← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

المجلس السابع والثلاثون (١) الإيمان بالنار: الإيمانُ بالجنة والنار أمرٌ واجبٌ، وهو متصِلٌ بالإيمان باليوم الآخر، فلا يتم إيمانُ امرئٍ حتى يؤمن بالجنة والنار، وأنهما حقٌّ وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن كما أخبر النبيُّ ﷺ ، وقد جعل الله الجنة لأوليائه والنار لأعدائه، نسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها. وقد بيَّن النبيُّ ﷺ فقال: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (٢) فدلَّ هذا الحديث على وجوب الإيمان بالجنة والنار. الجنة والنار مخلوقتان موجودتان لا تفنيان ولا تبيدان: يقول الطحاوي ﵀ في عقيدته: "وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيْدَانِ، وأن اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ " (٣). فهذا تلخيصٌ لعقيدة المؤمن التي يجب أن يعتقدها في باب الجنة والنار. من أدلة الإيمان بالنار الاستعاذة بالله منها: والإيمانُ بالنار قد دلَّت عليه نصوص كثيرةٌ من الكتاب والسنة، والقرآنُ مليءُ

стр. 947

بالتحذير من النار -أعاذنا الله وإياكم منها-، وقد كان نبينا ﷺ يستعيذ بالله من النار. ولو تأمل المسلمُ حال النبي ﷺ في اليوم والليلة سيجد أنه ﷺ كان يكرر الاستعاذة بالله -جل وعلا- من نار جهنم كثيرا. استعاذة النبي ﷺ من النار: عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» متفق عليه (١) وفي حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، [ثَلَاثَاً] ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» متفق عليه (٢). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ، وَالمَغْرَمِ وَالمَأْثَمِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» متفق عليه (٣) وقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، … فذكرت الحديث ثم قالت: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ [عَذَابِ النَّارِ، وَ] عَذَابِ الْقَبْرِ. متفق عليه (٤) سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار في الصباح والمساء: وفي أذكار الصباح والمساء جاءت السنَّةُ بالاستعاذة بالله -جل وعلا- من عذاب النار،

стр. 948

فيستعيذ العبدُ من نار جهنم، ويستعيذ من عذاب القبر كلَّ صباح وكلَّ مساء. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» (١) الاستعاذة بالله من النار قبل النوم: روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» رواه أبو داود، وهو حديث معل. (٢) الأمر بالتعوذ بالله من النار: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ

стр. 949

أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رواه مسلم (١) تعليم النبي ﷺ عائشة ﵂ الاستعاذة بالله من النار في دعائها: وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه -وقد تقدم- عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: وفيه « … اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ … » (٢) تعليم النبي ﷺ رجلا عاده في مرضه أن يدعو بأن يقيه الله من النار: وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أَفَلَا قُلْتَ: اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ. رواه مسلم (٣) وهذا الدعاء كان من أكثر أدعية النبي ﷺ التي يدعو الله بها -كما تقدم-. تعليم النبي ﷺ لأصحابه الاستعاذة بالله من جهنم كما يعلمهم السورة من القرآن: في الموطأ عَنْ مالِكٍ، -وهو في صحيح مسلم- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ

стр. 950

الْيَمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ. كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (١) الاستعاذة بالله من النار في كل صلاة: وقد علَّمنا النبيُّ ﷺ أن نُكثِرَ من سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار، وقد تقدم في المجلس السابق ذكر ما صح في سنن أبي داود عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ»، قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رواه مسلم. (٣) الدعاء للميت أن يعيذه الله من النار: وعنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ

стр. 951

وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ - أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ -» وفي رواية «وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ» قَالَ: «حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ» رواه مسلم (١) الاستعاذة بالله من النار في الطواف بين الركنين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢) الاستعاذة بالله من النار في السفر في السحر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللهِ مِنَ النَّارِ» رواه مسلم (٣). وفي مصنف عبد الرزاق عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، كَانَ إِذَا كَانَ عَشِيَّةَ الصُّبْحِ وَهُوَ مُسَافِرٌ قَالَ: قُلْتُ مَرَّاتٍ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ جَهَنَّمَ» ورواه المحاملي في الدعاء بلفظ: كَانَ إِذَا غَشِيَهُ الصُّبْحُ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، نَادَى: « … ، عَائِذٌ بِاللَّهِ» - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -. (٤)

стр. 952

الصالحون يستجيرون بالله من النار: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً [سَيَّارَةً، فُضُلًا] يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» [فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ] قَالَ: «فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ» قَالَ: «فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟» قَالَ: «فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا» قَالَ: «يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟» قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: «يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا» قَالَ: «يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ» قَالَ: «يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا» قَالَ: «يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا

стр. 953

مَخَافَةً» قَالَ: [قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ] «فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» [قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا] قَالَ: «يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: [رَبِّ] فِيهِمْ فُلَانٌ [عَبْدٌ خَطَّاءٌ] لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ [إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ]. قَالَ: [فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ] هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» متفق عليه (١) دخول النار هو الخزي العظيم: خلق الله نار جهنم وتوعَّد بها أعداءَه الكافرين والمتمرِّدين على شرعه والمكذبين لرسله وجعلها الخِزْيَ الأكبر والخسران العظيم الذي لا خِزْيَ فوقه ولا خُسْرانَ أعظم منه، يقول ربُّنا في دعاء أوليائه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران] ويقول : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة] ويقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر]. ولهذا قال ربنا آية أخرى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فالفوزُ بالجنة يقابله هذا الخسران العظيم لمن باء بنار جهنم -عياذا بالله من النار-. الإنذار بالنار والتحذير منها: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ

стр. 954

مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم] وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ [المدثر] قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أُنْذِرَ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَدْهَى مِنْهَا، أَوْ بِدَاهِيَةٍ هِيَ أَدْهَى مِنْهَا (١). النبي ﷺ ينذر أمته النار: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء]، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» رواه مسلم (٢) وفي المسند عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ يَخْطُبُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ» حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ، لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا، قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. (٣). وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ» ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاح، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ» ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلَاثًا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٤)

стр. 955

وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَـ[لَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ] جَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، [فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا] فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ [عَنِ النَّارِ] [هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ] وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ». متفق عليه ولمسلم عَنْ جابر نحوه (١) وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «[إِنِّي آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، أَقُولُ: إِيَّاكُمْ وجهنمَ، إِيَّاكُمْ والحدودَ، إِيَّاكُمْ وجهنمَ، إِيَّاكُمْ والحدودَ، إِيَّاكُمْ وجهنمَ، إِيَّاكُمْ والحدودَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا أَنَا مِتُّ تَرَكْتُكُمْ، وَ] أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَ أَفْلَحَ، وَيُؤْتَى بِأَقْوَامٍ، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ: مَا زَالُوا بَعْدَكَ يَرْتَدُّونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» (٢) الوعيد لخاصة الخلق بالنار إذا عصوا الله: قال الله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩] وقال سبحانه في حق الملائكة المكرمين: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء] خوف الأنبياء ﵈ من النار: وَعَنْ أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة، قال: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَعَصَيْتُهُ وَأَطَعْتُ الشَّيْطَانَ، نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ، فَعَصَيْتُهُ فَأَخَافُ أَنْ يَطْرَحَنِي

стр. 956

فِي النَّارِ فَانْطَلِقُوا إِلَى غَيْرِي» -وذكر في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى مثل ذلك-، كلهم يقول: «إِنِّيْ أَخَافُ أَنْ يَطْرَحَنِي فِي النَّارِ فَانْطَلِقُوا إِلَى غَيْرِي» (١) قال الحافظ زين الدين ابن رجب ﵀: ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها ا. هـ (٢) صفة الخوف الواجب: قال الحافظ ابن رجب ﵀: والقدر الواجب من الخوف، ما حمل عَلَى أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد عَلَى ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس عَلَى التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايد عَلَى ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ، لم يكن ذلك محمودًا، … والمقصود الأصلي هو طاعة الله وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته. ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضاً، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا عَلَى التقرب إِلَى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه ا. هـ (٣) خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده: قال الحافظ زين الدين ابن رجب ﵀: خوف العقاب ليس مقصودًا لذاته، إِنَّمَا هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله عَلَى عباده

стр. 957

الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها سبحانه من جملة آلائه عَلَى الثقلين في سورة الرحمن. وقال سفيان بن عيينة: «خُلِقَتِ النَّارُ رَحِمةً يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْتَهُوا» أخرجه أبو نعيم (١) ا. هـ (٢) سعة النار: خَلَقَ اللهُ النارَ، وهي دارٌ شاسعةٌ واسعةٌ بعيدٌ قَعْرُها متراميةٌ أطرافُها، يقول الله -جل وعلا- مبيِّنًا ما هي عليه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً-يعني صوت سقوط شيء-فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» (٣). ولهذا قال العلماء: بعيدٌ قعرُها. وجاء أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: «لَوْ أَنَّ حَجَرًا مِثْلَ سَبْعِ خَلِفَاتٍ أُلْقِيَ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَى فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا» (٤). وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ [وَالْمَغْرِبِ]» (٥) وفي رواية للبخاري: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (٦)

стр. 958

وفي سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ [مِنْ سُخْطِ اللَّهِ] لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا [وفي رواية: مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ] يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (١) وقال عبد الله بن المبارك: أنا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «أَتَدْرِي مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: «أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا تَدْرِي (إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا، يَجْرِي فِيهَا أَوْدِيَةُ الْقَيْحِ وَالدَّمِ)»، قُلْتُ لَهُ: أَنْهَارٌ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ أَوْدِيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مَا سَعَةُ جَهَنَّمَ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا تَدْرِي. حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ» (٢)

стр. 959

يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام: تأملوا هذا الموقف الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ حين يؤتى بجهنم يوم القيامة. ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: «ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ» (١) وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» وجاء أيضًا مرفوعًا عن النبي ﷺ (٢). فتأمل كثرة عدد الملائكة الذين يأتون بالنار يومَ القيامة! قال الله -جل وعلا-: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر] انظر كيف يؤتى بجهنم؟ يُؤتَى بها ولها سبعون ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ ملكٍ يجرونها! فلك أن تتأمل عِظَمَ هذا الخلق الرهيب الذي جعل الله معه سبعين ألفَ ملكٍ لكل زمام! فهذا يدل على عظمتها، نسأل الله السلامة والعافية. يؤتى بجهنم بغتة: يؤتى بالنار يوم القيامة بغتةً، فتفجأ أعداء الله، وتفجأ المجرمين. كما يقول الله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ [الأنبياء] قوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أي: تأتيهم فجأة فتُحيِّرُهم؛ لأنهم إن أرادوا الصبر عليها لم يقدروا، وإن أرادوا ردَّها ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ بسبب من الأسباب، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يُمهَلُون؛ ليستريحوا طَرْفَةَ عينٍ لتمام مدة الإنظار قبله، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 960

وبُرِّزَت الجحيمُ للغاوين: ويقول الله -جل وعلا-: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ [الشعراء] هذا من المواقف العظيمة يوم القيامة، يقول الحافظ ابن كثير: "أي أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب إلى الحناجر" (١) ويقول الله جل: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف] أي: رأوا جهنَّمَ المحيطةَ بأنواع الهلاك: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: أيقنوا بأنهم واقعون فيها. والظن هنا بمعنى اليقين أي: تيقَّنُوا حينئذ أنهم داخلون فيها، قال الله: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ ويقول الله -جل وعلا- لنبيه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام] أي: اطَّلعوا عليها، فعاينوها ورأوها، وتبينوها، فأيقنوا بما هم عليه من الهلاك حينما يمرون على الصراط والصراط منصوب على متن جنهم، فتأتي الندامةُ حينئذ: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾. وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر: ٢٣] يعني: من أيِّ وجهٍ له التذكر؟! ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤] يتمنى أن يكون قد قدَّم شيئًا لحياته، سمَّاها حياةً؛ لأنها هي الحياة الحقيقية، إذ إنَّ الحياة الحقيقية هي الحياة يوم القيامة، لكنه لم يُقدِّمْ لها شيئًا، ففُوجِئَ بهذه النار، نسأل الله السلامة والعافية. عَرْض النار: تُعرَضُ النارُ يومَ القيامة على أعداء الله كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]

стр. 961

ويقول -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤] يُسْأَلُون تبكيتًا، وردعًا، وتعذيبًا لهم: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام]. ويقول سبحانه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [الكهف]. ويقول -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ [الشورى] من سيُنَجِّيهم في ذلك الحين من عذاب الله ؟! فيا أيها المؤمن وأنت تقرأ أو تستمع إلى هذه الأدلة من الآيات والأحاديث الصحيحة عليك أن تتوب إلى الله -جل وعلا-. وأن تعلم أنه لا مخرج للإنسان من هموم هذه الدنيا وأحزانها ومن عذاب الله يوم القيامة إلا أن يلقى الله تائبًا، وأن يلقى الله وهو على عملٍ صالحٍ يُقرِّبُه إلى الله -جل وعلا-. والله سمى يوم القيامة بيوم التغابن، اليوم الذي يحصل فيه الغبن لكل من فرط في طاعة الله -جل وعلا-. فكاك المسلم من النار: ومن المواقف العظيمة يوم القيامة: ما أخبر عنه النبي ﷺ كما جاء عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» (١) قال النووي ﵀: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَالْمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ خَلَفَهُ الْكَافِرُ فِي النار» لاستحقاقه ذلك بكفره ومعنى «فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» أَنَّكَ كُنْتَ مُعَرَّضًا لِدُخُولِ النَّارِ وَهَذَا فَكَاكُكَ

стр. 962

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لَهَا عَدَدًا يَمْلَؤُهَا فَإِذَا دَخَلَهَا الْكُفَّارُ بِكُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ صَارُوا فِي مَعْنَى الْفَكَاكِ لِلْمُسْلِمِينَ ا. هـ (١) والحديث المشار إليه رواه ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنه قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ [المؤمنون]» (٢). وقال البيهقي ﵀: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِحَدِيثِ الْفِدَاءِ، وَالْكَافِرُ إِذَا أُورِثَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ إِذَا أُورِثَ عَلَى الْكَافِرِ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ يَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ فُدِيَ الْمُؤْمِنُ بِالْكَافِرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (٣) فاتقوا النار ولو بشق تمرة: ويقول النبي ﷺ : «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وفي رواية: «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٤). دلَّ هذا الحديث على حرص النبي ﷺ على أن يكون المؤمن في الدنيا مجتهدًا في أن يعمل العمل الذي يقيه يوم القيامة من عذاب الله . بعث النار: وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ»

стр. 963

وهذا عددٌ عظيمٌ، قال العلماء «بَعْثُ النَّارِ» أي: المبعوث الموجه إليها، فيأمر اللهُ آدم ويقول له: ميِّزْ أهل النار من غيرهم، ويقول له من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. يقول ﵊: «فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج] فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟». إذا كان من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد فمن هو ذلك الواحد؟ - فَقَالَ ﷺ : «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قَالَ: فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ» (١). وهذا يدل على فضل هذه الأمة المباركة. بل صح عَنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وفي رواية: «أَنْتُمْ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ صَفًّا» رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد (٢). فدلَّ ذلك على أنَّ ثلثي أهل الجنة من أمة محمد ﷺ . إن جهنم كانت مرصادًا: يقول ربنا في شأن النار يوم القيامة: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ] ﴿مِرْصَادًا﴾ أي: مرصدة يرصد فيها خزنتها من كان يُكذِّب بها وبالمعاد يوم القيامة. يُعرَف المجرمون بسيماهم: ويقول -جل وعلا- في شأن اختطاف الكفار والمجرمين: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن] فهم إذا جاؤوا يوم القيامة يُعرَفون بما عليهم من

стр. 964

الكآبة والذلة والحزن وبسواد الوجوه وبزرقة العيون ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١] تأخذهم الزبانية بنواصيهم وأقدامهم، فتسحبهم إلى نار جهنم سحبًا، يقول الله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن]. قال الحافظ ابن كثير: أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، … وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ ا. هـ (١) ويقول : ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق] أي: زبانية جهنم وهم الملائكة الذين وكلوا بالعذاب. صبغة في النار: ومن المواقف التي أخبر عنها النبي ﷺ ما جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (٢) فتأمل يا أخي المسلم كيف هي الدنيا وأنها فانية لا تساوى عند الله شيئًا؛ فهذا «أَنْعَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»؛ كم كان عنده من النعيم، كان عنده شيء لا يوصف ولا يكاد يحصيه الإنسان في مجلس؛ لا يكاد ينقصه شيء من نعيم الدنيا ولكنه من أهل النار. «يُؤْتَى به فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ» فالعذاب فيها عظيم وشديد أنساه كل نعيم. وقد

стр. 965

جاء في الحديث أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ» (١). نسأل الله السلامة والعافية. النار دركات: والنار دَرَكَاتٌ كما أن الجنة دَرَجاتٌ، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. والدَّرَك: الْمنزلَة، وَهِيَ مَنَازِلُ أَهْلِ النَّارِ وَقِيلَ: دَرَجَةٌ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: أَسْفَلُ النَّارِ. (٢) قال ابن قتيبة ﵀: «فإن النار دركات، والجنة درجات، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع العقوبات والمثوبات، فمن أهل النار من طعامه الزّقّوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصّديد» ا. هـ. (٣) وقال القرطبي ﵀: «فالنار دركات سبعة أي طبقات ومنازل، وإنما قال: أدراك ولم يقل درجات لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك، ولما تعالى درج، فيقول للجنة درج وللنار درك ا. هـ (٤) ويجوز تسمية الكل درجات كما في قول الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢، الأحقاف: ١٩] أي وَلِكُلٍّ من الجنسين المذكورين دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منهما. قال بعض المفسرين: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب، لاشتمال كل على الفريقين ا. هـ (٥)

стр. 966

وقال زين الدين الرازي (ت: ٦٦٦) ﵀: الدرجات تستعمل في الفريقين … وتحقيقه أن بعض أهل النار أخف عذاباً فمكانه فيها أعلى. وبعضهم أشد عذاباً فمكانه فيها أقل ولو سلم اختصاص الدرجات بأهل الجنة لقوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] فيكون راجعاً إليهم خاصة بتقديره. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾، وهم درجات عند الله ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهم دركات؟ إلا أنه حذف البعض لدلالة المذكور عليه ا. هـ (١) وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والدرجات إذا جاءت عامة دخل فيها المؤمن وغير المؤمن كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢، الأحقاف: ١٩]، أما إذا خُصت بأهل النار فإنه يقال: دركات كما قال تعالى:: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]» (٢) أبواب جهنم: وللنار أبوابٌ كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر]. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «[إِنَّ] أَبْوَابُ جَهَنَّمَ [هَكَذَا، وَوَضَعَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ] سَبْعَةٌ [أَبْوَابِ]، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَمْتَلِئُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، [ثُمَّ الرَّابِعُ، ثُمَّ السَّابِعُ] ثُمَّ تَمْتَلِئُ كُلُّهَا» (٣) وفي رواية: « … يَبْدَأُ بِالْأَسْفَلِ فَيَمْلَأُ فَهُوَ أَسْفَلُ سَافِلِينَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ حَتَّى يَمْلَأَ النَّارَ» (٤)

стр. 967

أبواب جهنم مغلقة: ويقول الله -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ [البلد] أي: مغلقة الأبواب. قال ابن رجب ﵀: وهذا الإطباق نوعان: أحدهما: خاص لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه، أجارنا الله من ذلك … والثاني: الإطباق العام، وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها ا. هـ (١) وروى ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: -في حديث طويل- «أهل النار إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون] قَالَ: فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون]، قَالَ «فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ أُطْبِقَتْ عَلَيْهِمْ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ بَشَرٌ» (٢) سرادق جهنم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف] قال الحافظ ابن رجب ﵀: قال الزجاج: السرادق: كل ما أحاط بشيء … وإحاطة السرادق بهم قريب من المعنى المذكور في غلق الأبواب، وهو شبه قول من قال: إنه حائط لا باب له. ولما كان إحاطة السرادق بهم موجباً لهمهم وغمهم، وكربهم وعطشهم، لشدة وهج النار عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف] وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج] ا. هـ (٣)

стр. 968

ظلمة النار وشدة سوادها: روى الإمام مالك بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «أَتُرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ، لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ وَالْقَارُ الزِّفْتُ» (١) وله حكم الرفع كما قال ابن عبد البر (٢). وفي سنن الترمذي (٢٥٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، -مرفوعا وموقوفا- قَالَ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» وإسناده ضعيف (٣). وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن أبي ظَبْيانَ عَنْ سَلْمانَ الفاَرِسي ﵁ قال: «النَّارُ سوداءُ مُظلمة، لا يُضيءُ جَمرُها، ولا يُضِيءُ لَهبُها (٤)؛ ثم قرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج: ٢٢]» (٥)

стр. 969

شدة حر النار: وأخبر الله -جل وعلا- عن شدة حرِّها وعِظَم دُخَانِها وشرارِها، فقال سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة]. وقال -جل وعلا-: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة] وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» (١) ورواه الإمام أحمد وزاد: « … وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ» وسنده صحيح (٢) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ ضُرِبَ بِهَا الْبَحْرُ مَرَّتَيْنِ فَفَتَرَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا انْتَفَعْتُمْ بِهَا، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» (٣) شدة زمهرير النار: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» ثم قال: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» (٤). فهذا الذي نجده في الدنيا من البرد الشديد ومن الحر الشديد هو من زفرة جهنم، -نسأل الله السلامة والعافية-. وروى الطبري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسعود ﵁، قَالَ فِي الزَّمْهَرِيرِ:

стр. 970

«إِنَّهُ لَوْنٌ مِنَ الْعَذَابِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ [النبأ]» (١) وقال الحافظ ابن كثير ﵀: أَيْ: لَا يَجِدُونَ فِي جَهنَّم بَرْدًا لِقُلُوبِهِمْ، وَلَا شَرَابًا طَيِّبًا يَتَغَذَّوْنَ بِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: ٢٥] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: اسْتَثْنَى مِنَ الْبَرْدِ الْحَمِيمَ وَمِنَ الشَّرَابِ الْغَسَاقَ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. فَأَمَّا الْحَمِيمُ: فَهُوَ الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وحُموه. والغَسَّاق: هُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَعَرَقِهِمْ وَدُمُوعِهِمْ وَجُرُوحِهِمْ، فَهُوَ بَارِدٌ لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ بَرْدِهِ، وَلَا يُوَاجَهُ مَنْ نَتَنِهِ ا. هـ (٢) سجر جهنم وتسعيرها: وروى البخاري عنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا» قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، … -فذكر الحديث في الرؤيا- ثم قَالَ: «فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ، كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ فَقَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، … » وفي آخر الحديث: «قال فقالا لي: وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ … » (٣). ورواه ابن عساكر من طريق الدارقطني بسنده عن أبي خلدة خالد بن دينار عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب وقال فيه: « … قال فَمَضَيْتُ سَاعَةً، فَإِذَا أَنَا بِشَجَرَة لَو اجْتَمَعَ تَحْتَها الْخَلْقُ لأظَلَّتْهُمْ، وَتَحْتَها رَجُلَان، وَاحِدٌ يَجْمَعُ حَطَبًا، واْلآخَرُ يُوقَدُ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا هَذَا؟! فَقَالَ: ارْقبْ سَاعَةً، … ثم قال: قلتُ: فَالرَّجُلَانِ اللَّذَانِ كَانَا

стр. 971

يُوقِدانِ النَّارَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: ذَلِكَ مَلَكَا جَهَنَّم يُحْمُونَ جَهَنَّمَ لأَعْداء اللهِ يَوْمَ الْقِيامَة … » الحديث (١) سجر جهنم نصف النهار: تسجر جهنم كل يوم نصف النهار. كما في حديث عَمْرو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ ﵁: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، … » الحديث رواه مسلم (٢) سجر جهنم بسبب الذنوب: قال الحافظ ابن رجب ﵀: … إنما سعرت -جهنم- بخطايا بني آدم التي تقتضي غضب الله عليهم، فتزداد جهنم حينئذ تلهباً وتسعراً. هذا، وكما أن بناء دور الجنة وغرس الأشجار، يحصل بأعمال بني آدم الصالحة من الذكر وغيره، وكذلك حسن ما فيها من الزوجات وغيرهن، يتزايد بتحسين الأعمال الصالحة، فكذلك جهنم، تسعر وتزداد آلات العذاب فيها، بكثرة ذنوب بني آدم وخطاياهم وغضب الرب تعالى عليهم، نعوذ بالله من غضب الله، ومن النار، وما قرب إليها من قول وعمل، بمنه وكرمه ا. هـ (٣) سجر جهنم بعد دخول أهلها: قال الله تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء]. قال علي بن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قَالَ: سَكَنَتْ. وقال ابن

стр. 972

عباس ومجاهد: كُلَّمَا أَحْرَقَتْهُمْ تُسَعَّرُ بِهِمْ حَطَبًا، فَإِذَا أَحْرَقَتْهُمْ فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ شَيْئًا صَارَتْ جَمْرًا تَتَوَهَّجُ، فَذَلِكَ خَبْوُهَا، فَإِذَا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا عَاوَدَتْهُمْ. (١) وقال ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَضَرِيُّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِكَعْبٍ: خَوِّفْنَا يَا كَعْبُ، فَقَالَ [«يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ مِنْ أُمَّةٍ مَرْحُومَةٍ» ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ]: [يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَ لَيْسَ فِيكُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ؟ قَالَ: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: خَوِّفْنَا يَا كَعْبُ، قال فَقُلْتُ] وَاللَّهِ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً قِيَامًا مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ، مَا ثَنَوْا أَصْلَابَهُمْ، وَآخَرِينَ رُكُوعًا، مَا رَفَعُوا أَصْلَابَهُمْ، وَآخَرِينَ سُجُودًا، مَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّوَرِ النَّفْخَةَ الْآخِرَةَ، فَيَقُولُونَ جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، مَا عَبَدْنَاكَ كَكُنْهِ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُعْبَدَ، ثُمَّ قَالَ: " وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ يَوْمَئِذٍ كَعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا، لَاسْتَقَلَّ عَمَلَهُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُرَى يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهِ لَوْ دُلِّيَ مِنْ غِسْلِينَ دَلْوٌ وَاحِدٌ فِي مَطْلَعِ الشَّمْسِ، لَغَلَتْ مِنْهُ جَمَاجِمُ قَوْمٍ فِي مَغْرِبِهَا، وَاللَّهِ لَتَزْفُرَنَّ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا خَرَّ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، وَحَتَّى نَبِيِّنَا وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، يَقُولُ -أي إبراهيم-: رَبِّ أَنَا خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمَ،، [قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ مَلِيًّا، قَالَ: قُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَلَسْتُمْ تَجِدُونَ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟» قَالَ: قَالَ عُمَرُ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ [النحل]، قَالَ: فَسَكَتَ عُمَرُ] [وفي رواية: فَبَكَى عُمَرُ فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ]، وقَالَ: فَأَبْكَى الْقَوْمَ حَتَّى نَشَجُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ، قَالَ: يَا كَعْبُ، بَشِّرْنَا، فَقَالَ: أَبْشِرُوا، [«يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ، مَا يَزَالُ اللهُ يَوْمَئِذٍ بِرَحْمَتِهِ وَصَفْحِهِ وَحِلْمِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَكَ عَمَلُ أَرْبَعِينَ طَاغُوتًا لَظَنَنْتَ أَنَّكَ سَتَنْجُو، إِنَّ إِبْلِيسَ يَوْمَئِذٍ لَيَتَطَاوَلُ طَمَعًا مِمَّا يَرَى مِنَ الرَّحْمَةِ»]، فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ شَرِيعَةً، لَا يَأْتِي أَحَدٌ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَعَ كَلِمَةِ

стр. 973

الْإِخْلَاصِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ كُلَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَأَبْطَأْتُمْ فِي الْعَمَلِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ مِنْ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ مُغْدِرَةٍ، لَأَضَاءَتْ لَهَا الْأَرْضُ أَفْضَلَ مِمَّا يُضِيءُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَوَجَدَ رِيحَ نَشْرِهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ نُشِرَ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا، لَصَعِقَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَمَا حَمَلَتْهُ أَبْصَارُهُمْ. (١) وعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَاءَ عُمَرُ ﵁ فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: «وَيْحُكَ يَا كَعْبُ خُوِّفْنَا» فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ النَّارَ لَتُقَرَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ حَتَّى إِذَا أُدْنِيَتْ وَقُرِّبَتْ زَفَرَتْ زَفْرَةً مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا صِدِّيقٍ وَلَا شَهِيدٍ إِلَّا وَجَثَا لِرُكْبَتَيْهِ سَاقِطًا، حَتَّى يَقُولَ كُلُّ نَبِيٍّ وَكُلُّ صِدِّيقٍ وَكُلُّ شَهِيدٍ: اللَّهُمَّ لَا أُكَلِّفُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَوْ كَانَ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَظَنَنْتُ أَنْ لَا تَنْجُوَ، قَالَ عُمَرُ: «وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ» (٢) الظل في النار: وأما ظلالها فإن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة] وهذا الظل هو دخان النار. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٣)

стр. 974

والظل يُشعِر عادةً بالنداوة والبرودة، وتحبه النفوس لكنه في نار جهنم نوعٌ آخرُ من العذاب. كما قال الله -جل وعلا-: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات]. وروى الطبراني في المعجم الأوسط عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ [المرسلات] قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَ الشَّجَرِ وَالْجَبَلِ، وَلَكِنَّهَا مِثْلُ الْمَدَائِنِ وَالْحُصُونِ» (١) وقوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ أَيْ: كَالْإِبِلِ السُّودِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. (٢) والآيات تقرر أنَّ الدخان الذي يتصاعد من هذه النار لضخامته ينقسم إلى أقسام وهو يلقي ظلالًا، ولكنها غير ظليلة ولا تقي من اللهب المشتعل. - نسأل الله أن يحمينا وإياكم من نار جهنم-. ويقول الله -جل وعلا- عن النار يوم القيامة: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ [الفرقان]. قال الحافظ ابن كثير: وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أَيْ: جَهَنَّمُ ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يَعْنِي: فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ. قَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أَيْ: حَنَقًا عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا

стр. 975

وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨] أَيْ: يَكَادُ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؛ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ا. هـ (١). من أودية جهنم: ورُوى عَنِ أبي إسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، وعن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم]، قَالَ: «نَهَرٌ فِي جَهَنَّمَ - وفِي رِوَايَةِ - وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ مُنْتِنُ الرِّيحِ» (٢) سجن في جهنم: وفي جامع الترمذي والمسند عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (٣) السلاسل والأغلال والأنكال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ [الإنسان] وقال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر]

стр. 976

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ [الحاقة] قال الحافظ ابن رجب ﵀: فهذه ثلاثة أنواع: أحدها: الأغلال: وهي في الأعناق، كما ذكر سبحانه … النوع الثاني: الأنكال: وهي القيود، … النوع الثالث: السلاسل ا. هـ (١) وفي سنن الترمذي عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الجُمْجُمَةِ، أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا» [وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر] الْآيَاتُ]. (٢)

стр. 977

الكفار وقود النار: وقد جعل الله الكُفَّارَ وَقودًا للنار كما قال -جل وعلا-: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤] أي: تُوقَد بالكفار من الناس ومن الإنس والجن. قال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: «حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ يَجْعَلُهَا اللهُ عِنْدَهُ كَيْفَ شَاءَ، وَكَمَا شَاءَ» (١). وفي رواية: قَالَ: «هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ خَلَقَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَعُدُّهَا لِلْكَافِرِينَ» (٢) وقال الحافظ ابن كثير: وَالْمُرَادُ بِالْحِجَارَةِ هَاهُنَا: هِيَ حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ الْعَظِيمَةُ السَّوْدَاءُ الصَّلْبَةُ الْمُنْتِنَةُ، وَهِيَ أَشَدُّ الْأَحْجَارِ حَرًّا إِذَا حَمِيَتْ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا ا. هـ (٣) وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأكثر المفسرين، على أن المراد بالحجارة، حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب، ليس في غيرها من الحجارة: • سرعة الإيقاد، • ونتن الرائحة، • وكثرة الدخان، • وشدة الالتصاق بالأبدان، • وقوة حرها إذا أحميت ا. هـ (٤)

стр. 978

يقرن الكفار بشياطينهم: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾. [الزخرف]. قال قَتَادَةُ: «حَتَّى إِذَا جَاآنَا هُوَ وَقَرِينُهُ جَمِيعًا» (١). وقال الطبري: وَقَوْلُهُ: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ … ذُكِرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ عِنْدَ لُزُومِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى يُورِدَهُ جَهَنَّمَ … ثم أسند عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قَبْرِهِ، سَفَعَ بِيَدِهِ الشَّيْطَانَ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَكَّلُ بِهِ مَلَكٌ فَهُوَ مَعَهُ حَتَّى قَالَ: إِمَّا يُفْصَلُ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ نَصِيرُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ا. هـ (٢) اختصام الكفار مع شياطينهم: قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأخبر الله تعالى عن اختصام الكفار مع من كان معهم من الشياطين، ومن عبدوه من دون الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ [الشعراء] ا. هـ (٣)

стр. 979

تلاعن أهل النار فيها: ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم، وتبرؤ بعضهم من بعض، ودعاء بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقال الله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾ [غافر] وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص] قال الحافظ ابن رجب ﵀: وحينئذ فلا يبعد أن يقرن كل كافر بشيطانه الذي أضله، وبصورة من عبده من دون الله من الحجارة ا. هـ (١) تفاوت أهل النار في العذاب: عن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيْرٍ ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ، تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ، يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي المِرْجَلُ وَالقُمْقُمُ» متفق عليه، وفي رواية لمسلم «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ

стр. 980

مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» (١) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ» رواه مسلم (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» رواه مسلم (٣) وَعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «(إِنَّ) مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ (وفي رواية: إِلَى عُنُقِهِ)» رواه مسلم (٤) قال أبو العباس القرطبي ﵀: وهذا الحديث أيضًا يدلّ على أن أهل النار يتفاوتون فيها، ويصح مثل هذا في الكفار، … ويصح أن يكون ذلك فيمن يعذب من الموحدين، إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، كما صح في الحديث ا. هـ (٥) عصاة المؤمنين لا يُخلَّدُون في النار إذا دخلوها: النار نارٌ خالدة لا تفنى ولا تبيد، يُعذِّب اللهُ فيها الكفار والمشركين. كما تقدم في كلام الطحاوي: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان" ويدخلها من شاء الله من عصاة أهل التوحيد لكنهم بفضل من الله ورحمة منه لا يُخلَّدُون في نار جهنم كما تقدم في مسائل الشفاعة. فهؤلاء لَقُوا الله -جل وعلا- بذنوب لم يغفرها الله لهم، فيُعذَّبُون في النار بقدر ما يشاء الله ثم يخرجون منها.

стр. 981

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: وَلَكِنْ إنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، إذْ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ فُسَّاقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ إذَا عَذَّبَهُمْ فِيهَا عَذَّبَهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إلَى حِقْوَيْهِ؛ وَمَكَثُوا فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا أُخْرِجُوا بَعْدَ ذَلِكَ كَالْحِمَمِ فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَاةُ فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مَكْتُوبٌ عَلَى رِقَابِهِمْ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنْ النَّارِ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ طَوِيلٌ لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ (١) موت عصاة المؤمنين في النار إذا دخلوها: كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ (٢)، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (٣) قال النووي ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِمَاتَةً بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّةَ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْإِمَاتَةُ إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، يَذْهَبُ مَعَهَا الْإِحْسَاسُ وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ إِحْسَاسٍ الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا

стр. 982

فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِرَ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ، وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ؛ فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون وَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فِي سُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَضَعْفِهَا فَتَخْرُجُ لِضَعْفِهَا صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ثُمَّ تَشْتَدُّ قُوَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَكْمُلُ أَحْوَالُهُمْ فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيٍّ وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسُهُمْ بِالْآلَامِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ آلَامُهُمْ أَخَفَّ فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ (١) الخلود للكافرين: أما الكافر والمشرك فإن الله قد أخبر أنهم في نار جهنم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يخرجون منها بشفاعة بل لا يؤذن لهم بالشفاعة، ومن هؤلاء أيضًا المنافقون، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة] أما المؤمن الذي يموت عاصيًا لم يتب إلى الله ثم يدخل نار جهنم فإنه لا يخلد فيها كما أخبرنا النبي ﷺ ومن هؤلاء كما ذكرنا أصحابُ الكبائر: كمن مات على الكِبْر أو قاتلًا لنفس أو آكلًا للربا أو آكلًا لأموال الناس بالباطل أو مات ظالمًا للناس أو مات وقد وقع في شيء من الرياء أو كالنساء الكاسيات العاريات، فهؤلاء تحت المشيئة فإذا لم تدركهم رحمة الله وكُتِبَ عليهم العذابُ فإنهم لا يخلدون في نار جهنم. ينقطع رجاء أهل النار عند ذبح الموت: ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن. فإنه إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، -كما في الحديث عن النبي ﷺ : «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ،

стр. 983

فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». ثم قرأ رسول الله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم] (١) المشرك والكافر لا تنفعه حسناته التي عملها في الدنيا يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]. وجاء في صحيح الإمام مسلم، من حديث عائشة ﵂، أنَّها سألت النبي ﷺ عن رجل من قرابتها يُدعى عبد الله بن جُدْعَانَ، فأثنت عليه، وقالت ﵂: يا رسول الله، إنَّ عبدَ الله بن جُدْعَانَ كان يقري الضيف، ويطعم المسكين، ويفعل ويفعل، أينفعه ذلك عند الله؟! فقال النبي ﷺ : «لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؛ إِنَّهُ مَا قَالَ يَومًا قَطُّ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّيْنِ» (٢). هذا الرجل أدركه الإسلام فلم يسلم، وكان على خلال من الخير والفضل، فقد كان يطعم المسكين، ويذبح الذبائح للفقراء والمحتاجين، وكان يقري الضيف، ويطعم الطعام، وينصر المظلوم، ويؤدي الأمانة، ويصدق في الحديث، ويحسن الجوار، ويفعل ويفعل، لكنه لَمْ يكن مُصَدِّقًا بالبعث، ومَن لَمْ يُصَدِّق به كافرٌ، والكافر لا ينفعه أيُّ عمل من أعمال البرّ؛ لإحباطه بكفره (٣). وفي مسند أبي يعلى أنَّها ﵂ أثنت عليه خيرًا، فقالت: كَانَ يَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ (٤)، وَيُكْرِمُ الْجَارَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَيُوفِي بِالذِّمَّةِ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَفُكُّ الْعَانِي، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُؤَدِّي الْأَمَانَةَ. فقال لها النبي ﷺ : «هَلْ قَالَ يَوْمًا وَاحِدًا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟» قالت: لا، وَمَا كَانَ يَدْرِي مَا جَهَنَّمُ! فقال ﷺ : «فَلَا إِذًا» (٥)

стр. 984

هذا الرجل مؤدٍّ لحقوق عظيمة، لكنه فرَّط في أعظمها، وترك أعظمها، وهو حق الله -جل وعلا-، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، فهذا الرجل عمل هذه الأعمال، وأدَّى هذه الصالحات، يريد الثناء والذكر، لا يرجو من الله ثوابًا، ولا يخاف من عقابه، فكان إخبار النبي ﷺ عن حاله أنَّها لا تنفعه عند الله -جل وعلا-. ولما أسلم عدي بن حاتم ﵁، وهو ابن صاحب المفاخر، فأبوه حاتم الطائي الذي تضرب العرب به المثل في الجود والكرم. فوقف عديٌ ﵁ بين يدي النبي ﷺ ، يسأل عن عمل أبيه حاتم الطائي. فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فقال النبي ﷺ : «إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ» (١)؛ يعني: الذكر، أراد من كرمه وإحسانه إلى النَّاس الذكر والثناء والسُمعة؛ فأدركها في الدنيا، فأمَّا يوم القيامة فلا. وأما ما ورد في شأن أبي طالب أنه يخفف عنه فهذا من خصائص النبي ﷺ كما تقدم في أحاديث الشفاعة. حُفَّت النار بالشهوات: إن طريق جهنم قد حُفَّ بالشهوات؛ ولذلك يقع كثيرٌ من الناس في حبائل الشيطان ويقع كثيرٌ من الناس في هذه الشهوات التي زُيِّنَتْ لهم. والواجب على المسلم أن يجاهد نفسه في هذه الدنيا. يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] هذه الدنيا هي التي فُتِنَ بها كثيرٌ من الناس، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

стр. 985

أهل النار كثير: جاءت الأخبار أيضًا في السنة بأن أهل النار كثير وبأن الناجين قليل. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ]. وأخبر عن قلة أهل الإيمان فقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] فيجب على المسلم أن يخاف من النار، وأن يحرص أن يكون مع الثلة المؤمنة القليلة التي تلقى الله -جل وعلا- يوم القيامة، وهي في أمنٍ وأمان وفي رضا من الرحمن بالإيمان بالله والأعمال الصالحات. النساء أكثر أهل النار: ولتحذر النساءُ من عذاب الله -جل وعلا- فقد جاء في حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ» رواه مسلم (١). وقال ﵊: «رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (٢). فالواجب على المرأة أن تتقي الله -جل وعلا- في دينها وفي إيمانها وفي إقبالها على ربها . وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، … »، الحديث (٣). وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» … الحديث. (٤) وفي المسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ يَوْمًا فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، … إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُنَّ
следующие страницы →