أن الناس يأتون يوم القيامة إلى أرض المحشر أفواجًا أي: أُمَمًا، كلُّ أمة مع إمامهم قال القرطبي: "وقيل: زُمَرًا وجماعات" (١). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ [النمل: ٨٣] ﴿فَوْجًا﴾ أي: زمرة وجماعة، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُدفَعون ويُساقُون إلى موضع الحساب ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ [النمل]. فهذه جملةٌ من الآيات الكثيرة المتعلِّقة بهذه المسألة، وقد وَرَدَ الإيمانُ بالحشر كثيرًا في القرآن، وجاء بيانُه في آيات وأدلة عدة. وجوب الإيمان بالحشر: إذًا كلمة الحشر تعني كلَّ ما يحصل من أحداث منذ أن يُبعَث الناس من قبورهم إلى انتهاء أرض الموقف وانفصال الناس إلى الجنة والنار، وكلُّ ذلك مما يجب الإيمان به، ويدخل تحت اسم الحشر. والإيمان بالحشر هو من الإيمان باليوم الآخر، فيجب الإيمان بما يكون يوم القيامة من الحشر والحساب وغيرهما. وهذا كما ذكرنا داخلٌ في الشعبة السادسة، وهي الإيمان باليوم الآخر، وهو أحد أركان الإيمان الستة كما قال النبي ﷺ لجبريل لما سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٢). أثر الإيمان بالحشر: وللإيمانِ بالحشر أثرٌ عظيمٌ على المؤمن؛ فإنه يُورِث عند العبد الخوف مما يكون في ذلك اليوم، فيخشى من الحساب، ويخشى من العذاب، ويدفعه ذلك لفعل الطاعات وترك المنكرات والبُعْد عن عصيان ربِّ الأرض والسماوات. من أدلة السنة على الحشر: ومن أدلة السنة: ما جاء في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 632

«إِنَّ لِي أَسْمَاءً، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ» (١). وعلَّق الحافظ ابن حجر على قوله ﷺ : «وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ علَى قَدَمَيَّ»، فقال: "أَيْ عَلَى أَثَرِي أَيْ: إِنَّهُ يُحْشَر قَبْل النَّاس" (٢). وجاء في رواية: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي» (٣) ويُفهَم من تفسير العلماء لهذا الحديث أن النبي ﷺ أوَّلُ من يُحشَر. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) يعني: ثم يتتابع الناس بعد ذلك. وجاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر ويقول: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ - وفي رواية: إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ- حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم قال ﵊: «فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ برِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فأقُولُ: أَصْحَابِي! فيُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]» (٥) وَعَنْ عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (٦). وقوله ﷺ : «حُفَاةً» أي غير منتعلين،

стр. 633

«عُرَاةً» أي: غير لابسين، «غُرْلًا» أي: غير مختونين. فدلَّ هذا الحديث على الصفة التي يُحشَر عليها الناس، فإنهم يُحشَرون «حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، يقفون بين يدي الله. رحلة جابر بن عبد الله ﵄ لسماع حديث القصاص بين الخلائق: وفي المسند عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ﵁، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١) الله أكبر! والله إنه لموقف عظيم، يستدعي من الإنسان في هذه الدنيا أن يُقبِل على الله، وأن يهتم بفرائض الله، وأن يؤدي ما أمره الله به لا سيَّما في هذه الأيام المباركة الفاضلة، ونحن مقبلون على ليلة سبع وعشرين من رمضان، الليلة التي هي أرجى الليالي،

стр. 634

فيا أيها العبد المؤمن تذكر هذا الموقف العظيم الذي يُحشَر فيه الناسُ، ومن هول هذا الموقف لا يهتم امرؤ إلا بنفسه. يُحشَر المؤمنون مكرمين: وبَيَّن اللهُ -جل وعلا- في كتابه أن أهل التقوى يحشرون مكرَّمين، فقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم] قال الطبري ﵀: "يوم نجمع الذين اتقوا في الدنيا فخافوا عقابه، فاجتنبوا لذلك معاصيه، وأدَّوا فرائضه إلى ربهم ﴿وَفْدًا﴾ يعني بالوفد: الركبان" (١). وقال ابن كثير ﵀: "يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه، والوفد: هم القادمون ركبانا" (٢) فهذا من تكريم الله للمتقين. إن الواحد منا إذا كُرِّم في الدنيا أمام وزير أو رئيس أو أمام جماعة من الناس يفرح فرحًا عظيمًا، فكيف بهؤلاء الذين يُكرَّمون أمام الخلائق كلهم، منذ أن خلق الله آدم إلى أن تزول هذه الدنيا؟! يُجمَع كلُّ الخلائق ويكرم أهل التقوى، وغيرهم يحشرون في ذلة ومهانة، كما قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]. صفة حشر المتكبرين: وقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ» (٣) يعني في صور الرجال من جهة وجوههم وهيئتهم لكنهم أمثال الذر في الصغر والحقارة والذل، يغشاهم الذل من كل مكان. نسأل الله السلامة والعافية صفة حشر المجرمين والكافرين: ويقول الله -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه]

стр. 635

قيل: معناه زرق العيون من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر وقيل: أريد بذلك أنهم يحشرون عميا. (١) ويقول مُبيِّنًا حال من أعرض عن ذكره: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤] أي: أعمى البصر؛ ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] (٢). ويقول ربنا -جل وعلا- في آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] فيأتون على هذه الهيئة من الذل والحقارة؛ كما في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!» (٣) وفي الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» (٤) وقوله: " «يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» الحَدَب: -بفتحتين-: الغليظ المرتفع من الأرض، أي: يجعلون وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن مؤذيات الطرق، وقد غُلت أيديهم وأرجلهم، وذلك لمّا لم يجعلوها ساجدة لخالقها. -نسأل الله السلامة والعافية-.

стр. 636

طرائق حشر الناس يوم القيامة: وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْبَهْزِيِّ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : إِنِّي حَلَفْتُ هَكَذَا وَنَشَرَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا الَّذِي بَعَثَكَ اللهُ بِهِ؟ قال: «بَعَثَنِي اللهُ بِالْإِسْلَامِ» إلى أن قال النبي ﷺ له: «هَاهُنَا تُحْشَرُونَ. هَاهُنَا تُحْشَرُونَ. هَاهُنَا تُحْشَرُونَ.، ثَلَاثًا، رُكْبَانًا وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِكُمْ» وفي رواية: « … وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ» ثم قال «تُوفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ … » (١) الحديث. فبَيَّن النبي ﷺ أن الناس يحشرون يوم القيامة على طرائق، فمنهم من يحشر مكرمًا، ومنهم من يحشر على هيئة الذل والمهانة، نسأل الله -جل وعلا- السلامة. وفي الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!» (٢) ويقول في بيان حال المشركين: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ [يونس]. يقول الطبري ﵀: " يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعًا ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ حينئذ ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ بالله الآلهة والأنداد ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي: امكثوا مكانكم وقفوا في موضعكم ﴿أَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ يقول: ففرَّقْنا بين المشركين بالله وما أشركوه به" (٣) وهنا يبدأ كلُّ واحد يتبرأ من الآخر، ويُكذِّب الآخر.

стр. 637

آخر من يحشر: وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ-يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ-وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحوشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا» (١). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله: «فيجدانها وحوشًا» أو يجدانها ذات وحوش أو يجدان أهلها قد صاروا وحوشًا، وهذا على أن الرواية بفتح الواو أي: يجدانها خالية وفي رواية مسلم: «فيجدانها وَحْشًا» أي: خالية ليس بها أحد، والوَحْش من الأرض: الخلاء" (٢). صفة أرض المحشر: جاء في الصحيحين بيانُ صفة الأرض التي يحشر الناس عليها، قال النبي ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ» (٣). قوله: «عَفْرَاءَ»: قال الخطابي: العفر: بياض ليس بالناصع" (٤) وقال عياض: "العفر: بياض يضرب إلى حمرة قليلًا" (٥)، وقوله: «كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» أي: "الدقيق النَّقِي من القشر والنخالة. قاله الخطابي (٦). وقوله: «لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ» أي: ليس بها علامة سكنى، أو بناء، ولا أثر. وفي الحديث: إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمحلّت، وأُعدمت، وأن أرض الموقف تجددت وأنها أكبر من هذه الأرض الموجودة جدّاً. قيل: والحكمة في صفة الأرض المذكورة

стр. 638

أن ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حقّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهراً عن عمل المعصية والظلم، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصاً له وحده، قاله أبو بكر ابن أبي جمرة (١) ﵀ (٢). مكان الناس عند الحشر: وسألت عائشة ﵂ رسولَ الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فقالت: فأين يكون الناس يومئذ؟ يا رسول الله. فقال: «عَلَى الصِّرَاطِ» (٣). حشر الدواب ودلت الأدلة أن الدواب تُحشَر مع الخلائق أيضًا يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير] يعني جمعت بعد أن ماتت. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام]. فتحشر الأمم كلها من الدواب والطير، فيُنْصَف بعضُهم من بعض حتى إنه يؤخذ للجماء من القرناء. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٤) الشاة الجلحاء والجماء: التي ليس لها قرن. فإذا ظلمت في الدنيا من ذات القرن يؤتى بها يوم القيامة فيقاد لها.

стр. 639

وهذا تصريحٌ بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتِها كما يُعاد أهلُ التكليف، وكما يعاد الأطفالُ والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة. يجمع الله الخلائق في صعيد واحد: وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى] ففي يوم القيامة «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ» (١) فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق سبحانه. قال الله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية] وقال -جل وعلا-: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [المرسلات]. فيكون مرجع الخلائق إلى الله سبحانه كما قال -جل وعلا-: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة] وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف]. وقال سبحانه: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ [يونس]. وقال -جل وعلا-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة]. فالناس كلهم سيجمعون بين يدي الله -جل وعلا- ويُجازَى كلٌّ بحسب عمله، المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، -نسأل الله العفو والعافية-. JIH

стр. 640

الإيمان بأهوال يوم القيامة

стр. 641

F e المجلس السابع والعشرون (١) بعض الأهوال المتعلقة بأحوال الناس يوم القيامة: ذكرنا أنَّ الحشرَ مبتدؤُه من طلوع الناس من قبورهم إلى نهايةِ الموقف وانقسامِ الناس إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وذلك اليومُ العظيمُ الذي يبدأ من خروج الناس من قبورهم، تتخلَّلُه أحداثٌ عظيمة جاء ذِكْرُها في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ . وفي هذا المجلس سنقف على شيء من هذه الأهوال العظيمة. الأرض تنطق يوم القيامة عند البعث والحشر: جاء في سنن الإمام ابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ أَوْثَبَتْهُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ، فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ، قَبَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَتَقُولُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي» (٢) تنطق الأرض حين إخراج الناس من القبور والبعث والنشور، فتقول: «رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي» فيخرج الناس من قبورهم. يقول ربنا سبحانه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه] فيخرجون للبعث والحساب. وهذا من آيات الله العظيمة كما قال -جل وعلا-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم]. قال القرطبي ﵀: " ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي:

стр. 642

الذي فَعَلَ هذه الأشياء قادرٌ على أن يبعثكم من قبوركم، والمرادُ: سرعةُ وجودِ ذلك من غير توقف ولا تلبُّث، كما يجيب الداعيَ المطاعَ مدعُوُّه" (١). وقال الحافظ ابن كثير: " ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالَفُ ولا يمانَعُ" (٢) كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] وكما قال ربُّنا -جل وعلا-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس]. إذا بُعثِرت القبور يقومون متفرِّقين: يقوم الناسُ من قبورهم ينظرون كالحيارى متفرِّقين، يقول سبحانه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة] يعني: منتشرين متفرِّقين بين ذهاب ومجيء من حيرتهم مما هم فيه. إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقلون مدة الحياة الدنيا: يتساءلون فيما بينهم كما قال الله -جل وعلا-: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون]. هذه الدنيا التي طال زمانها وتعدَّدت سنونها يقولون عنها يوم القيامة: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ يا سبحان الله! فالمدة قصيرة جدًّا ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ويقول ربنا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات] قال ابن كثير ﵀: "أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم" (٣)، و"العشية: ما بين

стр. 643

الزوال إلى الغروب، والضحى: ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، وهذا تحديد بنصف نهار" (١) فهم يستقِلُّون هذه المدة. ويقول في آخر سورة الروم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ سبحان الله: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم] يقولون: ما لبثنا غير ساعة وزمن قصير جدًّا. قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم]. وهذا يدل على عظيم هول يوم القيامة، وأنَّ الناس يدهشون ويصبحون حيارى كالفراش المبثوث، كأنهم جراد منتشر، يقول قائلهم: إن لبثنا إلا يومًا أو بعض يوم، ويقول آخر: إنما هي عشية أو ضحاها، ويقول آخرون: ما لبثنا غير ساعة. والدنيا لو تأملها الإنسان وتفكر فيها فإنها قصيرة لا تساوي شيئا عند ما أعد الله لعباده من النعيم في الآخرة؛ فإنها "ظِلٌّ زَائِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ، وَرُكْنٌ مَائِلٌ وَرَفِيقٌ خَاذِلٌ، وَمَسْئُولٌ بَاخِلٌ، وَغُولٌ غَائِلٌ، وَسُمٌّ قاتل، وكُلُّ وُعُودِهَا غُرُورٌ بَاطِلٌ" (٢) وقال النبي ﷺ : «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (٣) السُّوَر التي صوَّرت يوم القيامة: وقد أرشدنا نبينا ﷺ إلى السور التي صورت موقف القيامة، فقال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» رواه الترمذي من حديث ابن عمر (٤). وهذه السور الثلاث فيها ما يتعلق بتغير كل ما هو حولنا من شمس وقمر وسماء وأرض ونجوم.

стр. 644

تغير السماء: ذكر تغيُّرَ السماء وانفطارَها ومَوَرَانَها، فقال -جل وعلا-: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزمل] منفطر أي: متشقِّق، فالسماء مثقلة بذلك اليوم، متصدِّعة، متشقِّقة. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ [الطور] أي: تضطرب اضطرابًا عظيمًا. وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن]. قال القاسمي ﵀: " أي: انفطرت، فاختلَّ نظامُها العلوي، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ أي: كَلَوْنِ الورد الأحمر ﴿كَالدِّهَانِ﴾ أي: كالدهن الذي هو الزيت" (١) وقال -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ [المعارج] وقال -جل وعلا-: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة] أي: منشقَّة متصدِّعة. فهذه السماء التي حثَّنا الله على النظر إليها؛ إذ هي من آيات الله العظيمة يقول -جل وعلا-: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك] فهذه السماء التي ليس فيها تشقُّقٌ ولا تصدُّعٌ، والتي زيَّنَها الله ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] تتصدَّعُ وتتشقَّقُ وتصبحُ ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الإنشقاق] قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: إذا السماء تصدَّعت وتقطَّعت فكانت أبوابًا، قولُه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ يقول: وسمعت السماوات في تصدعها وتشققها لربها وأطاعت له في أمره إيَّاها، والعربُ تقول: أَذِنَ لك في هذا الأمر إذنًا بمعنى: استمع لك" (٢) ويقول -جل وعلا- في آية أخرى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ [المرسلات] أي: تشقَّقت وتفطَّرت، فهذا من وصف الله للسماء وحالها يوم القيامة،

стр. 645

ويقول -جل وعلا-: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ] ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] قال القرطبي: " ﴿بِالْغَمَامِ﴾ أي: عن الغمام" (١). وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم] فتُبدَّلُ السماوات، وتتشقَّقُ ويُصِيبُها من الأهوال ما جاء في هذه الآيات العظيمة. وسُيِّرت الجبال: أما عن الجبال فإن الله يقول: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ [الحاقة] تُدَكُّ وتزلزل زلزلة واحدة، وترفع عن أماكنها. ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] تَمُرُّ مرَّ السحاب أي: تُزال عن أماكنها، وهذا يكون يوم القيامة. وقال -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ [طه]. وذكر الشنقيطي ﵀ في تفسيره (٢): أن الجبال: • تُنزَع من أماكنها وتُحمَل فتُدَكُّ دكًّا • ثم تسير في الهواء بين السماء والأرض • ثم تُفتَّتُ حتى تصير كالدقيق الملتوت بسمن • ثم تصير كالرمل المتهايل • ثم تكون كالعهن المنفوش • ثم تصير كالهباء المنبث • ثم تصير سرابًا والسراب لا شيء،

стр. 646

وبيَّن أنه ينسفها نسفًا، وذَكَرَ الآياتِ التي تدُلُّ على ذلك من وصف ربنا -جل وعلا- للجبال. فمما ورد من تفتُّتِ الجبال قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة:] بُسَّت أي: فُتِّتَتْ فصارت كالدقيق المبلول. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزمل] والكثيب المهيل: هو ما أشبه الدقيق والسَّويق. وقال -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ [المعارج] والعهن: هو الصوف المصبوغ. يا سبحان الله! هذه الجبال القوية الثابتة، وذاك الصخر الصلب يصبح كالقطن المنفوش! ويقول -جل وعلا-: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة] وفي سورة طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ أي: بساطًا واحدًا، والقاع: هو المستوي من الأرض. وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ] أي: كالسراب يعني أنها تصبح لا شيء. تغير الأرض: وأما عن الأرض فإن الله ذكر ما يحصل فيها من تغير في مواضع شتًّى، فيقول -جل وعلا-: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ [الواقعة] قال ابن كثير: " أي: حُرِّكت تحريكًا فاهتزَّت واضطربت بطولها وعرضها؛ ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ أي: زُلْزِلَت زلزالًا شديدًا" (١). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزمل]

стр. 647

وقال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة] إلى آخر السورة. فقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أي: تحركت من أسفلها ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ تُلقِي ما فيها من الموتى، وتقول كما مر معنا في الحديث: «رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي». ويقول -جل وعلا-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج]. يدُكُّ الله الأرض والجبال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر] تضطرب اضطرابًا عظيمًا ثم يُسوِّيها الله -جل وعلا- وتستوي مع الجبال تنسف الجبال وتستوي الأرض حتى تصبح كبساط واحد كما تقدم معنا في الآيات ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف]. قوله: ﴿بَارِزَةً﴾ قال البغوي ﵀: "أي: ظاهرةً ليس عليها شجر ولا جبل ولا نبات كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه] قال عطاء: هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم فترى باطن الأرض ظاهرًا" (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الإنشقاق]. قال الطبري ﵀: " ﴿مُدَّتْ﴾: بُسِطت فزِيدَ في سعتها" (٢). ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي: ألقت ما في بطونها من الموتى إلى ظهرها، وتخلت منهم إلى الله، فتبسط، وتفرش، وتوسع، وتمد بأمر من الله وتُخرِج ما في بطنها. وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي

стр. 648

هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا» (١) وهذا الحديث ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أي: أَلْقَتْ ما فيها من الأموات ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ يستنكر الإنسان ما يحصل من التغيرات الكونية التي يراها، فيستنكر أمر الأرض بعدما كانت قارَّةً، ساكنةً، ثابتةً، وهو مستقِرٌّ عليها، -فاللهم رحماك يا رب، رحماك يا رب-. وأخبرنا النبي ﷺ عمَّا يقع من تبدُّلِ الأرض. قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» (٢). -وقد تقدم معنا في الدرس الماضي-، قال النبي ﷺ : «لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ» يعني ليس فيها علامة سُكْنى ولا بناء ولا أثر ولا شجر ولا حجر ولا غير ذلك. تغير البحار: وأما ما جاء في شأن البحار يوم القيامة فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أي: فُتِحَ بعضُها إلى بعض، فتزول الحواجز التي بينها بسبب اضطراب الأرض وارتجافها وزلزلتها، فتصبح البحار كلها بحرًا واحدًا ثم تشتعل. كما قال -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير] وقال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور] وقد ذكر غير واحد من أهل التفسير أنها توقد، فتصير على عظمها نارًا تتوقد، -نسأل الله السلامة والعافية-. تغير الشمس والقمر والنجوم: وأما ما جاء في الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير] ويقول -جل وعلا-: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة]

стр. 649

ويقول النبي ﷺ كما في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). والمقصود بالتكوير: أنها تُزال عن أماكنها، وتُلقى عن فلكها، ويُمحى ضوؤُها. وقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قال الحافظ ابن جرير ﵀: "وجمع بين الشمس والقمر في ذهاب الضوء؛ فلا ضوء لواحد منهما" (٢). ثم تَقْرُب الشمس من رؤوس الخلائق كما قال النبي ﷺ «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ» إلى آخر الحديث، خرجه مسلم من حديث المقداد بن أسود ﵁ (٣). ويقول -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة] ويقول -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ [المرسلات] أي: طمسها بذهاب ضيائها، فليس لها نور، وليس لها ضوء، وكذلك القمر لا نور له ثم تتساقط النجوم والكواكب. كما أخبر الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير]. وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الإنفطار]. كُرَب يوم القيامة: هذه كلها أهوال عظيمة تقع يوم القيامة؛ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] وهي كُرَبٌ عظيمة؛ ولهذا سمَّى النبيُّ ﷺ ما يقع في ذلك اليوم بالكرب، قال ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٤). ففي يوم القيامة كُرَبٌ عظيمة: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ … فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى

стр. 650

كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» (١). يوم القيامة تَذْهَلُ كُلُّ مرضعة عمَّا أرضعت: وتأملوا قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. المرضعة التي فُطِرت على حب ولدها، والإحسان إليه، يقول الله فيها: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾. وذلك من شدة الفزع والهول! ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ أي: تحسبهم أيها الرائي لهم سكارى من الخمر وليسوا سكارى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج] إنه الهول الذي أذهب عقولهم، وأفزع قلوبهم، وملأها ذعرًا، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار. يوم القيامة يشيب الولدان: وفي ذلك اليوم لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئًا، بل يقول ربنا -جل وعلا-: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل]. هؤلاء الوِلْدان الذين ما عملوا في الدنيا شيئًا يأتون يوم القيامة شيبًا!! تشيب رؤوسهم وهم صغار!! فما أعظمه من هول! الوليد الذي لم يرتكب جُرْمًا يشيب شعر رأسه؛ لشدة ما يرى من أهوال في ذلك اليوم ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزمل]. تشخص أبصار الظلمة في ذلك اليوم: وتشخص أبصار الظلمة في ذلك اليوم -أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال وما أزعجها من القلاقل- قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم]. ومُهْطِعِينَ أَيْ: مُسْرِعِينَ، ومُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ: أي

стр. 651

رَافِعِي رُءُوسِهِمْ. وأَبْصَارُهُمْ طَائِرَةٌ شَاخِصَةٌ، لِكَثْرَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْمَخَافَةِ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ أَيْ: خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ لِكَثْرَةِ الْوَجِلِ وَالْخَوْفِ. قلوب واجفة وأبصار خاشعة: ويقع الرعب والفزع، فيصيب العباد أجمع، وتبلغ القلوب الحناجر كما قال الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ ترتفع وبقية الأفئدة هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر شاخصة أبصارهم ﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ [النازعات] واجفة أي: منزعجة من شدة ما ترى وتسمع، والأبصار ذليلة حقيرة، قد مَلَكَ قلوبهم الخوفُ، وأذهل أفئدتَهم الفزعُ، إنه ذلكم اليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار. كما قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور] يعني لشدة الهول في ذلك اليوم، في ذلك اليوم الأبصار تكون كما ذكرنا خاشعة ذليلة ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ وفي آية أخرى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] وقال: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٩٧].

стр. 652

أسمع بهم وأبصر: وفي ذلك اليوم يقول ربنا: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ [مريم]. فيخبر سبحانه عن الكفار يوم القيامة أنهم يكونون أسمع شيء وأبصره. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] لكن في وقت لا ينفع فيه ولا يجدي فيه السمع والبصر، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعًا لهم ومنقذًا لهم من عذاب الله ولهذا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا يعني يوم القيامة، يشاهدون النار ويعاينون الحق، فيؤمنون، ولكن لا ينفع ذلك الإيمان، ولا ينفع الندم، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم، نسأل الله السلامة والعافية. تتقطع الأنساب: وفي ذلك يوم تتقطع فيه الأنساب بين الناس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] لا ينفع الإنسان يومئذ الأنساب، ولا يرثي والدٌ لولده ولا يلوي عليه. لا يسأل حميم حميمًا: بل قال الله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج] أي: لا يسأل القريبُ قريبَه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما أثقل ظهره وهو أعزُّ الناس عليه في الدنيا، لا يلتفت إليه، ولا يحمل عنه وزن جناح بعوضة من عمله.

стр. 653

يفر المرء من أقرب الناس إليه: يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [المعارج] فليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس، يبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] سبحان الله! فلنتفكَّرْ في عظيم هول هذا اليوم الذي يفر فيه كلُّ واحد من الآخر! وفي تفسير الحافظ ابن كثير ﵀: عَنْ عِكْرِمَةَ ﵀ قَالَ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. ثم قرأ الآيات. وقال: وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي (١). قال: حتى إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي (٢) ا. هـ (٣)

стр. 654

كل نفس بما كسبت رهينة: وقال الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨] أي: مرتهنة فينشغل الإنسان بنفسه ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ [الممتحنة: ٣] ويقول الله: ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ أي الأحباء المتوادُّون في الدنيا: ﴿يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧] قال الله عقب ذلك مباشرة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨] وهذا خطاب لأهل الإيمان. وكان النبي ﷺ يقول لقومه: «يا بَنِي عبدِ مَنافٍ، اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، يا أُمَّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوّامِ عَمَّةَ رَسولِ اللَّهِ، يا فاطِمَةُ بنْتَ مُحَمَّدٍ، اشْتَرِيا أنْفُسَكُما مِنَ اللَّهِ لا أمْلِكُ لَكُما مِنَ اللَّهِ شيئًا، سَلانِي مِنْ مالِي ما شِئْتُما» (١). إنه ذلك اليوم الذي يفزع فيه العصاة والمجرمون والكفار، ويأمن من أمَّنَه اللهُ بتوحيده وإيمانه. هذه جملةٌ مما يقع من الأهوال في يوم القيامة، وللحديث بقيةٌ إن شاء الله في المجلس القادم، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 655

JIH F e المجلس الثامن والعشرون (١) تتمة في ذكر بعض الأهوال المتعلقة بأحوال الناس يوم القيامة: في ذلكم اليوم العظيم الذي يقف فيه الناس لرب العالمين، ينتظرون الحساب والجزاء من الملك العدل الحق. وينقسمون أقساما كما يلي: انقسام الناس يوم القيامة: جاءت الأدلة مبينة أن الناس في عرصات القيامة يختلفون اختلافًا كبيرًا: فمنهم: أهل الإيمان الأبْرَار ومنهم: الكفَّار والفُجَّار. وأهل الإيمان أقسام ثلاثة كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر] .. حال الكفار يوم القيامة عند خروجهم من قبورهم: وقد بيَّنَتِ الأدلةُ شيئًا من أحوال كلٍّ، فنذكر: أوَّلًا بعضَ ما يتعلق بحال الكفار في يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية. فتأمَّلُوا قولَ الله مُبيِّنًا حالَ الكفار عند خروجهم من القبور، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ [المعارج] والأجداث هي القبور، وهذ الآياتُ تصوِّر لنا سرعةَ خروجهم من القبور في ذلك اليوم، منطلقين إلى المنادي، كما كانوا يُسرِعون إلى الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا،

стр. 656

ولكنهم لا ينطلقون فَرِحين بَطِرين متكبِّرين كما كان حالهم من قبل بل هم أَذِلَّاءُ، أبصارُهم خاشعة، يعلوهم الصَّغار، كما ذكر الله -جل وعلا-. ويقول ربنا في سورة القمر: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر] فهم يعترفون بصعوبة الموقف الذي شاهدوه وعاينوه. ويقول الله أيضًا في سورة يس: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس]. فهذه وَلْوَلَةٌ، ينادون بالويل والثبور متسائلين حين يُنفَخ في الصور عمَّن أقامهم من رقدتهم ومن أحياهم من موتهم وقد كانوا ينكرون ذلك! نسأل الله السلامة والعافية. قال بعض السلف: " إِنَّ الْقِيَامَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمَعَارِيضُ صِفَةٍ، ذَهَبَتْ فَظَاعَتُهَا بِأَوْهَامِ الْعُقُولِ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي رَقْدَةٍ مِثْلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ لَمَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مِنْ بَعْثِهِمْ، وَلَمْ يُوقَفُوا بَعْدُ مَوْقِفَ عَرْضٍ، لَا مِثْلَهُ إِلَّا وَقَدْ عَايَنُوا خَطَرًا عَظِيمًا، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ بِالْجَلَائِلِ مِنْ أَمْرِهَا، وَلَئِنْ كَانُوا فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِي الْبَرْزَخِ يَأْلَمُونَ وَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَمَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِ ذَلِكَ عَنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ نُقِلُوا إِلَى ظُلْمَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ لَمَا اسْتَصْغَرَ الْقَوْمُ مَا كَانُوا فِيهِ فَسَمَّوْهُ رُقَادًا، وَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات] (١). ويقول ربنا أيضًا في تصوير حالهم يوم القيامة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم] فهذه الآية تُبيِّنُ لنا ما هم فيه من الفزع والخوف حتى إنَّ قلوبهم هواء، وأفئدتهم

стр. 657

هواء؛ لأن القلوب قد بلغت الحناجر من الخوف والفزع والهول. وقوله تعالى: ﴿عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ يدخل فيه الكُفَّارُ دخولًا أوليًّا؛ إذ الشرك بالله هو أظلم الظلم، -نسأل الله السلامة والعافية-. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: أذلاء، وتأمل وصف القرآن لهم! ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، ويقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر] والآزفة: اسم من أسماء يوم القيامة واليوم الآخر، والمقصود بها: القريب العاجل، فهي يومُ القيامة. وأولئك الظالمون يأتون على هذا الوصف الذي ذكره الله -جل وعلا-. قلوبهم وأفئدتهم؛ ملئت من الخوف والفزع. ويقول الله: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم] قال الطبري ﵀: "تعاين الذين كفروا بالله، فاجترموا في الدنيا الشركَ يومئذ، يعني: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ [إبراهيم] يقول: مُقرَّنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد، وهي: الوثاق من غُلٍّ وسلسلة، واحدُها: صَفَدٌ" (١) فهم موثقون في الأغلال والسلاسل، والسرابيلُ: هي القُمُص التي يلبسونها، والقطران: المادَّة التي تُطلى بها الإبل إذا أصابها الجرب، وقيل: هو النحاس. دنو الشمس من رؤوس الخلائق: وفي ذلك اليوم العظيم تدنو الشمس من رؤوس العباد حتى لا يكون بينها وبينهم إلا مقدار ميل واحد، ولولا أنهم مخلوقون خلقًا غير قابل للفناء لانصهروا وذابوا وتبخَّروا، ولكنهم بعد الموت لا يموتون، ويذهب عرقهم في الأرض حتى يرويها ثم يرتفع

стр. 658

فوق الأرض ويأخذهم على قدر أعمالهم كما تقدم معنا في حديث المقداد بن الأسود، وفيه أن النبي ﷺ قال: «وَمِنْهُم مَنْ يُلجِمُه العَرَقُ إلجامًا» (١). يقول عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قرأ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال ﷺ : «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (٢). وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (٣). هذا بيان وتصوير للموقف يوم القيامة، وكيف أن هؤلاء يعانون معاناةً عظيمةً من الوقوف يوم القيامة، يقول ابن القيم ﵀: وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: وَمِنْهَا: طُولُ وُقُوفِهِ فِي الْمَوْقِفِ وَمَشَقَّتُهُ عَلَيْهِ وَتَهْوِينُهُ " عَلَيْهِ " إِنْ طَالَ وُقُوفُهُ فِي الصَّلَاةِ لَيْلًا وَنَهَارًا لِلَّهِ، وَتَحَمَّلَ لِأَجْلِهِ الْمَشَاقَّ فِي مَرْضَاتِهِ وَطَاعَتِهِ خَفَّ عَلَيْهِ " الْوُقُوفُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (٤) المؤمن في مأمن من هول يوم القيامة: والمؤمن في مأمن بإذن الله. كما في المسند عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطِ، إِذْ جَاءَنِي عِيسَى فَقَالَ: هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَا مُحَمَّدُ يَسْأَلُونَ-أَوْ قَالَ: يَجْتَمِعُونَ إِلَيْكَ-وَيَدْعُونَ اللهَ، أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمْعِ الْأُمَمِ، إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ اللهُ، لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ؛ فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ فِي الْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَتَغَشَّاهُ الْمَوْتُ … » الحديث (٥).

стр. 659

تتابع الحسرات يوم القيامة: ومن أعظم ما يكون على الكفار يوم القيامة تتابعُ الحسرات عليهم، فكُلَّما شاهدوا شيئًا وعاينوه مما كانوا ينكرونه ازدادت حسرتهم؛ ولهذا سُمِّيَ يومُ القيامة بيوم الحسرة، يقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم]. فحين يرى الكفارُ العذابَ والهُونَ الذي يصيبهم ويصيب أمثالهم من الكفرة المشركين تأخذهم الحسرة والندامة؛ فيوقن الكافر أن ذنبه غير مغفور. يقول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ [الروم] أي: ييأسون من رحمة الله، نسأل الله العفو والعافية. وقال الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]؛ الظالم: هو المشرك، فيزداد ندمه وتزداد حسرته على عدم اتباعه للرسول ﷺ ، وينادي على نفسه: ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان] ويقول ربنا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] يتمنَّون أن يُهلِكهم الله ويجعلهم ترابًا كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وفي ذلك اليوم يُحبِطُ اللهُ أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]

стр. 660

وتأمل قول الله في تشبيه أعمال الكفار: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، وهذا مثل لأعمالهم الفاسدة التي لا يرجى من ورائها الخير. وثمَّةَ أعمالٌ عملوها كانوا يظنون أنها تُغنِي عنهم من الله شيئًا كأعمال البِرِّ، فقال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور] ويقول سبحانه: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] والصِّرُّ: هو البرد الشديد، فالرياح الباردة تحطم الزرع، فكذلك الكفر والشرك يحرق الأعمال الصالحة. لا تقبل أعمال البر من الكافر يوم القيامة: ولا يقبل الله للكافر عملًا، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]، فمن تصدَّق أو عمل من الطاعات والإحسان والخير والبر وهو لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فإن الله لا يقبل منه عملًا. و «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ» كما قال نبينا ﷺ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان].

стр. 661

وعن مصعب بن سعد، قال: سألتُ أبي: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف] هم الحرورية؟ قال: "لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب" (١) فهؤلاء يظنون أنهم هم أهل الجنة وأنهم هم أهل الهدى: كما قال الله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فقال الله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة] … الآية ويقول ربنا سبحانه أيضًا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف]. الخصومة بينهم يوم القيامة: ومن حسراتهم يوم القيامة أنهم إذا دخلوا النار حصلت بينهم الخصومة. فالخصومة لهم كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف] • فهؤلاء يُعادي بعضهم بعضًا. • ويخاصم أهل النار بعضهم بعضًا، • ويحاجُّ بعضُ الأتباع السادةَ المتبوعين، • ويحاجُّ الضعفاءُ المستكبرين، • ويحاجُّ الإنسان قرينه، • بل يخاصم الكافر أعضاءَه!! وقد وضح ذلك القرآن توضيحًا بيِّنًا، فمن ذلك:

стр. 662

قولُ الله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ [الشعراء]. ﴿تَاللَّهِ﴾ يُقسِمُون على ذلك ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. يعني: كانوا يشركون مع الله؛ ولهذا قال العلماء: الشرك هو التسوية أي: تسوية غير الله بالله. والكفار هنا يقولون: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكيف بمن كفر بالله وجحد وجود الله وادَّعى أن لا إله؟! -نسأل الله السلامة-. والآيات في تلاوم أهل النار كثيرةٌ جدًّا. حال عصاة المؤمنين: إذا مات المؤمن على التوحيد فعقيدة أهل السنة والجماعة أن الموحِّدَ مآلُه إلى الجنة، فمن مات على التوحيد قسمان: أحدهما: من يدخل الجنة دخولًا أوليًّا. والثاني: من يُعذَّب على ذنوبه بقدر ما يشاء الله ثم يخرج من النار -إن كان قد دخلها-، ويدخل إلى الجنة كما جاءت النصوص بذلك. وجاءت أحاديث تُبيِّنُ حال بعض العصاة من المؤمنين في عرصات القيامة. حال الذي لا يؤدي الزكاة يوم القيامة: فمن هؤلاء العصاة أولئك الذين لا يؤدون الزكاة التي هي حق المال؛ فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ-يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ-ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]» (١).

стр. 663

الشجاع الأقرع: الحية الذكر المتمعِّط شعرُ رأسِه لكثرة سُمِّه. وقوله: «لَهُ زَبِيبَتَانِ» أي: نقطتان سوداوان فوق عيني الحية، فيؤتى بالمال نفسه الذي مَنَعَه، فيُحوَّل مالُه إلى هذا الأمر ثم يُعذَّب به. وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه يؤتى بالمال نفسه فيُعذَّب به، يقول النبي ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (١). فقوله في هذا الحديث: «فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» يدل على أن هذا العذاب ليس لكافر كما قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢) وغيره؛ لأنه لو كان كافرًا لما قال: «يُرَى سَبِيلُهُ» إنما يقال هو من أهل النار، فدلَّ ذلك على أن هذا العذاب لعصاة المؤمنين والذين لم يخرجوا زكاة مالهم. حال المتكبرين يوم القيامة: وجاء في بيان حال المتكبر يوم القيامة الحديث في سنن الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ» (٣). «يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ» يعني: يأتي مثل الذرة، مثل صغار النمل، لا يعبأ به الناس بل يطؤونه بأقدامهم وأرجلهم وهم لا يشعرون. حال من كتم علما يوم القيامة: وتأمل ما جاء في قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة]. قال ابن كثير: "وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ وذلك لأنه غضبانُ عليهم؛ لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقُّوا الغضب، فلا ينظر إليهم، ولا

стр. 664

يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابًا أليمًا" (١). وقال النبي ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢) فهذه فضيحة عظيمة لهم يوم القيامة. -نسأل الله السلامة- المسبل تكبرا والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب يوم القيامة: ويقول النبي ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ-هذه عقوبتهم في عرصات القيامة، فمن هم؟ -قال أبو ذر: من هم؟ يا رسول الله خابوا وخسروا. قال: الْمُسْبِلُ-يعني: المسبل إزاره قيل: يعني تكبرًا-وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٣). فهؤلاء أصنافٌ من العصاة، يُعذَّبون بهذا العذاب يوم القيامة، -نسأل الله السلامة والعافية-. شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر: وقد ورد مثل هذه العقوبة في أحاديث أخرى، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (٤). فهؤلاء أصنافٌ ثلاثة ليس عندهم ما يدعو إلى المعصية، لكنهم فعلوها! فشيخ كبير يفترض أن يكون قد استطاع أن يسيطر على شهوته ومع ذلك زنى! وملك ليس ثمة ما يدعوه إلى الكذب ومع ذلك فهو كذَّاب! وعائل أي: فقير ليس هناك ما يدعوه إلى الكبر ومع ذلك فهو متكبر! والكبر كما قال النبي ﷺ : «بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (٥). العاقُّ لوالديه والمرأة المترجلة والديوث: وفي سنن النسائي ومسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄

стр. 665

قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ-الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ-وَالدَّيُّوثُ» (١) والديوث: هو الذي يرضى الخبث في أهل بيته، فهؤلاء أصناف بيَّنت السنة أن لهم هذه العقوبة، وهم من عصاة المؤمنين. فأقْبِلْ أيها المؤمن على التوبة إلى الله -جل وعلا- قبل الممات حتى لا تأتي في ذلك اليوم، فتقف موقف الذُّلُّ والمهانة، نسأل الله السلامة. المكثرون هم المقِلُّون إلا من أدَّى حق المال: كذلك من هؤلاء أولئك الذين يمُنُّ الله عليهم بالمال والنعمة، فيركنون إلى الدنيا، ويُكثِرُون من التمتع بنعيمها على حساب دينهم، وفي أمثالهم يقول النبي ﷺ : «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا» (٢). من أخذ أرضًا بغير حق: في مسند الإمام أحمد عن يعلى بن مرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ» (٣) فتصوَّرْ أنَّ من الناس من يحشر يوم القيامة ويُكلَّف بنقل ما أخذه في الدنيا ظلمًا وعدوانًا يُكلَّف بنقل ترابها. وبه فسر بعض العلماء ما في الصحيحين: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٤). ويقول النبي ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» (٥).

стр. 666

لكل غادر لواء: وجاء عن النبي ﷺ أنه أخبر أيضًا بأن الإنسان الذي يأتي يوم القيامة قد غدر يكون له لواء يشاهده كلُّ أحد في ذلك اليوم، فيكون له علامة مميزة. قال ﷺ : «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» متفق عليه (١). وقال ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» متفق عليه (٢). وقال ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم (٣) فتأمل حينما يؤتى بالغادر يوم القيامة في العرصات، وأمام الخلائق، ليس هذا فحسب بل ويوضع له لواء يشاهد عن بُعْدٍ: هذه غدرة فلان بن فلان. والغادر: هو الذي يواعِدُ على أمر ولا يفي به. واللواء المقصود به: الراية العظيمة، فتُرفَع للغادر رايةٌ يسجَّل عليها، ويُفضَح يوم القيامة. ويقول النبي ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» (٤). يعني: الحاكم إذا غدر؛ لأنَّ ضرره يتعدَّى إلى خلق كثير. الغالُّ يوم القيامة: ومن أصحاب العقوبات يوم القيامة صاحبُ الغُلول، وهو الذي يأخذ من الغنيمة على وجه الخفية، وهو ذنب يخفي تحته شيئًا من الطمع والأثرة. قال الله سبحانه في عقوبته: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ومن ذلك: التلاعب بالأموال العامة من الموظفين والحُكَّام والعُمَّال والولاة والمسؤولين عنها. فهؤلاء بيَّن النبي ﷺ عقوبتهم، فقد روى أبو هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ

стр. 667

قام خطيبًا، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْني. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ … » (١) فهذا الذي سرق بعيرًا يجيء به حاملًا إيَّاه يوم القيامة، وهكذا الحال فيمن أخذ بقرة أو أخذ شاة يأتي يوم القيامة يصيح، ويقول: يا رسول الله أَغِثْنِي، فيقول له: «لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ» وآخر يأتي بذَهَبٍ، وآخر يأتي بفضة، وهكذا من غلَّ شيئًا أو سرق شيئًا جاء يحمله يوم القيامة. فاحذر أيها العامل والموظف، احذر من التلاعب والتصرُّف في الأموال العامة بغير حق وبغير إذن؛ فإنَّ لها من الله طالبًا يوم القيامة. قال النبي ﷺ لحِبِّه عَائِشَةَ ﵂: «يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا» رواه ابن ماجه وأحمد وصححه ابن حبان (٢) وفي المسند عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (٣) ذو الوجهين: ومن أولئك المعذَّبين: ذو الوجهَيْنِ، يقول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ» (٤).

стр. 668

ويقول ﵊ في ذم ذي الوجهين: «تَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِى يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» (١). الحاكم المحتجب عن الرعية: وانظر أيضا في حال من احتجب عن رعيته، يقول النبي ﵊: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» (٢) فاحذر أيها المسؤول من تجاهل المسؤوليات التي أنيطت بك، فيحتجب الله عنك يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية. من كذب في حلمه ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون: وممن يعاقب أيضًا: من كذب في حلمه، يقول النبي ﵊: -كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ-يعني يُؤتى بالشعيرة الصغيرة ويقال له: اعقد بينها وبين أخرى-قال: وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣) والآنُكُ: النحاس الحار، -نسأل الله السلامة والعافية-. المُراؤون يوم القيامة: وفي المرائين يقول النبي ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٤) قوله: «من سمَّع» أي: بعمله بأن أراد السُّمعة به،

стр. 669

وفي المسند عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ». (١) وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ». (٢) ويقول ﷺ أيضًا: «مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ» (٣) قوله: من راءى يرائي الله به، أي: من أراد بعمله الرياء يفضح يوم القيامة. فالجزاء من جنس العمل. وأخبرنا النبي ﷺ أنَّ أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: قارئ للقرآن، ومجاهد، ومتصدق، أرادوا بعملهم الثناء من الناس؛ فيُسحَبُون على وجوههم يوم القيامة (٤). أصحاب الغلو في الصالحين شرار الخلق يوم القيامة: وأخبر النبيُّ ﷺ عن عبدة القبور، والأولياء وذلك لما قيل له: إن كنيسة بأرض الحبشة فيها تصاوير، قال ﷺ : «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٥). المصوِّرُون للصور المحرَّمة: ويقول النبي ﷺ عن أصحاب الصور الذين يصنعون هذه الصور المحرَّمة: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (٦). يعني: أنهم في عذاب مستمر.

стр. 670

ويقول ﵊: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» (١). من ضَرَبَ بسوط ظلمًا اقتُصَّ منه: وقد جاء أيضًا عن النبي ﷺ كما في الأدب المفرد للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ضَرَبَ ضَرْبًا اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وفي رواية: «مَنْ ضَرَبَ ضَرْبًا ظلْماً … » (٢) وفي رواية: «مَنْ ضَرَبَ سَوْطًا ظُلْمًا اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣) يؤتى به يوم القيامة، فيُضرب كما ضرب في الدنيا، فكم ستجد من أناس في عرصات القيامة تُرفَع عليهم الأسواطُ، ويُضرَبون كما ضَرَبوا في الدنيا ظلمًا. وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: «لَا يَضْرِبُ أَحَدٌ عَبْدًا لَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ إِلَّا أُقِيدَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤). فالمملوك والخادم والضعيف والمستضعف الذين يُستَضْعَفون في هذه الدنيا ولا ناصر لهم، يأتون يوم القيامة ويأخذون حقوقهم (٥).
следующие страницы →