стр. 71
فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام … ثم قال: ودلَّ ذلك على أنَّ ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء، ووَكَلَه إلى ما هو فيه من الإسلام، فدلَّ هذا على أنَّ هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادَّعَوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأُدِّبُوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأنَّ البخاري (١) ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهِرون الإيمان وليسوا كذلك (٢).
الدلائل على أن الأعراب الذين نزلت فيهم الآية كانوا مسلمين:
هذه الآية المباركة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ هل نزلت في قوم كانوا مسلمين أو نزلت في المنافقين؟
الجواب: أنَّ هذه الآية -كما ذكر الحافظ ابن كثير- قد اختلف العلماء في نزولها: هل نزلت في قوم كانوا مسلمين دخلوا في الإسلام أم إنهم كانوا منافقين؟
فذكر ابن كثير ما يثبت بالدلائل أنَّ هؤلاء كانوا مسلمين ولم يكونوا منافقين.
وهذا ما رجحه شيخه: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ وتلميذه شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- (٣).
يقول ابن القيم ﵀: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان. (أي: أنهم لم يؤمنوا إيمانًا كاملًا، وإنما عندهم مطلق الإيمان، فهم مسلمون). ثم ذكر الوجوه الدالة على أن الآية لنفي الإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان فقال:
منها: أنه أمرهم أو أذِنَ لهم أن يقولوا: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ والمنافق لا يقال له ذلك.
ومنها أنه قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ ولم يقل قال المنافقون (٤).