← Общие книги

Общие книги · id 1129

الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

علي بن عبد العزيز الشبل

Полный текст (66 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف إعداد د. علي بن عبد العزيز بن علي الشبل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما أما بعد: فإن الله تعبدنا بهذا الدين: الإسلام ولم يرض لنا عنه بديلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] بل لا يقبل - سبحانه - من الناس دينا يدينون به غيره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .

стр. 2

وهذا الإسلام دين وسط بين الأديان , والمسلمون حقا هم الوسط بين الأمم , وكذا أهل السنة والجماعة: أهل الاستقامة هم الوسط بين فرق الإسلام , قال سبحانه في آية البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] , فالأمة الوسط الذين هم على العدل والقسط وعلى منهاج الاستقامة والسنة. وفي هذا البحث أتحدث عن الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف , والذي اشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول. ففي المقدمة خطبة البحث , وخطته , وطرف من أهميته في تميِّز هذه الأمة وخصوصية دينها الإسلام بالعدل والوسطية من خلال منهاج السنة والاستقامة التي أبانها لها رسول الله ﷺ . وفي التمهيد تحديد لحقيقة مصطلحات البحث: ١- أولا في معنى الغلو وحقيقته , وما جاء من النصوص الشريفة في الوحيين تحذيرا منه. ٢ - ثانيا في معنى التطرف وحقيقته. ٣ - ثالثا في معنى الإرهاب وحقيقته , وتحديد مصطلح الإرهاب المعاصر. ٤ - رابعا في معنى العنف وأقسامه. ٥ - خامسا في العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما.

стр. 3

٦ - سادسا في الفرق بين الاستقامة والغلو والتطرف والإرهاب. ثم جاء الفصل الأول: في تاريخ التطرف والغلو الديني , واشتمل على: ١ - أولا: الغلو في قوم نوح ﵇ وآثاره. ٢ - ثانيا: الغلو والتطرف لدى اليونان وآثاره. ٣ - ثالثا: الغلو والتطرف لدى أهل الكتاب وآثاره. وذلك من خلال التطرف والغلو الديني المتعلق بالعقيدة والفكر والشريعة. ثم جاء الفصل الثاني: في نشأة التطرف والغلو في الدين عند المسلمين, تأثرا بمن قبلهم من الأمم والديانات , واشتمل على: ١- أولا: غلو الخوارج وأهم مظاهره , مع بيان أثر غلو الرافضة، وأثر اليهود فيه. ٢ - ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة. ٣ - ثالثا: تطرف المعتزلة وغلوهم , وآثاره. ثم جاء الفصل الثالث: في التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره. مشتملا على خمسة مباحث: ١- أولا: ما المراد بالأسماء والأحكام وأثرهما. ٢ - ثانيا: الفرق الغالية في هذا الباب وأقوالها. ٣ - ثالثا: مناقشة أقوال الغلاة. ٤ - رابعا: الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء.

стр. 4

٥ - خامسا: أثر الغلو في الأسماء والأحكام لدى الوعيدية. هذه مضمونات هذا البحث وفصوله ومباحثه , فإن وُفقت للصواب والعدل من القول , فهو من توفيق ربي وهدايته , وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان , وأعوذ بالله من ذلك وأستغفر ربي وأتوب إليه. والله المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجه , ومقربا للزلفى لديه , وهو - سبحانه - الموفق والهادي إلى سواء السبيل , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

الفصل الأول معنى الغلو وحقيقته وبيان بعض المصطلحات المرادفة معنى الغلو بالرجوع إلى المصادر والمعجمات اللغوية وظهر أن الغلو هو: مجاوزة الحد وتعديه. قال الجوهري في الصحاح: ((غلا في الأمر يغلو غلوا , أي جاوز فيه الحد)) . وقال الفيروزآبادري في القاموس: ((غلا غلاء فهو غالٍ وغَلِيّ ضد الرخص. . . وغلا في الأمر غلوا جاوز حدّه)) . ووافقه الزبيدي في تاج العروس. وقال ابن منظور في اللسان: ((. . . . أصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء. . . . . يقال: غاليت صداق المرأة أي أغليته. ومنه قول عمر ﵁: ((ألا لا تغالوا في صدقات النساء)) وفي رواية: ((لا تغالوا في صداق النساء)) . أي لا تبالغوا في كثرة الصداق. وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حدّه. قال: قال بعضهم: غلوت في الأمر غُلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه , ويُقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا. قال ذو الرمة: فما زال يغلو حبُّ ميَّةَ عندنا ... ويزداد حتى لم نجد ما نزيدها )) . وقال الفيومي في المصباح المنير:

стр. 6

((. . . . وغلا في الدين غُلوا من باب قعد وتصلب وتشدد حتى جاوز الحد وفي التنزيل: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١) وغالى في أمره مغالاة بالغ)) (٢) . وقال ابن فارس في المعجم: ((غلوى: الغين واللام المعتل أصل صحيح في الأمر يدل على ارتفاعٍ ومجاوزة قدرٍ, يُقال: غلا السعر يغلو غلا وذلك ارتفاعه , وغلا الرجل في الأمر غُلوا إذا جاوز حدّه)) اهـ. وكذا نحوه في المجمل (٣) . ومما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على " الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأصل الطبيعي أو الحد المعتاد ". ومنه قوله ﷺ في حديث أبي ذر: ((. . . . أي الرقاب أفضل قال: «أغلاها ثمنا وأنفعها عند أهلها» (٤) متفق عليه. وحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل» (٥) متفق عليه. فغلا الثمن: إذا ارتفع وزاد سعره. وغلت القدر: إذا زادت حرارتها وارتفعت. وغلا في مشيه: إذا أسرع وزاد فيه. وتغالى اللحم: ارتفع وذهب , ومنه قول لبيد بن أبي ربيعة:

стр. 7

فإذا تغالى لَحمُها وتحسَّرت ... وتقطَّعت بعد الكلال حِذافها وعليه فحقيقة الغلو: هو: الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب. قال تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] وقال سبحانه في آية المائدة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وقال سبحانه في آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان " وهو غلو في الغي " كما قال تعالى في آخر سورة طه لبني إسرائيل: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] , وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] , وقال عن الخاسر صاحب الجحيم ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٧ , ٣٨] الآية , وقال في آخر سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] .

стр. 8

ومما ورد في السنة أيضا: ما رواه أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن شبل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه , ولا تجفوا عنه , ولا تأكلوا به. . . .» (١) . وفي حديث ابن عباس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» , فلقطت له سبع حصيات هن حصى القذف ,فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا , ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» . رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم (٢) . فمما سبق يتبين أن الكتاب والسنة يخصصان عموم اللغة , وأن الغلو هو: ((الإفراط في مجاوزة المقدار المُعتبر شرعا في أمرٍ من أمور الدين)) .

стр. 9

معنى التَطّرف التطّرف هو تفعَّل - بتشديد العين - من طرف يطرف طَرَفا بالتحريك , وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما: إما الطرف الأدنى أو الأقصى (١) , ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء. . ومفهوم التطرف في العرف الدارج - في هذا الزمان -: الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص به دين أو جماعة أو حزب. ولهذا فالتطرف يُوصف به طوائف من اليهود ومن النصارى , فثمة أحزاب يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة. فقد وصفت بالتطرف الديني والحركي والسياسي. ووصف الغلو بالتطرف له وجهه المسوغ له بأخذ أحد الطرفين , كما قال الأول: لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ ولكن الوصف الشرعي للتشدد في الدين والغلو فيه يجب أن يكون مرجعه إلى الشرع نفسه لا اصطلاح الناس ومفاهيمهم وإطلاقاتهم , كما دل عليه حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الحج: «أمثال هؤلاء فارموا , وإياكم والغلو في الدين , فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه. (٢) .

стр. 10

معنى الإرهاب الإرهاب لغة: مصدر مأخوذ من رَهب كعلم يرهب رهبا ورهبابا وأرهابا بالفتح والكسر , وهو الإخافة والتخويف (١) . ويدور معنى الإرهاب شرعا على شدة الخوف والتخويف الواقع على الفرد أو على الجماعة وهو في حقيقته وحكمه نوعان:

стр. 11

(١) إرهاب مشروع بصريح القرآن في آية الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦٠-٦١] . فإن إخافة العدو الكافر المعاند لدعوة الله بالجهاد في سبيل الله وإرجافه بالعدة والقوة من مقاصد الجهاد الإسلامي , ليكف شره , وينتهي عن ظلمه , ولعله أن يهتدي إلى دين الله . وهذا الحكم خاص بالمحاربين من الكفار أو البغاة. (٢) إرهاب غير مشروع , بل هو محرم وممنوع: في تخويف الآمنين وإدخال الرعب والفزع عليهم , سواء كانوا مسلمين أو مستأمنين أو معاهدين أهل ذمة أو غيرهم. فهو على المسلمين حرابة وعلى غيرهم ظلم! وهو في الجميع إفساد في الأرض جاء النهي عنه صريحا في القرآن والسنة وفي إجماع العلماء.

стр. 12

فمناط ذلك على الظلم , حيث تخويف الآمن وإرهابه ظلم واعتداء , وهو محرم بإجماع الملل والشرائع السماوية. فقد روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: قال الله : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» . وفي صريح القرآن قوله تعالى من سورة يونس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] وقوله في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . هذا فضلا عما ورد من أدلة شريفة في وجوب الوفاء بالعهد وإيفاء الوعد , وتحريم قتل النفس بغير حق, وتحريم قتل المرأة والوليد والراهب والشيخ الكبير من الكفار.

стр. 13

تحديد مصطلح الإرهاب المعاصر وقد صدر في تحديده بيان عن مجمع الفقه الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته السادسة عشرة , المنعقدة في شوال من عام ١٤٢٣هـ بمكة المكرمة , حيث حدَّدوا الإرهاب بتحديد سبقوا به جهات عالمية عديدة غالطت في معناه ودلالاته , وجاء في بيانهم أن: ((الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان في دينه , ودمه , وعقله , وماله , وعرضه , ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق , وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق , وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي , ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس , أو ترويعهم بإيذائهم , أو تعريض حياتهم , أو حريتهم , أو أمنهم, أو أقوالهم للخطر , ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد مرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة , أو تعريض أحد الموارد الوطنية , أو الطبيعية للخطر. فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله - سبحانه تعالى - المسلمين عنها قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] (١) .

стр. 14

والإرهاب في المصطلح العربي المعاصر: لا يفرق بين المحقق والمبطل - فمقاومة المحتل والرد عليه تسمى إرهابا عندهم والاستسلام له يسمى سلاما وتعاونا. بل ولو طال بهم زمان لسموا كل مسلم إرهابيا.

стр. 15

معنى العنف بالرجوع إلى المعجمات اللغوية في مادة العنف وجد أنها مثلثة العين: بالرفع والفتح والكسر وهو ضد الرفق. وهو الشديد في القول والفعل. وحقيقة العنف: أنه الشدة في قول أو رأي أو فعل أو حال! وهو ما يُولد ما يسمى بالعنف العقدي , والعنف العلمي والعنف الفكري في الرأي والفهم والتصور؟! إذا العنف نتيجة للغلو والتطرف. . ومما جاء في ذم العنف والشدة قوله ﷺ : «ليس الشديد بالسرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب» .

стр. 16

العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما الغلو - في الحقيقة - أعلى مراتب الإفراط في الجملة. فالغلو في الكفن مثلا هو المغالاة في ثمنه والإفراط فيه. والغلو أخصّ من التطرف؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحدِّ , والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا , أو بعبارة أخرى: سلبا أو إيجابا , زيادة أو نقصا , سواء كان غلوا أم لا , إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر , وهو الغلو في قول القائل: لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ فالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة والنقص , في حال النقص يسمى غلوا إذا بالغ في النقص , فيقال: غلا في النقص , كما في قول اليهود جفاء في حق المسيح ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. وكذلك في الزيادة إذا بالغ فيها كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلوا. والتطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر , فيشمل الغلو , لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة , ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف. أو بمعنى آخر: كل غلو فهو تطرف, وليس كل تطرفٍ غلوا. الفرق بين الاستقامة و (الغلو والتطرف والإرهاب) :

стр. 17

في الواقع لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو؛ فقد كان الصحابة ﵃ أشدَّ الناس تمسكا واقتضاء لنصوص الشريعة , ومع هذا لم يحصل منهم غلو أو تشديد , خلا في قضايا عينية في حياة النبي ﷺ أرشد ﵊ أصحابه إليها (١) وعلَّمهم وبيّن لهم طريق العبادة المعتدل , فانتهوا. وسببه هو موافقة هذا الاستمساك منهم ﵃ لعلم صحيح, وفهم سليم , وهمة حريصة على العلم والبصيرة , فنجوا من الغلو فضلا عن الاستمرار فيه , لكن لما بعد الناس عن زمان الأفاضل , وصار الدين غريبا , وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام , صار المتمسك بسنة المصطفى ﷺ العاضُّ عليها بنواجذه منبوذا مُستهزءا به في تلك المجتمعات , وأطلقوا عليه عبارات النبز كالمتزمتين والغالين والمتطرفين والأصوليين والإرهابيين. . . . ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام عن أعداء الإسلام!

стр. 18

والواقع أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة , وفهمها فهما صحيحا يعد عند هؤلاء المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها , غلوا وتطرفا , وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر , وقصور في إظهار منهج الإسلام. ولنأخذ مثالا يوضح ما سبق: فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية اتهمت من كثير من الناس - بتكفير الناس - الذي هو مظهر من مظاهر الغلو البارزة - أو أنهم خوارج. . . . . . ونحوها من ألقاب تفيد مجاوزة اعتدال الإسلام وسماحته , وينبزونهم بألفاظ هي في الشريعة وصف لأقوام متشددين لا فقه لهم ولا نظر (١) وهي من ذلك براء براءة الذئب من دم يوسف ﵇ , لكن ما حيلة من شرق بها إلا ذلك. والملحوظ أن المتمسكين بمدلولات النصوص الشرعية يكونون غلاة متشددين بنسبتهم إلى المفرطين الذين يحملون الإسلام وصفا , وعند نسبتهم إلى ميزان الشريعة لا نجد عندهم معنى التمسك المطلوب , وهو الاستقامة على أحكام الكتاب والسنة.

стр. 19

فالمقصرون يلمزون المتمسكين بالغلو والتطرف والإرهاب أو التشدد , على أن ما هم عليه هو اعتدال الإسلام وتوسطه , وما أظهروه هو الاعتدال , وهو في الحقيقة ليس كذلك؛ إذ هو التقصير والتفريط في بعض شعائر الإسلام وأحكامه. أما الاعتدال والتوسط فهو في دين الله ومنهاج دينه , ولا يخفى أن من يتهم أحدا بالتطرف أو الغلو ونحوهما , غايته التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام , كما هو الحال فيمن اتهم دعوة الشيخ السلفية الإصلاحية بذلك؟! أعني أن هذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام , أو لتبين معاني شرعية بقدر ما هي لأغراض وأهواء ذاتية أو محدودة. فتكون بذلك من تحميل مصطلحات الشارع ما لا تحتمل , ومن استعمال المعاني الشرعية في الأغراض الشخصية الضيقة والغايات السياسية المحدودة!

стр. 20

أولا - الغلو في الصالحين من قوم نوح ﵇ وذلك أن سبب بعثة نوح ﵇ إلى قومه وجود الغلو فيهم بالصالحين , حيث كان الغلو سببا في كفرهم وشركهم مع الله في عبادته غيره , فلقد غلا قوم نوح قبل مجيئه إليهم في رجال كانوا صالحين فغلوا في محبتهم حتى عبدوهم من دون الله , ثم إنهم صوَّروا لهم أصناما تكون رمزا لعبادتهم حتى ظهرت بدعتهم إلى جاهلية العرب قبل مجيء الرسول ﷺ . كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]

стр. 21

حيث أخرج البخاري بسنده إلى ابن عباس ﵄ , قال في هذه الآية: ((صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ , أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل , وأما سواع فكانت لهذيل , وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطفان. . . , وأما يعوق فكانت لهمذان , وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم , ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلمُ عُبدت)) اهـ (١) والأنصاب جمع نصب وهو الصنم يُنصب للميت لتخليد ذكراه. هذه في الحقيقة تمثل مظهرا جليا من الغلو , في باب الغلو في الأشخاص.

стр. 22

ثانيا - الغلو والتطرف لدى اليونان لماذا الوثنية اليونانية بالذات لتاريخ التطرف والغلو بها قديما؟ إن إيراد هذا السؤال مهم , فلماذا العناية ببيان وثنية هؤلاء القوم؟ إنه انقداحُ ذهن وتلمسٌ من قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] . فذكر سبحانه في هذه الآية مشابهة قول اليهود والنصارى في دعواهم البنوة لله مَن قبلهم مِن الكافرين الذين قالوا مقالات هي أصل لهذه المضاهاة. قال ابن كثير ﵀ على قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يشابهون من قبلهم من الأمم , ضلوا كما ضل هؤلاء. (١) . ونقل ابن الجوزي في تفسيره "زاد المسير" (٢) .

стр. 23

وفي قوله تعالى: (يُضاهِئُونَ) قراءتان: بالهمزة وهي لعاصم وحده , وبقية السبعة ((يضاهون)) بلا همز: وانظر: " السبعة " لابن مجاهد ٣١٤ , و" القراءات العشر المتواترات " ١٩٢ , " النشر " ١ / ٤٠٦ , و" التيسير " ١١٨ عن الزجاج قوله: (يُضَاهِئُونَ) يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم , فإنما قالوه اتباعا لمتقدميهم. ثم قال ابن الجوزي: وفي قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم عبدة الأوثان , والمعنى أن أولئك قالوا: الملائكة بنات الله , قاله ابن عباس. الثاني: أنهم اليهود , فالمعنى أن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله , شابهوا اليهود في قولهم: عزير ابن الله. قاله قتادة والسدي. والثالث: أنهم أسلافهم ,تابعوهم في أقوالهم تقليدا ,قاله الزجاج وابن قتيبة. ا. هـ. ونحوه ما حكاه القرطبي والشوكاني في تفسيرهما عند هذه الآية (١) وقبلهما الحافظ ابن جرير الطبري على آية براءة. وعلى كلٍ فالأقوال الثلاثة ليست متعارضة , وليس الخلاف بينها اختلاف تضاد , بل هو من قبيل اختلاف التنوع , إذ المعنى يحتمل أحد الأقوال كما يحتملها جميعا.

стр. 24

ومما يدخل في معنى الذين كفروا من قبل اليهود والنصارى: مَن سبقهم من الأمم , التي شابهت مقالة اليهود والنصارى في دعوى البنوة لله مقالتهم. وهذه المقالة - بتولّد الآلهة وكون لها أبناء - عقيدة وثنية صريحة واضحة عند الأمة اليونانية القديمة! فلذا دخل اليونانيون الوثنيون في مفهوم الآية ومنطوقها من هذا الاعتبار فهم ممن كفر قبلُ. وهو أيضا مظهر جلي للغلو والتطرف الديني الذي أورث العنف والتكفير والإرهاب لمن لم يوافقهم في العقيدة الوثنية. هذا فضلا عن تأثير الوثنية اليونانية على من بعدها من الأمم حيث ظهر تأثيرهم الوثني على اليهود والنصارى وفرق وعلى بعض الفرق الضالة من الجهمية والمعتزلة والمتكلمين وقبلهم الفلاسفة. . . , فضلا عن تأثيرهم في غيرهم من الأمم الوثنية المشركة من المجوس والهندوس والرومان. . . . إلخ. فإذن في تجلية الغلو والتطرف والانحراف الوثني في العقيدة اليونانية بيان للذين كفروا من قبل ومبلغ معرفتهم بربهم , المتمثل في أدنى دركات الجهل , والعمى عن رب العالمين ,وإن بلغوا مبلغا متقدما في العمران المادي للدنيا بما خلفوه من تراث مادي بارز.

стр. 25

والموضوع أيضا من دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ , وقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ , وقوله ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ , وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ .

стр. 26

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ . وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ . وقوله تعالى في آخر السورة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ولا شك أن اليونانيين وغيرهم من متقدمي الغلاة والمتطرفين في دينهم داخلون في مطلوب التفكر والاعتبار والاتعاظ ومحاذرة طريقهم ومناهجهم في الآيات. (١) .

стр. 27

ثالثا - التطرف والغلو لدى أهل الكتاب

стр. 28

ثم وجد بعد ذلك نوع من الغلو عند بني إسرائيل من يهود ونصارى كما سبق في قوله تعالى في سورتي النساء والمائدة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ . . . . . . . . . [النساء: ١٧١ , المائدة: ٧٧] , كما وجد الغلو في التكفير عند كل من اليهود للنصارى والعكس قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ , حتى أدى بهم الأمر إلى استباحة دماء وأعراض كل منهما الآخر (١) فاليهود تُقرُّ مبدأ القتال لأنه مرتبط بوجودهم وبقائهم وأنهم أبناء الله وأحباؤه وما سواهم أميون يجوز أن يفعلوا بهم ما شاؤوا على مبدئهم الخبيث أنهم شعب الله المختار وكما قصَّ الله عنهم في قولهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وخدم لهم مسخرون لأجلهم

стр. 29

والنصارى تقرر أنها وارثة اليهودية بشريعة عيسى ﷺ , كما ونقموا على اليهود لأنهم صلبوا عيسى ﷺ كما يظنون. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ . . . . . . . . الآية [المائدة: ١٨] فأهل الكتاب - ولا سيما اليهود - عندهم مظاهر الغلو والتطرف واضحة جلية في مناحٍ شتى في التغالي والكبر والعجب والتيه على الناس جميعا مسلمين ونصارى وغيرهم. وأيضا في عقيدتهم وتميزهم عن الناس بالدعاوى الباطلة من كونهم أبناء الله وأحباءه, وزعمهم أنهم شعب الله المختار , وأنه ليس عليهم فيما يفعلون في غيرهم من الظلم والبغي والاعتداء حرج وسبيل. وأعظم مظاهر تطرفهم وغلوهم ما كان في جناب الله من وصفه بالنقائص , وإضافة العيوب إليه , ومما فضحهم الله به في القرآن:

стр. 30

١ - قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء , كما في آخر سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨١-١٨٣] .

стр. 31

٢ - ووصفهم الله بالبخل والطمع , كما في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] . ٣ - وعيبهم الله بالتعب والإعياء في خلق السماوات والأرض في ستة أيام , مما أكذبهم الله بقوله في سورة ق ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .

стр. 32

٤ - ومن إرهابهم: قتلهم أنبياء الله ورسله إليهم وفسادهم وإفسادهم في الأرض وفي حكم الله , مما تواردت عليه آيات كثيرة في القرآن من أولها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] .

стр. 33

أولا - غلو الخوارج وذلك أنهم سعو بالفتنة والخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ , بدء بخروج قوليٍّ عليه بالسعاية الفتنة والبغي عليه , ثم خرجوا عليه بالفعل بحصاره وشتمه وذمه ثم بقتله ﵁ , ولمَّا قتل عثمان ﵁ ظلما وعدوانا وغدرا ظهرت الفتن , وثارت أعاصير الشبهات , وأقبلت الفتن مهرولة يحمل رايتها الغلو والتطرف والإرهاب الممنوع للآمنين المطمئنين من المسلمين خصوصا , فكان غلو الخوارج وتشددهم وخاصة في التكفير وموقفهم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ , فكانت مظاهر تطرف الخوارج وإرهابهم يتمثل في غلوهم في دينهم من خلال أصولهم العقدية التي اشتهرت عنهم بعد هذه المرحلة التأريخية , حيث تأصلت أصولهم , وظهرت قواعدهم في عقيدتهم وفي تعاملهم مع المسلمين من خلال:

стр. 34

التكفير للمسلمين: ولاة وعلماء وعامة بمجرد حصول الذنب من أيٍ منهم , ومنه حكموا على علي بن أبي طالب وقبله عثمان بن عفان وعلى معاوية ومن معهم ﵃ بالكفر في أعيانهم , ثم أفرد هذا عندهم إلى كل صاحب ذنب من المسلمين. فإنه بمجرد حصول الذنب منه يكفر عينا ويخرج من الملة إلا أن يتوب فعليه الدخول في الدين مجددا. ترتب على التكفير الخروج على المُكفرين بالسيف , وبالقتال , وهو استحلال دماء المُكفرين وأعراضهم وأموالهم. (وسيأتي لهذين الأصلين مزيد بيان ومناقشة في الفصل الثالث: الغلو التطرف في باب الأسماء والأحكام) . هذا وزادوا في أواخر المائة الأولى وأوائل الثانية بإنكار السنة والتعويل على القرآن فقط بزعمهم , فأنكروا حدَّ الرجم لعدم وروده في القرآن , وإلزام المرأة الحائض بقضاء الصلاة أثناء عذرها بالحيض أو النفاس كما تقضي الصوم! تنبيه: حصل تلاقح عقدي بين المعتزلة والخوارج في مسائل الحكم على الناس بالإيمان والكفر , كما حصل تلاقح عقدي بينهما في باب أسماء الله وصفاته , حيث فشى بين طوائف الخوارج ولا سيما الإباضية القول بخلق القرآن , وإنكار رؤية الله في الدار الآخرة , وفي الجنة.

стр. 35

حصل هذا بتتبع كتب القوم , واستقراء مصادر العقيدة مما يضيق المقام عن تعدادها ولشيخ الإسلام ابن تيمية قصب التميز والتنويه عن هذا. ثم ظهرت غالية السبائية - نسبة إلى عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ابن السوداء أول من أوقد الزندقة في الإسلام - في ذات علي ﵁ , فقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مختصر سيرة الرسول ﷺ (١) . ((وفي أيامه - يعني عليا - خرجت المغالية وادعوا أن في علي الإلهية , قال الحافظ ابن حجر: ورد من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل علي: إنَّ هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنَّك ربهم , فدعاهم عليّ وقال لهم: ويلكم إنما أنا مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون , إن أطعت الله أثابني وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا! فأبوا! فلما كان الغد غَدَوا عليه , فجاءه قُنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام. فسأل فأدخلهم. فقالوا كذلك , فلما كان اليوم الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة. فأبوا إلا ذلك.

стр. 36

فقال: يا قنبر ائتني بفَعَلة معهم مرورهم - عمالا معهم أدوات حفرهم - فخدَّ لهم أخدودا بين المسجد والقصر وقال لهم: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه في النار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا. فقذف بهم حتى احترقوا وقال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قُنبرا وإسناده حسن. وفي الصحيح أن ابن عباس لما بلغه تحريقهم قال: لو كنت أنا لم أحرقهم لقول النبي ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) . فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس)) . اهـ. وهذه المحاولة مشهورة في التاريخ ذكرها جمع من أهل المقالات، ولولا الإطالة لأحلت إلى كتبهم، وقد وقفت على قول لبعض المعاصرين (٢) وهذا القول ظهر أخيرا من أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم , ولا يبعد أن يكون النفي له أصل متقدم معتمد على نفي الرافضة له , مع أن النوبختي مؤرخ الرافضة وسارد فرقهم قد ذكر ابن سبأ , وذكر فرقته السبئية في كتابه: فرق الشيعة، ص ٢٢, ٢٣. ينكر فيه هذه القصة ويدَّعي أنها:

стр. 37

((خبر مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقة , في كتاب معتبر من كتب التاريخ. . . . وينتهي بنا المطاف إلى فائدة عظيمة هي أن السبئية ركام من التهم أُلقيت على جماعة. . . . . إن عن قصد أو عن غير قصد)) (١) . والجواب عليه: من فمك أدينك؛ فهذه القصة ليست مختلقة بل توارد عليها جمع من المؤرخين وكُتَّاب المقالات - كما ذكرت بعضا منهم في كتابك. والأعجب من هذا أن رويت بإسناد حسن كما قاله الحافظ ابن حجر. بل حديث ابن عباس في البخاري قرينة واضحة على وقوع تلك الحادثة. وعليه فلا مدخل من هنا على تكذيب هذه الحادثة لمن نظر وتعقل. وبعد هذا ندرك كيف كانت هذه الطغمة الفاسدة - من الخوارج والسبئية - أول مظاهر الغلو والتطرف الحقيقي وأكثرها رواجا على غلاة الرافضة خاصة , وباقي الفرق الإسلامية عامة. وحسبك أن تنظر إلى كتاب واحد من كتب الملل والمقالات لترى أثر ذلك! ولم نعتد بغلو الخوارج وحده فقط على أنه أول مظاهر التطرف والغلو الديني للآتي: ١- أن غلوهم أخف بكثير من غلو هؤلاء السبئية بعلي ﵁ ديانة وعقيدة وأثرا؟!

стр. 38

٢- الخوارج وقعوا فيما وقعوا فيه عن سفه ونقص في عقولهم وبصيرتهم وعلومهم (١) . فلم يكن قصدهم إفساد الدين والمسلمين - قطعا - كما هو الحال عند غلاة الرافضة. فعليه فأجلى مظاهر الغلو والتطرف , ومنشؤه عند المسلمين هو غلو السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ الهمذاني اليهودي الصنعاني المكنى بابن السوداء - الذي أسلم في عهد عثمان وقاد الفتنة بين الصحابة وبين علي ومن معه , وكان ناشر مقولة الغلاة في تأليه عليّ - وقد نفاه عليّ إلى ساباط المدائن حيث لم يصرح أمامه بقوله بإلهيته. إذن يمكن القول بأن أول نشأة الغلو والإرهاب الممنوع والتطرف في الإسلام بهذا الفكر , وتلك العقائد؛ إنما كان بسبب عبد الله بن سبأ اليهودي أبعده الله. كأثر بولس اليهودي في إفساد ملة النصارى؟!

стр. 39

ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة إذا تقرر أن أول غلو نشأ عند المسلمين , وأثر في القرون اللاحقة هو غلو عبد الله بن سبأ في ذات علي ﷺ , وأن ابن سبأ شخصية حقيقية تكاد مصادر العقائد تجمع على أنه أول من دعا إلى فكرة تقديس علي ثم آل بيته (١) ؛ وإنه يهودي أصلا - وكانت بعض العقائد القديمة موجودة عند فرق الإسلام والغلاة , خاصة الرافضة - لما كان هذا موجودا جعل بعض المعاصرين يبحث في نظريات الغلو والتطرف الديني عند المسلمين من أين جاءت؟ فمن قائل: إنها من أصل هندي أو مجوسي أو يهودي أو نصراني أو من أصل عربي (٢) . والواقع أن ما عند الغلاة هو حصيلة أغلب تلك العقائد - مع التأثر الملحوظ باليهود - خاصة أنه دين أول فرقة غالية في الإسلام (٣) .

стр. 40

وإليك قول أعرف الناس بالرافضة وهو الإمام الشعبي التابعي الجليل (١٠٤هـ) . فقد روى أبو القاسم اللالكائي الطبري بسنده إلى عبد الرحمن بن مالك بن مِغول عن أبيه قال: ((قال الشعبي: يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي ذهبا - يعني الرافضة - على أن أكذب لهم على عليّ لفعلوا , ولكن والله لا أكذب عليه أبدا. يا مالك: إنني قد درست هذه الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية - من فرق الرافضة - لو كانوا من الدواب لكانوا حُمرا , ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. وقال: أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة؛ وبذلك أن من يهود من يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم , كما غمص بولس بن شاؤول ملك اليهود دين النصرانية , لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله , ولكن مقتا لأهل الإسلام , وطعانا عليهم , فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار , ونفاهم من البلدان: منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط , وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وأبو الكَروَّس وابنه إلى الجابية. وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود , قالت اليهود: لا يصلح الملك إلاَّ في آل داود , وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في آل علي.
следующие страницы →