فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِرَ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ، وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ؛ فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون وَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فِي سُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَضَعْفِهَا فَتَخْرُجُ لِضَعْفِهَا صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ثُمَّ تَشْتَدُّ قُوَّتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَكْمُلُ أَحْوَالُهُمْ فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيٍّ وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسُهُمْ بِالْآلَامِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ آلَامُهُمْ أَخَفَّ فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ (١)
الخلود للكافرين:
أما الكافر والمشرك فإن الله قد أخبر أنهم في نار جهنم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يخرجون منها بشفاعة بل لا يؤذن لهم بالشفاعة، ومن هؤلاء أيضًا المنافقون، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة]
أما المؤمن الذي يموت عاصيًا لم يتب إلى الله ثم يدخل نار جهنم فإنه لا يخلد فيها كما أخبرنا النبي ﷺ ومن هؤلاء كما ذكرنا أصحابُ الكبائر: كمن مات على الكِبْر أو قاتلًا لنفس أو آكلًا للربا أو آكلًا لأموال الناس بالباطل أو مات ظالمًا للناس أو مات وقد وقع في شيء من الرياء أو كالنساء الكاسيات العاريات، فهؤلاء تحت المشيئة فإذا لم تدركهم رحمة الله وكُتِبَ عليهم العذابُ فإنهم لا يخلدون في نار جهنم.
ينقطع رجاء أهل النار عند ذبح الموت:
ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن. فإنه إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، -كما في الحديث عن النبي ﷺ : «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ،
стр. 983
فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». ثم قرأ رسول الله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم] (١)
المشرك والكافر لا تنفعه حسناته التي عملها في الدنيا يوم القيامة:
قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]. وجاء في صحيح الإمام مسلم، من حديث عائشة ﵂، أنَّها سألت النبي ﷺ عن رجل من قرابتها يُدعى عبد الله بن جُدْعَانَ، فأثنت عليه، وقالت ﵂: يا رسول الله، إنَّ عبدَ الله بن جُدْعَانَ كان يقري الضيف، ويطعم المسكين، ويفعل ويفعل، أينفعه ذلك عند الله؟! فقال النبي ﷺ : «لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؛ إِنَّهُ مَا قَالَ يَومًا قَطُّ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّيْنِ» (٢). هذا الرجل أدركه الإسلام فلم يسلم، وكان على خلال من الخير والفضل، فقد كان يطعم المسكين، ويذبح الذبائح للفقراء والمحتاجين، وكان يقري الضيف، ويطعم الطعام، وينصر المظلوم، ويؤدي الأمانة، ويصدق في الحديث، ويحسن الجوار، ويفعل ويفعل، لكنه لَمْ يكن مُصَدِّقًا بالبعث، ومَن لَمْ يُصَدِّق به كافرٌ، والكافر لا ينفعه أيُّ عمل من أعمال البرّ؛ لإحباطه بكفره (٣).
وفي مسند أبي يعلى أنَّها ﵂ أثنت عليه خيرًا، فقالت: كَانَ يَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ (٤)، وَيُكْرِمُ الْجَارَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَيُوفِي بِالذِّمَّةِ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَفُكُّ الْعَانِي، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُؤَدِّي الْأَمَانَةَ. فقال لها النبي ﷺ : «هَلْ قَالَ يَوْمًا وَاحِدًا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟» قالت: لا، وَمَا كَانَ يَدْرِي مَا جَهَنَّمُ! فقال ﷺ : «فَلَا إِذًا» (٥)
стр. 984
هذا الرجل مؤدٍّ لحقوق عظيمة، لكنه فرَّط في أعظمها، وترك أعظمها، وهو حق الله -جل وعلا-، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، فهذا الرجل عمل هذه الأعمال، وأدَّى هذه الصالحات، يريد الثناء والذكر، لا يرجو من الله ثوابًا، ولا يخاف من عقابه، فكان إخبار النبي ﷺ عن حاله أنَّها لا تنفعه عند الله -جل وعلا-.
ولما أسلم عدي بن حاتم ﵁، وهو ابن صاحب المفاخر، فأبوه حاتم الطائي الذي تضرب العرب به المثل في الجود والكرم. فوقف عديٌ ﵁ بين يدي النبي ﷺ ، يسأل عن عمل أبيه حاتم الطائي. فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فقال النبي ﷺ : «إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ» (١)؛ يعني: الذكر، أراد من كرمه وإحسانه إلى النَّاس الذكر والثناء والسُمعة؛ فأدركها في الدنيا، فأمَّا يوم القيامة فلا.
وأما ما ورد في شأن أبي طالب أنه يخفف عنه فهذا من خصائص النبي ﷺ كما تقدم في أحاديث الشفاعة.
حُفَّت النار بالشهوات:
إن طريق جهنم قد حُفَّ بالشهوات؛ ولذلك يقع كثيرٌ من الناس في حبائل الشيطان ويقع كثيرٌ من الناس في هذه الشهوات التي زُيِّنَتْ لهم. والواجب على المسلم أن يجاهد نفسه في هذه الدنيا. يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] هذه الدنيا هي التي فُتِنَ بها كثيرٌ من الناس، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
стр. 985
أهل النار كثير:
جاءت الأخبار أيضًا في السنة بأن أهل النار كثير وبأن الناجين قليل. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ]. وأخبر عن قلة أهل الإيمان فقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] فيجب على المسلم أن يخاف من النار، وأن يحرص أن يكون مع الثلة المؤمنة القليلة التي تلقى الله -جل وعلا- يوم القيامة، وهي في أمنٍ وأمان وفي رضا من الرحمن بالإيمان بالله والأعمال الصالحات.
النساء أكثر أهل النار:
ولتحذر النساءُ من عذاب الله -جل وعلا- فقد جاء في حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ» رواه مسلم (١).
وقال ﵊: «رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (٢). فالواجب على المرأة أن تتقي الله -جل وعلا- في دينها وفي إيمانها وفي إقبالها على ربها . وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، … »، الحديث (٣). وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» … الحديث. (٤) وفي المسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ يَوْمًا فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، … إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُنَّ
стр. 986
أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُنَّ» (١)، … الحديث. وانظر ما تقدم في مبحث أقل ساكني أهل الجنة النساء (٢)
كِبَرُ حَجم الكُفَّار في النار وغلظ أجسامهم:
وتأملوا أيضًا من مواقف جهنم العظيمة ما يقوله ﵊ مبيِّنًا عِظَمَ خَلْقِ أهل النار؛ فإن خلْقَ أحدهم يضخم حتى يزداد عذابُه وتزداد آلامُه، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
قال النبي ﵊: «ضِرْسُ الْكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» رواه مسلم (٣).
وقال ﷺ : «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكَافِرِ [فِي النَّارِ] مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ». متفق عليه (٤)
وتقدم حديث مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «أَتَدْرِي مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: «أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا تَدْرِي (إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا، يَجْرِي فِيهَا أَوْدِيَةُ الْقَيْحِ وَالدَّمِ)»، … إلخ (٥)
وفي سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الكَافِرِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا [بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ]، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ» (٦)
стр. 987
وفي مصنف ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «يَعْظُمُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَصِيرَ شِفَاهُهُمْ إِلَى صُدُورِهِمْ مَقْبُوحُونَ يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ» (١)
طعام وشراب أهل النار:
ولأهل النار طعام وشراب لكنه عذابٌ في عذاب.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ [الغاشية] والضريع: شوكٌ بأرض الحجاز يقال له: الشِّبْرِق (٢)، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ [الدخان].
وقد وَصَفَ اللهُ شجرة الزقوم في آية أخرى، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات]
وفي المسند والسنن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾، وقال ﷺ «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الْأَرْضِ، لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ، وَلَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ» (٣)
стр. 988
قال الحافظ زين الدين ابن رجب ﵀: وقد دل القرآن، على أنهم يأكلون منها، حتى تمتلئ منها بطونهم، فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم، وهو الماء الذي انتهى حره، ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم ﴿شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة] (١) ا. هـ (٢)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ [المزمل] أي: وطعاما يَغَصّ به آكله، فلا هو نازل عن حلقه، ولا هو خارج منه. (٣)
وقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة]
وهو ما يسيل من صديد أهل النار. قاله ابن عباس ﵁. وقال قتادة: هو شر الطعام وأخبثه وأبشعه ا. هـ (٤).
وقال كَعْبٌ الأحبار لعمر ﵁: وَاللَّهِ لَوْ دُلِّيَ مِنْ غِسْلِينَ دَلْوٌ وَاحِدٌ فِي مَطْلَعِ الشَّمْسِ، لَغَلَتْ مِنْهُ جَمَاجِمُ قَوْمٍ فِي مَغْرِبِهَا ا. هـ (٥).
стр. 989
شراب أهل النار:
وقد ذكر الله في كتابه من شراب أهل النار:
١ - الحميم كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد].
وهو الحار الذي قد انتهى حره يحرق ويقطع الأمعاء.
٢ - والماء كالمهل كما في قوله تعالى -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف].
والمهل: هو كلّ مائع قد أوقد عليه حتى بلغ غاية حره، أو لم يكن مائعا، فانماع بالوقود عليه، وبلغ أقصى الغاية في شدّة الحرّ. يشوي ذلك الماء الذي يغاثون به وجوههم (١). وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ قَطِرَانِ جَهَنَّمَ وَقَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ، لَأَحْرَقَتِ الْأَرْضَ وَمَنْ فِيهَا» (٢)
٣ - الغساق، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ [ص] وهو ما يسيل من صديد أهل النار. قاله قتادة والسدي وإبراهيم النخعي وغيرهم واختاره ابن جرير. (٣)
ورُوي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ بِهِ الدُّنْيَا، لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا» (٤)
ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ قَطِرَانٍ، وَهُوَ الَّذِي تُطْلَى بِهِ الْإِبِلُ، وَهُوَ أَلْصَقُ شَيْءٍ بِالنَّارِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: القَطران هُوَ: النُّحَاسُ الْمُذَابُ (١)، أَيْ: مِنْ نُحَاسٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ. (٢)
وفي صحيح مسلم عن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (٣)
وقال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ [الأعراف] المهاد: ما يقعد عليه ويضطجع كالفراش الذي يفرش والبساط الذي يبسط. والغواش: جمع غاشية، وهو ما غشاهم فغطاهم من فوقهم (٤).
في النار حيات وعقارب:
وفي المسند عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ أَعْنَاقِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُوكَفَةِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ، فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً» (٥)
وروى الطبري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «إِنَّ لِجَهَنَّمَ سَوَاحِلَ فِيهَا حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ (٦)» (٧)
стр. 992
وروى ابن أبي شيبة: عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] قَالَ: «زِيدُوا عَقَارِبَ أَدْنَاهَا [وفي رواية: أنيَابُهَا] كَالنَّخْلِ الطِّوَالِ» (١)
أعظم عذاب أهل النار:
قال الحافظ ابن رجب ﵀: أعظمُ عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن اللَّه ، وإبعادُهم عنه. وإعراضُه عنهم، وسخطُه عليهم، كما أنَّ رضوانَ اللَّه على أهلِ الجنةِ أفضلُ من كلِّ نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إيَّاهُ أعظمُ من جميع أنواع نعيم الجنةِ. قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين]. فدْكر اللَّهُ تعالى ثلاثةَ أنواعٍ من العذابِ: حجابُهم عنه، ثم صليهم الجحيمَ، ثم توبيخُهم بتكذيبِهِم به في الدنيا. ووصفَهُم بالرانِ على قلوبِهِم، وهو صدأُ الذنوب الذي سوَّد قلوبَهُم، فلم يصلْ إليها بعدَ ذلك في الدنيا شيءٌ من معرفةِ اللَّهِ ولا منْ إجلالِهِ ومهابتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ، فكما حجبتْ قلوبُهم في الدنيا عن اللَّهِ حجبوا في الآخرةِ عن رؤيتِهِ ا. هـ (٢)
طلب أهل النار الرجعة والتخفيف من العذاب:
ويشكو أهلُ النار إلى الله يوم القيامة وإلى خزنة جهنَّم حالَهم وما هم فيه، فهل يجابون إلى ذلك؟ كلَّا لا يُجَابُون، -نسألُ الله العفو والعافية-، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾
(١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾، فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾، [المؤمنون] فَلَا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهَا أَبَدًا. (١)
من أسباب النجاة من النار:
فهذا تطوافٌ في شيء مما ورد في جهنم يوم القيامة، فيجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء عن النبي ﷺ ، وكذلك ما جاء عن الله -جل وعلا- من أخبار تتعلق بنار جهنم.
وقد كَتَبَ العلماءُ في ذلك الكتبَ الكثيرةَ، ومن أشهرها:
كتابُ "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار"، للحافظ ابن رجب ﵀
وكذلك "صفة النار" لابن أبي الدنيا،
فيمكن للإنسان أن يراجع مثل هذه الكتب ليتذكر ويتفكر ويتأمل.
وإني لأوصي نفسي وإخواني بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله -جل وعلا-
وأن يجعل الإنسانُ نُصُبَ عينيه ما هو كائن يوم القيامة والمصيرُ الذي يساق إليه كلُّ إنسان.
قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى].
عليك أيها المؤمن بالأعمال الصالحة التي تكون لك وقايةً من عذاب الله -جل وعلا- كما قال النبي ﷺ في الصيام: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» (٢)
ويقول -جل وعلا-: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن]
فالخوفُ من الله والوَجَلُ من الله ورجاء ما عند الله أيضًا يكون وقايةً لك.
فلنسأل الله الجنة، ولنستعذ به من النار على الدوام.
стр. 998
وقد كان نبيُّنا ﵊ وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لا تمضي عليه صلاة إلا ويسأل اللهَ فيها الجنةَ ويستعيذ به من النار،
وكذلك يفعل في الصباح والمساء كما تقدم.
فنحن -والله- أحوجُ ما نكون إلى لزوم هذه الأدعية التي تجعلنا على صلة دائمة بالله سبحانه.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا سَأَلَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثًا، إِلَّا قَالَتِ الْجَنَّة: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَلَا اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ مُسْتَجِيرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، إِلَّا قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ» (١).
أي: لو سألت الله الجنة ثلاثًا كلَّ يوم وسألته أن يعيذك من النار ثلاثًا
فإن النار والجنة تدعوان لك،
فأمَّا الجنَّة فتقول: اللهم أَدْخِلْه الجنة، وأما النارُ فتقول: اللهم أَجِرْه مني.
وقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ في شأن الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فيجلسون مع المؤمنين ثم يلقون ربهم «فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ؛ قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَال: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» (٢).
فهذا حال المؤمنين في الدنيا، فهم قريبون من الله، وقريبون من الدار الآخرة، يتذكرونها، ويسألون الله الجنة، ويستعيذون به من النار،
وأخيرا:
стр. 999
أذكر نفسي وإخواني بالحذر من غضب الله وأمن عقابه،
ولا تقل: لا يُعذِّب اللهُ بالذنب الواحد،
فإنما خرج آدم ﵍ من الجنة بأكلة حين ذاق الشجرة،
وطُرِدَ إبليس من الجنة بسجدة أباها،
وقال ﷺ : «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (١)
نسأل الله أن يُوفِّقَنا وإيَّاكم لما يُحِبُّ ويرضى،
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار،
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار،
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار،
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ولمشايخنا ولمن له حقٌّ علينا
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات].